روايات شيقة

رواية إيبار الفصل العشرين 20 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل العشرين 20 بقلم رانيا عمارة 

هناك مقولة شهيرة تقول: “إذا انتابك الشك فلا شك”، تعني حينما تنتابك غصة القلب تجاه شيء معين تشك في حقيقته، صدق إحساسك بكل جوارحك ولا تضعه تحت الاعتبار، فهي رسالة حقيقية زارتك فجأةً لتلهمك بما يحدث من حولك، فتنير عقلك نحو المجهول.
لكن الشك هنا يعني الذي على شفا اليقين، وليست الهواجس التي تدفن ضحاياها في مستنقع أفكارهم الخاطئة، فليس كل هاجس حقيقة، فمن الممكن أن يكون مجرد إحساس نابع من مخاوف ومواقف سابقة تركت أثرها السيئ، فالشك الذي بلا دلالات أصدق مائة مرة من ريبة تحمل في طياتها إثباتات واضحة.
تغيرت ملامح هشام إلى تردد بدني بيّن، وليقطع علامات الانكشاف اتدعى مسح الخزانة بالمناديل الورقية، ارتجفت يداه وهلة، ثم جلس على كرسي المكتب متدعيًا الانشغال في الأوراق، ناظرًا بعين محاسب يحب عمله، ويخشى خسارته.
وقف “منعم” قبالة المكتب كأنه جزء منه، ومد يده يستعار القلم الجاف، وحولهما أجواء مضطربة تختلط مع ضوء الشمس المنبعث من الشرفة الواسعة.
بينما يتجنب هشام النظر في عيني منعم، رمقه الأخير بحاجب مرفوع دال على الريبة، وسأله بنبرة ذكية:
_مالك متوتر كده ليه على غير العادة؟
رفع “هشام” وجهه ناحيته، مندهشًا من جرأته في طرح سؤاله المغوار الذي تجاوز فيه حدوده، وقال:
_إنت عبيط ولا إيه يالا؟ وأنا هتوتر ليه، عامل عاملة وأنا معرفش؟ اظبط كده بدل ما أظبطك!
كان هشام يستخدم نبرة صوته العالية ليُخفي من خلالها أي فعل لئيم اقترفه، لكن “منعم”، برصانته التي اعتاد بها مقابلة جميع فئات البشر—الصالح منهم، والطالح— جمع شتات موضوعٍ كاد أن يتسع ويتحوّل إلى شجار حاد، خاصة أن أوقات العمل لا تحتمل أي جدالات حادّة تؤثّر على استمراريتهم، فقال:
_خلاص يا عم هشام مكنش سؤال، أنا قولت أطمن عليك بس.
لوى “هشام” فمه ساخرًا، وكأنه لا يتقبّل أي تدخلٍ منه في مساحة لا تسعه، وأنزل عينيه على الأوراق يعبث بها بسخط، وقال بحدّة في صوته:
_ولا تطمن ولا تعمل، روح شوف اللي وراك ومتدخلش هنا غير لما تستأذن مني!
اندهش “منعم” من غضبه عليه دون سبب، إذ قضيا الليلة الماضية في سهرة هادئة يتبادلان فيها الحديث المرح، ويتناولان معًا وجبة العشاء في المكتب. كانت النبرة لطيفة، لكن اليوم لا يجد تفسيرًا لهذا التحوّل المفاجئ، لمجرّد أنه أحسّ بأنه على شفير الافتضاح، فخرج من المكتب بخطوات حائرة، وقال:
_خلاص أنا غلطان، مش هسألك تاني مادام إنت مش طايق خلقتي، سلام مؤقت يا عم.
لوَّح هشام بيديه في الهواء بلا مبالاة، غير آبهٍ به، إذ يعتبره حشرةً قادرًا على دعسها تحت نعليه، فهو الأول والأخير بعد شوقي، الذي فضّله على سائر رجال العمل، فلا يخطو خطوة دون استشارته، فالأوامر تنبع من هشام لا من مديره. لقد انعكست الأدوار رغم حقيقتها الواضحة للجميع.
وضعه شوقي في مقام ابنه الأكبر، وكلّما طلب منه مالًا أعطاه بلا تردّد، إذ كانا يسافران سويًا إلى البلاد، ويقضيان أوقاتًا زاهرة. تعرّف عليه شوقي منذ أعوامٍ طويلة، وعلى مدارها تكوّنت علاقة صداقة متينة، لا تنكسر ولا تتأثر بالعوامل الخارجية.
وكأنه اشتاق إلى ابنه في هذه اللحظة، فدخل إلى المكتب بهيبته المعتادة، مرتديًا نظارته الشمسية السوداء، تفوح منه رائحة عطره الزكية، وبمجرّد أن رآه هشام، نهض احترامًا له، وصافحه بابتسامة، فقال “شوقي” بوجه جاد:
_صباح الخير يا هشام.
