Uncategorized

رواية عيون الريان الفصل الثلاثون 30 بقلم نيللي العطار

رواية عيون الريان الفصل الثلاثون 30 بقلم نيللي العطار

                                              
أتدري كيفَ يُسرَقُ عُمْرُ المَرْءِ منه؟
‏يُذهَلُ عن يومِهِ في ارتقابِ غَدِه، ولا يزالُ كذلكَ حتَّى ينقضِي أجلُه، ويَدُهُ صِفرٌ من أي خير!
+
‏- الإمام الغزالي –
+
************
+
بخطوات واثقة كان يسير ومعطفه الأسود الأنيق يحتضن جسده المشدود ، وينفرد فوق منكبيه بعنفوان لا يليق إلا بريان ، يمسك هاتفه ومفاتيح سيارته وسجائره… سجائر؟! .. هل تجتمع السجائر وريان في جملة واحدة؟! .. للأسف اجتمعا منذ فترة قصيرة من دخول چيسي لحياته، وأصبح مدخناً شرهاً وبطريقة أثرت بشكل قوي على صحته .. وكما يقولون الملابس تداري ابتلاءات عظيمة، وجرحه المفتوح مازال ينزف ويبلل قميصه … الخواء الرهيب يتسع داخله كل يوم أكثر ، وملامحه التي نحتها الحزن تحكي قصة قلب شبت النار بأوردته ولم تًُخمد ، مازال وسيماً .. بل زاده الألم وسامة .. نظراته اختلفت كثيراً ، تنكسر وتحتد وتغضب وتثور .. “عيون ريان” أصبحت حبيسة مشاعره وتتوق لحريتها رغم معرفتها بأبدية شقائها .. 
+
-(اتأخرت عليك؟) .. قالها مبتسماً بإرهاق بعدما سحب كرسيه ليجلس قبالة صديقه الذي ينتظره منذ قرابة الساعة فرد عليه بتذمر طفيف (عادي يعني ، ما انت بتلطعني أكتر من كده ومابتكلمش)
+
أمسك ريان بعلبة السجائر يخرج منها واحدة ليشعلها ثم قال (بقيت عامل زي الخفاش ، بنام بالنهار وبسهر طول الليل)
+
رمقه كريم بضيق ودخان السيجارة يرسم وجه چيسي خلفه قائلاً (مش قولنا نخف السجاير شوية عشان صحتك)
+
سحب نفساً طويلاً من السيجارة يملأ به رئتيه الجريحتين ونفثه على مهل قائلاً بسخرية
( A wise woman once said : ،
التدخين عادة بتضر الصحة آه بس بتريح الأعصاب ،الحزن بيطلع مع دخان السيجارة وانت بتنفخه فالهوا ياريان)
+
رفع كريم حاجبه متزامناً مع شفته العلوية وهو يعلم مقصده بالمرأة الحكيمة قائلاً بطريقة سلطان السُكري في جملته الشهيرة بمسرحية العيال كبرت “رمضان بطيخة بقا مون آمور” (هي چيسي بقيت إمرأة حكيمة وليها أقوال مأثورة؟)
+
ضحك ريان قائلاً (دي عليها حكم ، ولا ديستوفيسكي في زمانه)
+
رمقه كريم بنظرات مشمئزة قائلاً (يخرب بيت برودك يالا، ده انت مستفز)
+
نفساً آخر أطول من سابقه عبأ به ريان صدره (انت لسه بتزعل عشاني ياكريم؟، ماتعبتش؟)
+
رد عليه كريم بحزن (تعبتلك ماتعبتش منك، ولسه عندي أمل ترجع إنسان طبيعي)
+
تنهد ريان قائلاً بابتسامة باهتة (أنا كمان وحشتني ، الحياة مع نسخة تانية مشوهة منك صعبة أوي ، ربنا مايكتبها عليك)
+
ربت كريم على كفه يقول بخوف حقيقي (اسمع كلامي ، انت لسه عالبر ، ماتأذيش نفسك أكتر من كده)
+
                
