Uncategorized

رواية إيبار الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم رانيا عمارة 

الصُدَّف محلُّ الشكوك، وفي طياتها أسرارًا يُلقيها القدر على كواهلٍ ثُقلت بالهواجس، ويفتتح صفحاتها المُغلقة، فيفسر كلَّ ما هو مكنون، على الرغم من عبورها بمحض الصدفة، إلا أن مَن أدلها قلبها على وجوده قبل أن تُرفع عيناها إليه، كان إحساسًا صحيحًا.
صقر! نفس الشاب الذي تفجرت الأرض به وظهر إليها من العدم، جاء للمرة الثانية وفي باله فكرٌ لا يغيب، وإن مضت الحقب، فلا زال الفكر عالقًا في ثنايا ذهنه بقوة.
إطلالته المشرقة في المرة الأولى كانت بهدف الزواج من چيهان، كأي رجلٍ أعجب بفتاة وقرر أن يخاطب وليّها في أُذوف العلاقات، كان متوقعًا أن رمزي، بما أنه ظاهريًا أخوها الأكبر، المتولي عن كافة شؤونها الحياتية، سيوافق مرحبًا به، فاتحًا ذراعيه له بحفاوةٍ حارة، لكن الصدمة تجلّت عليه بعدما وطأه وسط الرجال، واستهان بمنزلته، ما جعله حينها يتقدّم بشكوى إلى شيخ البلد <ضرغام>، شارحًا أحزانه وتوقعاته التي خابت على يدي رمزي القاسيتين.
لكن ظهوره المرتين الأخيرتين لغيداء، كمن عاد لينتقم، باسترجاع ولو أقلّ حقوقه، فالمهم أن تسكن رأسه على وسادته دون آلام الفِكر المُبرحة ككل ليلةٍ من لياليه الشاقية.
انفجرت الصدمة من وجه “غيداء”، تجعّدت خطوط وجهها في ذهولٍ من تواجده، وهي تتساءل ذاتها: ما الذي جاء به إلى هنا في المرة الثانية، ولربما لن تكن الأخيرة؟ التفتت ناحيته، وسألته بطريقةٍ جافة:
_وش چابك تاني يا خوي؟ ما وراك غيرنا ولا شنو؟!
خطف “صقر” نظرةً مطوَّلة إلى رمزي وچيهان هناك، في وضعٍ يفتقر إلى الروابط الأخوية، يبدوان أقرب ما يكون إلى مغرمين، ينعمون وسط همسات الحديث العذوبة، حتى نظراتهما لبعض لم تكن بعابرة، فلاحظ سهام الهيام الواثبة من عيناهما في تلاقٍ من الهوى، وكأن الصحراء تحوّلت إلى ساحةٍ رحيبة من القلوب المتطايرة في الهواء.
عبث بوجهه بغيظٍ مشرق، يلوح بيده اليمنى نحوهما، ويقول بأسنانٍ مضغوطة تحت تأثير السخط:
_طريقتهم مع بعض ما طريقة خوات، وكل ما أشوفهم سوا أتأكد إن إحساسي كان صح من الأول، بس إنتي اللي ما ساعدتيني أتأكد من اللي في راسي!
بسطت “غيداء” كفَّها الأيمن له في الهواء، ورفعت كفَّها الأيسر على خصرها، ومالت نحوه بغرورٍ وجشع يتعارض مع أسلوب حياتها المليء بخيراتٍ وافرة على كل الأصعدة، وقالت:
_هتديني كم لو ريحت قلبك وقِلتلك اللي فيها؟
استخرج “صقر” رزمة مالٍ من جيبِ جلبابه، ورفعها نحوها بكلِّ تأهّب، وقال بتمنّي:
_خذي كل الفلوس معكي، أهي قدامك، بس احكيلي الحق وريحيني! چيهان أخت رمزي ولا لا؟
لم تجبه “غيداء” بالحقيقة، على الرغم من تضحيته بأمواله في سبيل المعرفة، وأتاهت الحقّ، بقولها الكاذب:
_چيهان أخت رمزي.
مدَّ “صقر” يديه نحو رزمةِ المال، يجذبها نحوه بقوة، ما دامَت التضحية لن تعود بالنفع، وكأنّه يسكب الماء في الغربال، حرك حاجبه في بذوخ، وكأنّه يؤكّد أكذوبتها بتعبيراته التي كشفت كل شيء، مستخدمًا عقله الألمعي في فكرٍ منطقي، قائلًا:
_ولما هم أخوات وما بينهم وبين بعض شي، بتصوريهم ليش وهم قاعدين سوا؟ إلا لو عندك في بالك حاچة عايزة تثبتيها لحد ثاني.
لا مفرّ من الكذب، إذ تُرَّ إذاعة السر في ذلك الوقت يُعدّ فضحًا لخططها المدروسة، لكن لا مانع إن منعت الخبر عن الجميع عدا شخصٍ توقَّ إلى إدراك السر بمقابل مادي، ما جعلها تجذب الرزمة من يديه للمرة الثانية، وقالت بتردد:
_خلاص، بقولك!
حركت رأسها وكأنها رادار يُكشف عن المخاطر المحتملة في لحظاتٍ غير متوقعة، وحينما تيقنت أن الأمان يطوف في المكان حولهما، تابعت بنبرةٍ خافتة:
_رمزي ولد عمتي ما عنده خوات خالص، لا شباب ولا بنات… أبوه اتصل عليّ وعرفني الحقيقة، قالي إن چيهان واحدة من بنات الحضر اللي هربت من أهلها وتزوچها بالسر….
جالت بعينيها في كلِّ زاوية، واسترسلت بحرص:
_بس دير بالك، كل الناس فاكرة إنهم خوات، ما يعرف هالشي إلا أنا وإنت، إذا طلع لحد بعرف إنك إنت اللي قِلت، خليها سر بيني وبينك، وحكم عقلك وبلاش چنان!
ابتسم “صقر” ابتسامةً ماكرة، انتبرَ معدل يقينه بنسبة مائة في المائة، وكأن رأسه مصنعٌ للحقائق المستترة عن العالم برمّته، حدسه قويًّا، وذكاؤه دليلًا للخفايا، ومن ثم قال:
_هالكلام وضح تمام، چيهان مش أخت رمزي، ومتزوچين بالسر، عشان كذا ما قدر يتحمل لما طلبتها منه لين قام يضربني، آني بعدي مش غبي وفيا عقل يفرق الأمور.