جلس الاثنان، كلٌّ منهما على كرسيه، وقال “هشام” بابتسامة مشرقة:
_صباح النور يا عم شوقي، إيه الأخبار؟
ردّ “شوقي” بوجه عابس كعادته، حاملًا الهموم فوق كاهله بطريقة مُضنية، لكن ثمّة أمرًا يرغب في الحديث عنه، أهمّ من كل جليل:
_الحمدلله… استعد، عندنا طالعة بكرا لبورسعيد عشان نخلص ورق الجمرك بتاع الشحنة قبل ما تتحرك من الميناء، هنتحرك على الفجر، عايز نكون هناك على تمانية الصبح قبل ما المكاتب تتزحم… نراجع بوليصة الشحن، ونتأكد إن كل الورق جاهز للجمرك، وياريت متنساش تجيب أصل الفواتير وصور البطاقات، وخلي معاك ختم المحجر علشان التصديق.
استصعب “هشام” سفرًا سيلتهم نصف اليوم، إذ سيستيقظون صباحًا ويتحرّكون في البكور، ليقضوا هناك أوقاتًا مملّة بين زحام المكاتب وإنهاء الإجراءات المطلوبة، فظهر الانزعاج على وجهه، وكأنه اعتاد جمع الأموال بلا مشقّة، لكنه رغم ذلك قال بطاعة:
_حاضر يا عم شوقي، من بكرا إن شاء الله نتحرك من بعد الفجر، وعلى الله التساهيل.
في الخارج، كان منعم يترصّد أحاديثهما المتتابعة، منصتًا لكل ما يقولانه بدهشة غريبة؛ كبير الأوغاد يُلقي بثقته بين أيدٍ خائنة لا تستحق الائتمان، معتبرًا إيّاهم حصنًا مأمونًا، خاليًا من ألاعيب الأفاكين، لكن الحقيقة ستبتر روحه عند انكشافها.
وبينما كان يضرب كفًا على كفٍّ تعجبًا، شعر بيدٍ قاسية تربت على كتفه، فزادت نبضاته وارتعد خوفًا، ثم التفت ليجد أحد الصبيان العاملين في المحجر، فقال الأخير باستغراب:
_في حاجة ولا إيه يا منعم؟
تلجلج “منعم” في ردّه، خشِي أن يظنّه الصبي متجسّسًا على هشام وشوقي، فتتردّد الأخبار بين الجميع بصورة خاطئة، فقال:
_لا مفيش حاجة.
غادر منعم المكان وهو في حيرة قاسية بين الصمت والبوح، متابعًا أعماله بذهنٍ اكتظّ بالهموم. لا يملك دليلًا حقيقيًّا على خيانة هشام، وإن امتلك، فهل سيصدقه أحد؟ لقد اختار الوجوم حلًا يحفظ به مكانته المهنية بينهم، فلا أحد يتولى مسؤولية بيتٍ بأسره سواه، فكان عمود العائلة الذي إذا سقط، انهار الجميع.
في خلاءٍ رحيب اتّسع بنسيم التعبّد وصفاته العُلا، كل جدار يحكي قصة شيخٍ أنار القلوب بعِلمه الواسع، ونصائحه الرشيدة التي يفتقرها جيلٌ نشأ في زمانٍ سادَه الشر والضلال. مرّت ساعة ونصف، والشيخ نعمان يخاطب چيهان بروح الأب العطوف.
شعرت أنها ليست وحدها، وأن هناك من يُعينها على تغيير واقعٍ بغضته. عرفت بعض المعلومات عن شخصية رمزي المعقّدة، لكن الواضح أنها تحوي في داخلها جوهرًا تعكّر بآثار السنوات؛ ذاك الذي يحتاج إلى من يطهّره ويعيده إلى نقائه الأول، ليَلمع كما كان.
الشيخ “نعمان” هو أداة الدفاع عن دينه، مضحيًا بروحه، ونخوته الحميمة التي كانت دافعًا قويًا لمحاربة التآلفين، ذوي الشرك العظيم الذي يحتاج إلى الإبادة القاضية.
حولهما، كان الرجال يتجولون لقضاء صلواتهم بوجوهٍ مشعّة بالإيمان. وفي ختام الحديث، قال الشيخ نعمان:
_ رقمي معاكي، منين ما يحصل أي حاجة رنّي عليا من أي تليفون، بس فكريني بيكي عشان اللي بيكلموني كتير.
ردّت “چيهان” بابتسامة ممتنّة:
_حاضر، شكرًا لحضرتك يا شيخ نعمان، نصايحك ليا أنا مش هنساها طول حياتي.
ابتسم الشيخ “نعمان”، ونهض منصرفًا، وقال وهو منشغل:
_ربنا يبارك فيكي ويحفظك ويكفيكي شر الكفرة، يلا السلام عليكم.
خطا الشيخ نعمان خارج المسجد، منتعلًا نعله متجهًا إلى الحالة المرضية الثانية، إذ كان الوقت يداهمه بشدّة، فهو يلتزم بمواعيده ولا يؤخرها تحت أي ظرف. وبينما كان يفعل ذلك، أجابته “چيهان” وهي تخرج خلفه:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بعدما افترقوا، وكلٌّ منهم عاد إلى مهامه، غادر الشيخ نعمان الحيّ، وظلّ يتلاشى شيئًا فشيئًا حتى اختفى عن الأنظار. حتى چيهان خطت بين الشوارع متذكّرة الاتجاهات، وكأنها عاشت هنا منذ سنوات، لا أيّامٍ قليلة. أحسّت أن سيقانها بدأت تألف الأراضي التي انطبعت في ذاكرتها.