-(عالبر؟” ، ده انا غرقان لشوشتي)
+
-(إياك تقول إنك بتحبها)
+
-(أحب مين يابني، انت عبيط؟، چيسي دي آخرها تتشقط ، خالتي ماضربتش مفك في تربيتها)
+
-(ولما انت عارف كده هاتخطبها ليه؟، عندك طموح تبقى آريال يامهزأ؟)
+
-(غباء بعيد عنك، أو بمعنى أشيك تخليص حق لإحساس بالذنب)
+
تحدث كريم بتعابير غير راضية (بقا بعد مريم اللي كانت تخطي عالأرض تطهرها، ترتبط بواحدة زي دي ياريان؟)
+
ابتلع ريان غصة متورمة لا تبارح مكانها في حلقه قائلاً (غصب عني والله ، أنا مضروب على قلبي) … صمتاً خانقاً ران عليهما لدقائق قطعه هو يغير مجرى الحديث (أخبار الشغل ايه؟)
+
قال كريم بحنق (الشغل تمام، أبوك اللي مش تمام وجايب آخره منك ،فياريت تخلي عندك دم وتيجي الشركة)
+
أومأ ريان قائلاً (بكره بإذن الله هـ…) …. قاطع جملته رنين الهاتف باتصال من چيسي فرفضه ولم تمر سوى ثواني قليلة حتى اتصلت مجدداً ، هي تعلم جيداً أن تلك الحركة تضايقه وحذرها أكثر من مرة ألا تتصل عندما يرفض مكالمتها، لكنها لا تستمع لكلمة واحدة مما يقول، وتضرب بتحذيراته عرض الحائط ، واستمرت حرب الاتصالات ورفضها بينهما حتى كادت أن تنفذ بطارية هاتفه ، اضطر لترك صديقه والرد عليها، تفاجئ بها تبكي وكأن مات عزيز لديها، فاستأذن من كريم ليذهب إلى المكان الذي تجلس به وشياطين الإنس والجن تتراقص أمام عينيه .. لا يدري كيف قاد سيارته وعصبيته تتصاعد بشكل مخيف .. ويريد معرفة سبباً واحداً لتعمدها استفزازه وإخراج أسوء ما فيه بهذا الشكل .. لا يطيقها حرفياً ، ولا يطيق حديثها ، صوتها يزعجه وحركاتها المائعة تثير غثيانه.. ودلالها الزائد يشد حبل غليظ حول عنقه ويخنقه خنقاً .. 
+
-(أنا مش منبه أكتر من مرة لما اكنسل عليكِ ماتتصليش؟).. قالها ريان متمالكاً غضبه بصعوبة بالغة لوجودهما في مكان عام ثم جلس قبالتها والشرر يتطاير من مقلتيه…
+
كتفت ذراعيها تقول بملامح متحدية لتستكمل شجاراً تعتقد أنها محقة به (ازاي تسمح للخدامين يدخلوا علينا من غير إستئذان؟ ، أنا سكتت قدامها بس عشان …)
+
قاطعها ملقياً بعلبة السجائر نحوها فأصابت صدرها يقول بانفعال شديد (اخرسي ، نجاة مش خدامة) .. اتسعت حدقتيها بصدمة لكنه لم يعطها الفرصة لتتجاوزها متابعاً بأعصاب مهتاجة (إياكِ تغلطي فيها تاني قدامي أو من ورايا)
+
ابتلعت ريقها تسأله بخوف (يعني هي وجودها في حياتك أهم من وجودي ياريان؟)
+
أجابها بتعبير مستنفر (نجاة وجودها في حياتي أهم من وجودي أنا شخصياً)… سكت لثواني يحاول تهدئة نفسه ثم أضاف بلهجة محذرة أقرب للتهديد (ورحمة مريم اللي مابحلفش بيها غير عالعزيز الغالي ، لو ما احترمتي نفسك معاها لتشوفي مني أيام سودة..فاهمة؟) .. 
1
        
          
                