ظهر صخبُ الوخشة على الرمال، ما أوحى بوجود أحدٍ يتحرك نحوهما، ما فاقم الارتباك لدى كلا منهما. سرعان ما أزاحت “غيداء” صقر بعيدًا عنها حتى اندس بين الأشجار، فقالت له بتنبيهٍ لا يُسمع:
_مشي بسرعة! يلا مشي!
بينما يفرّ صقر بين الأشجار بتعجيل، أخفت غيداء رزمةَ المال داخل جيب عباءتها، تعمدت ذلك وكأنها مُنشغلة بالعبث في الأشجار، إلى أن وصل أخوها الأصغر “نايف” إليها، وجدها منهمكةً في تقطيع أوراق الشجر، نظر إليها بتعجّب، وسألها:
_ليش واقفة هنا يا غيداء؟!
حاولت “غيداء” ربط جأشها على الرغم من ارتجاف جسدها الواضح، وكلماتها المارقة بتلجلج، استدارت نحوه متجنِّبةً النظر في عينيه، وأجابت:
_أصل الشچرة باين النبق اللي فيها خلص، أحد أخذه، راح آخذ ورق السدر لأمي تغليه، أصل عندها حرقان بالمعدة، قامت قالتلي من كم يوم اقطفيلي الورق بس آني اتشغلت ونسيت.
نطق “نايف” كمرسالٍ ينقل الأخبار بين الطرفين، قائلًا بتكليف:
_ناچي فوق، يبيكي تطلعين لصبا وتشوفيها محتاچة وش، لا تتأخرين عليهم!
ردّت “غيداء” باستعداد، فتحركت في المقدمة متجهةً داخل المنزل من البوابة الخلفية، قائلة:
_آني بطلعلهم أهو، كمل إنت الباقي، ريحونا شوي من المسؤولية اللي عليّ فوق وتحت!
ثم دلفت إلى المنزل عبر باب المطبخ، تاركةً أخاها نايف يستعمل جلبابه كالإربة الواسعة التي ضمّت العديد من أوراق الشجر بيدين مخطرفتين، فيما صعدت غيداء إلى أخيها ناجي لترى إن كان بإمكانها مساعدة صبا أم لا.
وبينما كلٌّ منهمكٌ في مهامه، وبعد مرور ساعة، حانت اللحظة الحاسمة ليرى رمزي وچيهان مدى ما وصل إليه الطعام من نُضج. كان كلٌّ منهما مُنشغلًا في اختبار وصفاته الخاصة، حتى أفرغا الوجبات داخل الأطباق، والأبخرة تتطاير صاعدةً إلى سماء المحبة، والسحب شاهدة على إبداعهم.
حينما تتخفّى القدرات الضعيفة وراء الثقة الزائدة تأتي بالخيبات العظيمة. لم يفهم رمزي لِمَ تحوّل المنسف إلى مرقة بلا ملامح؟ أين اختفى الأرز واللحم ليُصبحا عجينًا سائلًا؟ ظهرت صدمته على وجهه وهو ينظر بيأس إلى صُنع يديه، متيقّنًا أن لا داعي للدخول في سباقٍ مع امرأة قضت معظم أوقاتها في المطبخ بين أصنافٍ لا حصر لها.
قبالته “چيهان” التي فازت ببراعة، طعامها بهيُّ القوام واللون والنكهة، كأنها رسمةٌ خيالية بيدِ فنانٍ ماهر، لكنه لم يكترث، وحبّذ أن يقنع ذاته قبل أي شخص أن النكهة أهم من مظهرها. وبمجرد أن تذوّق صُنع يديه، بصقه على الرمال باشمئزاز، فراقبت چيهان الوضع من بعيد، محاولةً أن تفهم كيف تحوّلت الوجبة من أرزٍ مفلفل ولحمٍ ذائب لكنه متماسك، إلى أقرب ما يكون إلى عجينة الكعكة.
كتمت ضحكتها وظلّت ثابتة، ثم التفتت له بهدوء، وفرغت له ما أعدّته بحُبّ إلى داخل طبقه مع قطعةٍ من اللحم المشوي، وقالت:
_خلاص عادي، كُل معايا!
تَصنَّع “رمزي” أن طعامه لذيذ، وأنه لن يحتاج إلى وجبتها في شيء، متظاهرًا بالاعتياد، فقال:
_ميغركيش الشكل، الطعم مُختلف!
سألته “چيهان” بدهشةٍ:
_أحلى يعني؟
ابتسم “رمزي” بتقزّز، وآثار الطعام لا تزال في فمه بعد، وقال بصراحةٍ دون ردودٍ ملتوية:
_لا أوحش.
ضحكت چيهان ضحكةً خجولة، دون أن يخرج صوتها، بطريقةٍ تُحرّك المشاعر الهامدة، كأنها هدير ماءٍ على شاطئٍ أمواجه صاخبة. فابتسم “رمزي” هو الآخر، يراها تكترث بأمره وتقرّب منه الطبق، كأنها تدفعه لتُريه قوةَ إجادتها التي فاقته بمراحل. بدأ يتذوّق الطعام، فانبهر بصُنع يديها، ما جعل الابتسامة لا تُفارِق وجهه، وهو ينطق بلذّة:
_تسلم إيديكي، أنا مش داخل معاكي في مسابقات تاني، مانا أصلي هخسر يعني هخسر.
بينما ينهمكان في تناول الطعام، رغبت “چيهان” بفضولٍ في معرفة بعض تفاصيل حياته بعد وفاة والدته، وكانت مترددةً أن يصدّها باعتراض كما حدث من قبل، لكنها استجمعت شجاعتها لتُصادفه بسؤالها، قائلة:
_ليه؟ أمال مين اللي كان بيطبخلكم بعد وفاة مامتك؟
تلون وجهُ “رمزي” بالامتعاض، فتوقّف عن مضغ الطعام لثوانٍ، ما أوحى لچيهان بوقوع ما توقّعته في السابق، لكنه، رغم مشاعره الحزينة تجاه والدته، أجابها بالحقيقة، فقال:
_احنا مكناش بناكل زي الناس، أبويا كان مقضيها عيش وجبنة أربعة وعشرين ساعة، نادرًا لما حد فينا يدخل المطبخ يعمل لقمة تستاهل، لكن أمي لما كانت موجودة كان بيتنا فيه دفا وخيرات….
