Uncategorized
رواية روح وريحان الفصل السابع عشر 17 بقلم ايناس عادل

رواية روح وريحان الفصل السابع عشر 17 بقلم ايناس عادل
الفصل السابع عشر
طــارق .. لفتت نظره عندما رآها مع “نور” لشعوره بشئ مألوف فيها .. ثم زاد فضوله عندما وجدها تنظر له بشدة .. سؤال عابر سأله لـ”نور” عن كيفية معرفتها بها .. لما أخبرته شعر بشئ ينبض بداخله تجاهها .. فقط تعرفت عليها لتجعلها تبتسم وتخرجها من ضيقها .. لكن بقي فضوله يزداد .. أين رآها قبل .. ولماذا حدقت به بشدة ..
لما رآها مهمومة في المرة الثانية .. شعر أنه قرب من تذكرها .. لقد تحدث معها قبل .. ولكن حدث في نفسه شئ لرؤيتها كذلك .. فاقترب منها رغم أنه لم يفعلها من قبل .. حتى حديثه الذي قال لم يخطط له .. وقف أمامها وتحدث بم جال في خاطره حينها .. ولما سار خلفها .. ثم رآها ترتمي على صدر “باسل” .. شئ يقيني في عقله أخبره أن هذا أخاها .. هذا لن يكون زوجها .. نفس الشئ الذي جعله يوقن أنها ستكون زوجته هو .. لن تكون سوى له هو .. قد يكون خاطر أو وهم .. ولكن ذلك الشئ هو ما جعله يذهب يوميا ينتظر رؤيتها حين دخولها المدرسة أو الخروج منها .. ثم اصطنع مواقف وأفكار جعلته يتعرف على “باسل” حتى أصبح في فترة قصيرة صديقه الحميم وكذلك “يوسف” ..
إلى أن أصبح رؤيتها بالنسبة له حياة .. لا يمر يومه دونها .. في إجازات نهاية الأسبوع .. يشعر بصداع قاتل صباحا وعصرا موعد رؤيته لها .. وكأنه أدمنها .. فقرر يخبرها ما سبب تردده في الزواج بها .. ولكنه تردد .. كيف يخبرها بما يمنعه .. مؤكد سترفضه .. ولكن لربما تقبل ما لم يتقبله هو ..
حسم أمره منذ رأى “ريحانة” معها .. آذاه بشدة أن تخاف منه وهو من المفترض عليه حمايتها .. وبقي فترة يتردد حتى في حسم الأمر .. حتى تذكرها .. تذكر أين رآها من قبل .. وجود “ريحانة” هو من ذكره .. فقد رآها هي الأخرى .. قرر حينها الذهاب إليها ..
كان يتمنى سماع صوتها .. في كل المرات التي رآها لم يسمع صوتها .. ماذا يكون صوتها .. أيكون عذبا ناعما .. أم يكون رقيقا جميلا .. قد يشبه صوت نغمات يحبها .. أو سمفونية مفضلة يسمعها .. أزعجته “ريحانة” بشدة وهي تقطع تأمله وأحلامه .. بسببها لم يسمعها ..
مزعجة “ريحانة” تلك .. حتى يوم رآها قبل في النادي .. كانت هي من وترته وهو يحاول إنقاذ “ريم” .. كانت تبكي بشدة جعلته يتشتت .. على عكس “رنيم” كانت هادئة تحاول تهدئة “ريم” ..
لم يسمع صوت “ريم” في هذا اليوم أيضا .. فلشدة حرجها من وجود رجال حولها وضيقها كذلك .. كانت تتألم في صمت .. يومها جذبه لها شئ غريب لا يدري كنهه .. ولكن مر الأمر بسلام لأنه لم يراها بعدها ..
وأخيرا قرر سيتزوجها .. ولأنه تأخر في قراره .. فقد أتى ما يؤخره أكثر .. فقد كانت أمامه طيلة الفترة الماضية .. ولكن حين قرر جاءه ما يعيقه .. كما أعاق هو الأمر قبل ..
نفس الشئ الذي يعيقه عن كل شئ في حياته .. سيثور ويغضب ولكن لن تفيده ثورته ولا غضبه .. يثور وحده ويغضب وحده ..
دخلت “نور” لتجده يلملم أشياءه بسرعة غاضبة في حقيبة سفره .. لا تعرف كيف تمتص غضبه .. تخشى أن تفتح فمها فيثور عليها .. حتى لا مجال لديها لتمرح معه .. ماذا تفعل .. رفع رأسه وجدها واقفة .. تراجعت خوفا منه .. فسحب نفسا عميقا وهو يقول :
– تفتكري اعمل فيه ايه .. طيب دة ابويا .. تعرفي لولا انه هددني بميراث العنود مكنتش سافرت له ..
اقتربت منه قائلة :
– ماما قالتلك انها متنازلة عن ميراثها .. علشان خاطري متعملش في نفسك كدة ..
ثار قائلا :
– دة حقها ولازم تاخده .. هو عارف ان العنود نقطة ضعفي علشان كدة بيضغط عليا بيها .. كل شوية عاوزني اسافر له علشان اتعرف على مراته الجديدة مرة وعلشان اعلم مراته الجديدة الشغل مرة .. كأني العبد الحبشي اللي مأجرة لمرتاته ..
حاولت “نور” التبسم قائلة :
– هي دي مراته الكام .. التلاتين باين ..
ابتسم هو الآخر ليقول :
– والله ما عدت عارف له .. دة هيدخل موسوعة بعدد اللي اتجوزهم .. انا اهم انجاز عملته في حياتي اني طلقت امي منه ..
اقتربت منه لتقول :
– معلش انت عارف لانك الولد الوحيد بيحبك وبيعمل معاك كدة واخواتك كلهم بنات .. يعني لما يحتاج لحد هيروح للبنات ..
رد ساخرا :
– لا انا عارف انه بيحبني .. وواثق من دة جدا .. انا بس عاوزه يحب العشر بنات زي ما بيحبني ..
ضحكت قائلة :
– خالاتي العزيزات فكرتني بيهم .. كلهم زعلانين منك وبيقولولك هو عشان العنود الكبيرة تزورها هي وهما لا ..
ابتسم قائلا :
– لما ارجع من رحلة المرمطة دي ان شاء الله هزورهم .. المشكلة مش في زياراتهم .. المشكلة في زياراتهم وزيارات امهاتهم .. انا مش عارف بابا بيفتكرهم ازاي ..
قالت باسمة :
– وهو هيفتكرهم ليه وهو مطلقهم .. والله يا طارق انت مش عارف هما بيحبوك ازاي وبيدعولك .. رغم انك الصغير بس بيعتبروك ابوهم .. متحرمهمش من زياراتك دي .. دول نفسهم تتجوز علشان يشوفوا ولادك ويردولك ولو جزء من اللي بتعمله معاهم ..
ضغطت على جرحه فرد بألم :
– وتفتكري مين هيجوزني بنته لو عرف ان ابويا كدة .. بيتجوز ويطلق زي شرب المية .. اكيد اي حد هيخاف على بنته مني .. هيخاف لاطلع زي ابويا ..
ثم تنهد وهو يقول :
– عارفة انا ممكن اسامحه على اي حاجة .. الا انه يكون السبب في ضياعها مني .. ساعتها عمري ما هقدر اسامحه ..
ثم عاد ليكمل ما يفعله وهو يتنهد بحسرة مكتومة ..
———————
على رفرفة قبلاتها على وجهه استيقظ “باسل” .. فتح عينيه وهو يقول مبتسما :
– يا صباح الفل والياسمين على عيون حبيبة بابا ..
تجعد وجهها وهي تبتعد قائلة بضيق :
– يا سلام بقى .. هو مش في وردة اسمها روح ليه مش بتقولي يا صباح الروح يعني .. ولا الفل والياسمين احسن ..
أغمض عينيه وهو يقول ضاحكا :
– بس كدة .. يا صباح الروح على عيونك .. كدة كويس ..
ابتسمت قائلة :
– اه كدة كويس .. اصحى بقى انا صاحية من ساعة ما رجعت من الصلاة ومش نمت تاني ..
رد وهو مازال مغمضا عينيه ليقول :
– طيب ايه رأيك لو سيبتيني انام كمان نص ساعة .. واصحى فايق واقعد معاكي كمان ..
تركت سريره وهي تقول عابسة :
– حاضر ..
بينما عاد هو لنومه مجددا ..
———————–
جلست في الحديقة تنتظر وصول “ريم” حتى تقلها لعملها .. ثم تذهب هي الأخرى لعملها .. أثناء انتظارها .. وصلت حافلة “روح” الخاصة بالمدرسة .. ثم رأت “روح” تذهب نحوها ببطء .. غضبت من “باسل” لما تذكرت رفضه لذهاب “روح” مع “ريم” بحجة اعتمادها على نفسها .. تنهدت “ريحانة” وهي تذهب نحوها قائلة :
– روح .. تعالي يا حبيبتي ..
ذهبت “روح” نحوها وهي تقول عابسة :
– نعم ..
هبطت “ريحانة” لمستواها وهي تقبل يدها قائلة :
– مالك يا قلبي زعلانة ليه ..
احتقن وجه “روح” كمن أوشكت على البكاء وتمنع نفسها قائلة :
– زعلانة من بابا ..
سألت “ريحانة” :
– ليه بس .. دة بابا بيحبك خالص والله .. حد يزعل من باباه اللي بيحبه ..