مريم مجدداً؟.. مريم ثانيةً وثالثةً ورابعةً وأبداً؟.. ألن تنتهي من مريم ، وذكر مريم ، ويمينه المُغلّظ برحمة مريم والذي تدرك جيداً أنه إذا أقسم به لن يتراجع ولو على رقبته؟ .. تحكمت في غيرتها بشق الأنفس وقالت معتذرة كنوع من احتواء الموقف (سوري مااعرفش إنك بتحبها أوي كده)
+
رمقها بملامح مظلمة ولم يرد ، مؤثراً الصمت أمام اعتذارها الذي يتأكد من عدم مصداقيته مثل جميع اعتذاراتها السابقة .. ثم هتف على النادل ليطلب قهوة مُرّة بدون سكر .. حتى مزاج قهوته تغير من المضبوطة إلى السادة وكأنه يحذف جميع المُنكهات من حياته بتطرف يؤذيه.. وسألها بغير رضا (تشربي إيه؟)
+
ردت بإهمال وهي تسحب سيجارة من علبته لتشعلها (أي حاجة) 
+
وقبل أن تضع السيجارة بين شفتيها أخذها منها بعنف ليطفأها في المنفضة قائلاً بيأس ممزوج بالحدة (أنا مش محذرك من شرب السجاير واحنا مع بعض؟.. انتِ مفيش فيكِ فايدة خالص؟) 
+
لوحت بذراعها أمام وجهه تقول بحنق (انا حرة على فكرة … )
+
خبط كوب الماء الموضوع على الطاولة بجانب راحته فسقط متهشماً يهدر بها وصوته العالي جذب انتباه الناس حولهما (حرة دي عند امك…) .. غطت فمها بكفيها شاهقة بفزع ورغماً عنها بكت ، وكعادته أمام دموعها سكت ، ليس حباً لكنه أحياناً بشعر بالذنب تجاهها يقول بندم بسيط يختلط بغضب طفيف (خلاص ماتعيطيش) .. 
+
انفجرت بالبكاء قائلة بشهقات متقطعة لتستعطفه (أنا بحبك)
+
زفر بنفاذ صبر وأصبح قاب قوسين أو أدني من شق ملابسه وتقطيع شعره والركض حافياً في الشوارع كالمجانين.. لا تفهم شئ سوى الضغط عليه بالمشاعر ، ودوماً تنتهي مشاحاناتهما بقولها (أنا بحبك) .. فيضع حذاء قديم داخل فمه وينكتم ويبلع ورائه حبة مهدئ قوية كي لا يخنقها كما تخنقه .. صمتاً متوتراً ران عليهما تخلله صوت عامل الكافيه وهو يستأذن لينظف بقايا الزجاج المتبعثر فاعتذر له ريان بتهذيب وانتظر حتى انتهى قائلاً بضيق وهو يجمع متعلقاته الشخصية ليهمّ بدفع الحساب والانصراف (أنا ماشي، عندي شغل الصبح)
+
أمسكت كفه تحثه على البقاء قائلة (كنت عايزاك فموضوع مهم)
+
-(خير؟)
+
-(ايه رأيك الخطوبة تكون الإسبوع الجاي؟)
+
-(مفيش مشكلة)
+
-(كان نفسي نتجوز على طول)
+
-(وانا قولت لا، ولو مصممة أوي يبقى نفضها سيرة،.وكل واحد يروح لحاله)
+
وفي أقل من الثانية تبدلت القطة الوديعة ، الباكية ليظهر وجهها المُخادع الذي يكبله بذنب أجبره على الخضوع وترك نفسه لها لتشوهه قائلة بنبرة مستنكرة (كل واحد يروح لحاله؟ ، واللي حصل مابينا فالعربية؟ ، نسيته؟)
+
استند بمرفقيه فوق الطاولة يشبك أصابعه ببعضهما وعينيه تحدجها بكره ، يضغط على كل كلمة تخرج من فمه قاصداً إهانتها (مش ناسي، ومش ناسي إني كنت تحت تأثير حباية مهدئ ، وإنه كان برضاكِ) .. التوت شفتيه بابتسامة متهكمة ثم أشعل سيجارة ينفخ دخانها بوجهها قائلاً بلهجة خطرة (أنا مش اهبل وعارف إني ماكملتش للآخر ، وسايبك تتنططي عليا بمزاجي)… سحب نَفساً عميقاً من سيجارته ثم زفره على مهل متابعاً بغمزة وقحة (أحسن لك لمي الدور بهدوء ، واسمعي الكلام زي الشاطرة ، وبطلي زن فحوار الجواز ، لحد ما اقرر الوقت المناسب) .. أنهى حديثه بنظرة قاتمة يتبعها ضحكة مستهزأة تعبر باحترافية عن المثل الشعبي القائل (الـ ***** تلهيك وتجيب اللي فيها فيك) ثم نهض ليغادر تاركاً إياها مشدوهة ، فاغرة فاهها بعجز كإطار للوحة سوداء من المفاجأة والصدمة .. تلاعبت به لأشهر طويلة، وضخمت الذنب بعينه وكذبت الكذبة وصدقتها .. ولأنه ريان أكله ذنبه كما يأكل الضبع فريسته ، وأوصله لمرحلة مزرية من الإنغماس في الخيبة، لكنه كما قال لها ليس أبلهاً ويعرف تماماً أنه وطأها ولم يعبرها.. لكن كل اللمس سواء وثمن خطأه الغير مقصود يدفعه من دمه ويتحمل عبأه الثقيل منذ تلك الليلة المشؤومة.. ليلة صار بعدها مشلولاً روحياً وجوفه فارغاً من حقيقته …. 
+
        
          
                