ثم مدَّ يديه يستأنف تناوله للطعام، مسترسلًا حديثه بأعينٍ لامعة بوهجِ الحنين:
_هي الوحيدة اللي كانت بتهتم بأكلي وشربي، لكن الصراحة أبويا مكنش في دماغه، لو طال يأكلني تراب هيعملها عشان بس يخلص من وجع الدماغ.
تتعتعت “چيهان” بإحراج من أن تكون قد أثارت عواطفه المتألمة بفقدانه لوالدته، فأخفضت رأسها بشفقة، وقالت بنبرةٍ عَطوفة:
_أنا آسفة لو اتكلمت في حاجة بتزعلك، أنا مش قصدي إنك تفتكرها.
رمقها “رمزي” بثباتٍ ألهمها بأن الأمر لم يؤثّر فيه إلى هذه الدرجة كما في السابق، معلقًا:
_چيهان! متتأسفيش تاني على أي حاجة، حتى لو غلطتي، برضه متتأسفيش….
ثم استدار برأسه ناحيةٍ أخرى باستياء، كأنه يخاطب الصحراء في وضعٍ كاسف، وأردف:
_اللي المفروض يتأسف هو أنا مش إنتي….
وعاد ببصره إليها مجددًا، متابعًا بأسى:
_إنتي الوحيدة اللي حسستيني إني إنسان عنده مشاعر ولسه بيحس زي باقي البشر… چيهان أنا بحاول أسيبلك ذكريات كويسة تفتكريني بيها بعدين، على الأقل تحكي لأختك وولادك بعد كده عني إني ساعدتك مأذتكيش… قوليلهم غريب كان بيحاول رغم إن مش من طبعه يحاول!
دون أيّ مُقدمات، انزلقت الدموع من عيني چيهان، رفعت يديها على عينيها، تلامسها برفق وتزيل دموعها دون أن يلاحظها، لكنها فشلت، وهي تكتم بكاءها، فَانكشف كل شيء. لاحظ “رمزي” الأمر، فسألها بنبرةٍ متأثرة، قائلاً:
_مالك؟
ابتسمت “چيهان”، متظاهرةً أن رمال الصحراء جرحت عينيها الرهيفتين كفؤادها الذي انشَقَّ على وقع حديثه، وأجابت بصوتٍ مختنق:
_لا، ده الرمل دخل في عيني، الهواء هنا بالليل حاجة صعبة.
ثم بسطت كفيها على رأسها، فلم تعد تحتمل التمويه وكتمان المشاعر المؤذية التي سحقت قلبها سحقًا.
كلُّ ثانيةٍ تمر تشعر وكأنّها تقترب من الافتضاح، عواطفها تضغط على صدرها بقوة، ذاك الذي ازداد تألّمًا بحزنٍ غائر. وفي تلك اللحظات المكتظة بالشجن، نهض “رمزي” ووقف موضعه، يحثّها على النهوض هي الأخرى، قائلًا بتحفيز:
_قومي هوريكي الناقة نچود، هتحبيها أول ما تشوفيها، وهي كمان هتحبك!
امتنعت “چيهان” عن النهوض، ظلت على وضعها مستسلمةً لآلام الروح الجائشة، وقالت:
_لا أنا بخاف من الجِمال، مش متعودة عليهم وعمري ما ركبتهم.
أصرّ “رمزي” أن يقابلها مع الناقة نجود، إذ تعد تجربةً حماسية، مليئةً بفكاهةٍ تزيل الجوى، وتمنح الروح مُتعة التجديد، فقال:
_عيب عليكي لما تخافي من الجِمال وأنا موجود! إما خليتك تعامليهم معاملة القطط ما أكون رمزي الطوخي، يلا قومي وجمدي قلبك، بلاش كلام فارغ!
احتجّت “چيهان” للمرة الثانية على التوالي، كان خوفها من الجِمال أعظم ما يكون، ذلك الذي كلما بصرتهم في صغرها فرت هاربةً على مسافاتٍ متنائية. ماذا لو تعاملت معهم وجهًا لوجه، وكأنها تملك قلبًا حديديًا لا يتأثر ولا يهاب؟ فنطقت بامتناع:
_لا لا مش هقدر، أنا بخاف منهم أوي، أنا مرتاحة كده أكتر.
ازداد “رمزي” إصرارًا لأن تنهض ليريها الناقة نجود، تلك الحاوية ملامحَ أنوثةٍ هادئة، تُعدُّ من أجمل النوق في الواحة، شعراتها ناعمة، ورموشها طويلة نوعًا ما، مكتسية بحلكةٍ لامعة، تشرق في نهارٍ شمسهُ أمهقة، فقال:
_قومي يا چيهان، قولتلك متخافيش! ولا هتعملك أي حاجة، دي حنية الدنيا فيها، قومي بس!
نهضت چيهان بإرغامٍ والرهبة تجتاحها، خشية أن تنقضَّ عليها الناقة بأنيابٍ حامية تخترق أمانها، تحركت وراء رمزي بأمتار قليلة حتى وصلا إلى الناقة والجمل، إذ كانا باركين على الرمال يبدوان مضجعَين لكنهما في حالة سُهادٍ، يران من يقفان قبالتهما، أحدهما يعرفانه والأخرى يجهلانها، مدَّ رمزي يده على رأس الجِمال بلمساتٍ حانية، فيما تراجعت چيهان للوراء بخوف، فازداد روعها حينما ربت “رمزي” على ظهريهما بإشارة مفهومة للنهوض، فانصتا إليه ونهضا قليلًا بطاعةٍ، وفي تلك الأثناء التفَّ رمزي إلى چيهان، وسألها بدهشة:
_خايفة كده ليه؟!
