Uncategorized
رواية وشم الرمل الفصل الحادي عشر 11 بقلم ميدانو

رواية وشم الرمل الفصل الحادي عشر 11 بقلم ميدانو
سمهار خطاه تبشر بالدمار
ذلك الاسم الذي طالما مر في المجالس مثل الحكايات السوداء يروى عن غاراته وعن دم لا يجف على سلاحه
لم يتخيل أحد أن يتسلط على بني طراد فقد كان يخشى اسم صباح وحده
صباح الذي لم يره سمهار كان يكفي أن يسمع صدى صوته ليزرع الرعب في أعماقه
لكنه أتى ..
بعد موت صباح تحفزه مناصف
أتى كالكابوس الذي كذبوه وظنوه لن يصحو ذات يوم في ديارهم..
وجاءت النهاية التي لم تخطر على باله لم تكن على يد خصم متوقع ولا بسيف فارس مشهور
كانت على يد ابنة صباح بن هذال بن طراد
وبدأت الأخبار تتسرب الى الديار المجاورة تنتقل من لسان الى اخر
مقتل سمهار .. صار راحة تغمر القلوب وخلاص من رعب طالما رافقهم
وصار اسم صباح الذي حسبوه دفن مع صاحبه يرتفع من جديد
***
في بيت ام سطام الذي لم تصله النيران ..
كانت البتول مستلقية على فراشها بلا حراك سوى شهيق متقطع بين حين واخر ووجهها شاحب كأن الروح غادرته
الى جانبها جلست الهنوف صامتة تشد على يدها تمنعها من الانهيار أكثر وهي منهارة داخليًا اكثر منها
وفي ساحة الدمار ..
جلس زياد دمه ينزف ببطء من كتفه وذراعه وعلى مقربة منه أحد الشيوخ يضمد جراحه
أم سطّام ظلت على جلستها صامتة لا ترد على احد
والنساء حولها يتهامسن حتى بدأن يخشين أن الخرس قد أصابها
ثم فجأة .. وقفت
وقفت ببطء وتقدمت نحو واحد فقط .. زياد
وقفت أمامه .. ونظرت اليه بعينين حادتين تُدينان .. :” يا زياد جاي تجر جسمك ورا الخذلان؟ليش ما رجعت بجثة ولدي؟”
ابتلع زياد ريقه .. نظر الى الارض و نطق بصوت مخنوق :” ما عرفته القتلى كثير ووسط المعركة سمعت صوته من بعيد يصرخ يا بني طراد حمدان غدرني وثاركم عنده “
تراجعت أم سطّام خطوة واحدة
ثم التفتت وشدت صوتها :” اسمعوني كلكم .. ما دام فينا عرق ينبض ما طاح اسم بني طراد اليوم نعيدها ديرة تهاب مو ترثى وراس سمهار يعلق اول الديار “
أشارت بيدها الى فهيد الجريح الواقف بعكازه :” يا فهيد جمع من بقي من الفرسان ودورو على سطّام حي أو جثة نغسلها بدموعنا ونحطها على كتوفنا .. وحمدان جيبوه لي عايش “
ثم التفتت الى راشد :” يا راشد بن ملحان أمسك أمر الناس من تدمر بيته نرجع نبنيه ومن له قلب مكسور نداويه “
ثم دارت بعينيها على النساء النائحات :” اللي راحو عطونا إرث نخيط من خرقنا راية ونعليها .. خيطن الثياب وجهزن الزاد واحتون الورعان لو قلوبكن رماد ترى الديار تقوم من صدر حرمة قبل سيف رجل “
****
بيت رباع ..
جلس جلوان على بساط من خيش ظهره مسنود الى صخرة دافئة من شمس الظهيرة
كان صدره بدأ يستعيد عمقه الطبيعي وكأن الهواء الذي كان قد نُسي في المغارة عاد ليملأ رئتيه من جديد
عالج رباع جروحه بعناية .. مستخدمًا خبرته البسيطة في الطب
الى جانبه جلس حمدان وعيناه تتجهان نحو الخيمة حيث يرقد سطّام ..
وسلمى تجلس عند رأسه تراقبه بعينين تفيضان بالقلق والأمل
عودة الى الليلة الملوثة بالخيانة ..
في قلب الجبال المتداخلة كان رباع يشد يد جلوان بحنان يدعمه ويحمله أحيانًا على أكتافه
سارا بصمت محملين بأثقال الجراح والهموم وعين جلوان لم تغفل لحظة واحدة.. كانت تراقب كل ظل في الوادي وكل حركة تخطو بين الصخور..