*****************
+
على صعيد آخر /
+
دينا القنبلة الموقوتة التي تنتظر نزع فتيلها لتنقلب كل الموازين ، تحمل بين يديها وبقلبها أخطر أنواع الأسلحة ، “الحب من طرف واحد” يتحول مع مرور الوقت إلى مرض عضال لا شفاء منه ولا طهور ، تقف الآن أمام بناية تمنت لو أحرقتها بمن فيها لتنهي قصة عُهر بدأت منذ سنوات ، بالتوازي مع قصة حقد وغيرة أوقدت ناراً عصية على الإخماد ، صفت سيارتها وبآلية تامة اتجهت نحو شقته وبأصابع واثقة قرعت الجرس ، ووقفت تنتظر اللحظة التي سينفتح بها الباب ويطل من دفتيه أحزن أحلامها .. “هيثم” .. بوسامته الفوضوية ، وعينيه العابثتين ، ونحافته المتوازنة ، المضبوطة مع قامته فارعة الطول .. دعاها للدخول بترقب لمعرفة سبب اتصالها به وطلبها مقابلته بشكل عاجل ومفاجئ .. جلست على الأريكة الموجودة في صالة الإستقبال .. تتأمل كل ركن بالمنزل بحسرة وقهر أنثى تمنت ولم تنل..
+
-(ديكور الشقة عجبك؟) .. سؤالاً ساخراً وجهه لها هيثم عندما لاحظ تمشيط نظراتها للمكان فتنحنحت بحرج قائلة (آه، لطيف وذوقه حلو) … سكتت هُنيهة تستجمع ذاتها الهائمة عشقاً به وأضافت (انت أكيد مستغرب زيارتي)
+
-(الصراحة آه)
+
-(وهاتستغرب أكتر لما تعرف إن الزيارة دي إتأخرت أوي)
+
-(ادخلي فالموضوع على طول ، من غير لف ودوران)
+
-(چيسي)
+
-(إشمعنى؟) 
+
-(هاتتجوز ريان)
+
ثانية .. ثانيتين .. ثلاثة.. توقف عقله وعاد للعمل سريعاً يحرك رأسه بعدم استيعاب قائلاً بغباء ليس من صفاته (نعم؟.. عايزة ايه؟)
+
ضحكت بشماتة وأخرجت فلاشة صغيرة من حقيبتها مُجمع بها تسجيلات صوتية لمخططات واعترافات چيسي ومصائبها كلها قائلة (هات اللاب توب) … أطاعها بتفكير مُشوش فملامحها وطريقتها توحي بصدق حديثها ، تناولت منه الحاسوب النقال وقامت بتشغيله ثم أوصلت به الفلاشة قائلة بثقة (هاتسمع وتشوف كل حاجة بنفسك) .. 
+
التسجيل الأول : 
+
(چيسي الصرّاف قرصتها ماتطلعش غير بالدم) .. وهذا اعترافاً مباشراً بتورطها في إحراق دار الأيتام .. وفي نفس المقطع : 
+
(المهم دلوقتي إن ريان رجع لوحده، وقريب أوي هايكون ليا)
+
-(وهيثم؟) 
+
-(كارته اتحرق خلاص)
+
-(يعني هاتسيبيه؟)
+
-(أكيد ، مش معقول هاتجوز ريان وانا على علاقة بالعيل السيس ده)
+
-(وهو هايسيبك بسهولة كده؟)
+
-(هايسيب ماتقلقيش، لو مش بمزاجه، هايبقى والجزمة فوق رقبته) 
+
-(ما اعتقدش) .. 
+
-(رصاصة طايشة من مسدس جارد من جاردات الديسكو اللي بيسهر فيه)
+
        
          
                