سالت دموع “روح” وهي تقول :
– معدش بيحبني يا ريحانة ..
قالت “ريحانة” وهي تمسح دموعها :
– مين اللي قالك كدة
شهقت “روح” قائلة :
– هو معدش بيلعب معايا .. ومش بيفسحني يوم الجمعة .. ومش بيرضى يكلمني خالص .. وكل شوية يقول تعبان من الشغل .. شغل شغل شغل ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تضمها لها قائلة :
– لا طبعا ايه الشغل الوحش دة .. طيب حقك عليا انا .. انا هخليه يصالحك ويعتذر لك كمان ..
ثم ابتعدت عنها قائلة :
– ثواني بس اخلي الباص يمشي .. وتيجي معايا انا وريم ..
ذهبت لتخبر السائق بالذهاب ثم عادت لـ”روح” قائلة :
– دلوقتي هتيجي معايا انا وعمتو .. وبعد المدرسة نروح مع بعض المكان اللي تحبيه اتفقنا ..
أومأت “روح” برأسها .. ثم جاءت “ريم” فقالت :
– ايه دة انتي لسة هنا ليه ..
ردت “ريحانة” :
– هتيجي معانا .. عندك اعتراض ولا ايه …
ابتسمت “ريم” لتقول :
– اعتراض .. وانا اقدر .. دة انا عربيتي هتتشرف بوجود حبيبة عمتو ..
في السيارة .. كانت “ريم” تقول :
– ريحانة قلت لك هوصلك الاول يعني هوصلك الاول ..
قالت “ريحانة” باستنكار :
– وليه يا بنتي .. انا خلاص اتعودت على مواصلتين ..
قالت “ريم” بإصرار :
– لا .. انا متعودتش اتعبك معايا كدة .. ميهونش عليا كل يوم اخليكي تيجي معايا للمدرسة وبعدين ..
ثم سكتت عندما لاحظت وجود “روح” التي لا تخفي شيئا عن والدها .. وكذلك قصدت “ريحانة” إسكاتها فقالت :
– انا لازم اجي معاكي المدرسة طبعا علشان اوصل روح حبيبتي بنفسي ..
ردت “ريم” بضيق :
– يا ريحانة السبب اللي كنا بنعمل كدة علشانه خلاص اختفى بقاله كم يوم .. وانا مرتاحة جدا الحمد لله ..
سألت “ريحانة” لتتأكد مم تفكر فيه :
– يوسف كلمك ..
ردت “ريم” بغضب :
– اه كلمني امبارح .. وصوته تعبان جدا .. ومش عاوز يقولي ماله .. وخفت اسأل رنيم يكونوا متخانقين ومش عاوزة تقول .. فسكت اعمل ايه يعني ..
تنهدت “ريحانة” وهي تقول :
– متكلمتيش مع باسل ..
ردت “ريم” بغضب :
– اتكلم معاه ليه يعني .. واتكلم معاه في ايه .. وبعدين هو انا بلاقيه علشان اتكلم معاه ولا اعرف حتى ماله ..
سكتت “ريحانة” وهي تضم رأس “روح” لصدرها في المقعد الخلفي .. سكتت لأنها تأكدت من الشئ الذي يغضب “ريم” ..
أن يوليك أحد ما اهتماما خاصا .. ثم تعيش أنت على اهتمامه .. كأنه الهواء .. وفجأة يسحب هذا الشخص اهتمامه دون مقدمات .. تشعر حينها باختناق وضيق .. كأن الهواء يسحب من رئتيك سحبا .. ولكن هل ستلومه .. أم تلوم نفسك أنك اتخذت الهواء من أناس زائلين .. وعلقت حياتك وآمالك على اهتماماتهم .. ستلومهم ولهم عذرهم على ما فعلوه .. أم تلوم نفسك التي ليس لها عذر في تعلقها ..
———————-
ضاقت بـ”ريحانة” .. فهي تعودت على تدليل خاص من الجميع .. تعودت حين تحزن تجد الجميع حولها .. حتى “باسل” تجده بسخريته ولكن تجده .. أما الآن فقد ضاقت بالجميع حولها .. عليها أن تتحرك لإسعادهم .. ولم تتعود هي على ذلك .. كانت تلك مهمة “ريم” .. ولكن حتى “ريم” مهمومة ..
مشكلتها تكمن في أنها ستبدأ بـ”باسل” .. فبيده أن يدخل السرور على “روح” و”ريم” .. أما عن “رنيم” فأمرها مع “يوسف” يسير .. غياب “باسل” المستمر عن المنزل كان يريحها فهي غير مضطرة لرؤيته ليل نهار .. ولكن يبدو أن الأمر يرهق “ريم” و”روح” لذلك ستتحدث وتتحلى بشجاعتها لأجلهما ..
انتظرته في الحديقة طويلا .. هي تعلم أنه يعود متأخرا .. ولكن هي غير متعودة على الانتظار .. كما أنها لا تريد لجدها السهر أو الجلوس انتظارا .. خشيت على تعبه فطلبت منه الذهاب للنوم .. لتواجه معاناة أخرى .. أن تبقى ليلا في الحديقة وحدها .. ثم تتحدث مع “باسل” وحدها .. ليت “باسل” كان أمامها لتضربه حتى توجعه ..
وأخيرا وصل .. عندما رأت سيارته وقفت في موضع يراها حين يدخل .. ذهب بسيارته لمكانها .. ثم عاد لـ”ريحانة” .. وكالعادة كان يبدو عليه الإرهاق .. وبصوته المرهق سألها :
– ايه اللي موقفك كدة .. وصاحية ليه لحد دلوقتي ..
أشفقت عليه لما رأت إرهاقه .. رغم أنها كانت مستعدة لثورة تخرج فيها خوفها وغضبها .. فقالت بهدوء :
– انا كنت عاوزة اقولك حاجة .. كنت مستنياك ..
رد بإرهاق :
– طيب ممكن بسرعة لأني مش قادراقف على رجلي ..
ذهب عنها إشفاقها وعادت لها ثورتها وهي تقول :
– يعني روح عندها حق .. علطول تقولها انك تعبان وعندك شغل .. ومعدتش بتشوفها ولا بتقعد معاها .. على فكرة بقى كانت بتعيط النهاردة بسببك .. وكمان ريم لو سألتك انت تعرف هي فرحانة ولا زعلانة هتعرف ترد .. طبعا لا .. انت ممكن تشتغل وفي نفس الوقت تهتم ببنتك واختك على فكرة .. بدل ما انت سايبهم كدة بعد ما عودتهم على اهتمامك بيهم ..
ثم أخفضت صوتها وهي تقول هامسة :
– انا مش عاوزة ريم تعرف اني قلتلك حاجة .. خالص .. دي ممكن تزعل مني ..
ثم عادت لتقول ثائرة :
– والله حرام عليك تخلي روح تعيط كدة .. حرام يعني لو حسستها بشوية اهتمام .. اه وفيه حاجة كمان خالتو تعبت تاني .. التعب بتاع المرارة .. ومرضيتش ناخدها لدكتور عشان انت مش موجود .. وكمان جدو نفسه يشوفك .. بس انت عارف انه مستحيل هيقولك كدة ..
أول رد فعل كان استفاقة مفاجئة من إرهاقه وهو يسمع صوتها العالي بقدر يتناسب مع رقتها .. ثم شعور بالحزن تجاه ابنته .. وكذلك “ريم” .. ثم شعور بالتقصير نحوهما .. وفجأة ابتسم حين همست .. ليعود متفاجئا حين علا صوتها ثانية .. ثم يصعق حين تخبره بمرض أمه .. ثم جده .. ولكن أين هي من كل هؤلاء .. ألم تتأثر بغيابه مثلهم .. ألم يضنيها شوقها لأبيها وأخيها مثلهم ..
أنهت ثورتها وتركته وصعدت ..
وقف لبرهة يستوعب ما سمع .. ثم نظر لها وهي تغادر بسرعة غاضبة اعتادها منها .. ثم صعد خلفها للطابق الذي يقطنه .. دخل غرفته مباشرة فالمكان كله يعلوه هدوء تعوده عند عودته .. كانت “ريم” تنتظره في البداية ولكن طلب منها الا تنتظره كما أنه كان يلقي عليها سلاما جافا ويدخل لغرفته ..
الآن شعر بقيمة وجودها في حياته .. كان يلقي سلامه البارد عليها دون قصد .. نظرا لشدة إرهاقه .. ولما عاد مرة لم يجدها تنتظره راوده شعور بالشجن ولكن لم يكتمل .. عود نفسه عليه ..
استلقى على سريره بألم .. وكل ما قالت “ريحانة” يتجسد أمامه .. قام ليتوضأ ويصلي قيامه .. بدأ الصلاة ثم في الركعة الثانية سمع طرقات على الباب ثم شعر بدخول شخص ووقف وراءه يصلي .. انهى صلاته .. والتفت ليجد “ريم” .. أكملت صلاتها ثم قالت وهي لا تنظر له :
– يلا كمل .. انا عاوزة اصلي وراك .. ممكن ..
أمسك وجهها يلفه نحوه قائلا :
– طيب هتصلي ورايا ازاي وانتي مش عاوزة تبصيلي ..
وجد عينيها دامعة فاقترب منها يحتضن وجهها بكفيه قائلا :
– وبتعيطي كمان .. هو انا مزعلك اوي كدة ..