فجأة .. لمحو أربعة فرسان قادمين من بعيد..
همس رباع بملل :” ياليل بني طراد اللي ما هو منتهي ازبن ياخوي “
اتكأ جلوان على الصخور متعبًا .. وتعرف عليهم لكن الصدمة كانت عندما رأى ما لم يتوقعه .. الخيانة ..
برغم ثقل القيود التي كبلت يديه طويلاً رفع بندقية رباع وحملها بثبات في يده.. صوب بندقيته نحو زياد
وأطلقت طلقة واحدة
شقت الوادي بصوت مدوي ..
التفت جلوان الى رباع بحزم :” رح قبلي الحق على سطّام .. اروج يارباع “
بدون تردد ركض رباع بين الجبال سريعًا ..
*****
سطّام ممدد على الفراش جسده مثقل بالضربات وجهه باهت ..
الى جواره كانت سلمى .. تضغط بقطعة قماش مبللة على صدره المحموم يداها تعملان بهدوء .. وعيناها تراقب صدره حركته المتقطعة .. الشهيق الثقيل .. الزفير المتأخر كأن كل نفس قد يكون الأخير ..
في عينيها خليط غريب من الرجاء والغضب .. رجاء أن يعود .. وغضب أن يجرؤ على الغياب عنها وهو يعلم كم تخشى الفقد
رفعت الكمادة قليلًا مسحت بها جبينه ثم همست بوجع :” تكفى لاتروح وتخليني “
وفي الخارج ..
ظل حمدان يحدق في الخيمة لا يرمش ولا يلتفت .. رأى الانحناءة .. رأى يدها على صدر سطّام .. ورأى ذلك الحنو الصامت
شعر بضيقًا في صدره .. لم يسميه ولم يجرؤ
أشاح بنظره عن الخيمة كأنها أحرقت عينه.. وأدرك أن في داخله شيء لم يعد كما كان
وفجأة اهتزت الأرض
شق رباع المكان كعاصفة صغيرة وجهه يقطر عرقًا وعيناه واسعتان من الخوف :” مصيبة يا جماعة “
رفع حمدان رأسه ببطء نبرته مشدودة :” وش علمك؟ “
تردد رباع .. التفت نحو سلمى التي وقفت عند باب الخيمة .. ارتجف صوته : ” الشيخ طراد مات “
ثم وبعد تردد ثقيل نظر لحمدان :” وزياد يقول ان سطّام انقتل و اللي قتله حمدان “
تشنج وجه جلوان و من بين أسنانه :” زياد الخاين “
أومأ رباع برأسه ثم أضاف وصوته مبحوح : ” الديرة خربانة والشيخة أم سطّام أرسلت فهيد يدور على ولدها حي ولا جثة وتطلب حمدان حي تبي تاخذ بثأر ولدها بيدها “
سلمى أغمضت عينيها..
رحل عمها قبل أن تسترد منه حقها لكن العدالة لا تموت ولو مات الظالم
ضحك حمدان ضحكة قصيرة مريرة ساخرة.:” اللي عاشو على الهامش صارو أبطال الرواية واللي يدافع عن الشرف يصير قاتل “
تنفس رباع وقال بقلق :” لازم نتحرك يا نكمل طريقنا ونختفي يا نرجع ونفضح زياد قبل لا يفوت الأوان “
ألقى جلوان نظرة طويلة على سطّام ..
ذلك الفارس الراقد كأن سيفه انتزع من يده وهو حي .. تأمل صدره المرتجف .. ثم همس : “اللي مثل سطّام ما ينهان بموته كذب “
رفعت سلمى رأسها وبصرامه :” ما نرجع الا ويدنا مشدودة عالحقيقة والا ما لنا وجه نرجع “
حدق جلوان في الأفق كأنه يسمع صوتًا لا يسمعه سواه.. التفت اليهم ببطء وقال :” بناخذ سطّام ونروح السراة “
رباع بدهشة قال :” السراة؟! تبينا نرجع لدياركم ؟ “
هز جلوان رأسه ونظر الى حمدان :” هذي وصية أبوي ارجع للسراة “
سألت سلمى بهدوء:” وسطّام؟ “
اقترب جلوان من الفراش ثم وضع يده على جبين سطّام وقال: ” يمكن هناك نلقى طبيب ينقذه ويمكن نلقى اللي نقدر نقوله وش صاير الديرة هنا مو لنا صارت للي يكذب “
****
طريق السراة
سارو في صمت ثقيل تتقدمهم دابتان مشدود بينهما عارض خشبي عليه سطّام ممدد ..