-(الله يرحمه، هازعل عليه موت) .. وذلك تخطيطاً للتخلص منه بقتله مثلما فعلت بمريم والأطفال…
+
التسجيل الثاني :
+
-(صاحبك بلع الطُعم)
+
ضحكة رقيعة وقولاً ساخراً (ده طلع عبيط أوي ومصدق إن المنتجع بتاعي) .. 
+
-(كان بيعيط في حضني ، ومنهار على حبيبة القلب)
.. اعترافاً آخر بكذبة أجادتها وأوقعت بها ريان فريسة في شباكها..
+
التسجيل الثالث :
+
-(الحمار بلع الطُعم تاني)
+
-(فظيع يادينا بجد ، دماغي لفت من بوسته)
+
-(هو انا هبلة عشان اسيبه يكمل ويعرف إني مش virgin)
+
-(أكتر حاجة غاظتني منه، إنه وهو معايا كان بيهلوس بإسم الزفتة بتاعته)… إقرار عاهر بالخيانة بكل فجاجة ..
+
التسجيل الرابع : 
+
(بحبه وبموت فيه ، وبستحمل معاملته الزبالة، وبدوس على كرامتي عشان مايبعدش عني)
+
– (انتِ؟، بتعرفي تحبي؟)
+
-(ماكنتش بعرف، وعرفت على إيده، وبلف حوالين نفسي بسببه)
+
-(وهيثم؟)
+
-(هيثم إيه اللي تقارنيه بريان؟ ، وبعدين انا عمري ماحبيت هيثم)
+
-(ولما انتِ مش بتحبيه، لسه بتروحي له بيته كل ليلة ليه؟)
+
-(بحس معاه اني مرغوبة ، إحساس ادفع نص عمري واحسه مع ريان)
+
-(هو ما حاولش يقرب منك تاني بعد الليلة إياها؟)
+
-(لا، وحتى المرة دي ماكانتش بمزاجه) … -(كان في حضني ومش شايف ولا سامع غير مريم)… -(مش قادرة أنسيهاله ، هاتفضل واقفة بيني وبينه لحد مايموت) … 
+
-(هاتتجوزي ريان ازاي ، وانتِ سوري يعني مش virgin؟)
+
-(أكيد هاعمل العملية قبل الفرح) .. 
+
أغلقت دينا الحاسوب بعدما انتهت من تشغيل جميع المقاطع متوجسة من منظره الساهم ، وصدمته الجلية وشتات روحه المُبعثرة على الفراش الذي جمعهما كالأزواج لسنوات طويلة.. أبله؟.. كلمة غير كافية لوصف غبائه.. أحمق؟.. أيضاً لا تكفي .. الحماقة أقل بكثير مما أوقع نفسه به .. مخدوع؟.. كلّا .. چيسي لم تضربه على يده ، ولم تجبره للدخول في مصيدتها.. وكانت واضحة وضوح الشمس .. هو من خبأ رأسه في الرمال مثل طائر النعام وسقط بكامل إرادته .. سقط؟.. وأخيراً وجد تعبير صحيح يصفه.. ولسان حاله يجلده بذنوب عاثت فساداً بقلبه (ساقط ، رخيص، وغانية في ثوب رجل) … دمعة غادرة خانته وفرّت فوق وجنته مسحها سريعاً ، وصوت الخطيئة يوسوس ويخترق أذنه (غانية في ثوب رجل.. عاهرة بلحية وشارب)
+
-(هي فين؟) .. بهدوء مخيف سأل وبتروي مدروس أجابت (في كافيه**** مستنية ريان)
+
ضحك ضحكة مُرعبة بقدر اتزانها (حمار ، مايتخيرش عني ، بس على أنضف شوية) .. رفع أنظاره السوداء نحوها يسألها بسخرية (يستاهل ألحقه قبل ما يغرس فيها زيي ، ولا اسيبه على عماه؟)
+
        
          
                