علا نشيجها وهي تضع رأسها على صدره وتنتفض بعنف .. فزع وهو يهدهدها .. لم يتخيل يوما أن ما فعله دون قصد قد يفعل بها ذلك .. حتى في سفره لم يكن يهملها يوما .. كيف نسي نفسه إلى هذا الحد .. خاصة أن “يوسف” هو الآخر غائب .. حتى قبل في وجوده كان منشغلا بخطيبته .. هو أيضا انشغل في عمله بشدة ..
هي لم تطق كتمان مشاعرها كل هذا الوقت .. ولم تطق أن تخفي عن “باسل” ما تشعر به .. تعلم رغم انشغاله إلا إنه سيسمعها .. ويساعدها على تجاوز ما بها ..
أفرغت كل ما فيها على صدره حتى أغرقته .. فابتعدت عنه وهي تبتسم قائلة :
– انا اسفة .. بوظت هدومك خالص ..
ضحك وهو يمسح ما تبقى من دموعها قائلا :
– لا وحطالي كحل كمان علشان تكمل .. ولا انتي حطاه مخصوص علشان تخلي منظر هدومي كدة ..
ضحكت ثم تكلمت بكل ما يخص “طارق” .. ثم سكتت وانتظرت رده .. في حديثها حاولت بقدر الإمكان ألا تدين “طارق” ..
سمع وهو يشعر بندم أن تركها كل هذا الوقت دون أن يطمئن عليها .. دون أن يسمعها ويفتح معها حواراتهما السابقة ..
بعد ان انتهت حاول التبسم قائلا :
– انا محتاج قهوة وبلكونة .. ايه رأيك نقوم نعمل قهوة ونيجي نقعد قعدة من بتوع زمان ..
نظرت له قائلة :
– بس كدة .. مش هتعمل حاجة ..
ضحك قائلا :
– لا ما انا هجهز العصاية .. وانتي تعمليلي قهوة ..
حملقت فيه قائلة :
– بجد ..
رد قائلا :
– قومي يا ريم .. قومي ربنا يهديكي .. انا محتاج قهوة ..
حضرا القهوة ثم عادا ليجلسا في شرفته .. ظل يحتسي قهوته بشرود وهي تنظر له تنتظر حديثه .. بعد فترة نظر لها قائلا :
– اشربي قهوتك ..
احتست قهوتها وقلقها يزداد .. لماذا سكت .. أنهى قهوته ثم نظر لها قائلا :
– يعني انتي قابلتيه من 3 سنين .. وبعدين حلمتي بيه السنة دي .. وافتكرتي انك اول مرة تشوفيه في الحلم .. وبعدين شفتيه في الواقع .. وعرفتي اسمه ووظيفته وسنه كمان ما شاء الله لا ومتجوز ولا لا من نفسك .. وبعدين شفتيه كتير مش عارفة ازاي .. وبعدين لقيتي نفسك بتفكري فيه كتير .. فحسيتي انك كدة بتعملي حاجة غلط فجيتي قلتيلي .. صح ..
أومأت وهي تشعر بجفاف حلقها .. فاقترب منها قائلا :
– طيب بما انها قاعدة صراحة بقى .. تقوليلي كل حاجة .. يعني انتي فاكراني هيتضحك عليا بالكلمتين دول ..
زاغ بصرها وهي تسأل :
– كل حاجة ازاي ..
عاد للخلف وهو يقول :
– طيب انا هسأل وانتي تجاوبي .. هو اللي كلمك وقالك البطاقة الشخصية بتاعته ..
ابتلعت ريقها وهي تقول :
– اه .. بس انا مردتش عليه .. وكمان هو مضايقنيش ومعمليش حاجة .. يعني قالي كدة وبس ..
قال :
– ماشي هعديها .. ولما بقيتي بتشوفيه كتير .. مش عارفة ازاي بردو ولا هو اللي كان بيجي يشوفك ..
توترت وهي تجيب :
– والله يا باسل انا كنت بشوفه واقف بعيد بس .. ولا مرة حاول يكلمني لما كنت لوحدي .. بس لما بقت معايا ريحانة .. جه كلمنا الاسبوع اللي فات بس .. حتى ريحانة هي اللي ردت عليه ومديتوش فرصة يقول حاجة .. هو بس قال انه عاوز يقولي حاجة قبل ما ييجي يتقدم لي .. بس مقالش ..
تنهد “باسل” ثم رفع رأسه ينظر للسماء .. وبعد برهة قال :
– ومتقدمش ..
وجمت قائلة :
– باسل انا معملتش حاجة غلط ..
رد قائلا :
– عارف .. انا اللي غلطت ..
قالت بصوت باكي :
– بتتريق ..
نطر لها قائلا :
– لا والله ابدا .. انا فعلا اللي غلطت .. وبعدين يا قلبي انتي اغلى من انك تعلقي قلبك بحد ميستحقكيش ..
نظرت له قائلة :
– ميستحقنيش ..
ابتسم قائلا :
– انتي متأكدة انك متكلمتيش معاه خالص ..
ردت مدافعة :
– ابدا والله العظيم ..
ضحك قائلا :
– خلاص مصدقك من غير ما تحلفي .. بس اللي يستحقك هيجيلك لحد عندك في بيتك ويطلبك .. مش هيتصرف تصرفات العيال دي ..
ثم انتقل ليجلس جوارها قائلا :
– وبعدين يعني لما تخافي تخلي ريحانة معاكي .. وانا رحت فين .. من بكرة ان شاء الله تنسي عربيتك دي .. هتروحي وتيجي معايا ..
أومأت وهي تستند برأسها على صدره قائلة :
– حاضر .. بس انت مش زعلان مني ..
ابتسمت وهو يقبل رأسها قائلا :
– لا انا زعلان من نفسي اني سيبتك كل دة لوحدك .. بس من النهاردة مش هسيبك ان شاء الله .. والبشمهندس دة بقى سيبيهولي ..
ابتعدت عنه لتقول في فزع :
– هتعمل فيه ايه ..
نظر لها مستنكرا .. فأخفضت بصرها .. فأمسك يدها يوقفها قائلا :
– متخافيش مش هموته .. بس مش شايفة انك مزوداها شويتين تلاتة كدة ..
سارت جواره وهي تقول :
– انا خايفة عليك لتورط نفسك في حاجة ..
ابتسم قائلا :
– خايفة عليا .. اه .. طيب يلا يا حبيبتي نكمل صلاة .. وبعدين نشوف هنعمل ايه في الموضوع دة ..
————————-
مر على سفره أسبوع ولم يهاتفها .. برأت “رنيم” من مرضها وعادت لعملها .. لم تذهب بسيارتها احتراما له .. وذهبت مع أبيها .. رغم أن الطريقة التي تركت بها سيارتها لم ترضها .. ولكن شعورها وهي تذهب مع والدها احتراما لطلبه كان غريبا .. لا تميزه أهو سعادة أم فخر .. ولكن هي تعيش في دوامات السعادة منذ اعترف لها بحبه ..
شعور غريب عليها أن يحبها شخص .. وأن يكون قلبه لها وفقط .. أن يعتذر عما فعله فيها ويشعر بالندم لأجلها .. لم لا تسامحه إذا .. لولا علمها أن طبيعته غير التي أظهرها لما سامحته .. لن تحبه “ريم” أو حتى “ريحانة” إن كانت تلك طبيعته .. لن تحدثانها عنه كأنه فارس أسطوري .. لن تخبرها “ريحانة” أنها لن تندم معه ..
ولكن لماذا لم يحدثها طيلة الأسبوع الماضي .. أيكون تركها تفكر كما قال .. في أي شئ تفكر .. لقد اتخذت قرارها قبل ذهابه .. كيف يجعلها تغير كل مشاعرها نحوه في اسبوع واحد .. أم أن هذه مشاعرها منذ البداية ولكن وئدت تحت معاملته القاسية لها ..
اشتاقت له ويأبى كبرياؤها أن تهاتفه هي .. لماذا لم يطمئن حتى على صحتها .. تعرف أخباره من “ريم” و”ريحانة” حين يتحدثن عنه كأنه يهاتفها هي الأخرى .. سمعت “ريحانة” تقول أن صوته يوحي بتعب أو حزن .. تقطر قلبها ألما .. كادت تهاتفه حينها ولكن شعرت بخجل مميت أن تبدأ هي .. كيف تتحدث معه وبأي شئ تبدأ ..
بعد وصولها لعملها في أول يوم لها بعد مرضها .. حاولت الدخول بثقتها المعتادة .. ولكن هناك شئ يمنعها .. تشعر أن الجميع ينظر نحوها .. لم تتعرض لتقصير في عملها من قبل .. وصلت مكتبها حيث “نهلة” التي استقبلتها بترحاب كبير .. ثم دخلت خلفها قائلة :
– ايوة يا عم جاي ونافش ريشك علينا بقى ..
ابتسمت “رنيم” لتقول :
– اهو الحسد دة اللي جايبنا ورا .. يعني تبقى المصايب دي كلها فوق راسي وانتي تقولي نافش ريشك .. انا رايحة اشوف هيتحقق معايا امتى بعد اذنك …
اندهشت “نهلة” قائلة :
– ايه دة انتي متعرفيش اللي حصل ولا ايه ..
التفتت لها “رنيم” قائلة :
– ايه اللي حصل ..