ثبتو بين العارضتين جلود مشدودة وفرشو تحت جسده بطانة صوف ناعمة وغطو النهايات بالحبال ثم عقدوها بإحكام كي لا يتمايل جسده في كل انعطافة
سارت سلمى على الجانب الأيسر من النقالة لا تتقدم ولا تتأخر يدها تلامس حافة الخشب من حين لآخر تراقب صدر سطام كل ارتفاع وانخفاض تخشى أن يتوقف فجأة..
في المقدمة كان جلوان يمتطي فرس الحكيم.. ظهره منتصب لم يتكلم منذ ساعات وعيناه لا تفارقان الطريق..
كان صمته ثقيل مملوء بوصايا والده
أما في الخلف فكان رباع يتابع تمايل الخيول بنظراته ..
وخلفه حمدان يسير بصمت كتفاه مشدودتان متجهم الوجه عيناه لا تنظران لأحد في داخله عاصفة لا تهدأ..
الشمس تميل نحو المغيب والجبال بدأت تلوح في الأفق شامخة .. ساكنة .. الهواء هنا مختلف بارد
توقفو للراحه ..
أشعل رباع نار صغيرة .. ومع أول شرارة ارتفعت سحابة دخان خفيفة .. ثم بدأت النار تتراقص كأنها تحاول أن تُضيء ما انطفأ في قلوبهم
جلست سلمى تحتضن عباءة والدها تبحث عن الدفء والامان .. وعينها لا تفارق سطام تراقب أنفاسه من ظل الضوء
في الجهة الأخرى من النار
جلس جلوان يداه ممدودتان نحو اللهب وعينيه كانتا تتبعان عود يحترق ببطء .. قال بصوت خافت :” السراة ما بقى عليها شي “
ثم التفت الى سلمى وأضاف برفق وهدوء :” وأنا ودي يا بنت صباح تروحين لديار أمك وهنا حنّا نعتني بسطّام واذا بان الحق وظهرت الحقيقة ترجعين وانتِ رافعة راسك ما تكونين وسط هالفتنة والعيون اللي ما ترحم “
لم تلتفت اليه ..
كانت عيناها مشغولتين بوجه سطّام الشاحب.. ثم قالت بصوت ثابت خالي من التردد :” ما أتركه ولا أرجع وهو هنا بين الحياة والموت “
سكتت لحظة ثم أضافت:” سطام اخوي حتى لو هضم حقي مصيره يرجع للحق “
سكت جلوان .. لم يكن بحاجة لرد كان يعرف أنها لن تذهب ..
نهض بهدوء ألقى نظرة على سطّام .. ثم اتجه الى الأعلى حيث كان حمدان يجلس على صخرة تطل على هوة من السواد .. صامتًا مائل الكتفين كأن الليل أثقل ظهره أكثر من الغربة
صعد جلوان اليه بخطوات هادئة وجلس بجانبه دون أن ينطق بكلمة..
وبعد فترة قال جلوان بحنان :” وش اللي بنفسك ياخوي علمني “
حمدان لم يرد.. كان نظره غارق في السواد الممتد أمامه .. ينظر الى قمم الجبال يبحث بينها عن إجابة لا يجرؤ على نطقها
انتظر جلوان بصبر أخوي حنون ثم التفت اليه :” ترى أبوي ما مات وهو زعلان منك قالها لي بصريح الكلام حمدان لو غضب ما يخون ولو أخطأ ما يعاند الحق.. وقال لي ادورك واردك للصواب ونرجع لسراة “
حينها فقط أخذ حمدان نفسًا عميقًا ثم أطلق كلماته بصوت خافت :” من ماتت أمي وأنا رضيع وانكتب علي أعيش بشقى كبرت بين خيبات وسيوف ما هي لي.. وكل ما حاولت ألقى درب سدوه في وجهي والحين؟.. العرب تطرد وراي لدم أنا بريء منه قلي يا خوي متى أرتاح؟ متى ألحق على عمري قبل لا يفوتني؟”
سكت جلوان نظر اليه طويلاً يحاول احتواء ما خلف الكلمات .. ثم مد يده برفق ووضعها على كتف أخيه :” أدري ما أحد يعرف حجم اللي بقلبك بس اللي أعرفه انك ما انخلقت للهرب ولا تربيت على كسر الظهر “
حرك نظره نحو الوادي الساكن أسفلهم ثم أكمل بنبرة تثقلها المسؤولية:” بكرة نوصل السراة أرض أبونا واهلنا وعزوتنا ولازم ندخلها بعقولنا ثابتة وقلوبنا مجتمعة الفتنة ما نطفيها اذا كنا كل واحد يحترق لحاله “
ما رد حمدان .. لكن أنفاسه صارت أهدأ وملامحه رغم الصمت خف فيها شيء من العبء الذي ثقل عليه طويلاً
**
وفي الصباح حين انسحب الليل ببطء من الوادي وانتشر الضوء على قمم الجبال كوشاح ذهبي ..