ارتبكت “چيهان”، وأعربت عن خوفها الجليّ بقولها:
_مانا قولتلك بخاف منهم، وبعدين دول ممكن يعضوني، أنا سمعت إن الجِمال فيهم طبع الغل، وأي حاجة بتحصل مش بينسوها.
ضحَّك “رمزي” على حديثها، فأراد أن يثبت لها الحقيقة بالفعل، وليس بفيضِ الكلام، فقال:
_هتشوفي إنهم طيبين، أنا هثبتلك إن كلامي صح.
ثم تقدّم نحو الجمل، فتقاربت الرؤوس من بعضهما في مشهد يوحي بالحنان، وأمره وهو يشير إلى وجنته قائلًا بتوجيه:
_بوس! قرب يا برق! قرب!
لامس الجمل وجهه بهدوء، بدا يحك فمه في رأسه بطرافةٍ، جعلت چيهان في ذهولٍ تام، وكأن الجمل إنسانٌ مطيع، ملبيٌّ للأوامر، فبعدما ربت “رمزي” على رأس الجمل بتحنُّن، استدار نحو چيهان، وقال بإثبات:
_أهو لا بيعض ولا بيإذي، وكمان بيفهم وبينفذ الأوامر، المسي نچود وكلميها، هتفهمك!
اقتربت چيهان باحتراسٍ من الناقة نجود، وحركت يديها بلُطفٍ على رأسها، فاقتنعت بحديث رمزي، بقيت في حيرة غريبة، لكن “رمزي”، حينما تقدّم بخطاه نحوها، قال بطلبٍ:
_اركبي، متخافيش!
رَمَقَتْهُ چيهان بملامحَ قَلِقَةٍ حتى قفزتْ فوق ظهرِها، فبدأت الناقة تعلو بها شيئًا فشيءٍ حتى تمام النهوض. كانت مرتعبةً من فكرة تجربة ركوبِ الجِمال فقد سمعتْ عنه حكاياتٍ مفزعةٍ تُشيبُ الشعور، لكن ما سمعته تناقضَ مع الواقع تمامًا؛ كانت الناقة ودودةً ولا تحمل في قلبها ذرة عداوةٍ تجاهها. وبما أن رمزي كان محترفًا في ركوبِ الجِمال، قفز بخفةٍ على ظهر الجمل المدعو برق برشاقةٍ بدنية لافتة.
تشبّث كلاهما بالحبال، خاصة چيهان التي كانت أكثر حرصًا عليه، فترى العالم بنظرةٍ مختلفة، فرفعت طرف حجابها وطوقته حول وجهها، فاختفت ملامحُها ولم يظهر منها سوى عيناها، مثلما اعتاد رمزي تمامًا في لثامه.
الجمال تجوّلت بهما حول الخيام، متاخمين لبعضهما حتى في الترجُّل.
تابعَ رمزي ردةَ فعلِ چيهان، يرى إن كانت مبتهجةً أم أن الخوف ما زال قابضًا على روحها. رمقها وفؤاده يخفقُ تتيُّمًا، كمن سقط في سفحِ الغرام ضحيةً. كلاهما مطوقان بالنظراتِ الهيْمَانية المتبادلة، لكن ماذا لو القدر في كل مرةٍ يرسل إشاراته ليؤكد محالةَ الأمر؟ كم من مرةٍ تمنى المرءُ مجاورةَ أحبته، وهو في قرارة نفسه يعلمُ علم اليقين أن الوصال مستحيل؟ هذا ما أزاد من طينِ المشاعر بلةً.
وعلى جهةٍ أخرى، عروسانِ المستقبل القريب اللذان استعدّا بكل جوارحهما لحفلٍ زفافٍ عظيم، يجمع بينهما في مودةٍ ورحمة، وحياةٍ جديدةٍ نائيةٍ عن الماضي الأليم، كأنه كتابٌ ملأَه الأشجان حتى فاض به، فكانت نهايته الردمُ بين التراب، والاستعانة بكتابٍ جديد، صفحاتهُ ناصعة، مستعدةٌ لاستقبال كل الذكريات الجميلة بينهما.
كانت أسماء جالسةً إلى جوارِ ريم على الأريكة في الصالة، تتبادلنَ الحوار بشأن كابوس عنيف هزَّ كيانَ ريم الليلة الماضية. مهما حاولت التغاضي عنه، أحسّت برغبةٍ قويةٍ في معرفة تفسيره.
رأت أنها مع عمرو سعداء، يضحكون في بهوٍ واسعٍ ليلًا تغمره الأضواءُ الساطعة. فجأةً نهض عمرو وأخبرها بعودته بعد قليل، بالفعل اعترب المكان، وبمجرد أن نظرت ريم لخاتم الخطبة في بنصرها الأيمن، سقط الخاتم منكسرًا إلى شقين، صرخت بحزنٍ وبكت بكاءً حارًّا، ونهضت تبحث عن عمرو، لكنها لم تجده وكأنه جنيٌّ وتلاشى في نُتفةٍ من اللحظات.
انتهى الكابوس، فاستيقظت يومها بصدرٍ ازدحمَ بمشاعرِ اختناقٍ عنيفة، ومنذ وقتها وهي تتساءل في كل وقتٍ وحين، ما أجبرها أن تروي لوالدتها ما رأته. فأعربت “أسماء” عن رأيها، قائلة:
_ده كابوس يا ريم، ما كلنا ياما جالنا كوابيس ولا أي حاجة من دي حصلت، المهم سيبك منه وطلعيه من دماغك واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم.
تنهدت “ريم” وزفرت بضيقٍ، كأن الهواجس تشرد من كل نفسٍ، وقالت:
_مش عارفة بقى يا ماما، أهو ربنا يعديها وخلاص.
استنارت شاشتها باسمِ عمرو، والذي قد سجلته <Habiby> مرفقًا بجواره قلبٌ أحمر يشرح مدى حبها وتعلقها به. فاكترثت “أسماء” بهويةِ المتصل، وسألتها بفضول:
_مين اللي بيتصل؟
ردّت “ريم” وهي تقارب أصابعها من الشاشة، تأهّبًا للرد:
_ده عمرو، هشوف عايز إيه.