تحدثت باستهزاء (ماهو على عماه فعلاً .. ده أغبى منك بمراحل) .. ولتكتمل خطتها وتضرب الضربة القاسمة فتحت هاتفها وقامت بتشغيل ڤيديو اعتداء چيسي على مريم قبل حريق الدار بأيام قليلة ثم ناولته إياه قائلة (اتفرج عليها وهي بتسحل حبيبته قبل ماتولع فيها ، وفي الدار كلها عشان تخلص منها) … إيماءة متسائلة بصمت وعدم إدراك لمقصدها لكنه أدرك عندما شاهد .. “مريم” الفتاة الكفيفة.. ربيبة الميتم .. حبيبة ريان .. تُصفع وتُجذب من شعرها، وتُهدد ، وبعد أيام تُحرق الدار بمن فيها وتموت ومعها العشرات من الأبرياء .. ربط الأحداث ببعضها أرعبه وجعل دماغه تغلي حد الفوران .. من سيحاسب؟.. الخائنة أم القاتلة؟.. لا يُصدق أنها أزهقت هذا العدد من الأرواح في سبيل تغذية نشوة روحها السقيمة بالانتقام .. هل عاش سنوات يتمرغ بأحضان أفعى تقتات على لحوم البشر ، وتغرز أنيابها السامة في كل كتف شَّوايا؟…
+
-(إيه الجبروت ده؟) .. قالها هيثم فاغراً شفتيه بصدمة بالغة 
+
تحدثت دينا بنبرة أقرب للخبث من التهكم (قتلت حبيبته وحرقت قلبه ولفت حواليه عشان تتجوزه.. وهو ياعيني مكفي على وشه ولا فاهم أي حاجة)
+
هب واقفاً كالملسوع يهدر بها بغضب (وانتِ مابلغتيش عنها ليه؟)
+
قالت بتحدي وحجة قوية ومقنعة (أبلغ عنها عشان أبوها يقتلني؟) .. وقفت قبالته مستكملة فاردة كفها تعد على أصابعها (وبعدين هابلغ عنها ، ولا عن أمه اللي خططت ونفذت وكانت معاها ، ولا عن أبوه اللي سفره فجأة عشان يهددوا البنت ويبعدوها عنه؟) .. 
+
ركل الطاولة الزجاجية بقدمه لتقع متكسرة لأشلاء شاتماً بعصبية مفرطة (آه ياولاد الكلب يامجرمين)
+
جلست مجدداً تضع ساق فوق الأخرى تقول بثبات (العصبية مش حل) .. 
+
لوح بيده في الهواء هاتفاً بحدة (انتِ عندك حل؟)
+
ابتسمت بمكر قائلة (عندي ، اهدى واقعد وانا هاقولك تعمل ايه)
+
***************
+
بنفس الكافيه لم تبارح مكانها ، مازالت تجلس بمفردها، لا يؤنسها سوى دُخان نارجيلتها المُفضلة بطعم الخوخ، ورجل يجلس على الطاولة المقابلة لها يقتنص قوامها بنظراته الفاضحة وسط تلذذها بالأمر وابتساماتها الراضية .. وأثناء جلستها الغير مبالية رن الهاتف باتصال من هيثم ، زفرت بتملل وكادت أن ترفضه لولا أن تفحص الرجل لجسدها ازداد تعمقاً فأثار في نفسها رغبة لا يستطيع أحد إشباعها “مؤقتاً” إلا هيثم .. 
+
-(انتِ فين؟) .. سألها هيثم بأقصى درجات ضبط النفس بعدما فتحت الخط
+
ردت عليه نافثة دخان النارجيلة بعدم إكتراث (سهرانة برة شوية)
+
تحكم بأعصابه بقدرة عجيبة قائلاً (تعالي كملي السهرة معايا ، ولا انا ماوحشتكيش؟)
+
ابتسمت بإغواء للرجل الذي مازال يغازلها بعينيه قائلة (وحشتني طبعاً يابيبي. مسافة السكة واكون عندك) .. أنهت المكالمة سريعا تستعد للمغادرة وفور إغلاقها الخط معه رن الهاتف مجدداً باتصال من دينا
-(انتِ فين يابنتي من الصبح؟).. سألتها چيسي بتحفز شديد فقالت وهي تقود سيارتها بمزاج رائق بعدما تركت هيثم يجهز عرضه القادم والذي وضعت له خطوطه الأساسية (كنت بظبط حوار الدكتور اللي هايعملك العملية)
+
        
          
                
