رواية انذار بالعشق الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم مريم غريب
رواية انذار بالعشق الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم مريم غريب
( 32 )
_ صاعقة ! _
لم يتردد “عمر” لحظة واحدة عندما قاد سيارته متجها إلي ذلك المنزل ، لم تؤثر عليه مشاعره المشحونة كما كان يحدث بالسابق .. جل ما شغل تفكيره في هذه الآونة هي
هي وحدها ، إن كانت تقول الصدق ، إن كان شكها بمحله فهذا يعني أنه أصبح مسؤولا عن الأمر ، بطريقة أو بأخري طالما إختارت أن تبوح له بسرها ، هو دون غيره …
إجتاز “عمر” بوابة ڤيلا اللواء “منصور الكيلاني” .. والد “آصال” ، لقد مضت فترة طويلة جدا علي أخر زيارة قام بها لهذا البيت
كانت المرة الأخيرة عندما طلبه السيد “منصور” للحضور لبحث أمر طارئ ، ليأتي إليه و يكتشف أنه لم يريده ألا لفسخ خطبته علي إبنته الوحيدة ، هكذا بمنتهي البساطة إعتذر منه و أعاد إليه خاتمه ذي الحجر الماسي الثمين الذي إبتاعه لها من أفخم مخازن المجوهرات
و لم يكفيه هذا لينهال عليه بمفاجآت أخري ، كان من ضمنها الإفصاح عن هوية الخطيب الجديد .. و الذي لم يكن سوي أخيه ، من بين جميع الرجال ، إختارت حبيبته الإرتباط بـ”آسر الراوي” .. أخيه و عدوه اللدود
لم يشعر “منصور” بتأنيب الضمير حينها ، كما لم يخالج “عمر” أي شعور بالضغينة أو الحقد الآن و هو يترجل من سيارته متوجها نحو باب منزله …
دق جرس الباب ، فتحت الخادمة بعد لحظات .. عرفته فورا ، ليري الدهشة تكسو ملامحها و هي تقول مرحبة به :
-عمر بيه ! أهلا و سهلا بحضرتك !!
عمر بلهجة فاترة :
-منصور باشا موجود ؟!
الخادمة بإرتياب :
-موجود أيوه . مع آسر بيه في أوضة المكتب . هو لسا جاي من شوية و الباشا قال محدش يقاطعهم لحد ما يخلصوا !
عمر و هو يلوي فمه بإبتسامة تهكمية :
-قصدك أمشي يعني ؟
الخادمة بإسراع :
-لأ طبعا يا بيه أنا ماقولتش كده . مقدرش أتكلم أنا مين أصلا آآ …
-خلاص ! .. قاطعها “عمر” بإقتضاب ، و تابع :
-أنا هدخل أستناه لما يخلص . و لا ماعندكوش أماكن فاضية كمان !
الخادمة و هي تفسح له علي الفور :
-لأ طبعا إتفضل . إتفضل يا عمر بيه . أهلا و سهلا
ولج “عمر” رافعا رأسه النبيل بخيلاء ، إلتفت فجأة لها ، ليجدها تشمله بنظرات الإعجاب المعتادة .. إبتسم بغرور قائلا :
-أتفضل فين يا نسمة ؟ مش إسمك نسمة بردو ؟!
توردت الفتاة خجلا للمداعبة الواضحة بنبرة صوته و قالت بإستحياء :
-أيوه يا عمر بيه . أنا نسمة .. ثم أشارت له بيدها نحو البهو المقابل مكملة :
-إتفضل حضرتك هنا . لحد ما أطلع أدي خبر لآصال هانم بوصولك
عمر واجما :
-ماتديهاش خبر . أنا مش جاي ليها هي . أنا جاي لمنصور بيه
أومأت قائلة برقة :
-حاضر تحت أمرك . تحب تشرب إيه طيب ؟
-لو عندكوا قهوة مظبوطة يبقي زي الفل .. قالها “عمر” و أشرق وجهه فجأة بالإبتسام
لترد له الإبتسامة و توصله لمكان جلوسه ثم تذهب لإحضار القهوة له …
كان جالسا في هدوء تام ، مطرقا برأسه ، ينقر علي ركبته بأصابعه بتناغم مستمر .. لم ينتبه إلي أن أحدهم يقف إلي جوار مقعده تماما إلا عندما رفع وجهه عفويا لينظر حوله …
-آصال ! .. تمتم “عمر” رافعا أحد حاجبيه ، و كأن رؤيتها أدهشته
نظرت له الأخيرة بإستفهام و بعينيها لمع بريق غاضب …
-إنت إيه إللي جابك هنا يا عمر ؟ .. سألته “آصال” بنبرة حادة
قام “عمر” واقفا و هو يقول متظاهرا بالإسترخاء :
-إيه المقابلة دي صولا . ده بدل ما تقوليلي خطوة عزيزة يا عمر ؟ ليك وحشة يا عمر ؟ إنتي من إمتي بقيتي ناشفة كده !