أعادو شد الحبال وتفقدو سطّام ثم واصلو المسير ومع انحناءة الطريق وبعد اجتياز تلة أخيرة .. بدأت تظهر ملامح السراة ..
بيوت الشعر السوداء متفرقة تعانق الضباب وتتمسك بكتف الوادي ..
شد جلوان لجام فرسه رفع رأسه وتنهد تنهيدة عميقة ثم قال بصوته المبحوح:” وصلنا “
*
قادهم شيخ من أهل الديار الى بيت على طرف الوادي .. أخبرهم بأنهم سيجدون “المداوي محمد بن شعلان”
عندما وصلو .. نظرو للخيمة قائمة عند حافة الرمال وعند مقدمتها كان يقف رجل بهي الطلعة.. ثوبه بسيط .. شامخ في وقفته .. لحيته البيضاء طويلة
اقتربت فرس الحكيم بخطواتها الواثقة .. كأنها تعرف المكان منذ زمن بعيد دون أن تنتظر إذنًا
رفع الشيخ صوته العميق والواثق :” حي الله ابن الحكيم “
ترجل جلوان من على ظهر دابته .. صافحه بحرارة وفي قلبه شيء يبرد للمرة الأولى منذ سنين
ثم أدار رأسه الى حيث سطّام ممدد على نقالته .. وقال: ” جيناك بدعاء يا عمي ما معنا غيره “
اقترب محمد بن شعلان من سطّام
نظر الى وجهه ثم رفع يده ببطء وأشار نحو فتحة الخيمة وقال بصوته العميق :” دخلوه الخيمة “
تحرك جلوان أولًا..
اقترب من جانب النقالة ورفع بطرف الرداء عن كتفه ثم التفت لحمدان نظرة سريعة .. اتفاق صامت
تقدم حمدان دون كلمة..
وقف عند الطرف الآخر أمسك بحافة الخشب بحذر رفعاه معًا.. ومضيا به بهدوء الى داخل الخيمة
أما سلمى فتبعتهم بصمت خطواتها خفيفة تتفقد المكان من حولها .. وخلفها كان رباع يسير بهدوء و يراقب بحذر
في الداخل ..
تقدم الشيخ نحو فراش مفروش ببساطة تحيطه صُرر من أعشاب وجلود معلقة وبعض الزجاجات المائلة بلون العسل.. أشار الى الفراش وقال:” مدوه هنا بسرعة يا ولدي النبض ما ينتظر “
أراحوه بلطف.. وأسندو رأسه على الوسادة
جلس محمد بن شعلان عنده وضع يده على صدره ثم على جبينه ظل صامتًا
والخيمة صارت كأنها معلقة بين الأنفاس
ثم قال:” واقف على الحد بين الرحيل والبقاء.. ما بعد راح لكن الدرب هد حيله “
قالت سلمى بصوت خافت ويداها مقبوضتان في حجرها:” بيرجع؟”
لم يلتفت الشيخ.. أخذ جرة صغيرة فتحها وأخرج منها عُشبة ذات رائحة نفاذة ..
ثم دقها في هاون من حجر أملس حتى صارت بودرة .. مزجها بماء دافئ وسكبها في فم سطّام بحذر .. وقال:” الله العالم “
غطى صدر سطّام بقطعة قماش مبلولة ثم شد البطانية على جسده وأخذ نفس طويل ثم قال دون أن ينظر لأحد:” باتو الليلة هنا وخلو الدعاء رفيق أنفاسكم الجسد بيدكم لكن روحه معلقة بين رجعة ومغيب”
****
ديار بني طراد ..
تغيرت الأرض
الخيام نُصبت من جديد و بدت كأرامل تلبس السواد وتصمت.. كل شيء في الديار يسير لكن بلا روح ..
في قلب الديار نصب بيت جديد للشيخ راشد بن ملحان
وقف بصدر المجلس .. رفع صوته بين الرجال:” من اليوم ما في فتنة الا نخمد نارها ولا في راس يعلو فوق راية بني طراد “
هز الرؤوس كثيرون ماهو عن قناعة عن تعب .. تعب الحيرة .. وتعب الخوف .. وتعب الجراح المفتوحة التي لم تُداوى بعد ..