خرجت چيسي من الكافيه بخطوات متغنجة قائلة (كويس، وانا كمان عندي ليكِ خبر حلو) .. استقلت السيارة متابعة (خطوبتي أنا وريان الإسبوع الجاي)
+
لوت دينا شفتيها بابتسامة شامتة تتصنع السعادة (مبروك ، وأخيراً هانفرح بيكم) … تابعت والهواء يحرك خصلاتها مدعية الاهتمام (انتِ لسه بره؟)
+
ردت بضحكة رقيعة (رايحة اعمل حفلة وداع لهيثم)
+
تحدثت دينا بحقد دفين حاولت إخفائه (اتبسطي ياحبيبتي عالآخر، عشان بكره الساعة 7 بالليل الدكتور هايرجعك زي ما مامي ولدتك) .. ودّعتها بمجاملة زائفة وأنهت المكالمة بتشفي ونبرة مغلولة (اتبسطي يا****، ورحمة العيال اللي ماتوا غدر بسببك لتكون آخر مرة تشوفي فيها انبساط)
+
*************
+
أضواء شموع خافتة ، تزين مائدة طعام صغيرة تكفي لشخصين ، وموسيقى رومانسية هادئة.. مشهد يبدو عادياً لمن ينظر من بعيد ولا يعلم أساس الحكاية .. ويقف هو أمام ما حضرته يداه ، محشوٌ بالخذلان ، ويرى شبحه يستلقي عارياً فوق فراش مفروش بأشواك صبار تخز لحمه وتجرحه بكل ما أوتيت من قوة ، وجملة واحدة لا تفارق ذهنه (غانية في ثوب رجل، عاهرة بلحية وشارب) .. تلك قيمته الحقيقية التي أدركها متأخراً .. ولحظات قليلة حتى انفتح الباب ودخلت أكبر آلامه كمصفاة مثقوبة تسيل منها الخيانة وتنز سُمّ الخداع مع العرق فوق جبينها نزاً .. 
خلعت حذائها وسارت نحوه حافية القدمين بخطوات متمهلة لتحتضنه قائلة بصوت وصله كالفحيح (إيه الجو التحفة ده؟)
+
ابتسم هيثم بثبات إنفعالي رغم الجحيم المستعر في صدره يسألها (عجبك؟) 
+
طبعت قبلة جريئة فوق شفتيه تهمهم (أوي)
+
رفعها من خصرها وأصابعه تفك سحّاب فستانها قائلاً بطريقة أشعلت الرغبة بجسدها (فيه حاجات هاتعجبك أكتر فأوضة النوم) .. دفنت رأسها بين حنايا عنقه ضاحكة ، لكنه ابتلع تلك الضحكة في قبلة كاسحة.. ولم يعطها فرصة لاستيعاب مايحدث .. وبدون مقدمات ألقاها فوق الفراش ليصارعها وكأنه ينام مع عدوه ويمزقه بأسنانه .. يجلدها بلمساته العنيفة على غير عادته ، ويخلع عنها ملابسها كاملة لتصبح عارية تماماً ومُغيبة وتظنه يجرب ممارسة الحب معها بطريقة مختلفة، وكلما حاولت سحب الغطاء عليها كان يزيحه حتى أسقطه على الأرض .. لم تكترث وانغمست في وحلها .. وبعد وقت تعمد أن يكون طويلاً انتهى منها ثم نهض من الفراش صامتاً ، تعابيره جامدة فسألته بتوجس (مالك؟) 
+
أجابها بنظرة فاحصة لجسدها العاري (جعان) 
+
عضت شفتها السفلى تقول بدلال ورخص تميزت به (ما انت لسه واكل، ماشبعتش؟)
+
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة هازئة يقول (شبعت ، المهم تكوني انتِ شبعتي)..
+
اعتدلت في نومتها لتسند رأسها بوضعية صحيحة على الوسادة قائلة بأعين شبه مُغلقة (حاساك غريب) .. 
+
        
          
                