كان “عمرو” جالسًا بهدوء على كرسي بلاستيكي أبيض اللون، في شرفة البلكونة بين الظلام الدامس، مهتمًا بإسعاد قلبها بخبرٍ سيزرع البهجة في هُوَّتها المُلتاحة لأي أخبارٍ سعيدة. وبمجرد أن استجابت لمكالمته، لم يمنحها فرصةً للحديث، بل ألقى الخبر على مسامعها مباشرة، وقال بابتسامةٍ واسعة على شفتيه:
_بُصي بقى، أنا لا هلف ولا هدور كتير، جايلك بخبر هيفرحك أوي، خبر كنتي واثقة إنه مش هيحصل خصوصًا في الوقت ده!
سكن الفضول معالمها المتحيرة، فسألته باكتراثٍ عما يقصده:
_تقصد إيه يا عمرو؟ إنت حيرتني أوي.
ضحك “عمرو”، ومدد جسده بليونةٍ كادت أن تُسقطه أرضًا فوق كرسيٍ مندكٍ دكًا، رفع ذراعه وراء رأسه، والأخرى قابضة على هاتفه، فاختصر الأمر حتى لا تزداد تحيّرًا ويسمح للشكوك بالنيل منها. لذلك أجاب بفرحٍ:
_أنا لسه راجع من عند عمي، أقنعته إننا نكتب الكتاب الأسبوع الجاي، هتقوليلي ازاي، هقولك عمرو ده مش عادي، عمرو ده ساحر ويقدر يقنع أي حد باللي هو عايزه بكل سهولة، مش بذمتك عجبتك؟
ابتسمت “ريم” وهي ترى الفرح يقربهما منه في كل حين، باتت الأفراح على مشارفها، فلا مجال يسمح لوجود الحزن بينهما منذ هذه اللحظة. لم تصدقه، وألقت عليه تُهمًا شاكةً، قائلة:
_يا عمرو متكدبش بقى! هو إيه اللي روحتله وأقنعته نكتب الكتاب الأسبوع الجاي؟ هو الموضوع بالسهولة دي؟ وبعدين أنا لسه مجهزتش أي حاجة، تقدر تقولي هجيب الفستان امتى وهحجز ازاي مع الميك أب ارتيست؟ ضامن إنك تلاقي مأذون يعني ولا حتى قاعة دلوقتي؟
لم يرَ “عمرو” صعوبةً في تحديد عقد القرآن في يومٍ من أيام الأسبوع القادم، كان قادرًا على تسهيل المستحيل وإطلاق سراح العُسر بأساليب حاذقة، فأوضح وجهةَ نظره لها بأسلوبٍ مبسَّط، إذ قال:
_متشيليش هم حاجة، من بكرا هاخدك ونروح نختار أحسن فستان كتب كتاب، ويا ستي لو الميك أب ارتيست معندهاش ميعاد فاضي الأسبوع الجاي، نشوف الأسبوع اللي بعده، وإن كان على المأذون فاهو قريب الحاج، يعني منين ما نحتاجه مش هيتأخر علينا، إنتي بس استعدي وخلينا نخلص بقى!
تنهدت “ريم” وهي تشعر أن المهام تتكدس فوق كاهلها باعتياص، لكنها لم تنكر أبدًا فرحتها الواسعة بلمِّ الشمل في حياةٍ ستحوي حبًا وفيرًا، وقالت:
_إنت مجهز كل حاجة بقى من بدري، يا حبيبي أنا مش ممانعة وموافقة نكون مع بعض في أقرب وقت، إنت بس جيبتلي الموضوع على فجأة، وأنا مش عارفة هلحق أعمل كل ده في أسبوع ولا مش هيكفي.
انعكس ضيُّ القمر على وجهه مظهرًا ابتسامةَ الحبِّ العميقة، اعتدل في جلسته، واستبدل الهاتف في قبضته الأخرى بانشغالٍ للحوار، وقال بحنانٍ في صوته:
_أنا عارف والله يا ريم إنك فرحانة، وعارف إن اللي مرددك إن الأسبوع مش هيكفي، بس احنا يا حبيبتي خلينا ماشيين خطوة خطوة ولو الوقت احتاج مننا نستنى أسبوع كمان زيادة فانا مش معترض، أنا بسعى إننا نكون سوا في أقرب فرصة… إنتي بس سيبيها على ربنا وهتلاقي كل حاجة تمام.
ردّت “ريم” بفرحٍ، مظهرةً سعادتها بخبرٍ عظيمٍ بمنزلة هديةٍ أبهظ ثمنًا من هداياه المادية، فهي تقدر السعادةَ الحقيقية بثمنها المعنوي:
_خلاص يا عمرو، اديني يومين كده أفكر وأرد عليك.
منحها “عمرو” مهلة للتفكير، حتى لا يتسبب لها بضغوط نفسية تعرقل كل ما يطمحان إليه في القريبِ العاجل، فقال مُوافقًا:
_حاضر، خدي وقتك وفكري كويس، وعلى مهلك!
الفرح بات قريبًا بين جميع أفراد العائلة الذين تمنوا هذا اليوم بفارغ الصبر، وخاصة أسرة ريم، بعدما فشلت خطبتان سابقتان لها، فانتهى كل شيء بشكلٍ صلد يجبر قطنًا أملد أن يتحول إلى صخرٍ متحجر. من يومها هذا، وكلما تمنت شيئًا قابلها بالخسارة، وكأن الحياة ضد بهجتها، لكن في كل فجرٍ أمل متفجر، لربما فاتتك قطارات المحطة برمتها، لِتُجْبَر على الذهاب إلى محطة أشد تجددًا، ذات سكك سالكة لا شائكة بالمخاطر على دروبها.
هناك، بعد سهرة هادئة بين الخيام، قد تناولوا الطعام وشاي الزردة البدوي بنكهته الأصلية، كان ركوب الجِمال تجربة ممتعة أزاحت الرهبة من على عاتق چيهان. الحياة هنا بين الطبيعة الصحراوية تختلف تمامًا عن أي حياة في عالمٍ آخر، مَلأى بالتلهي وسط مهام بلا نهاية، كالتجوال بالجِمال، والاضطجاع في الخيام وسط رياح نسمها باردة ليلًا.