على طرف المجلس جلس زياد وقال بصوت مرتفع :”كلكم تنسون وأنا ما أنسى نسوان بني طراد انهانن والمغارة انكشفت والقبيلة تحولت عار .. إذا ما طهرنا الأرض العرب تتركنا ثارنا عند عيال الحكيم “
ساد صمت ثقيل.. الكلمة الأخيرة كانت كالسيف تنذر بحرب لا ترحم..ومن خلف الستائر كانت هناك عيون تراقب عيون نساء فقدن أبناءهن وأخريات ترملن
تقدم فهيد رفع صوته بهدوء موزونًا يحثه تأنيب الضمير :” أنا شفت حمدان يوم الغزو ما كان ينهب ما كان يخون شفت سيفه يضرب في صدر العدو وذراعه تنزف وهو يحمي ظهور القوم مااقدر أقول انه خصيم وهو يقاتل مثلنا الا أشد “
تبادل الرجال النظرات بعضهم عبس .. بعضهم حرك لحيته في صمت
زياد كان أول من ضحك ضحكة نصفها سخرية ونصفها خوف.. قال بصوت متهكم:” ما تشوف الا اللي ودك يا فهيد والا من اللي قتل سطّام؟ من اللي فتح درب الهرب للحرامية؟ يوم سطام قال يله يارجال انت جلست هان مثل الارامل ماطلعت معنا “
وقبل أن يرد رماه رجل من الخلف بكلمة لاذعة خرجت مثل صفعة على الملأ:” ويوم أرسلتك أم سطّام تدور عن سطام حي ولا جثه جيت خايب ويدينك فاضية الحين جاي تبرر للي غدر فينا عقب ماربيناه غريب بيننا “
كثُر الهرج..
كأن تلك الكلمة أطلقت زمجرة بين القوم.. ضحكات خفيفة تعليقات مسمومة همسات فيها استخفاف
” فهيد يقول شاف حمدان يضرب العدو؟ يمكن كان يضرب ظلاله “
” ولا يمكن خان مثلهم وجا يبي يغطي وجهه “
” يا زين الصمت يا فهيد وخل عنك شهادة الزور “
كان فهيد واقف وجهه احمر من الغضب المكبوت..
وفي اللحظة التي بدأ فيها الناس يشكون حتى في صمته…
شقت المجلس كلمة واحدة بصوت مُزلزل:” كفاكم كذب “
كانت هي .. البتول ..
لم يرها أحد منذ صباح الليلة المشؤومة قيل انها فقدت النطق من هول ما جرى .. وقيل انها لم تعد تخرج من بيتها لا تأكل ولا ترد
لكن ها هي الان .. واقفة حجابها أسود لا زينة فيه
وقفت شامخة تُكمل ما عجز عنه القتلى والأحياء وصوتها خرج قوي : ” ثارنا أخذنـــاه من ليلته .. سمهار الي تهابه كل الديار .. انقتل هااان بديار بني طراد .. انقتل بيد بنت صباح يسلم راسها “
سكت المكان..
الرجال الذين كانو قبل لحظة يتصايحون انكمشو في مقاعدهم العيون التفتت وبعض الأفواه انفتحت دون كلمة..
زياد يداه تقبضان على عباءته ووجهه محتقن بالغضب .. استدار على القوم وصوته خرج هذه المرة مبحوح من شدة ما يكتم :” حتى لو ان بنت صباح هي اللي قتلت سمهار حتى لو حمدان قاتل في صفنا ويده نزفت وسيفه شق صدورهم “
رفع اصبعه عاليًا وصاح: ” في النهايه حمدان غدر بسطام وقتله “
تحرك الهمس من جديد ..
وزياد لوح بيده يزيد النار :” لا تنسون حمدان اللي حكم عليه سطّام بالنفي عشان البتول وإذا كان بيقتل ما راح يقتل سطّام قدام الرجال .. لا غدر فيه غدر “
تباينت ردود المجلس.. منهم من ظل صامت ومنهم من بدأ يهز رأسه مترددًا بين حجة العقل وغليان الشك
دخلت أم سطّام
كانت ترتدي السواد كاملاً عباءتها من دون تطريز وقفت في مدخل الديوان لم تتقدم كثيرًا
قالت بصوت ثابت :” ما أحد يقول ان سطّام مات الا بعد ما نشوف جثته غير كذا لا أحد يتكلم “
تجمد الرجال في أماكنهم
زياد الذي كان يلهث خلف كلماته سكت..