ابتسمت “نهلة” قائلة :
– اللي عمله الفارس الهمام علشانك ..
ضحكت “رنيم” قائلة :
– ما تقولي يا بنتي فيه ايه علطول .. فارس ايه اللي بتتكلمي عنه ..
اقتربت منها “نهلة” لتقول برقة مصطنعة :
– الدكتور يوسف ..
قطبت “رنيم” ما بين حاجبيها قائلة :
– اتكلمي كويس يا نهلة .. وخلي الرقة دي لزوجك .. وقولي ماله يوسف ..
ضحكت “نهلة” قائلة :
– زوجي حبيبي ابو ولادي .. اما عن بعلك بقى فسوى الهوايل .. بصي يا ستي .. اول حاجة عملها مشكلة التحقيق .. مش عارفة ازاي طلب شهادة كل وكلاء النيابة اللي اشتغلتي معاهم .. وكلهم جم .. وشهدوا بحسن السير والسلوك لحضرتك .. فاضل ايه بقى .. الدكاترة اللي اشتغلوا معاكي في القضية دي قالوا ان الخطأ غير مقصود وقدموا الادلة على كدة .. وبكدة انتهى التحقيق على غرامة مالية عقابا لاهمالك .. هي كبيرة شوية بس هو دفعها .. اما عن الرسالة .. فضل ورا الدكتور عبد العظيم لغاية ما أقنعه ان المناقشة بتاعتك تبقى بعد 3 اسابيع من النهاردة .. اما عن تقييم الشهر اللي فات فدة للاسف مفيش منه مفر سوى انك تشدي حيلك الشهر دة وتثبتي انك احسن دكتورة هنا زي ما كنتي ..
جلست “رنيم” وهي تضع يدها على وجهها تتمتم :
– الحمد لله .. اللهم لك الحمد والشكر ..
ثم رفعت نظرها لـ”نهلة” قائلة :
– انتي متأكدة ان يوسف عمل كدة ..
ابتسمت “نهلة” لتقول :
– زي ما انا شايفاكي قدامي دلوقتي ..
بسرعة أمسكت هاتفها وأرسلت له رسالة محتواها “شكرا يا يوسف” ..
——————-
رغم فظاظته معها التي لم يعهدها في نفسه .. ورغم معاملته الجافة ظاهريا لها .. إلا أنه كان يراها يوميا .. يسمع صوتها وهمسها .. لكن أن يبقى أسبوع دون رؤيتها .. دون صوتها .. دون سحر عينيها .. أن يحرم نفسه من ابتسامتها التي عادة ما تكون ساخرة .. ولكن حتى في سخريتها فهي ساحرة ..
لكم أضناه شوقه لها .. وكم اشتاق لحديثه معها .. لا يعرف كيف يمنع نفسه عن مهاتفتها .. ولكن يخشى أن يضغط على أعصابها .. هو يريد أن يريحها منه قليلا .. ولكن هو من يريحه ؟! .. يكلم “ريحانة” و”ريم” يوميا عساهما تأتيان باسمها أو تخبرانه عنها أي شئ .. ولما ضاقت به .. سأل “ريحانة” فهي على علم مسبق بما بينهما .. ومن خلالها كان يطمئن عليها ويعرف أخبارها .. ريحانته الجميلة كانت تخبره بكل ما يريده .. ورغم ذلك كان بحاجة لسماع صوتها هي ..
حتى وصلت رسالتها “شكرا يا يوسف” .. شعر بسعادة عظيمة لسعادتها .. قد يكون ما فعل تعويض عما مضى .. ولكن من يعوضه هو على ما ضيعه دون أن يخبرها بمشاعره ويستمتع بالحديث والحوار معها .. دون أن يعرف أجمل ما فيها وركز فقط على مساوئها ..
تردد في الرد .. ماذا يقول .. أيحدثها أم يرسل لها رسالة مكتوبة .. بأي شئ يبدأ وماذا يكتب .. لو تحدث لقال كلاما كثيرا .. ولو كتب لكتب شعرا .. ظل في تردده حتى سكت وتراجع ..
هي انتظرت طويلا .. سيتحدث أم سيبعث لها برسالة .. لو تحدث بماذا سترد .. ولو تلقت رسالة ماذا سيكتب .. ولما طال انتظارها يئست ..
في الليل صلت”رنيم” قيامها ثم قرأت وردها قبل نومها .. ومنذ سفره لم تعد تنم مباشرة .. بل تظل ساهرة على فراشها تفكر فيه .. وحين يرهقها تفكيرها تنام لتحلم به ..
هو الآخر وصل شوقه لذروته لم يعد قادرا على الاحتمال ..
فقرر الاتصال فقط سيسمع صوتها .. فقط لن يتحدث .. وقام بأمر الاتصال ..
كانت قد ذهبت في نوم قلق .. وحين سمعت هاتفها قامت فزعة .. لم تصدق الصوت الذي سمعته .. قبل كانت تخصص له نغمة حتى لا تنظر لهاتفها حين تسمعها ولا ترد .. وقبل كانت تعتبر نغمته تلك شيئا مزعجا لا تطيق سماعها .. لكن لماذا أصبحت فجأة ممتعة .. جميلة .. أصبحت كالماء لظمآن ..
بلهفة أمسكت هاتفها وهي تجيب :
– يوسف ..
تتابعت أنفاسه بشوق ولهفة وهو يسمع صوتها ولم يرد .. فقط يريد أن يسمعها ..
رددت هي :
– يوسف انت كويس ؟ ..
ابتسم ثم رد :
– طالما سمعت صوتك بقيت كويس ..
كان السكوت من نصيبها هذه المرة .. وتتابع الأنفاس بشوق ولهفة كان لكليهما .. وبقيا يستمعان لصوت أنفاسهما دون حديث .. حتى قطع “يوسف” الصمت قائلا :
– هو انا ممكن اقولك وحشتيني ..
تنحنحت ولم ترد وشعرت بالدم يأتي فجأة لوجهها .. فضحك قائلا :
– اعتبر النحنحة دي وانا كمان ..
ابتسمت .. ثم قالت لتغطي خجلها :
– انا متشكرة على اللي انت عملته ..
سكت لبرهة ثم قال :
– ممكن دة يكفر عن اللي ..
قاطعته قائلة :
– يوسف خلاص .. الغلط كان مشترك بينا ..
ابتسم وقال :
– يعني لو قلت لك تسامحيني هتسامحيني ..
تنهدت ثم قالت :
– صدقني يا يوسف والله خلاص معدتش بفكر في اللي حصل .. ياريت بس انت ماتاخدش عني فكرة غلط تاني .. يعني ممكن تواجهني وتسألني عن أي حاجة .. لكن متعاملنيش على راي انت كونته في دماغك ملوش اي اساس ..
سكت وسكتت .. ثم عادا لحديث الصمت مجددا .. قطعته هي هذه المرة قائلة :
– احم .. المؤتمر .. كويس ..
ابتسم قائلا :
– اه كويس جدا وبيسلم عليكي ..
ضحكت وضحك .. وطال حديثهما .. حتى طلع الفجر فقالت :
– يوسف ..
– نعم ..
– الفجر
– لسة ساعتين ..
– لا دة عندك انت .. الفجر أذن عندي ..
– طيب صلي واكلمك تاني .. انتي كدة كدة مش هتلحقي تنامي ..
– انا رأيي اروح أأجل الرسالة ست شهور تاني علشان نفضى للكلام بقى ..
– رنيم ..
– نعم ..
– انتي روحتي بعربيتك ..
– انت رأيك ايه ..
– مش عارف .. حسب انتي شايفة الحكاية بالنسبة لي ايه .. يعني انتي شايفاها تحكم ولا خوف عليكي أو غيرة ..
– مش الأولى ..
– باباكي اللي وصلك ..
– اه .. احم الفجر .. سلام
– سلام ..
كما بدل مشاعرها تجاهه في أسبوع واحد .. استطاع أن يكسر الحدود بينهما في سويعات ..
بعد أن أغلقت بعث لها برسالة
“فإذا وقفت أمام حسنك صامتا .. فالصمت في حرم الجمال جمال
كلماتنا في الحب تقتل حبنا .. إن الحروف تموت حين تقال “
قرأتها ثم تمتمت :
– صمت !! .. لما كل دة صمت امال لو اتكلمت هتقول ايه ..
——————
لها يومان مع “باسل” .. شعور افتقدته منذ زمن .. أصبحت تحدثه بكل شئ .. لو مرت بمكان ذكرها بـ”طارق” تخبره .. لم ينظر لها بنظرة لوم أو عتاب .. فقط يحتوي مشاعرها .. ثم يتعمد ألا يمر بذلك المكان .. وهي تلاحظ .. ولا تتكلم ..
حتى وصل “طارق” .. وجدته يقف أمام سيارة “باسل” ثم يسلم عليه بترحاب شديد كأنه صديقه .. لمحها فبدا عليه المفاجأة التي لم تفت “باسل” والذي بدأ يجمع الخيوط في عقله .. ثم فجأة ضغط بيده على يد “طارق” التي مازال يمسكها .. ونظر له نظرة لائمة .. ثم استأذنه وعاد لسيارته ..
شغل سيارته ثم قال بعد فترة :
– دة طارق ..
نظرت له بخوف شديد ثم أومأت ..