آصال بغضب :
-إنت مابقاش ليك شغل هنا أصلا . و ماينفعش تيجي منك لنفسك و منغير أسباب مش هيكون مرحب بيك أبدا زي زمان و أعتقد إنك فاهمني
نظر لها مليا ، لأول مرة لا يشعر بإنجذاب نحوها .. عيناها الخضرواين ، و دقة خطوط وجهها ، شعرها البني المتموج و حاجبيها المرسومين بدقة …
لأول مرة لم تغريه ، و لم تساهم أيضا طلتها المبهرة في إغوائه كما إعتادت أن تفعل بالأيام الخوالي .. فستانها الأحمر القصير ، أظهر ساقيها الجميلتان ، و زينة وجهها المفرطة دون تشويه لجمالها الأصلي ، و بطنها التي أصبحت بارزة بوضوح شديد الآن
كانت تمثل هيئة إمرأة متزوجة فعلا و قد زاد وزنها بشكل ملفت قليلا كما يحدث عادة لمعظم النساء بعد الزواج
و كأن كل الظروف تجتمع صارخة بأنها أضحت ملكا لأخر … و لكن ما هذه الحقيبة الكبيرة التي وضعتها تحت قدمها ؟
-و إنتي تعرفي منين إني جاي منغير سبب ! .. قالها “عمر” بجفاف رامقا إياها من علو
إستشاطت “آصال” حنقا و نطقت من بين أسنانها :
-أيا كانت أسبابك أحسنلك تاخد بعضك و تمشي فورا . آسر هنا .. قاعد جوا مع بابي و ممكن يخرجوا في أي وقت . مش هتبقي حاجة لطيفة لو خرج و شافك معايا
ألقي “عمر” نظرة علي غرفة المكتب المغلقة ، ثم نظر إلي حقيبة الملابس الكبيرة قائلا بسخرية :
-كده فهمت .. آسر جه يصالحك و يرجعك البيت مش كده ؟ عموما أنا مش شايف مشكلة في وجودي معاكي . إحنا مابنعملش حاجة غلط لا سمح الله . و بالعكس أنا دلوقتي أحافظ عليكي أكتر يا آصال .. أومال . مش بقيتي مرات أخويا !
همت بالرد عليه … لينفتح الباب المغلق في هذه اللحظة ، فيندفع الدم بقوة إلي وجهها من شدة التوتر و هي تنظر من فوق كتفه للشخص المتوقع ، بينما إبتسم عندما شاهد بعين الخيال تعابير وجه أخيه التي أرعبتها إلي ذلك الحد …
-إيه ده . الباشا ده هنا بيعمل إيـه ؟!!! .. قالها “آسر” صائحا و هو يغذ الخطي نحو “عمر” الذي إلتفت ليواجهه تماما الآن
إتسعت إبتسامته أكثر و هو يقول مرحبا :
-أهلا أهلا . أزيك يا آسر . وحشني يا راجل و الله !
تجاهله “آسر” كليا و توجه إلي زوجته مشيرا بإصبعه بإتهام :
-إنتي واقفة معاه ليه ؟ ليكي كلام معاه أصلا ؟ إنتي إللي جبتيه هنا ؟؟؟
هزت “آصال” رأسها بإضطراب شديد و حاولت الإجابة ، لكنها لم تستطع قول شئ واضح .. فتدخل السيد “منصور” متقدما بضع خطوات ليقف بينهم جميعا :
-من فضلكوا هدوء . و إنت يا آسر يا ريت صوتك مايعلاش في بيتي ! .. كان صوته صارم برغم هدوئه
بينما إشتط “آسر” غضبا و هو يهتف غير مسيطرا علي أعصابه :
-يعني إيه صوتي مايعلاش يا منصور بيه ؟ إنتوا جايبني تستهزأوا بيا ؟ يعني إيه أجي عشان أصالح بنتك إللي غلطت فيا أصلا و سابت بيتي منغير أذني . و ألاقي حبيب القلب الأولاني جاي هو كمان ؟ هنقسمها بينا و لا إيه يا باشا ؟!