المشاوي على الحطب والفحم ينقلان الوصفات إلى حياة اكتظت باللذات، وصُنع الخبز في الأفران الحطبية المصنوعة بأيادٍ بدوية، وقطف الفواكه الطازجة من على الأشجار، وغيرها من المهام المسلية.
في هذا الوقت، تُشير عقارب الساعة إلى الواحدة ليلًا، وقد انتهت النُزهة، وتحركا سويًا إلى المنزل، والمشاعر في ذروة تهلُّلها. صعدا إلى الشقة، فدخلت چيهان في المُقدمة وأضاءت الأنوار بابتسامة خجولة، وتحركت إلى داخل الصالة لتضيء مصابيحها عبر المكابس الكهربائية. لكنها بمجرد أن ضغطت المكبس، لاحظت باب السطح مفتوحًا جزئيًا، والقط الأسود الضخم يقف إلى داخله، ينظر إليهما بغيظ عارم، وعيناه تضيئان بشرارات الثأر.
صَرَخت چيهان بفزعٍ وتراجعت إلى الوراء بجسدٍ يرتجف خوفًا، فيما دخل رمزي مسرعًا ليتقابل مع ذاك المخلوق الذي أرعب ودودته.
تلاقت أنظارهما وكأنهما بشر يتقاذفون النظرات، كمن يحملون عداوة صريحة لبعضهما البعض. اختبأت چيهان خلفه بأنامل ترتعش، كأنها وجدت حصنًا آمنًا تحتمي في ظلاله إزاء المعادين.
رمزي في هُوته يعلم جيدًا أنه ليس بقط وإنما مُرسل إليهما من العالم السفلي لربما من قبل والده الذي لم ولن يُقصِيهما من ذهنه وإن مرت الأقران.
تقدّم “رمزي” نحوه بشجاعة رجل لا يَهاب أعظم المخلوقات وإن كان إبليسًا بنفسه ينفث موجات الفزع على روحه، فرفع صوته بشجاعةٍ، وسأله بنبرةٍ حادة:
_أبوي اللي بعتك، ما كذا؟
أصدر القطُّ هَسيسَه، وهو عبارة عن نَفثةٍ قوية تُشبه أصوات الأفاعي. كان ذو وجهٍ بيضاوي مائل إلى بروزِ ذقنه، يَبدو بَشريًا مُتنكرًا في هيئة قطّ داكن الشعرات، أُذُناه طويلتان كأنه يَنتمي إلى سلالة القطط البلدي في طول جسده ونحافة قَوامه.
هَسهس في رمزي تارةً باِمتعاض، وتارةً أُخرى ينقل نظره إلى چيهان بغيظٍ جَلي، ولرُبما كان يحمل عداء، فقد يكون رمزي قد نَهَب حصّته من عُلبة التونة أو السَّمك المشوي.
وسرعان ما خطا رمزي نحو الأريكة، ورفع الإسفنج يستخرِج من أسفلِه كتابه. وبينما يفتح صفحاته بأصابعٍ مُتعجلة، وجد الدماء تكتُب على صفحته كلماتٍ مُبهمة بحُمرةِ الدماء، وكانت كالآتي:
“چيهان، لا تَخف! فُرصتها أقل من فرصك، أنتَ دماؤُك من سُلالة قصيان، أمّا هي فدَخيلة بيننا”.
تصفَّح رمزي الصفحات، وچيهان لا تزالُ مُختبئة بِرجفةٍ وراءه، فحاول أن يتذكَّر تعويذةَ طرد الأرواح المعلونة. بدا يستخرجُ المعلومات من ثَنايا ذاكرته المزدحمة بالمسؤوليّات، حتى وجدها، ورفع رأسه إلى القط الأسود يتمتَّم كلماتٍ لا يسمعها سواهما.
بدا القط يصرخ، لم يَعد يحتمل حروفًا تُحرق جسدَه وتُشِبُّ النيران فيه بحماوة، فظلّ يتراجع للوراء برفق حتى أخرج هَسيسَه كالأفعى، وفرّ هاربًا بين جُدران الأسطُح المكنونة.
حينها أوصد “رمزي” باب السطح بإحكام، وتوجَّه إلى چيهان وهي واقفة بِرعشة جسدٍ قوية، إذ لم تتخيّل أن يأتي يومٌ يجعلها تُشاهد حوارًا كلاميًّا بين إنسٍ وجنّي، فَتزعزع أمانها، وتراجعت للوراء بالقرب من باب حجرتها. أما رمزي فأراد أن يُطمئنها بكلماتٍ لطيفة، فقال:
_لا تخافي، خلص مِشى!
تساءلت “چيهان”، وهي لا تقوى على النظر في عينيه، ولا حتى على إتمام سُؤالها، إذ نطقت بتلعثُمٍ، قائلةً:
_هو ده…. هو ده مش….
تَمالكت أعصابها الفالتةَ على وَقع الاِرتعاب، وتابعت:
_هو ده مش قط حقيقي؟ ده اللي في بالي صح؟
هزَّ رمزي رأسه مُشيرًا بنعم، فانتفض جسدُ چيهان ذُعرًا، وسرعان ما هرولت إلى داخلِ حجرتها وصكَّت بابها بالمزلاق، وجلست على حافة السرير تُفكّر في المَشهد الكارثي الذي يبدو خارجًا من فيلمِ رُعب كانت تراه فقط على شاشات التلفاز، فما إحساسُها وهو واقعيّ بلا تمثيل؟
استدارت بارتياعٍ في زوايا الحجرة باحثةً عن المُصحف الشريف، حتى قبضت عليه بأناملَ تهتزُّ خوفًا، وجلست على حافة السرير تقرأ آياتٍ من القرآن. الحروف علِقت في حلقها، وأحسّت بحرارةِ الأجواء تَكبُس جسدَها بدرجاتٍ أشد، تتعثّر في مخارج الحروف ثم تستغفر وتعود إلى التصحيح من جديد. كانت في حربٍ نفسيّة تحاول فيها إنجادَ روحها.