أكملت أم سطّام وهي تتقدم خطوة واحدة فقط:” نحزن؟ ايه نغضب؟ نغضب.. بس ماندفن سطّام وهو يمكن حي “
رفعت يدها وأشارت نحو الساحة :” اللي عنده بينة يجيبها واللي عنده قلب حاقد يسكت “
ثم استدارت نحو البتول مشت اليها وضمتها بقلب أم .. وخرجتا سويًا من المجلس بين أعين خافتة وصمت مهيب .. تاركة خلفها رجالًا أعادت اليهم صوابهم ..
سارت أم سطّام بجوار البتول بخطى بطيئة كأنهما تمشيان فوق تراب لا يعرفهما ولا يعترف بهما بعد كل ما جرى..
كان في وجهيهما ما تبقى من الكبرياء وفي قلبيهما بحر من الحزن لا شاطئ له..
توقفت أم سطّام.. ونظرت الى مزنة
شعثاء الشعر ثوبها مغبر ودموعها لم تجف من وجهها منذ أيام.. كانت واقفة عند بيت مناصف الذي اعيد بناؤه حديثًا ..
ترجم البيت بالحجارة و تصرخ بصوت مبحوح من وجع الفقد :”اطلعي اطلعي يا مناصف الشر اطلعييي “
كانت النساء قد بدأن يتجمعن وجوههن ممتلئة بالدهشة وأعينهن تتقاطع بين الفضول والخوف ..
خرجت مناصف من بيتها ببطء.. وقف بثبات مصطنع
مزنة وصوتها ممزق بالحسرة :” ولدي ولدي راح وانتِ السبب انتِ”
تقدمت منها خطوتين يداها ترتجفان ودموعها تنهمر :” راح ضحية خطاي حسبي الله عليك يا مناصف لو ما شهدت لك زور لو ما كذبت عشانك كان ولدي للحين يركض بالديار “
في الخلف وقفت أم سطّام تنظر الى المشهد بصمت ثقيل..
تعرف أن أختها مناصف ليست بريئة .. لكنها لا تريد أن تنبش لا تريد أن تكرهها .. تحبس الغضب في قلبها لأنها تحمل وصية والدتها .. أختك دمك لا تفرطي فيها مهما جار الزمان
انتبهت مناصف لوجود أختها.. نظرت نحوها وارتبكت ثم حاولت أن تتماسك وتدافع رفعت صوتها تطرد التهمة بالصراخ:” وش دخلني ؟! كل ما صار شي بهالديار قلتو مناصف؟كلهم ماتو وأنا وش ذنبي؟!”
ثم شهقت وبكت بكاء مبالغًا فيه:” حتى أنا قلبي محروووق الشيخ طراد كنت أحسبه أبوي راااح .. سطّام سندي ررراح “
مزنة لم تهدأ.. لم تقنعها دموع مناصف كل ما بداخلها كان يغلي غضبها صار ندم جاثم على صدرها
نظرت الى الخيمة المنصوبة حديثًا .. خيمة مناصف ثم صاحت بصوت حارق:” هالبيت؟ما يستحق ينشد وسطنا”
مدت يدها وانقضت على أحد أوتاد الخيمة سحبته بكل قوتها ثم الآخر ثم أمسكت طرف الساتر ومزقته بيد ترتجف من الوجع
تطايرت الحبال وانهار جانب الخيمة..
مزنة واقفة وسط الغبار والشتات وجهها مبلل بالدموع النساء تحلقن حولها بين من تحاول أن تهدئها ومن تكتفي بالنظر
أما مناصف فكانت قد تراجعت ببطء وقفت بلا حيلة نظرتها متخشبة
أم سطّام تحركت خطواتها بطيئة ثابتة.. نظرات النساء انزلقت نحوها تلقائيًا وصلت الى حيث تقف مناصف لم تتكلم ولم تسأل.. مدت يدها
وأمسكت بذراع أختها شدتها اليها بحزم وسارت ومناصف خلفها تمشي بخطى متعثرة لا تدري أهي تخرج من النار أم تدخلها من جديد
في الخلف ..
البتول كانت تسير على مهل نظراتها لا تبارح ظهر مناصف.. في صدرها جمرة لم تنطفئ
ليت ام سطام لم تتدخل .. ليت الخيمة سقطت فوق رأس مناصف ورجموها بالحجارة
فهي لاتنسى تلك الليلة .. ليلة الغارة
عندما تهجم سمهار على مناصف..