في كل خطوة، كانت عيناها تسبحان في عالم البدو من حولها؛ إذ مرّ الراعي بأغنامه، جميعهم يسيرون في قطيع متناغم، تتراوح أحجامهم وأعمارهم بين الكبار والصغار، ما أضفى عليهم منظرًا جميلًا يشرح الصدور.
كان الراعي في المقدّمة، ممسكًا عصاه التي يستخدمها لتوجيه الأغنام حتى لا يخرج أحدهم عن القطيع بالخطأ، بينما في نهايته كلب الحراسة ذو الشعرات البنّية اللامعة، يختلط نباحه بثُغاءهم العذب.
مرّت چيهان إلى جوارهم بخوف، حتى قابلها صغيرهم، فأصاب قلبها بسهام الذهول. توقّفت قليلًا، وربّتت بحنان على رأسه وهي تضحك، معبّرة عن رحمتها الواسعة تجاه الحيوانات. وبعد لحظات، واصلت طريقها حتى اختفت أصداحهم عنها.
وصلت الدار، وقبل أن تصعد إلى الطابق الأخير، توقّفت وطرقت الباب. بعد لحظات، خرجت لها “غزالة” بابتسامة مشرقة، فعانقتها على الفور، وقالت بترحاب:
_شلونك يا غالية؟ وكيف حال رمزي؟
أجابتها “چيهان” ببسمة، قائلة بصراحة حزينة:
_أنا كويسة لكن رمزي هو اللي مش كويس النهارده.
ضربت “غزالة” يدها على صدرها بخوف، وشهقت مظهرة قلقها على رمزي، ثم سألت:
_رمزي وش فيه؟ طمنيني عنه.
خفضت “چيهان” رأسها باستياء، وقالت بروح متأثرة:
_طول الليل كان في الصحرا، طبعًا الجو بالليل هوا شديد، فباينله كده خد برد.
تأثرت “غزالة” لتعب رمزي، فارتسم الحزن في عينيها، وقالت بنبرة حنونة:
_الله يشفيه ويعافيه يا رب، وما يخلي المرض يمسكه أبدًا… آني بچلب غيداء ونطلع نشوف وش عنده.
أبدت “چيهان” رفضها لصعودهما بلُطفٍ لا يُوحي بالرفض، وقالت بتردد:
_لا لا الموضوع بسيط علفكرة مش مستاهل، أنا بس عايزة أستأذنك في حاجة.
ردّت “غزالة” بإصغاء، مبدية اهتمامها لما ستقوله:
_عطيني أمرك يا غالية.
في منزلٍ فارغ، لا يحتوي على ما يُشبع احتياجات من يسكنونه، كانت چيهان تُعاني كلّ ليلة من افتقارهما للخضروات والفواكه. أجل، فمنذ الليلة الأولى لوصولهما إلى هذا المجتمع، اعتاد الأقارب بطبعهم السخي إرسال صوانٍ محمّلة بالخيرات كل مساء، لكن چيهان بدأت تشعر بالخجل من تكرار الموقف. حتى رمزي لم يكن يملك الكثير من المال بعدما هاجر عالمه.
لم تطلب “چيهان” وجبة جاهزة تأتي بلا عناء، بل أرادت استعارة القليل من حبات البطاطا والجزر والكوسة، وبعض مكعبات مرقة الدجاج، لتُعدّ لرمزي حساءً ساخنًا يُعينه على الحركة، فهي لم تفكّر في نفسها من الأساس.
تردّدت كثيرًا قبل أن تطلب من غزالة، خشية أن تتضايق أو تعبس في وجهها، وفي داخلها رغبة صادقة في إعادة ما استعارته منها حين تسنح الظروف، وكأنها تسعى لتعويض كرمٍ لا يُرَد. فقالت بطريقة خجولة:
_أنا كنت عايزة شوية خضار يعني حاجة واحدة من كل نوع، ومرقة دجاج، عشان أعمل شوربة خضار، وهرجعلك الحاجات دي تاني قريب إن شاء الله.
استاءت “غزالة” من قولها، فهذه العائلة منبعٌ للخيرات، تُعطي دون انتظارٍ للأخذ، فمثل هذه الأمور لا مكان لها بينهما على الإطلاق. وبمجرّد أن تجهّم وجهها، ظنّت چيهان أنها قد رفضت، لكنها وجدتها تقول بعتاب:
_خلصنا من الكلام يا چيهان، تجولّي أرچعلك الخضار ثاني؟ دارنا دار كرم، واللي يطلع من عنا ما يرچعله أبد….
رفعت يدها على الباب، وتنهدت بعمق، ثم واصلت:
_عيب يا ماما الكلام ذا، خدي اللي تبيّه وبكفيك بعد، وكل يومين هبّطلك نايف يشيّك على كل طلباتك….