منصور بحدة :
-إحترم نفسك و راقب كلامك . أنا مش هسمح بأي غلط تاني من طرف أي حد . و مافيش حاجة ممكن تمنعني إني أطردكوا إنتوا الأتنين برا . إنت و أخوك دلوقتي حالا إلا ذوقي بس و إنكوا في بيتي . بس لو سمعت كلمة تانية ماعجبتنيش …
-ماتقلقش يا منصور باشا ! .. قالها “عمر” مقاطعا بدماثة ، و أكمل بجدية :
-أنا مش جاي أعمل مشاكل . و عشان يكون واضح لأخويا بس . آصال كانت خطيبتي فعلا . بس دلوقتي هي مراته .. يعني بقت محرمة عليا و لا يمكن أفكر فيها . يعني أي ظنون في دماغه من ناحيتي هو مسؤول عنها و دي مشاكله مع نفسه . آصال أبعد ما تكون عن تفكيري و مابقتش تلزمني أصلا حتي لو كانت متجوزة واحد غيره .. ده غير إني مش جاي عشانها إنهاردة
منصور بهدوء :
-أومال إنت جاي ليه يا عمر ؟
عمر مبتسما بخفة :
-جاي لحضرتك . في موضوع ضروري عايز أتكلم معاك فيه .. إذا وقتك يسمح يعني !
أومأ “منصور” قائلا :
-من يوم ما عديت سن التقاعد و أنا وقتي بقي بيسمح بأي حاجة . إتفضل معايا علي مكتبي .. و أشار له ليتقدمه نحو غرفة المكتب
إستبقه “عمر” دون أن يعير أخيه و زوجته أي إهتمام ، لينظر “منصور” إلي “آسر” مباشرةً و يقول بحزم :
-و إنت مش خلصت إللي جيت عشانه ؟ إتفضل خد مراتك و إمشي . مش عايز أشوفكوا هنا قبل الولادة و يستحسن ماتجوش خالص . أنا إللي ممكن أجيلكوا .. و لحق بـ”عمر” فورا
بينما بقيت “آصال” متحاشية النظر إلي زوجها و هي تستمع لصوت تنفسه الغاضب ، حتي وجدته ينحني رافعا حقيبتها عن الأرض ثم يصيح بإقتضاب :
-إتفضلي قدامي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لم تتوقف دموع “صلاح” عن الإنهمار لحظة واحدة …
لم يأت بأي حركة ، فقط جالسا فوق سريره الفوضوي .. ممسكا بقميصها الذي تمزق بين يديه .. قادرا علي سماع أنينها و بكائها الممزوج بالنواح الحار من حيث كانت رابضة بالحمام لأكثر من ساعة حتي الآن
إنه حتي لم يمنعها عندما فرت هاربة لحظة إنفصاله عنها ، بل أنه لم يكن بقادر علي النظر بوجهها ، رغم أنه كان يلفها بذراعيه بقوة .. غائبا في عشقه لها و رغبته بها التي إحتبسها بداخله لسنوات ، و كانت تكفي كلمة منها ، تهديد بهجره أو البعد عنه ، مما دفعه لأن يجتاحها مثل إعصار
لكنه لم يكن بحاجة لأستعمال العنف علي أي حال ، فقد كانت ترقد بين ذراعيه دون أن تقاومه ، دون صراخ أو إحتجاج ، بل بقيت جامدة و كأن صعقة نزلت عليها
لم يكن مضطرا لنيل ما يريد بمنتهي القوة و الوحشية و جعل الأمر أشد إيلاما و إيذاءً … فيكفي أنه إغتصبها !
يكفي أنه تحول بدون مقدمات أو حتي تمهيد من أخ ، إلي مغتصب معتدي ، لا يقل شيئا عن الأشرار و أوغاد الأزقة .. و يوم أن فعلها ، كانت معها هي ، إمرأة حياته و حبه الوحيد …
و فجأة يسمع “صلاح” صوت إغلاق المياه بالحمام ، فيقوم و يرتدي ملابسه بحركات مضطربة .. كفكف دموعه بسرعة و وقف متحفزا لخروجها
و بالفعل ما هي إلا دقيقة أخري و خرجت “ساره” … مرتدية عباءتها السوداء التي تتركها دائما بالحمام للخروج الطارئ ، كان الماء يقطر من شعرها المسترسل بإهمال علي كتفيها و ظهرها ، كانت مكسورة تماما و قد أفلتت منها شهقة قوية حين إصطدمت برؤيته أمامها .. لا يبعد إلا بضع خطوات
كافح “صلاح” حتي يستطيع النظر بوجهها و قد طغي عليه الشعور بالخزي و العار ، رمقها بنظرات قلقة و إنقبض قلبه بهلع حين شاهد عيناها المتورمتين من البكاء و تقوس ظهرها و هي تنطلق نحو الخزانة مصدرة صرخة ألم عالية …
-سـاره ! .. هتف “صلاح” و تبعها فورا
لتلتفت نحوه منكمشة علي نفسها و هي تصرخ بقوة :
-إبــعـد عنــي . إبــعـد عنـي يا حـيوان يا قـذر . يا قـذر !!