هي من دافعت عنها .. هي وحدها من وقفت بين الوحش وفريسته .. لكن حين دار وجه سمهار نحوها واشتعلت المعركة بين النظر والنية
مناصف .. هربت
تركتها هناك كأنها لا تعرفها
*
فتحت أم سطّام ستارة الخيمة بقوة ودخلت وبيدها كانت تدفع مناصف أمامها دفعًا بحزم وأشارت الى زاوية الخيمة وقالت بلهجة لا تعرف اللين:” اجلسي هنا “
جلست مناصف في المكان الذي أُشير اليه دون أن ترفع رأسها
ثم تقدمت أم سطّام خطوة ووقفت قبالتها وصوتها خرج كما لم تسمعه مناصف منذ سنين:” تعيشين عندي لأن أمي وصتني عليك “
ثم رفعت اصبعها أمام وجه مناصف وصوتها هذه المرة حمل الغضب المتجمد :” بس تسمعينها زين قسماً بالله يا مناصف لو شميت ريحة فتنة من لسانك لأطردك من هالبيت ومن هالديار واعتبرك ما كنتي “
ارتجفت شفتا مناصف و لم تجرؤ على الكلام.. كل ما فعلته هو أنها أومأت برأسها تحتمي بصمتها من صرامة أختها..
في الخلف كانت البتول واقفة تتمزق بين احترام أم سطّام .. وبين رغبة دفينة بأن تنهال على مناصف بالكلمات او بالحجارة..
لكنها سكتت.. احترامًا فقط لمن حملت البيت على كتفها… ودفنت زوجها بصدرها
أم سطّام التفتت وجلست في ركنها ثم قالت بلهجة أخيرة واضحة لا نقاش فيها: ” هذا البيت ما فيه مكان للفتن اللي تبي تعيش .. تعيش ساكتة واللي تبي تلعب تلعب بعيد لأن ما عاد فينا نتحمل وجع ثاني “
في طرف الخيمة عند الفتحة التي تطل على الساحة جلست الهنوف بصمت..
عيناها لم تبارحا طفليها الصغيرين راكان وصقر يلعبان بالحجارة كما يلعب اليتامى يحاولان بناء بيت من الرمل لا يشبه البيت الذي احترق
كانت تسمع كل كلمة.. صرامة أم سطّام .. خضوع مناصف ..
وفيفي قلبها كان الصوت الوحيد الذي تسمعه هو صوت مناور يضحك مع راكان يحمل صقر على كتفه ويقول لها:” عيالنا ذراعي يا الهنوف لا تخافين “
*****
جلس محمد بن شعلان عند موقد النار .. صب القهوة من دلة فوق الجمر ثم ناولهم واحد واحد وصمت الخيمة كان دافئ يقطعه صوت طقطقة النار
بدأ الشيخ يتعرف عليهم وكان لا يعرف الا جلوان .. رفع نظره اليه أولًا .. ثم تحولت عيناه نحو الشاب الواقف عند طرف الضوء
فارع القامة وسيم الملامح وثيابه مرتبة رغم عناء السفر
كان يقف بثبات لا يطلب شيئ من أحد .. في صمته كبرياء وفي هيئته عزّة
قال بن شعلان وهو يحدق فيه بنظرة خبيرة:” وهذا؟”
أشار جلوان برأسه اليه وقال بهدوء:” هذا حمدان أخوي ولد الحكيم “
ابتسم بن شعلان وفي عينيه لمعة حنين قديم ثم نظر الى حمدان وقال : ” الحكيم رحل من هان وامك ناقل ما شفناك .. لكن سمعنا عنك لما كبرت قالو شاعر وقالو رجال ما يعجبه شي ولسانه جريء وما يهاب ودايم يجره للتهلكة “
ضحك رباع من ركنه وهو يمد يده الى فنجانه وبنبرة مازحة :” كل اللي قالوه عنه صحيح وزيادة “
لم يرد حمدان مباشرة اكتفى بابتسامة مائلة لا ينفي ولا يعترف.. ثم جلس بجانب جلوان بهدوء وقال دون ان ينظر لابن شعلان :” لا تصدق الا اللي تشوفه ولا تحكم على الرجال من هروج المجالس “
هز بن شعلان رأسه وفي عينيه اعجاب لا يخفى ثم قال بصوت هادئ :” صدق لسانك .. واللي أنا أشوفه؟ان ولد الحكيم ورجع وعينه فيها نار ما تنطفي “
ثم التفت نحو جلوان نظرة فخر :” اثنينكم من صلب رجل عزيز على هالديار وحياكم الله بين هلكم وناس تعرف قدركم”
ونظر نحو سلمان الجالس بصمت عمامته تغطي أغلب ملامحه لكنه لم يكن غريبًا على عيون من شب على حكمة الفراسة.. قال : ” والوجيه الطيبة من هالطرف؟ ما نطقت ولا سمعنا لك حرف “
رد رباع قبل أن يتكلم أحد:” هذا سلمان رفيقنا من أهل الوفا وما يقعد بمجلس الا رفع قدره “
هز بن شعلان رأسه لم يكن من أولئك الذين يسألون كثيرًا.. في السراة يكفي أن ترى المشي وتسمع الصمت لتعرف ما يلزمك
ثم ابتسم قليلاً وقال باحترام:” أستأذنكم الحين وخذو راحتكم الدار داركم “
تسلل الصمت بينهم لا يُكسر الا بطقطقة الحطب ..