استحت چيهان من فرط العطاء حتى احتُجز الكلام في صدرها، فاكتفت بابتسامة صامتة، فأردفت “غزالة”:
_تعالي يا چيهان، هديكي كل اللي تبيّه، تفضلي!
خطت چيهان خلفها بحياء، تتنقل بين هدوء المنزل وزقزقة العصافير الفاكهة، تلهو ببراءة داخل الصناديق، وتُصدر ألحانًا أجود من الأغانِي، تمنح المكان سكينةً وطمأنينة.
في المطبخ، استخرجت غزالة الخضروات من الخزانة، ومعها بعض التوابل التي تُضفي على الطعام مذاقًا حلوًا. امتدّت يداها داخل المبرّد لتُخرج منه مرقة مُجمّدة كانت قد أعدّتها منذ أيام، بينما چيهان بجوارها لا تزال تشعر بالحرج، تتابع خطواتها في صمت.
جمعت “غزالة” المحتويات داخل عبوة بلاستيكية، ثم قالت بابتسامة:
_خدي يا چيهان، وعلى بالي إن عندي موضوع مهم لازم أكلمك فيه، بس بنأچله لبعدين.
اندهشت “چيهان” وهي تتسلّم العبوة، وظهر الفضول بين ثنايا ملامح وجهها المتعجّب. خشيَت أن تكون غزالة قد اكتشفت حقيقة “الأخوّة” برصانتها، أو أن أحدهم أفشى الأكذوبة التي نسجها رمزي. ازدادت دقات قلبها في تلك اللحظة المتضاربة، وامتنعت عن السؤال كي لا تفضح ما يعتمل في وجدانها، فاكتفت بالردّ مبتسمة، وقالت:
_بجد شكرًا أوي يا طنط، ربنا يخليكي.
ربّتت “غزالة” على كتفها بحنان، وقالت ببسمة ودودة:
_عفوًا يا غالية، إذا احتجتي شي، نزليلي وجوليلي وش تحتاچي.
ردّت “چيهان” ببشاشة لم تفارق وجهها منذ أن وطئت هذا المكان، وقالت بامتنان:
_حاضر.
الكرم لا يتجزّأ، فمن ينعم بالجود الوافر في شخصيته، تراه كريمًا في ماله وحبّه، يفيض بالعطاء كما لو أن أمواله تهطل من سماء السخاء، طيّبًا، رقيقًا في مشاعره، لأنه أدرك مبدأه الحق، ربّا من نوعٍ حلال حين يُقدّم الخير لمن يحتاجونه، فيجازيه الله أضعافًا مضاعفة، تدفعه إلى صُنع المزيد من البر، ليجد الأكثر والأعظم عطاءً.
عَدَت چيهان خارج المنزل، مودّعة غزالة بنظرات وداعٍ مؤقّت، ثم صعدت في المصعد إلى الطابق الأخير، وهي لا تزال مندهشة من عائلة والدة رمزي، أولئك الذين يقدّمون الخيرات بلا انتظار لمقابل. وجوههم بشوشة، تبثّ الأمل في الأرواح المتعبة، وأجواؤهم مبهجة، على خلاف ما ظنّت حين وطئت هذا المكان أول مرة.
لكن ما يشغل باطنها: لماذا عائلة تتّسم بهذا الكرم اللا محدود تُلقي بابنتها في زواج ساقط من ساحر لعين كمصعب؟ ولماذا لم تسمع، ولو مصادفة، أحدًا يذكره بخير؟ كأن هناك شيئًا دنس علاقتهم به لأسباب غامضة. من المؤكّد أن رمزي يعلم هذه التفاصيل، تحفظها ذاكرته كما يحفظ حروف اسمه، لكن رغم فضولها، لن تسأله، كي لا تظهر بمظهر الفتاة المكترثة بأمور لا تعنيها.
دخلت الشقة بعد رحلة صغيرة خاضتها بمفردها بين الشوارع، دون علم رمزي، ذاك الذي لو علم لأمرها بالبقاء، خوفًا على مصيرها بين الخبثاء.
تأملت رمزي وهو غارقٌ في أحلامه على أريكة لم تتسع لطوله، إذ بقيت ساقاه مرفوعتين في الهواء بطرافة، وذراعاه ممدودتان في الفراغ. كانت تعتقد، بعد عودتها، أنها ستجده مستلقيًا على السرير كما أمرته، لكنه، بعناده غير المقصود، اختار الأريكة مسكنًا له. ثم أوصدت الباب برفق وراءها خشية أن يستيقظ على رَتْجَته فيُحقق معها في أمر خروجها دون درايته.
دخلت المطبخ لتبدأ صُنع حساء بسيط، بارعة في طهيٍ تجهله معظم الفتيات في عمرها.