رفع “صلاح” كفاه أمام ناظريها و قال يهدئها :
-حقك . حقك تشتميني و تموتيني كمان . بس إهدي عشان خاطري .. خلينا نتكلم بس …
لم ترد عليه ، بل إستدارت نحو الخزانة و فتحتها ، أخذت وشاحا لرأسها و لفته بعشوائية حول وجهها ثم همت بالمضي صوب باب المنزل بأقصي ما لديها من سرعة
لكنه قبض علي رسغها قبل أن تتجاوزه و شدها نحوه بقوة متمتما بنبرة معذبة :
-ساره أرجوكي ماتعذبنيش زيادة . إسمعيني أنا بحبك و الله .. إللي حصل ده كان غصب عني أنا عمري ما فكرت آذيكي كده أقسم بالله و لا جه علي بالي
كانت تتخبط بين ذراعيه و هي تصيح بجنون و قد فاضت دموعها المحرقة علي خديها :
-إووعـي إيدك . ماتلمـسنـيش يا حقـير .. يا زبالة . مش مسمحاك . ربنا ينتقم منك … و تآوهت فجآة مغمضة عيناها بألم
ليشحب و هو يسألها ملتاعا :
-مالك يا ساره ؟ حاسة بإيه ؟ إنتي تعبانة أجبلك دكتور ؟؟
نظرت له عبر دموعها بمقت شديد و لهثت و هي تقول بإشمئزاز يعبر عن قرفها منه :
-إبعد عني . أنا مش طايقاك . مش عايزة أشوفك أبدا . طول حياتي مش عايزة أشوف وشك .. إبعد عني أنا لازم إمشي من هنا حالا
أطلت الدموع من عينيه هو الأخر و هو يقول بنشيج خشن :
-مش هتمشي يا ساره . أنا مش هاسيبك تمشي .. سامحيني علي إللي عملته . وحياتك عندي ما كنت أقصد . أنا مستعد أوطي علي رجلك أبوسها . مستعد أعمل أي حاجة بس ماتبصيش في وشي كده . ماتخافيش مني كده .. أنا مقدرش أعمل فيكي حاجة وحشة . أنا بحبك يابت . و الله العظيم بحبك أكتر من روحي … و أفلتها بيأس تحت إصرارها و مقاومتها المستمرة
لتندفع مرة أخري صوب الباب ، لكنه أطبق بيده علي المقبض فإرتدت للخلف خائفة ، ليقول هو بغلظة :
-قلت مش هتمشي يا ساره . إعملي فيا إللي إنتي عايزاه . زعقي . صرخي . إضربيني حتي بس مش هتمشي . مش هسمحلك تخرجي من هنا أبدا سامعة ؟
كان جسمها كله يرتجف و هي تبحث بعيناها عن أي منفذ أخر ، كانت أشبه بحيوان مذعور علق في أحد الفخاخ .. لكنها لم تجد سبيلا للهرب ، فإنطلقت بلا تردد نحو المطبخ المكشوف
قبضت يداها علي سكين حاد النصل ، و رفعته بنية غرسه بصدرها و قد فقدت صوابها تماما ، إلا أنه ظهر فجأة و طوقها من الخلف ممسكا بذراعاها و هو يهتف :
-بتعملي إيـه يا مجنونـة . سيبي السكينة . هتموتي نفسك ؟!!!
صرخت و هي تتملص منه بإهتياج :
-إوعي سيبني . سيبني أنا عايزة أمـووت . عايزة أمـوووت مش عايزة أعيش معاك . مش عايزة أشوفك مش عايزاك تقرب مني و لا تلمسني تـآآآني
بچهد جهيد ، أفلح “صلاح” بعد إصابة يده ببعض الجروح أن يلتقط السكين من يدها و يلقيه بعيدا .. كانت قد أفلتت منه ثانيةً ، بينما تسيل الدماء من كفه ، فألتقط خرقة نظيفة من المطبخ و لفها حول يده و هو يقترب منها ببطء متمرس ، يريد أن يحاصرها و يمسك بها دون أن يلحق بها الأذي …
و بالفعل نجح في ذلك ، فإنقض عليها مكبلا حركتها بالكامل و حملها تحت ذراعه إلي كرسي خشبي متين ، ثبتها فوقه و مد يده ورائها نحو منضدة صغيرة ، لتراه يمسك بلفافة حبال و يفردها ثم يبدأ بلفها حول جسدها
بدأت تصرخ من جديد و قد عجزت عن الحركة شيئا فشئ كلما لف جزء منها بإحكام ، لم تتهدأ أبدا و لم يكف بكائها المرير الذي يزيد عذابه أضعافا ..