ارتدى بنطاله ثم خرج من الغرفة ليجلب لها كأس من مشروبها الكحولي المفضل وناولها إياه قائلاً بملامح غير مقروءة (ما غريب إلا الشيطان) .. استقامت لتجلس نصف جلسة وأمسكت بالكأس ترتشف منه ببطء ، حتى شعرت بدوار ، وثقل غريب بجفنيها وقبل غيابها كلياً عن الوعي قالت بعدم اتزان (غطيني ، أنا بردانة) .. ألقى الغطاء فوقها بإهمال ، فتناولته بأصابع مرتعشة ودون انتباه لوجهه الذي ينذر بكارثة وغطت في نوم عميق أثراً للمخدر ، رمقها باشمئزاز يبصق عليها وعلى غبائه الذي جعله لقمة استساغتها ، وظنتها سهلة المضغ والبلع ، أخرج حقيبة سفره الكبيرة وأفرغ بها محتويات خزانته من ملابس وأغراض شخصية ، ثم دلف إلى الحمام ليغتسل ويزيل آثارها القذرة عن جسده.. دقائق معدودة وغادر المكان بلا ندم ولا رجعة ولم ينسَ تسجيل رقم هاتف ريان الخاص على هاتفه … 
أما هي فلم تستيقظ إلا بعد عصر اليوم التالي .. تتثائب بتثاقل والصداع يفتت عظام جمجمتها.. فرّقت عينيها بصعوبة تهتف عليه ليجلب لها قرصاً مسكناً وكان الرد صمتاً مريباً دلالة على عدم وجوده ، أزاحت الغطاء عنها لتنهض وترتدي ملابسها فانتبهت لخزانته الفارغة .. أحست ببعض القلق يساورها وشرعت في الإتصال به .. زفرت بضيق عندما وصلها صوت الرسالة الإليكترونية بأن هاتفه مغلق أو غير موجود بالخدمة ، وبينما كانت تتخبط في حيرتها وقعت أنظارها على ورقة مطوية فوق طاولة التسريحة.. لم تتردد في فتحها لتتسع حدقتيها بصدمة وهي تقرأ محتواها حيث كتب هيثم (أنا مسافر دبي لأهلي ومش راجع مصر تاني ، مابقيتش عايزك في حياتي ، وقررت أنضف منك ومن قرفك ، انسيني ياچيسي ودوري على لعبة غيري ، ترضي بيها غرورك ورغبتك اللي مابتخلصش)…..
+
شعور بالغدر اكتنفها.. رغم أنها كانت تنوي إنهاء مابينهما في أسرع وقت لكن بيدي لا بيد عمرو .. چيسي الصرّاف تترك لا تُترَك والأمر دوماً متعلق بما تريده هي، ولتذهب إرداة الجميع إلى الجحيم .. لملمت متعلقاتها الشخصية سريعاً وخرجت صافقة الباب خلفها بغيظ ، وصلت لسيارتها والنار تخرج من أنفها وسط نظرات الحارس المشمئزة الذي حمدالله أن العقار سيتخلص من هؤلاء السكان معدومي الشرف ، فاليوم قام هيثم بتسليم مفاتيح الشقة بما فيهم المفتاح الذي كان بحوذتها له وأبلغه أن يبحث عن مستأجراً آخر … وبمبدء الطرق على الحديد وهو ساخن وتنفيذاً لجزء آخر من خطة الإنتقام اتصلت دينا تؤكد موعدها مع الطبيب ، وأرسلت إليها العنوان برسالة نصية عبر تطبيق الواتساب ، وبالفعل قابلتها في الوقت المُتفق عليه .. وأمام عيادة خاصة لأحد الأطباء المشبوهين توقفت بالسيارة 
+
-(أنا خايفة يادينا، انتِ واثقة من الدكتور ده؟).. قالتها چيسي بقلق من منظر العيادة المُتهالك فردت عليها صديقتها وابتسامة لئيمة تعتلي وجهها (أكيد مش هاخاطر بحياتك) ثم سألتها مدعية عدم المعرفة (عملتِ إيه مع هيثم امبارح؟)
+
وعلى ذكره تجهمت ملامحها وتحولت للشر الواضح قائلة (مش عايزة أسمع سيرة الحيوان ده دلوقتي ، أطلع بس من هنا وحسابه معايا هايبقى تقيل)
+
رمقتها دينا بنظرات خالصة التشفي والشماتة بعدما اقتربت منهما سيدة بدينة ترتدي عباءة سوداء وفوقها معطف طبي أبيض متسخ تقول بصوت متحشرج (يلا ياعروسة ، الدكتور جاهز) .. نهضت معها بخطوات خائفة لتدخل غرفة ما بينما استوقفت دينا الممرضة تسألها (عملتي اللي اتفقنا عليه؟)
+
ربتت الممرضة على جيب معطفها تقول بتأكيد (ماتقلقيش ، كله معايا)…….
+
يقول الكاتب الروسي “أنطون تشيخوف” : إني أحلف لكم أيها الأعزاء أن الانسان هو أكثر الكائنات التي صنعها الله غرابة ، وهو أكثر المخلوقات القادرة على أن تموت آلاف المرات دون أن يموت ! ، ودون أن يشعر بنفسه ويشعر الآخر من حوله بهذه التراجيديا التي يتعاطاها والتي تأقلم عليها … هكذا كانت حياته لسنوات بجوارها.. موت لرجولته ، وكرامته ، ومبادئه ، وشرفه، وسمعته.. والموت الآخير كان لمشاعره… مارست القتل العمد معه باحترافية شديدة تحت قناع الكثير من المُتعة والتسلية، والقليل من الحب حتى أصبح (غانية في ثوب رجل، عاهرة بلحية وشارب).. وستظل تلك الجملة مُعلقة كالحلقة بأذنه إلى أن يأخذ انتقامه كاملاً .. كان يجلس أمام حاسوبه النقال في غرفة بأحد فنادق العاصمة الفاخرة .. يستمع ويشاهد حصاد خيبته وبيده كوباً ضخماً من القهوة المُفلترة .. لا يشعر بأدنى شفقة ولا يرف له جفن مما فعله ويفعله وسيفعله بها .. ويتذكر أنه حذرها حين مرة إذا كانت تتلاعب من خلفه ، ومع الأسف آمنت العقاب فأساءت الأدب ، وبعد تأكده من سير مخطط دينا عند طبيب عمليات ترميم العُذرية على مايرام، قرر إلقاء الكرة في ملعب آخر .. أمسك هاتفه ليخرج رقم المُغفل رقم إثنين بالحكاية وقام بكتابة رسالة نصية محتواها (مريم اتقتلت).. ضغط على أيقونة الإرسال ولم ينتظر حتى يراها ثم كتب واحدة أخرى مُرفقة بموقعه الحالي (لو عايز تعرف مين اللي ورا حريق دار وسيلة عشان يخلص منها قابلني كمان ساعة فالعنوان ده) …
+
**************
+
زر الذهاب إلى الأعلى