وأثناء ذوبان مرقة الدجاج المثلجة داخل قدرٍ عميق على النار، بدأت “چيهان” بتقشير الخضروات ببراعة، وشطفها تحت المياه الجارية حتى أزالت الأوساخ العالقة برمّتها. لمعت الخضروات نقاءً، مترائية بنظافتها، لتدخل المرحلة التالية: تقطيعها. فتقطيع الخضروات يتطلب أيادي معتادة تجعل الأشكال فريدة في استوائها، لا متعرجة، ملآنة بالنتوءات المتباينة، مما أكد حذاقتها وهي تلقي الخضروات داخل المرقة، وتزيد من لهب الموقد، وتمتد أصابعها الناعمة إلى العبوة البلاستيكية لتستخرج التوابل المطلوبة، وتسقطها لتحتضن المكونات بعضها ببعض في النهاية.
وبعد مرور ثلاثين دقيقة، دقّت ساعة الإطعام، والوجبة تنادي بالإنجاز. فأفرغت چيهان الطعام داخل الوعاء العميق، وجهّزت الملعقة، وخرجت بخطى متحيّرة، إذ وضعتها فوق الطاولة، ثم وقفت موازية لرمزي.
وكلما حاولت نداءه، شعرت بزوبعة حارة تجتاح جسدها، فالخجل سيطر على حواسها ومنعها من التلفظ، وهو قبالتها لا يزال مغمورًا في النوم، يجهل ما أعدّته لأجله. فبعد دقيقتين من التردد والمحاولات الخائبة، جلت كلماتها على شفتيها بترجرج، وهي تناديه برقة:
_اصحى… أنا… أنا جهزتلك حاجة بسيطة عشان….
التفتت بوجهها نحو الجدار، وحمرة الخجل تنشعب على وجنتيها، وتابعت بجملة مُتبعثرة الكلمات:
_عشان إنت….
حينما وجدت أنه لا مفرّ من الإحراج، استدارت إليه بثباتٍ افتقدته منذ لحظات، لتُواصل برباطة جأش:
_رمزي، اصحى، أنا جهزتلك الأكل!
استفاق “رمزي” على ندائها، فكان يعتقد أنه مشهد من أحلامه المشتتة. انفتحت عيناه برفق، والرؤية غير واضحة، إذ نهض ليجد چيهان حياله، وقد أعدّت الحساء الساخن من أجله. حرّك يديه بين خصلات شعره الملساء، وسألها بنبرة صوت مُرهَقة:
_أنا مش فاهم حاجة.
لكن “چيهان” أوضحت له الأمر ببساطة، وقالت بحياء وهي تقرّب إليه الطعام:
_أنا لما لقيتك تعبان ومش بتتحرك قولت أعملك شوربة خضار… حاجة بسيطة تقويك لحد ما تخف.
لم يعتد أن يرى أحدًا يكترث لتعبه؛ فقد عانى طوال حياته من أبٍ قاسٍ لا يعرف للرحمة سبيلًا، يجبره على العمل حتى وإن كان يحتضر أمام عينيه. وآخر من اكترث به كانت والدته، لكن القدر حتم عليهما فراقًا أبديًا.
وبينما تناول الطبق بين يديه، رمقها بدهشة، وهي تتحرك بخجلٍ لا تقوى على التماسك؛ عيناها ترتجفان قبل يديها، تترصّد كل المواضع إلا هو. لكنه نظر إليها باستغراب، فبعد أعوام من التجاهل، وجد من يهتم لمرضه، بل ويسعى لإيجاد حلول له بما يستطيع فعله.
فأعرب عن تعجّبه، وهو يقول بهدوء:
_أنا عمري ما حد اهتم بتعبي….
تنهد بحزنٍ ملموس في صوته، وهو ناظرٌ في عينيها، مردفًا بشجب:
_كنت أتعب بالأيام ولا حد يهون عليه يجيبلي كوباية ماية حتى، الناس ترتاح في تعبها إلا أنا، كنت أقوم وأشتغل حتى في عز المرض، وحتى كلمة آه اللي بعبر بيها عن ألمي من كتر الجفا بقيت أحس لو قولتها إني بدلع….
بقيت چيهان ساكنة لا تتحرك، تُصغي لشكواه باستغراب؛ كانت تلك أول مرة يتلفظ فيها بما يؤلمه نفسيًا، وكأنه أراد أن يخبرها: “أنتِ الوحيدة التي عبأتِ بعلّتي، وسعيتِ لبترها بأيدٍ لهِجة، فعلتِ ما منعه عني أقرب الأقربين”.
كان في عينيه بريق لا تخطئه العقول الألمعية، ذلك الإحساس الذي يوثب في صميم قلبه هو ذاته الذي يركض في روحها كلما أبصرته، لكن ليس كل مرغوب فيه يمكن أن يتحقق على أرض الواقع؛ فثمّة ظروف شاقّة لا تجمع بين اثنين يختلفان اختلافًا كليًا في أنظمة حياتهم.
عاد بذاكرته إلى الوراء خمسة أعوام، مسترجعًا ذكرياتٍ كادت أن تقتله كلما راودته؛ أبٌ لا يهتم سوى بحصاد أموالٍ لم يزرعها، سعادته وراحته فوق الجميع.