تلفت حوله بحثا عن شئ منقوص يكمل به ذلك الحل المؤقت لإجبارها علي السكوت و الهدوء ، وجده ، شريط لاصق بجوار شاشة التلفاز .. أحضره و إقتطع منه جزءً ، ثم جاء من خلفها و ضم فكها بأصابعه القاسية و وضع اللاصق فوق فمها …
إنبعث صراخها مكتوما الآن ، و إشتدت دموعها تدفقا … تمالك “صلاح” نفسه متنهدا بعمق ، ثم مد يده ماسحا علي شعرها بحنان و هو يقول بصوت أجش :
-لما تهدي هنتكلم . أنا مش خارج و مش هاسيبك خالص إنهاردة .. و أكمل بلهجة حازمة :
-و أكيد إنتي جعانة و ماكلتيش حاجة من الصبح . دلوقتي هاحضرلك أي حاجة تاكليها .. و هتاكلي . حتي لو إضطريت أزق الأكل في بؤك بالعافية !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
-يعني هي شاكة و لا متأكدة ؟! .. قالها اللواء السابق “منصور الكيلاني” بلهجة إستجوابية و قد عاد ليتقمص دور المحقق الذي كان عليه سابقا
رد “عمر” الجالس مقابله و هو يعيد فنجان القهوة إلي سطح المكتب :
-هي بتقول إنها إتأكدت إنهاردة . بعد ما إختبرته بنفسها
منصور عاقدا حاجبيه :
-إختبرته إزاي يعني ؟
عمر و هو يهز كتفاه بخفة :
-بصراحة ماعرفش ! .. و كان يكذب
-بس هي متأكدة علي حسب ما سمعت منها
زم “منصور” شفتاه قائلا :
-الموضوع ده لو بجد يبقي مالوش غير تفسير واحد شائع جدا . و هو التفسير إللي إنت إقترحته يا عمر
-إنها مخطوفة !
-بالظبط
عمر مجفلا بتوتر :
-طيب حضرتك تنصحني بإيه ؟ أنا مابقيتش مآمن عليها في وكر المجرمين ده . و خصوصا لما إتضح إنها مش منهم ممكن يغدروا بيها بسهولة
صمت “منصور” قليلا و قال :
-أنا هقولك تعمل إيه يا عمر . و هساعدك كمان .. بس ممكن أسألك سؤال الأول ؟!
عمر رافعا حاجباه بغرابة :
-آه طبعا . إتفضل إسأل يا باشا !
-البنت دي تبقي إيه بالنسبة لك ؟ .. قالها “منصور” سائلا بصراحة مطلقة ، ليرد “عمر” بشئ من الإرتباك :
-هي . هي لحد دلوقتي ماتبقاش حاجة بالنسبة لي .. بس هي لجأتلي !
منصور بدهشة :
-يعني إنت مشغول بيها و خايف عليها لله كده ؟ مافيش أي مشاعر جواك تجاهها ؟!
حمحم “عمر” بمزيد من التوتر و قال متحاشيا النظر إليه :
-بصراحة في مشاعر . بس مش وقته أحللها أو أفسرها .. أنا كل إللي عايزه دلوقتي إني أساعدها و بس . مش من العدل لو هي فعلا إتخطفت و هي طفلة إنها تفضل طول عمرها عايشة كده منغير أهلها الحقيقيين . بالأخص و هي عايشة مع الناس دول و بعد ما حكيت لحضرتك إللي عملوه فيها . أيا كانت هي نفسها وحشة و لا طيبة . مش مهم بالنسبة لي أد ما مهم إن لو ليها أهل ترجعلهم .. جايز لو بعدت عن البيئة إللي كبرت فيها تتغير و تبقي إنسانة تانية … و تجشم علي النظر إليه مجددا
ليجده محدقا به بتركيز ، و إستمر صامتا لبعض الوقت كمن يفكر .. ثم قال بهدوء :
-خلاص يا عمر .. إعتبر الموضوع في إيدي من دلوقتي . أنا هتصرف …… !!!!!!
يتبـــــع ..