أمّا رمزي في الخارج، فقد استلقى على الأريكة والنُّعاس يَغلبه. ما حدث لم يؤثّر فيه بقدرِ ما عكّر صفو چيهان بموجةِ رعبٍ شنيعة. كان يُفكّر فيما جرى، وكيف لوالده مُصعب إلى هذا اليوم أن يُفكّر في الانتقام منهما، ولِمَ لم يُلقِ بثأره بعدُ إلى هذه الدقيقة. وبعد عشر دقائق غفا رمزي في نومِه، ورأسُه مستندةٌ إلى الوسادة، وساقاه السابغتان تَعوما في الفراغ على أريكةٍ لم تتّسع لطوله.
حاولت “چيهان” أن تضع رأسَها على الوسادة وتغفو هي الأخرى في نومٍ عميق بعيدًا عمّا حدث من ألاعيب صُنعت خصيصًا لإخافتها، لكنّها فشلت فشلًا ذريعًا.
الهواجسُ تضغط على رأسِها، وقد وُضعت في خانتَين أصعب من بعضهما: إمّا أن تُطفئ الأنوار في الحجرة لكنّ الخيالات لن تتركها وشأنها، أو تترك الأنوار مضاءةً لكن عينيها لن تَنغلقا بفعل الوهج المزعج.
وبعد ساعاتٍ وصلت الساعة إلى الرابعة صباحًا، وكان المؤذّن قد أنهى أذان الفجر في أنحاء البلدة، وهي لا تزالُ تتقلّب يمنةً ويسرة. لم تشعر بنفسها إلّا وقد خرجت من الحجرة بخطًى صامتة، فوجدت رمزي مندمجًا في نومٍ غائر لا يُدرِك ما يحدث حوله بعدما انتقل إلى عالَم الأحلام. تردّدت أن تُوقظه، لكن خوفَها أجبرها على نداءه، فقالت بغمرةٍ من الارتياع:
_رمزي! رمزي!
استفاق “رمزي” على صوتِها الحاني، ليجدها تُواصل بحَيرة:
_أنا خايفة أوي، ومش عارفة أنام لحد دلوقتي.
نهض “رمزي” وجلس معتدلًا وهو يُقاوِم رغبته الشديدة في النوم، لكنه لم يستطع مُواصلة نومٍ آمن وهي في شعفة خوفِها وحيدة. دلّك عينيه بإرهاق، ثم تنهّد وقال:
_خايفة من إيش؟!
أجابته “چيهان” بخَجل، وقد كانت لا ترغب في تعكير راحتِه، لكنّ الوضع يَتطلّب جُرعاتٍ زائدة من الدَّعَة:
_اللي حصل ده مخليني مش عارفة أنام… أنا بحاول بقالي تلات ساعات بس مش عارفة… أنا آسفة لو صحيتك دلوقتي بس أنا بجد خايفة أوي!
نهض “رمزي” وحمل الوسادة والغِطاء بعفويّة، وبسَطَهما قبالةَ حجرتها، وجلس مُستربِعًا عليهما، وقال:
_أنا بقعد هان، إنتي ادخلي نامي وسكّري الباب مظبوط، ما هِي إلا ساعتين ويطلع النهار… لا تخافي!
اعترضت “چيهان” على نومِه فوق أرضٍ يابسة، قد تُؤلِم عظامَه إن احتضنَته في غفوته حتى الصباح، مما دفعها إلى أن تُعبِّر عن رفضها، قائلة:
_إنت هاتنام هنا؟ مش هينفع… الأرض ناشفة، وكمان أنا مش هقبل إنك تتعب بسببي.
مدّد “رمزي” جسدَه على الأرض باعتبارها سريرًا يحملُه حتى إشراقة الشمس، فهي الطريقة الوحيدة التي سيمنحُ بها چيهان الأمانَ والراحة. ثم رفع يدَيه إلى وجهه، وقال:
_ادخلي نامي يا چيهان، وما لكِ دعوة بشي تاني، أنا ما بسمح لشي يخوّفك طول مانا هان!
ارتسمت بسمةٌ مُشرقة على وجهها، فولجَت إلى حجرتها ورفعت قبضتَها برفقٍ على الباب، وقبل أن تُوصِدَه، قالت بنبرةٍ رقيقة:
_طيب، تصبح على خير.
ردَّ “رمزي” بالأسلوبِ نفسه، حاويًا لُطفًا ورأفة:
_وإنتي من هله.
صكّت چيهان البابَ باتئاد، وخطت إلى السرير متجهةً إليه بفؤادٍ غَرِق في أمان العشق، إحساسٍ عظيمٍ يتفاقم يومًا بعد يوم، يمنحها سكينةً لم تشعرها إلّا في وجوده، إذ كان الوحيد الذي يُحقق طمأنينتها، وكأنّه قبض على أمانِ العالم برُمّته ليسكُن في قبضتِه.
أطفأت الأنوار، وجلست على السرير مُحتضنةً وسادتها بابتسامةٍ لم تُفارق وجهَها لحظة، حتى تمدّدت وغفت في نومها، بينما رمزي ظلَّ مُتيقّظًا إلى أن تسلّل إليه شعورٌ بنومها، حتى غاص هو الآخر في نومه، وكلاهما يقتربان من ساعات الصباح وسط رُّغاء الجمال المتردّد في آذانهم وكأنه نغمةٌ عذبة.
خطوات الاستعداد لعقدِ القِران كانت مُزدحمةً بمهامّ مُستمرة لا تنسجم، والأيّام تمضي بموافقة ريم، وقد أحست أنّه أمرٌ لا بدَّ منه وإن تردّدت وطلبت مهلةً للتفكير.
حُبّها لعمرو ازدادت منازله، وهي ترى فيه الحُبّ والعَوض الوحيد في عالمٍ تسلّط عليها بقسوةِ الفَقد، لكن ليس بعد الصبر إلّا الجبر العظيم. الأرض البُور التي افتقرت لزرعها ووُرودها أعوامًا، هَلَّت عليها السُّحُب بأمطارها الغزيرة، حتى عاد مُنبَتها، وتحولت إلى أرضٍ مفعمة بالحياة، ازدَهرت بالأزهار والنباتات وكأنّها لم تفقِد الحياة يومًا.