في ليلة قانطة، شابٌ في ريعان العشرين، عليلٌ فوق سريره بعِلّة أثقلت كاهله، يعاني من تمزقٍ حادّ في أربطة الساق إثر حمله للصخور القاسية على ظهره. كان يؤدي دورًا ليس دوره، بدلًا من أن يلهو بين الأطفال في صباه ويُكمل تعليمه ليصبح شابًا ذا مستقبل عظيم كما أراد. وصل إلى العشرين من عمره وهو لا يزال يعمل مع والده، الذي كلفه فوق طاقته؛ صباحًا يحملون الصخور ويفتّتونها بالأدوات البدائية، وليلًا يجبره مصعب على معاونته في صناعة الأسحار، ليعتبره ذراعه الأيسر الذي لا يستغني عنه.
أعدّ رمزي كشفًا طبيًا في المستشفى بعدما سقط يصرخ من هول الألم، فكانت النتيجة: تمزق في الأربطة. وبدلًا من أن يرحمه “مصعب” ويتركه وشأنه، دخل عليه تلك الليلة يأمره بالذهاب معه إلى العمل، واقفًا بمهابةٍ قبالته، ناظرًا إليه بحدّة، قائلًا:
_جوم وبلاش لعب الدلع ذا، إنت رچال مو حرمة عشان تچلس تمثل عليّا.
لمس “رمزي” ساقه بألمٍ فاتك، وأخبره بتأوّه، قائلًا:
_ما أجدر يا أبوي، رچلي مولعة نار، ما أجدر أضغط عليها.
انقض “مصعب” عليه وجذبه بقسوة، يجزّ على أنيابه، فهو يُجسد ذئبًا بشريًا لا يرحم المستضعفين، رفعه بعنفٍ وهو يصرخ بحدّة، متلفّظًا:
_أبوك لما يأمرك تجوم، تجوم على طول، ما عندنا وجت للكلام الفاضي ذا، ورانا شغل واجد ولازم نخلصه، يلا جدامي!
زحزحه قبالته، دافعًا إياه بقسوة، والأخير يشهق متعذبًا، حتى وصلا إلى مكان العمل. هناك، أجبره على رفع حجارة تبلغ كتلتها عشرة كيلوغرامات، يضعها في حقيبة السيارة الواسعة، تلك التي اتّسعت للعديد من الحجارة وكانت في انتظار المزيد.
حينها، اضطر رمزي إلى رفع الحجر وخطا به أمتارًا قليلة، ثم سقط يعول عُواءً حارًّا رجّ الأرض رجًّا؛ صراخٌ أرعد الأبدان، ما دفع مصعب إلى نقله إلى المستشفى على الفور.
وهناك، أكّد الطبيب حدوث انقطاعٍ كامل في الأوتار، يستلزم عمليةً باهظة الثمن لا يملك أحدهما تكلفتها. وفي وقتٍ كان من المفترض أن يظهر فيه حنان الأب نحو ابنه الوحيد، قابله “مصعب” بقسوته المعتادة، وقال:
_آني ما معي تمن العملية، خليه نايم بالدار، لين ما نلجى له صرفة يمشي عليها.
ظل “رمزي” راقدًا على سريره عامين كاملين، يقضيها في قراءة الكتب وتثقيف عقله المتعطش للعلم، يتحرك عبر الكرسي المتحرك، بعد أن فقد زهوة الشباب بسبب معدوم الضمير الذي يفضّل موت ابنه على خسارة المال.
حتى أجرى العملية، وجلس أشهرًا طويلة لا يفارق كرسيه المتحرك، لكن بعد حقبة زمنية طويلة، بدأ يستعيد قوّته شيئًا فشيئًا، ليواجه كل مشاكله كما بدأ، وكأن ما حدث لم يكن سوى مرحلة عابرة.
وحينما استفاق من ذكرياته إلى الواقع، كانت چيهان تنظر إليه بعينٍ مشفقة، تُنصت لسرده فصولًا قاسية من قصته المؤلمة، فواصل الحديث وهو يتذوّق الحساء بدهشة:
_تسلم إيديكي.
ردّت “چيهان” بلُطفٍ يحتاجه:
_بالهنا والشفا.
استخرج “رمزي” من جيب جلبابه بطاقة ائتمان فشل في سحب المال بها أكثر من عشرين مرة، وكأن الماكينة تعانده ولا ترغب في إراحته. لكن داخله إحساس بأن المشكلة ستُحلّ على يد چيهان المباركة، فقال:
_البطاقة دي حاولت فيها كتير لكن المكنة تقوليش حالفة ما تخليني أتهنى بالفلوس.
تعجبت “چيهان” من امتلاكه بطاقة ائتمان كسائر الناس، فسألته بدهشةٍ واضحة:
_إنت معاك فيزا كارد؟!
رد “رمزي” ساخرًا، وكأنها تعتبره من عالمٍ ناءٍ عن البشر، لا تبلغه أيّ من الاستحداثات:
_حد كان قالك إني من أهل الكهف؟
ضحكت “چيهان” بخفة، لكنها تمالكت نفسها حتى لا يتسع الأمر بشكل لا يليق بأخلاقها الرفيعة، فقالت:
_لا مش قصدي يعني.