فضرب مقود السيارة بقبضة يده .. ثم تمتم قائلا :
– لسة جاي تطلبها دلوقتي يا طارق .. ماشي .. اما نشوف
طــارق .. لفتت نظره عندما رآها مع “نور” لشعوره بشئ مألوف فيها .. ثم زاد فضوله عندما وجدها تنظر له بشدة .. سؤال عابر سأله لـ”نور” عن كيفية معرفتها بها .. لما أخبرته شعر بشئ ينبض بداخله تجاهها .. فقط تعرفت عليها لتجعلها تبتسم وتخرجها من ضيقها .. لكن بقي فضوله يزداد .. أين رآها قبل .. ولماذا حدقت به بشدة ..
لما رآها مهمومة في المرة الثانية .. شعر أنه قرب من تذكرها .. لقد تحدث معها قبل .. ولكن حدث في نفسه شئ لرؤيتها كذلك .. فاقترب منها رغم أنه لم يفعلها من قبل .. حتى حديثه الذي قال لم يخطط له .. وقف أمامها وتحدث بم جال في خاطره حينها .. ولما سار خلفها .. ثم رآها ترتمي على صدر “باسل” .. شئ يقيني في عقله أخبره أن هذا أخاها .. هذا لن يكون زوجها .. نفس الشئ الذي جعله يوقن أنها ستكون زوجته هو .. لن تكون سوى له هو .. قد يكون خاطر أو وهم .. ولكن ذلك الشئ هو ما جعله يذهب يوميا ينتظر رؤيتها حين دخولها المدرسة أو الخروج منها .. ثم اصطنع مواقف وأفكار جعلته يتعرف على “باسل” حتى أصبح في فترة قصيرة صديقه الحميم وكذلك “يوسف” ..
إلى أن أصبح رؤيتها بالنسبة له حياة .. لا يمر يومه دونها .. في إجازات نهاية الأسبوع .. يشعر بصداع قاتل صباحا وعصرا موعد رؤيته لها .. وكأنه أدمنها .. فقرر يخبرها ما سبب تردده في الزواج بها .. ولكنه تردد .. كيف يخبرها بما يمنعه .. مؤكد سترفضه .. ولكن لربما تقبل ما لم يتقبله هو ..
حسم أمره منذ رأى “ريحانة” معها .. آذاه بشدة أن تخاف منه وهو من المفترض عليه حمايتها .. وبقي فترة يتردد حتى في حسم الأمر .. حتى تذكرها .. تذكر أين رآها من قبل .. وجود “ريحانة” هو من ذكره .. فقد رآها هي الأخرى .. قرر حينها الذهاب إليها ..
كان يتمنى سماع صوتها .. في كل المرات التي رآها لم يسمع صوتها .. ماذا يكون صوتها .. أيكون عذبا ناعما .. أم يكون رقيقا جميلا .. قد يشبه صوت نغمات يحبها .. أو سمفونية مفضلة يسمعها .. أزعجته “ريحانة” بشدة وهي تقطع تأمله وأحلامه .. بسببها لم يسمعها ..
مزعجة “ريحانة” تلك .. حتى يوم رآها قبل في النادي .. كانت هي من وترته وهو يحاول إنقاذ “ريم” .. كانت تبكي بشدة جعلته يتشتت .. على عكس “رنيم” كانت هادئة تحاول تهدئة “ريم” ..
لم يسمع صوت “ريم” في هذا اليوم أيضا .. فلشدة حرجها من وجود رجال حولها وضيقها كذلك .. كانت تتألم في صمت .. يومها جذبه لها شئ غريب لا يدري كنهه .. ولكن مر الأمر بسلام لأنه لم يراها بعدها ..
وأخيرا قرر سيتزوجها .. ولأنه تأخر في قراره .. فقد أتى ما يؤخره أكثر .. فقد كانت أمامه طيلة الفترة الماضية .. ولكن حين قرر جاءه ما يعيقه .. كما أعاق هو الأمر قبل ..
نفس الشئ الذي يعيقه عن كل شئ في حياته .. سيثور ويغضب ولكن لن تفيده ثورته ولا غضبه .. يثور وحده ويغضب وحده ..
دخلت “نور” لتجده يلملم أشياءه بسرعة غاضبة في حقيبة سفره .. لا تعرف كيف تمتص غضبه .. تخشى أن تفتح فمها فيثور عليها .. حتى لا مجال لديها لتمرح معه .. ماذا تفعل .. رفع رأسه وجدها واقفة .. تراجعت خوفا منه .. فسحب نفسا عميقا وهو يقول :
– تفتكري اعمل فيه ايه .. طيب دة ابويا .. تعرفي لولا انه هددني بميراث العنود مكنتش سافرت له ..
اقتربت منه قائلة :
– ماما قالتلك انها متنازلة عن ميراثها .. علشان خاطري متعملش في نفسك كدة ..
ثار قائلا :
– دة حقها ولازم تاخده .. هو عارف ان العنود نقطة ضعفي علشان كدة بيضغط عليا بيها .. كل شوية عاوزني اسافر له علشان اتعرف على مراته الجديدة مرة وعلشان اعلم مراته الجديدة الشغل مرة .. كأني العبد الحبشي اللي مأجرة لمرتاته ..
حاولت “نور” التبسم قائلة :
– هي دي مراته الكام .. التلاتين باين ..
ابتسم هو الآخر ليقول :
– والله ما عدت عارف له .. دة هيدخل موسوعة بعدد اللي اتجوزهم .. انا اهم انجاز عملته في حياتي اني طلقت امي منه ..
اقتربت منه لتقول :
– معلش انت عارف لانك الولد الوحيد بيحبك وبيعمل معاك كدة واخواتك كلهم بنات .. يعني لما يحتاج لحد هيروح للبنات ..
رد ساخرا :
– لا انا عارف انه بيحبني .. وواثق من دة جدا .. انا بس عاوزه يحب العشر بنات زي ما بيحبني ..
ضحكت قائلة :
– خالاتي العزيزات فكرتني بيهم .. كلهم زعلانين منك وبيقولولك هو عشان العنود الكبيرة تزورها هي وهما لا ..
ابتسم قائلا :
– لما ارجع من رحلة المرمطة دي ان شاء الله هزورهم .. المشكلة مش في زياراتهم .. المشكلة في زياراتهم وزيارات امهاتهم .. انا مش عارف بابا بيفتكرهم ازاي ..
قالت باسمة :
– وهو هيفتكرهم ليه وهو مطلقهم .. والله يا طارق انت مش عارف هما بيحبوك ازاي وبيدعولك .. رغم انك الصغير بس بيعتبروك ابوهم .. متحرمهمش من زياراتك دي .. دول نفسهم تتجوز علشان يشوفوا ولادك ويردولك ولو جزء من اللي بتعمله معاهم ..
ضغطت على جرحه فرد بألم :
– وتفتكري مين هيجوزني بنته لو عرف ان ابويا كدة .. بيتجوز ويطلق زي شرب المية .. اكيد اي حد هيخاف على بنته مني .. هيخاف لاطلع زي ابويا ..
ثم تنهد وهو يقول :
– عارفة انا ممكن اسامحه على اي حاجة .. الا انه يكون السبب في ضياعها مني .. ساعتها عمري ما هقدر اسامحه ..
ثم عاد ليكمل ما يفعله وهو يتنهد بحسرة مكتومة ..
———————
على رفرفة قبلاتها على وجهه استيقظ “باسل” .. فتح عينيه وهو يقول مبتسما :
– يا صباح الفل والياسمين على عيون حبيبة بابا ..
تجعد وجهها وهي تبتعد قائلة بضيق :
– يا سلام بقى .. هو مش في وردة اسمها روح ليه مش بتقولي يا صباح الروح يعني .. ولا الفل والياسمين احسن ..
أغمض عينيه وهو يقول ضاحكا :
– بس كدة .. يا صباح الروح على عيونك .. كدة كويس ..
ابتسمت قائلة :
– اه كدة كويس .. اصحى بقى انا صاحية من ساعة ما رجعت من الصلاة ومش نمت تاني ..
رد وهو مازال مغمضا عينيه ليقول :
– طيب ايه رأيك لو سيبتيني انام كمان نص ساعة .. واصحى فايق واقعد معاكي كمان ..
تركت سريره وهي تقول عابسة :
– حاضر ..
بينما عاد هو لنومه مجددا ..
———————–
جلست في الحديقة تنتظر وصول “ريم” حتى تقلها لعملها .. ثم تذهب هي الأخرى لعملها .. أثناء انتظارها .. وصلت حافلة “روح” الخاصة بالمدرسة .. ثم رأت “روح” تذهب نحوها ببطء .. غضبت من “باسل” لما تذكرت رفضه لذهاب “روح” مع “ريم” بحجة اعتمادها على نفسها .. تنهدت “ريحانة” وهي تذهب نحوها قائلة :
– روح .. تعالي يا حبيبتي ..
ذهبت “روح” نحوها وهي تقول عابسة :
– نعم ..
هبطت “ريحانة” لمستواها وهي تقبل يدها قائلة :
– مالك يا قلبي زعلانة ليه ..
احتقن وجه “روح” كمن أوشكت على البكاء وتمنع نفسها قائلة :
– زعلانة من بابا ..
سألت “ريحانة” :
– ليه بس .. دة بابا بيحبك خالص والله .. حد يزعل من باباه اللي بيحبه ..
سالت دموع “روح” وهي تقول :
– معدش بيحبني يا ريحانة ..