العراقيل اتّخذت دورها في أمور ريم وهي تُنهي إجراءات عقد القِران برفقة عمرو في الوحدة الصحيّة، وكأنّ هناك ما يصدّ الاكتمال ويضع أشواكًا في طريقهما. حتى فستانُها وجدت صعوبةً في اختيارِه؛ تارةً المتاجر مغلقة لوجود مناسبات قوميّة في البلدة، وأخرى يتأخران عن الموعد فيجدان كل ما خطّطا لأجله، ما هو إلّا خُطط مخذولة. حتى المأذون الشرعي لم يكُن مُتاحًا لأجلهما نظرًا لكثرة الحجوزات في مكتبه، وخبيرة التجميل لم تجد يومًا في خلال أسبوعٍ يسع حجزًا جديدًا.
ويوم انحلّت المعضلاتُ العالقة في أزقّة سعادتِهم، وتمّ توفيقُ كافة العناصر، وجدت ريم مشكلاتٍ في قماش فُستانها ما جعلها تعود به إلى المتجر لتغييره. كان الوضع في قمّة التعسُّر، ولا أحدٌ منهما يُدرِك الأسباب سوى أنّها عكوسات. لكن في نهاية الأمر تمّ كل ما سعيا إليه ببهجةٍ خالصة.
في أحد الفنادق بجنوب سيناء، كانت غرفةُ العروس ريم تُطلّ على البحر الأحمر، ترى جبالًا بعيدة تلاشت بين السحب المُتراقصة سرورًا لهذا الحدث العظيم، حيث يلتقي البحرُ مع الرمال والسماء كإبداعٍ رَبّاني من صُنع الخالق. وخبيرة التجميل تقف قبالةَ ريم التي جلست على كرسيّها، مُستسلمة بكلّ ما فيها من أجل مظهرٍ يترك الذهول على وجوه الحاضرين.
يدي الخبيرة تتحرّكان على وجه ريم بالفرشاة، والأغاني تعمَل في الخلفيّة. أخواتُ عمرو يُشاركن ريم في أوقاتها السعيدة؛ منهن من وقفت إزاء المرآة تضع مكياجها بنفسها، وأخرى تتناول الطعام باشتهاء، وأخيرة تترقّص على الأنغام بحماس.
العريس في غرفةٍ أخرى مع والده وشوقي يتجهّزون كلٌّ بطريقته الخاصة، وفي الأسفل قُبالة المساحة الرهيبة عربياتٌ مُتراصّة أمام الفندق. وبعيدًا سيارتان متوسّطتا الماركات، تتحرّكان بالقرب من الفندق حتى رَسَتا حياله، ونزل منهما باقي أفراد العائلة: هشام وزوجته وأبناؤه الصغار، العمّ عصام وزوجته علياء برفقة ابنتهم منى، وباقي الأبناء كالأخوين عبد الحليم وأسعد برفقة زوجتيهما وأطفالهما.
بدأت النساء في إطلاق الزغاريد المُزلزِلة لأرضٍ حملت أناسًا مُبتهجين. عائلة تعيش أهمّ أيام الحياة، أخيرًا ستتزوّج ريم ويُشطَب لقب عزباء، فتنتقل إلى حياة الأزواج أصحابِ المسؤوليّات العظيمة. حتى أقارب عمرو الذين خرجوا من سياراتهم متجهين إلى داخل الفندق بفرحٍ مُتناهي. وبينما العائلة تسير إلى الداخل، سألت “علياء” ابنها عبد الحليم، قائلة:
_قالولك الأوض بتاعتهم فين يا عبد الحليم؟
أجابها “عبد الحليم”، وهو يسير حاملًا طفله على ذراعه، بابتسامة يعلوها صفاء الرضا قائلًا:
_آه يا حاجة قالوا، بس احنا هنسأل برضه.
تقابلت النساء مع أسماء والدة العروس داخل صالة الاستقبال الرحيبة، فانقضت عليها “علياء” بأحضان معبّرة عن حبورها، قائلة بابتسامة واسعة:
_ألف ألف مبروك يا أم العروسة، عقبال يا رب الليلة الكبيرة قريب إن شاء الله، وتشيلي عيالها وتفرحي بيهم يا أسماء يا غالية.
ردت “أسماء” ببهجة، وزغاريد النساء تتردد من حولها:
_الله يبارك فيكي يا علياء، عقبال منى على خير يا رب.
توافدت النساء نحو أسماء وجميعهن تصافحنها بجذل، فيما تقدمت “ابتهال” منها بعناق دافئ، وقالت:
_ألف مليون مبروك يا طنط أسماء، ربنا يكملهم على خير يا رب.
ردّت “أسماء” ببهجة أم، ترى ابنتها الكبرى تودع حياة العازبين:
_الله يبارك فيكي وعقبال ولادك.
انضوت منى إلى المرحاض في أهم لحظات الفرح، واختفت عن الأنظار والجميع مُنشغلون في تبادل التباريك، والتعبير عن مشاعر السعادةِ في هذا اليوم، وكان الجميع منعَّمين في مشاركتهم الحدث الأمجد.
بينما على جهة أخرى، كان مصعب جالسًا كعادته داخل الحجرة، يصنع أعماله الدنيئة بقلبٍ متحجِّر، خاليًا من ذرة إنسانية تردعه عن فعله القبيح، وأرواح الضحايا تتلاعب تحت يديه، وهو يربط العازبات عن الزواج والعمل وكافة شؤون الحياة بمطالب من الخبيثات الطالحات، لعنهم الله في الدنيا والآخرة.
تلقّى مكالمة هامة تمثِّل جهدًا بذله طوال الأعوام الماضية في تعطيل حياة إحداهن، ولن يترك جهوده تنهمر على الأرض وكأنها لم تكن. كان الطرف الخنَّاس على الجهة المقابلة يخبره بتفاصيل يعيشها في الوقت الحاضر، ويتساءل عن خطوته القادمة بطريقة لا يلحظها أحد، كممحاة يزيل بها كوارثه في الخفاء، متناسيًا ربًّا بالمرصاد، يُمهل ولا يُهمل، إذ أجابها “مصعب” بنبرته الطالحة:
_العمل اللي معاكي ترشّيه عباب العروس وعباب العريس، كل واحد إله إزّازة بإسمه، ولا تكبي كثير، عخفيف زي ما قلتلِك، وخلصي من غير ما حد ياخذ باله، وبعدها كلميني أقولك شو تعملي.
زر الذهاب إلى الأعلى