ردّ “رمزي” بوجهٍ بشوش، وبردودٍ تحمل في طيّاتها فكاهةً عذبة:
_خديها حاولي فيها، حاسس إنها هتشتغل على إيديكي، اسحبي الفلوس اللي فيها وهاتي كل اللي ناقص للبيت، أنا مش هقبل حد يصرف علينا تاني…
امتنعت چيهان عن ردّها، وظلّت مكتفية بالصمت، بينما هو يسترسل بإرهاق:
_بس إياكي تخرجي لواحدك، هتاخدي غيداء ونايف وياكي ومتبعديش عنهم ثانية… لولا إني تعبان شوية مكنتش خليتك تخرجي.
خوفه عليها كان يحول بينه وبين دفعها للخروج لتجربة بطاقة الائتمان، وعلى الرغم من أنها ستخرج برفقة غيداء ونايف أخيها الأصغر، إلا أنه كان منزعجًا لذلك، لكن هذه الطريقة الوحيدة التي سيضمن بها سلامتها.
حملت چيهان البطاقة، ونزلت إلى الطابق الأرضي، وهناك التقت بغيداء وأخبرتها برغبتها في الذهاب معها برفقة نايف، وأن ذلك أمر صادر من جهة رمزي، لكن غيداء رحبت بالعرض ووافقت، وخرجت معها هي وأخيها.
وقف رمزي يتابعها من سطح المنزل ليطمئن كون چيهان بين أيدٍ آمنة، إذ تجوّل الثلاثة بين الشوارع يتحدثون حتى اندسوا بين الأسواق، فيما كانت إحدى البنوك تتوسط المباني، يقف قبالتها العديد من العملاء. من الوهلة الأولى أحسّ الثلاثة أن المهمة شاقة بعد ذاك التكدّس في طقسٍ حار كاد أن يذيب جلودهم.
الأسواق من حولهم مزدحمة، والنداءات الصاخبة تزعج ما تبقّى من سكينتهم، الباعة ينادون الزبائن، ويعرضون عليهم عروضًا بخسة وكأنهم يجذبونهم بأساليبهم الحاذقة.
نظرت غيداء إلى چيهان بضيق وأشعة الشمس تحيق بأجسادهم، نظرة تخبرها بأن الوضع شاق، لكن بعد نصف ساعة تمكّنوا من الوصول إلى ماكينة الصرّاف الآلي بنجاح، إذ وضعت چيهان البطاقة واتبعت الخطوات، لتجد الأوراق تتسرّب بسلاسة، ما رسم الراحة على وجهها. لم تسحب الكثير، بل تركت باقي الأموال ليتمكن رمزي من سحبها فيما بعد.
في ذلك الوقت كان رمزي يتحمم بماء ساخن، اعتقادًا منه أنه سيقضي على الرطوبة الراقدة في بدنه.
نضح الماء على وجهه، وهو متعجّب من توافد الأفكار في ذهنه دومًا من داخل المرحاض، ذاك الموضع الذي يجعل أي إنسان يتخيل ذاته رئيسًا للجمهورية، أو سفيرًا هامًا يجري مؤتمرًا دبلوماسيًا، لكنه فجأة تذكر چيهان، تلك التي لا تغيب عن رأسه لحظة، محاولًا فك شيفرات اهتمامها الذي جذبه نحوها أكثر من قبل. حتى هي، ورغم أنها بين الأسواق مع غيداء ونايف، يختارون الخضروات والفواكه الطازجة، إلا أنه تربع في رأسها، تفكر في سبب قربه منها هذه الفترة خاصة عن أي وقت مضى.
ترتعب من فكرة اقترابهما، لأن الهوى مهما بلغت قوته لن يجمع اثنين من حيوات مختلفة. هكذا كان اليأس يتملكها، فتخبر نفسها أنها فترة وستمر، وسيعود كل شيء كما كان في الماضي.
القلب ليس سلطانًا أكثر من الظروف التي ترغمهما بما يكتبه القدر، ومن وجهتها الخاصة، أن من شبّ على سلوكٍ شاب عليه، مهما حاول الآخرون تغييره.
التقطت الخضروات والفواكه اللامعة بمساعدة غيداء التي عاونتها بكل حب، فكانتا تضعان المنتقى داخل الأكياس، ونايف، ذاك المراهق الذي لم يتعدَّ الخامسة عشرة من عمره، يقف حارسًا لهما ضد سطوة النشالين في الأسواق.
حتى أنهوا شراء الخضروات والفواكه وبعض الاحتياجات الأخرى، وعادوا جميعًا إلى المنزل، حيث كان كل منهم يحمل أكياس المشتريات، بما فيهم چيهان. لكن “رمزي”، الذي كان ينتظرهم في الأعلى بزيّ جديد، والنظافة تظهر على بشرته اللامعة، رفض أن تحمل چيهان أي شيء، ونادى بصوته، آمرًا نايف بنبرة حازمة:
_نايف يا ولد الخال، شيل كل شي من چيهان، لا تخليها تشيل حتى لو كيس فاضي، واطلعلي على طول!