قالت “ريحانة” وهي تمسح دموعها :
– مين اللي قالك كدة
شهقت “روح” قائلة :
– هو معدش بيلعب معايا .. ومش بيفسحني يوم الجمعة .. ومش بيرضى يكلمني خالص .. وكل شوية يقول تعبان من الشغل .. شغل شغل شغل ..
ابتسمت “ريحانة” وهي تضمها لها قائلة :
– لا طبعا ايه الشغل الوحش دة .. طيب حقك عليا انا .. انا هخليه يصالحك ويعتذر لك كمان ..
ثم ابتعدت عنها قائلة :
– ثواني بس اخلي الباص يمشي .. وتيجي معايا انا وريم ..
ذهبت لتخبر السائق بالذهاب ثم عادت لـ”روح” قائلة :
– دلوقتي هتيجي معايا انا وعمتو .. وبعد المدرسة نروح مع بعض المكان اللي تحبيه اتفقنا ..
أومأت “روح” برأسها .. ثم جاءت “ريم” فقالت :
– ايه دة انتي لسة هنا ليه ..
ردت “ريحانة” :
– هتيجي معانا .. عندك اعتراض ولا ايه …
ابتسمت “ريم” لتقول :
– اعتراض .. وانا اقدر .. دة انا عربيتي هتتشرف بوجود حبيبة عمتو ..
في السيارة .. كانت “ريم” تقول :
– ريحانة قلت لك هوصلك الاول يعني هوصلك الاول ..
قالت “ريحانة” باستنكار :
– وليه يا بنتي .. انا خلاص اتعودت على مواصلتين ..
قالت “ريم” بإصرار :
– لا .. انا متعودتش اتعبك معايا كدة .. ميهونش عليا كل يوم اخليكي تيجي معايا للمدرسة وبعدين ..
ثم سكتت عندما لاحظت وجود “روح” التي لا تخفي شيئا عن والدها .. وكذلك قصدت “ريحانة” إسكاتها فقالت :
– انا لازم اجي معاكي المدرسة طبعا علشان اوصل روح حبيبتي بنفسي ..
ردت “ريم” بضيق :
– يا ريحانة السبب اللي كنا بنعمل كدة علشانه خلاص اختفى بقاله كم يوم .. وانا مرتاحة جدا الحمد لله ..
سألت “ريحانة” لتتأكد مم تفكر فيه :
– يوسف كلمك ..
ردت “ريم” بغضب :
– اه كلمني امبارح .. وصوته تعبان جدا .. ومش عاوز يقولي ماله .. وخفت اسأل رنيم يكونوا متخانقين ومش عاوزة تقول .. فسكت اعمل ايه يعني ..
تنهدت “ريحانة” وهي تقول :
– متكلمتيش مع باسل ..
ردت “ريم” بغضب :
– اتكلم معاه ليه يعني .. واتكلم معاه في ايه .. وبعدين هو انا بلاقيه علشان اتكلم معاه ولا اعرف حتى ماله ..
سكتت “ريحانة” وهي تضم رأس “روح” لصدرها في المقعد الخلفي .. سكتت لأنها تأكدت من الشئ الذي يغضب “ريم” ..
أن يوليك أحد ما اهتماما خاصا .. ثم تعيش أنت على اهتمامه .. كأنه الهواء .. وفجأة يسحب هذا الشخص اهتمامه دون مقدمات .. تشعر حينها باختناق وضيق .. كأن الهواء يسحب من رئتيك سحبا .. ولكن هل ستلومه .. أم تلوم نفسك أنك اتخذت الهواء من أناس زائلين .. وعلقت حياتك وآمالك على اهتماماتهم .. ستلومهم ولهم عذرهم على ما فعلوه .. أم تلوم نفسك التي ليس لها عذر في تعلقها ..
———————-
ضاقت بـ”ريحانة” .. فهي تعودت على تدليل خاص من الجميع .. تعودت حين تحزن تجد الجميع حولها .. حتى “باسل” تجده بسخريته ولكن تجده .. أما الآن فقد ضاقت بالجميع حولها .. عليها أن تتحرك لإسعادهم .. ولم تتعود هي على ذلك .. كانت تلك مهمة “ريم” .. ولكن حتى “ريم” مهمومة ..
مشكلتها تكمن في أنها ستبدأ بـ”باسل” .. فبيده أن يدخل السرور على “روح” و”ريم” .. أما عن “رنيم” فأمرها مع “يوسف” يسير .. غياب “باسل” المستمر عن المنزل كان يريحها فهي غير مضطرة لرؤيته ليل نهار .. ولكن يبدو أن الأمر يرهق “ريم” و”روح” لذلك ستتحدث وتتحلى بشجاعتها لأجلهما ..
انتظرته في الحديقة طويلا .. هي تعلم أنه يعود متأخرا .. ولكن هي غير متعودة على الانتظار .. كما أنها لا تريد لجدها السهر أو الجلوس انتظارا .. خشيت على تعبه فطلبت منه الذهاب للنوم .. لتواجه معاناة أخرى .. أن تبقى ليلا في الحديقة وحدها .. ثم تتحدث مع “باسل” وحدها .. ليت “باسل” كان أمامها لتضربه حتى توجعه ..
وأخيرا وصل .. عندما رأت سيارته وقفت في موضع يراها حين يدخل .. ذهب بسيارته لمكانها .. ثم عاد لـ”ريحانة” .. وكالعادة كان يبدو عليه الإرهاق .. وبصوته المرهق سألها :
– ايه اللي موقفك كدة .. وصاحية ليه لحد دلوقتي ..
أشفقت عليه لما رأت إرهاقه .. رغم أنها كانت مستعدة لثورة تخرج فيها خوفها وغضبها .. فقالت بهدوء :
– انا كنت عاوزة اقولك حاجة .. كنت مستنياك ..
رد بإرهاق :
– طيب ممكن بسرعة لأني مش قادراقف على رجلي ..
ذهب عنها إشفاقها وعادت لها ثورتها وهي تقول :
– يعني روح عندها حق .. علطول تقولها انك تعبان وعندك شغل .. ومعدتش بتشوفها ولا بتقعد معاها .. على فكرة بقى كانت بتعيط النهاردة بسببك .. وكمان ريم لو سألتك انت تعرف هي فرحانة ولا زعلانة هتعرف ترد .. طبعا لا .. انت ممكن تشتغل وفي نفس الوقت تهتم ببنتك واختك على فكرة .. بدل ما انت سايبهم كدة بعد ما عودتهم على اهتمامك بيهم ..
ثم أخفضت صوتها وهي تقول هامسة :
– انا مش عاوزة ريم تعرف اني قلتلك حاجة .. خالص .. دي ممكن تزعل مني ..
ثم عادت لتقول ثائرة :
– والله حرام عليك تخلي روح تعيط كدة .. حرام يعني لو حسستها بشوية اهتمام .. اه وفيه حاجة كمان خالتو تعبت تاني .. التعب بتاع المرارة .. ومرضيتش ناخدها لدكتور عشان انت مش موجود .. وكمان جدو نفسه يشوفك .. بس انت عارف انه مستحيل هيقولك كدة ..
أول رد فعل كان استفاقة مفاجئة من إرهاقه وهو يسمع صوتها العالي بقدر يتناسب مع رقتها .. ثم شعور بالحزن تجاه ابنته .. وكذلك “ريم” .. ثم شعور بالتقصير نحوهما .. وفجأة ابتسم حين همست .. ليعود متفاجئا حين علا صوتها ثانية .. ثم يصعق حين تخبره بمرض أمه .. ثم جده .. ولكن أين هي من كل هؤلاء .. ألم تتأثر بغيابه مثلهم .. ألم يضنيها شوقها لأبيها وأخيها مثلهم ..
أنهت ثورتها وتركته وصعدت ..
وقف لبرهة يستوعب ما سمع .. ثم نظر لها وهي تغادر بسرعة غاضبة اعتادها منها .. ثم صعد خلفها للطابق الذي يقطنه .. دخل غرفته مباشرة فالمكان كله يعلوه هدوء تعوده عند عودته .. كانت “ريم” تنتظره في البداية ولكن طلب منها الا تنتظره كما أنه كان يلقي عليها سلاما جافا ويدخل لغرفته ..
الآن شعر بقيمة وجودها في حياته .. كان يلقي سلامه البارد عليها دون قصد .. نظرا لشدة إرهاقه .. ولما عاد مرة لم يجدها تنتظره راوده شعور بالشجن ولكن لم يكتمل .. عود نفسه عليه ..
استلقى على سريره بألم .. وكل ما قالت “ريحانة” يتجسد أمامه .. قام ليتوضأ ويصلي قيامه .. بدأ الصلاة ثم في الركعة الثانية سمع طرقات على الباب ثم شعر بدخول شخص ووقف وراءه يصلي .. انهى صلاته .. والتفت ليجد “ريم” .. أكملت صلاتها ثم قالت وهي لا تنظر له :
– يلا كمل .. انا عاوزة اصلي وراك .. ممكن ..
أمسك وجهها يلفه نحوه قائلا :
– طيب هتصلي ورايا ازاي وانتي مش عاوزة تبصيلي ..
وجد عينيها دامعة فاقترب منها يحتضن وجهها بكفيه قائلا :
– وبتعيطي كمان .. هو انا مزعلك اوي كدة ..
علا نشيجها وهي تضع رأسها على صدره وتنتفض بعنف .. فزع وهو يهدهدها .. لم يتخيل يوما أن ما فعله دون قصد قد يفعل بها ذلك .. حتى في سفره لم يكن يهملها يوما .. كيف نسي نفسه إلى هذا الحد .. خاصة أن “يوسف” هو الآخر غائب .. حتى قبل في وجوده كان منشغلا بخطيبته .. هو أيضا انشغل في عمله بشدة ..
هي لم تطق كتمان مشاعرها كل هذا الوقت .. ولم تطق أن تخفي عن “باسل” ما تشعر به .. تعلم رغم انشغاله إلا إنه سيسمعها .. ويساعدها على تجاوز ما بها ..
أفرغت كل ما فيها على صدره حتى أغرقته .. فابتعدت عنه وهي تبتسم قائلة :
– انا اسفة .. بوظت هدومك خالص ..
ضحك وهو يمسح ما تبقى من دموعها قائلا :
– لا وحطالي كحل كمان علشان تكمل .. ولا انتي حطاه مخصوص علشان تخلي منظر هدومي كدة ..
ضحكت ثم تكلمت بكل ما يخص “طارق” .. ثم سكتت وانتظرت رده .. في حديثها حاولت بقدر الإمكان ألا تدين “طارق” ..
سمع وهو يشعر بندم أن تركها كل هذا الوقت دون أن يطمئن عليها .. دون أن يسمعها ويفتح معها حواراتهما السابقة ..
بعد ان انتهت حاول التبسم قائلا :
– انا محتاج قهوة وبلكونة .. ايه رأيك نقوم نعمل قهوة ونيجي نقعد قعدة من بتوع زمان ..
نظرت له قائلة :
– بس كدة .. مش هتعمل حاجة ..
ضحك قائلا :
– لا ما انا هجهز العصاية .. وانتي تعمليلي قهوة ..
حملقت فيه قائلة :
– بجد ..
رد قائلا :
– قومي يا ريم .. قومي ربنا يهديكي .. انا محتاج قهوة ..
حضرا القهوة ثم عادا ليجلسا في شرفته .. ظل يحتسي قهوته بشرود وهي تنظر له تنتظر حديثه .. بعد فترة نظر لها قائلا :
– اشربي قهوتك ..
احتست قهوتها وقلقها يزداد .. لماذا سكت .. أنهى قهوته ثم نظر لها قائلا :
– يعني انتي قابلتيه من 3 سنين .. وبعدين حلمتي بيه السنة دي .. وافتكرتي انك اول مرة تشوفيه في الحلم .. وبعدين شفتيه في الواقع .. وعرفتي اسمه ووظيفته وسنه كمان ما شاء الله لا ومتجوز ولا لا من نفسك .. وبعدين شفتيه كتير مش عارفة ازاي .. وبعدين لقيتي نفسك بتفكري فيه كتير .. فحسيتي انك كدة بتعملي حاجة غلط فجيتي قلتيلي .. صح ..
أومأت وهي تشعر بجفاف حلقها .. فاقترب منها قائلا :
– طيب بما انها قاعدة صراحة بقى .. تقوليلي كل حاجة .. يعني انتي فاكراني هيتضحك عليا بالكلمتين دول ..
زاغ بصرها وهي تسأل :
– كل حاجة ازاي ..
عاد للخلف وهو يقول :
– طيب انا هسأل وانتي تجاوبي .. هو اللي كلمك وقالك البطاقة الشخصية بتاعته ..
ابتلعت ريقها وهي تقول :
– اه .. بس انا مردتش عليه .. وكمان هو مضايقنيش ومعمليش حاجة .. يعني قالي كدة وبس ..
قال :
– ماشي هعديها .. ولما بقيتي بتشوفيه كتير .. مش عارفة ازاي بردو ولا هو اللي كان بيجي يشوفك ..
توترت وهي تجيب :
– والله يا باسل انا كنت بشوفه واقف بعيد بس .. ولا مرة حاول يكلمني لما كنت لوحدي .. بس لما بقت معايا ريحانة .. جه كلمنا الاسبوع اللي فات بس .. حتى ريحانة هي اللي ردت عليه ومديتوش فرصة يقول حاجة .. هو بس قال انه عاوز يقولي حاجة قبل ما ييجي يتقدم لي .. بس مقالش ..
تنهد “باسل” ثم رفع رأسه ينظر للسماء .. وبعد برهة قال :
– ومتقدمش ..
وجمت قائلة :
– باسل انا معملتش حاجة غلط ..
رد قائلا :
– عارف .. انا اللي غلطت ..
قالت بصوت باكي :
– بتتريق ..
نطر لها قائلا :
– لا والله ابدا .. انا فعلا اللي غلطت .. وبعدين يا قلبي انتي اغلى من انك تعلقي قلبك بحد ميستحقكيش ..
نظرت له قائلة :
– ميستحقنيش ..
ابتسم قائلا :
– انتي متأكدة انك متكلمتيش معاه خالص ..
ردت مدافعة :
– ابدا والله العظيم ..
ضحك قائلا :
– خلاص مصدقك من غير ما تحلفي .. بس اللي يستحقك هيجيلك لحد عندك في بيتك ويطلبك .. مش هيتصرف تصرفات العيال دي ..
ثم انتقل ليجلس جوارها قائلا :
– وبعدين يعني لما تخافي تخلي ريحانة معاكي .. وانا رحت فين .. من بكرة ان شاء الله تنسي عربيتك دي .. هتروحي وتيجي معايا ..
أومأت وهي تستند برأسها على صدره قائلة :
– حاضر .. بس انت مش زعلان مني ..
ابتسمت وهو يقبل رأسها قائلا :
– لا انا زعلان من نفسي اني سيبتك كل دة لوحدك .. بس من النهاردة مش هسيبك ان شاء الله .. والبشمهندس دة بقى سيبيهولي ..
ابتعدت عنه لتقول في فزع :
– هتعمل فيه ايه ..
نظر لها مستنكرا .. فأخفضت بصرها .. فأمسك يدها يوقفها قائلا :
– متخافيش مش هموته .. بس مش شايفة انك مزوداها شويتين تلاتة كدة ..
سارت جواره وهي تقول :
– انا خايفة عليك لتورط نفسك في حاجة ..
ابتسم قائلا :
– خايفة عليا .. اه .. طيب يلا يا حبيبتي نكمل صلاة .. وبعدين نشوف هنعمل ايه في الموضوع دة ..
————————-
مر على سفره أسبوع ولم يهاتفها .. برأت “رنيم” من مرضها وعادت لعملها .. لم تذهب بسيارتها احتراما له .. وذهبت مع أبيها .. رغم أن الطريقة التي تركت بها سيارتها لم ترضها .. ولكن شعورها وهي تذهب مع والدها احتراما لطلبه كان غريبا .. لا تميزه أهو سعادة أم فخر .. ولكن هي تعيش في دوامات السعادة منذ اعترف لها بحبه ..
شعور غريب عليها أن يحبها شخص .. وأن يكون قلبه لها وفقط .. أن يعتذر عما فعله فيها ويشعر بالندم لأجلها .. لم لا تسامحه إذا .. لولا علمها أن طبيعته غير التي أظهرها لما سامحته .. لن تحبه “ريم” أو حتى “ريحانة” إن كانت تلك طبيعته .. لن تحدثانها عنه كأنه فارس أسطوري .. لن تخبرها “ريحانة” أنها لن تندم معه ..
ولكن لماذا لم يحدثها طيلة الأسبوع الماضي .. أيكون تركها تفكر كما قال .. في أي شئ تفكر .. لقد اتخذت قرارها قبل ذهابه .. كيف يجعلها تغير كل مشاعرها نحوه في اسبوع واحد .. أم أن هذه مشاعرها منذ البداية ولكن وئدت تحت معاملته القاسية لها ..
اشتاقت له ويأبى كبرياؤها أن تهاتفه هي .. لماذا لم يطمئن حتى على صحتها .. تعرف أخباره من “ريم” و”ريحانة” حين يتحدثن عنه كأنه يهاتفها هي الأخرى .. سمعت “ريحانة” تقول أن صوته يوحي بتعب أو حزن .. تقطر قلبها ألما .. كادت تهاتفه حينها ولكن شعرت بخجل مميت أن تبدأ هي .. كيف تتحدث معه وبأي شئ تبدأ ..
بعد وصولها لعملها في أول يوم لها بعد مرضها .. حاولت الدخول بثقتها المعتادة .. ولكن هناك شئ يمنعها .. تشعر أن الجميع ينظر نحوها .. لم تتعرض لتقصير في عملها من قبل .. وصلت مكتبها حيث “نهلة” التي استقبلتها بترحاب كبير .. ثم دخلت خلفها قائلة :
– ايوة يا عم جاي ونافش ريشك علينا بقى ..
ابتسمت “رنيم” لتقول :
– اهو الحسد دة اللي جايبنا ورا .. يعني تبقى المصايب دي كلها فوق راسي وانتي تقولي نافش ريشك .. انا رايحة اشوف هيتحقق معايا امتى بعد اذنك …
اندهشت “نهلة” قائلة :
– ايه دة انتي متعرفيش اللي حصل ولا ايه ..
التفتت لها “رنيم” قائلة :
– ايه اللي حصل ..
ابتسمت “نهلة” قائلة :
– اللي عمله الفارس الهمام علشانك ..