نفذ نايف ما أمره به رمزي، فحمل بالفعل كل الأكياس عن چيهان وغيداء، وصعد برفقة چيهان التي فرغت يداها من كل ما هو ثقيل، كأنما الغرام هو الذي حماها من قسوة عبوات ثقيلة قد تجرح أناملها الناعمة.
فتح رمزي الباب وحمل الأكياس بدلًا من نايف، ووضعها برفق جانبًا، وعبر عن امتنانه لجهود ابن خاله، إذ صافحه مصافحة سريعة، وودّعه، فدخلت چيهان بإرهاق ساطع على وجهها، وجلست على الأريكة بوهن.
حينها أوصد “رمزي” الباب كما يُنهي الترح من حياته البائسة، وخطى بتعبٍ أقل من السابق، مستردًا عافيته بعد حمامٍ أزال عن كاهله الألم، ووقف قبالة چيهان بقلب يرفرف تولهًا، وفي مضمونه رفض لأي خروج لها من جديد، لأن المرض هو الذي دفعه لذلك هذه الوهلة، وقال:
_عارف إنك تعبتي والمشوار كان تقيل عليكي، بس اعملي حسابك مش هتعملي كده تاني، وأي حاجة تعوزيها اطلبيها مني أنا مش من حد غيري.
لاحقت “چيهان” أنفاسها، وعلى الرغم من رحلة صغيرة خاضتها، إلا أنها لم تشعر بثقل كبير كما اعتقدت، فتسللت أصابعها داخل أحد الأكياس لتُخرج عبوة العلاج، ثم مدّتها له بحنان، وقالت بنبرة مضنية:
_محصلش حاجة… ده العلاج بتاعك.
لكن “رمزي”، الذي اندهشت حواسه، سألها:
_تشكري يا ست البنات، بس عرفتي منين اللي تاعبني وأنا مقولتش؟
غمر الإحراج معالم وجه “چيهان”، فقالت بتردد:
_حسيت من طريقتك إنك خدت رطوبة من الهوا، على العموم العلاج ده كويس، لما كنت بتعب زيك كنت بشتريه، بيجيب نتيجة كويسة…
ثم نهضت بحياء، متجهة إلى غرفتها وهي تتابع مسرعة
_لو احتاجت حاجة خبط على الباب.
صكت الباب وراءها لتغيّر ثيابها بعد نهار طويل كأن لا نهاية له، تاركة رمزي متسمرًا مكانه ينظر إلى عبوة العلاج بذهول، تارة ينظر إلى بابها، والأخرى إلى العلاج، مندهشًا من معرفتها سبب علته الحقيقي دون أن يخبرها بالتفصيل، حتى أنها اشترته له دون أن يطلب، وكأنها لا تطيق تركه مستسلمًا للمرض.
كانت مشاعره غريبة ومتلاطمة كالأمواج، ظل مرتكزًا على كرسيه لمدة ساعتين يفكر بعمق ويتحرى عما يشغله، متلهفًا لرؤية چيهان للمرة الثانية، تلك التي تركت بصمة تتيّمها بهاوية قلبه، أزهرت حياته بالورود دون قصد.
لم يدر لماذا يبتسم كل ثانية وأخرى كالعاقل الذي اختل فجأة على يداها، إلى أن انبتر حبل أخباره على نداء خاله “فهيم” الذي استقر قبالة الدار يناديه بأعلى صوته، فخرج إلى السطح يجيبه بنفس الدرجة المسموعة وكأن لا صوت سوى أصداحهما في الحي، تختلط أحاديثهما بنياق الجِمال المارة، ومن مدلول الحديث استدل رمزي أن خاله يريده سريعًا في مطلب هام لا يحتمل التأخير.
على الرغم من آلامه لب النداء، نزل إلى خيمة الخال بذهن مشوش، راغبًا في دراية المجهول، وهناك شاب بدوي في مقتبل العشرين، يقف متاخمًا الخال فهيم ببسمة واسعة غير معلومة، لكن “رمزي” اقترب وصافح الاثنين بنفس البشاشة الودودة، ثم جلس معهم في الخيمة، ووجهه يشرد مائة سؤال حول المقابلة.
حينما وجد الشاب خجولًا، والخال فهيم يتضاحك، سأله رمزي باهتمام، وقال:
_خير يا خال، علمني الأخبار!
ضحك الخال “فهيم”، وأوضح الأمر بانجلاء، مفسرًا وجود هذا الشاب بينهم، ثم أشار نحوه بلطف وقال:
_الشاب صجر محرچ منك موت يا رمزي، بس بجولك اللي صار… صجر شاف چيهان كم مرة، وآخرها كانت لما راحت مع غيداء اليوم، وعششت في راسه هواي، أول شي سوى جرى عليّ وجال يا عمي فهيم آني طالبها بالحلال، جولتله نچيب أخوها الأول وناخذ رأيه، جولي شنو رأيك؟
زر الذهاب إلى الأعلى