ضحكت “رنيم” قائلة :
– ما تقولي يا بنتي فيه ايه علطول .. فارس ايه اللي بتتكلمي عنه ..
اقتربت منها “نهلة” لتقول برقة مصطنعة :
– الدكتور يوسف ..
قطبت “رنيم” ما بين حاجبيها قائلة :
– اتكلمي كويس يا نهلة .. وخلي الرقة دي لزوجك .. وقولي ماله يوسف ..
ضحكت “نهلة” قائلة :
– زوجي حبيبي ابو ولادي .. اما عن بعلك بقى فسوى الهوايل .. بصي يا ستي .. اول حاجة عملها مشكلة التحقيق .. مش عارفة ازاي طلب شهادة كل وكلاء النيابة اللي اشتغلتي معاهم .. وكلهم جم .. وشهدوا بحسن السير والسلوك لحضرتك .. فاضل ايه بقى .. الدكاترة اللي اشتغلوا معاكي في القضية دي قالوا ان الخطأ غير مقصود وقدموا الادلة على كدة .. وبكدة انتهى التحقيق على غرامة مالية عقابا لاهمالك .. هي كبيرة شوية بس هو دفعها .. اما عن الرسالة .. فضل ورا الدكتور عبد العظيم لغاية ما أقنعه ان المناقشة بتاعتك تبقى بعد 3 اسابيع من النهاردة .. اما عن تقييم الشهر اللي فات فدة للاسف مفيش منه مفر سوى انك تشدي حيلك الشهر دة وتثبتي انك احسن دكتورة هنا زي ما كنتي ..
جلست “رنيم” وهي تضع يدها على وجهها تتمتم :
– الحمد لله .. اللهم لك الحمد والشكر ..
ثم رفعت نظرها لـ”نهلة” قائلة :
– انتي متأكدة ان يوسف عمل كدة ..
ابتسمت “نهلة” لتقول :
– زي ما انا شايفاكي قدامي دلوقتي ..
بسرعة أمسكت هاتفها وأرسلت له رسالة محتواها “شكرا يا يوسف” ..
——————-
رغم فظاظته معها التي لم يعهدها في نفسه .. ورغم معاملته الجافة ظاهريا لها .. إلا أنه كان يراها يوميا .. يسمع صوتها وهمسها .. لكن أن يبقى أسبوع دون رؤيتها .. دون صوتها .. دون سحر عينيها .. أن يحرم نفسه من ابتسامتها التي عادة ما تكون ساخرة .. ولكن حتى في سخريتها فهي ساحرة ..
لكم أضناه شوقه لها .. وكم اشتاق لحديثه معها .. لا يعرف كيف يمنع نفسه عن مهاتفتها .. ولكن يخشى أن يضغط على أعصابها .. هو يريد أن يريحها منه قليلا .. ولكن هو من يريحه ؟! .. يكلم “ريحانة” و”ريم” يوميا عساهما تأتيان باسمها أو تخبرانه عنها أي شئ .. ولما ضاقت به .. سأل “ريحانة” فهي على علم مسبق بما بينهما .. ومن خلالها كان يطمئن عليها ويعرف أخبارها .. ريحانته الجميلة كانت تخبره بكل ما يريده .. ورغم ذلك كان بحاجة لسماع صوتها هي ..
حتى وصلت رسالتها “شكرا يا يوسف” .. شعر بسعادة عظيمة لسعادتها .. قد يكون ما فعل تعويض عما مضى .. ولكن من يعوضه هو على ما ضيعه دون أن يخبرها بمشاعره ويستمتع بالحديث والحوار معها .. دون أن يعرف أجمل ما فيها وركز فقط على مساوئها ..
تردد في الرد .. ماذا يقول .. أيحدثها أم يرسل لها رسالة مكتوبة .. بأي شئ يبدأ وماذا يكتب .. لو تحدث لقال كلاما كثيرا .. ولو كتب لكتب شعرا .. ظل في تردده حتى سكت وتراجع ..
هي انتظرت طويلا .. سيتحدث أم سيبعث لها برسالة .. لو تحدث بماذا سترد .. ولو تلقت رسالة ماذا سيكتب .. ولما طال انتظارها يئست ..
في الليل صلت”رنيم” قيامها ثم قرأت وردها قبل نومها .. ومنذ سفره لم تعد تنم مباشرة .. بل تظل ساهرة على فراشها تفكر فيه .. وحين يرهقها تفكيرها تنام لتحلم به ..
هو الآخر وصل شوقه لذروته لم يعد قادرا على الاحتمال ..
فقرر الاتصال فقط سيسمع صوتها .. فقط لن يتحدث .. وقام بأمر الاتصال ..
كانت قد ذهبت في نوم قلق .. وحين سمعت هاتفها قامت فزعة .. لم تصدق الصوت الذي سمعته .. قبل كانت تخصص له نغمة حتى لا تنظر لهاتفها حين تسمعها ولا ترد .. وقبل كانت تعتبر نغمته تلك شيئا مزعجا لا تطيق سماعها .. لكن لماذا أصبحت فجأة ممتعة .. جميلة .. أصبحت كالماء لظمآن ..
بلهفة أمسكت هاتفها وهي تجيب :
– يوسف ..
تتابعت أنفاسه بشوق ولهفة وهو يسمع صوتها ولم يرد .. فقط يريد أن يسمعها ..
رددت هي :
– يوسف انت كويس ؟ ..
ابتسم ثم رد :
– طالما سمعت صوتك بقيت كويس ..
كان السكوت من نصيبها هذه المرة .. وتتابع الأنفاس بشوق ولهفة كان لكليهما .. وبقيا يستمعان لصوت أنفاسهما دون حديث .. حتى قطع “يوسف” الصمت قائلا :
– هو انا ممكن اقولك وحشتيني ..
تنحنحت ولم ترد وشعرت بالدم يأتي فجأة لوجهها .. فضحك قائلا :
– اعتبر النحنحة دي وانا كمان ..
ابتسمت .. ثم قالت لتغطي خجلها :
– انا متشكرة على اللي انت عملته ..
سكت لبرهة ثم قال :
– ممكن دة يكفر عن اللي ..
قاطعته قائلة :
– يوسف خلاص .. الغلط كان مشترك بينا ..
ابتسم وقال :
– يعني لو قلت لك تسامحيني هتسامحيني ..
تنهدت ثم قالت :
– صدقني يا يوسف والله خلاص معدتش بفكر في اللي حصل .. ياريت بس انت ماتاخدش عني فكرة غلط تاني .. يعني ممكن تواجهني وتسألني عن أي حاجة .. لكن متعاملنيش على راي انت كونته في دماغك ملوش اي اساس ..
سكت وسكتت .. ثم عادا لحديث الصمت مجددا .. قطعته هي هذه المرة قائلة :
– احم .. المؤتمر .. كويس ..
ابتسم قائلا :
– اه كويس جدا وبيسلم عليكي ..
ضحكت وضحك .. وطال حديثهما .. حتى طلع الفجر فقالت :
– يوسف ..
– نعم ..
– الفجر
– لسة ساعتين ..
– لا دة عندك انت .. الفجر أذن عندي ..
– طيب صلي واكلمك تاني .. انتي كدة كدة مش هتلحقي تنامي ..
– انا رأيي اروح أأجل الرسالة ست شهور تاني علشان نفضى للكلام بقى ..
– رنيم ..
– نعم ..
– انتي روحتي بعربيتك ..
– انت رأيك ايه ..
– مش عارف .. حسب انتي شايفة الحكاية بالنسبة لي ايه .. يعني انتي شايفاها تحكم ولا خوف عليكي أو غيرة ..
– مش الأولى ..
– باباكي اللي وصلك ..
– اه .. احم الفجر .. سلام
– سلام ..
كما بدل مشاعرها تجاهه في أسبوع واحد .. استطاع أن يكسر الحدود بينهما في سويعات ..
بعد أن أغلقت بعث لها برسالة
“فإذا وقفت أمام حسنك صامتا .. فالصمت في حرم الجمال جمال
كلماتنا في الحب تقتل حبنا .. إن الحروف تموت حين تقال “
قرأتها ثم تمتمت :
– صمت !! .. لما كل دة صمت امال لو اتكلمت هتقول ايه ..
——————
لها يومان مع “باسل” .. شعور افتقدته منذ زمن .. أصبحت تحدثه بكل شئ .. لو مرت بمكان ذكرها بـ”طارق” تخبره .. لم ينظر لها بنظرة لوم أو عتاب .. فقط يحتوي مشاعرها .. ثم يتعمد ألا يمر بذلك المكان .. وهي تلاحظ .. ولا تتكلم ..
حتى وصل “طارق” .. وجدته يقف أمام سيارة “باسل” ثم يسلم عليه بترحاب شديد كأنه صديقه .. لمحها فبدا عليه المفاجأة التي لم تفت “باسل” والذي بدأ يجمع الخيوط في عقله .. ثم فجأة ضغط بيده على يد “طارق” التي مازال يمسكها .. ونظر له نظرة لائمة .. ثم استأذنه وعاد لسيارته ..
شغل سيارته ثم قال بعد فترة :
– دة طارق ..
نظرت له بخوف شديد ثم أومأت ..
فضرب مقود السيارة بقبضة يده .. ثم تمتم قائلا :
– لسة جاي تطلبها دلوقتي يا طارق .. ماشي .. اما نشوف