تثاءب جلوان وهو ينهض متثاقلاً شد عباءته على كتفيه وهمس بتعب :” نامو ورانا يوم طويل مع اهل السراة “
وربت على كتف أخيه قبل أن ينصرف
وتبعه رباع وهو يتمطى كسائر من سَكِر من دفء النار .. ثم قال ممازحًا :” أوصيكم بالجمر لا ينطفي لا هو ولا اللي قاعد عنده “
ضحك وحده وذهب ..
هدأ المكان من بعدهم وبقيت سلمى جالسة الى جوار سطّام تبلل قطعة القماش وتضعها برفق على جبينه عيناها لا تفارقان وجهه تتتبع كل رعشة وكل نفس
بجانب الجمر جلس حمدان متكورًا بعض الشيء كأنه يحمي في داخله سرًا لا يريد له أن يفلت..كان يرمق سلمى خلسة يراها تلامس جبين سطّام بحنان يكفي لشفاء وطن ..
ثم يشيح بنظره الى النار كأن النظر اليها يحرره من سؤال مُلح لم يستطع كتمه طويلًا.. وغلفه بالسخرية هامساً :” من يشوفك يظن انك ميته بهواه “
توقفت يدها لحظة ولم تلتفت.. فقط أعادت حركة يدها بهدوء وبنبرة خافتة :” مو كل يد تمسح تعب يعني قلبها متعلق هي أشياء أكبر من فهمك الضيق “
أخذ حمدان نفس طويل كان يريد أن يقول شيئ ..لكنه اكتفى بأن رمى عود في النار وتابع اشتعاله بعينيه كأن احتراقه يلهيه عن احتراق اخر في داخله..
رفعت سلمى رأسها نحوه ..
استغربت صمته وهو الذي لا يسكت عادة ولا يترك سخرية الا وأطلقها.!!؟
قابلت نظراته و لم تجد فيها تهكمًا هذه المرة ..
وجدت نارًا هادئة تتوارى خلف سحابة من الكبرياء نارًا تعرفها وتحذرها .. نارًا لا تهاجم لكنها ان اقتربت منها لسعت
أشاح حمدان بوجهه نحو النار..
تعلق بوميضها كأنها مهرب من شيء لم يتعلم بعد كيف يواجهه.. رمى قطعة صغيرة من الحطب وتابع كيف اشتعلت .. كيف تحترق ببطء كما يحترق في داخله شيء لم يجد له صيغة ولا توقيتًا آمنًا
ذلك الاسم الذي طالما مر في المجالس مثل الحكايات السوداء يروى عن غاراته وعن دم لا يجف على سلاحه
لم يتخيل أحد أن يتسلط على بني طراد فقد كان يخشى اسم صباح وحده
صباح الذي لم يره سمهار كان يكفي أن يسمع صدى صوته ليزرع الرعب في أعماقه
لكنه أتى ..
بعد موت صباح تحفزه مناصف
أتى كالكابوس الذي كذبوه وظنوه لن يصحو ذات يوم في ديارهم..
وجاءت النهاية التي لم تخطر على باله لم تكن على يد خصم متوقع ولا بسيف فارس مشهور
كانت على يد ابنة صباح بن هذال بن طراد
وبدأت الأخبار تتسرب الى الديار المجاورة تنتقل من لسان الى اخر
مقتل سمهار .. صار راحة تغمر القلوب وخلاص من رعب طالما رافقهم
وصار اسم صباح الذي حسبوه دفن مع صاحبه يرتفع من جديد
***
في بيت ام سطام الذي لم تصله النيران ..
كانت البتول مستلقية على فراشها بلا حراك سوى شهيق متقطع بين حين واخر ووجهها شاحب كأن الروح غادرته
الى جانبها جلست الهنوف صامتة تشد على يدها تمنعها من الانهيار أكثر وهي منهارة داخليًا اكثر منها
وفي ساحة الدمار ..
جلس زياد دمه ينزف ببطء من كتفه وذراعه وعلى مقربة منه أحد الشيوخ يضمد جراحه
أم سطّام ظلت على جلستها صامتة لا ترد على احد
والنساء حولها يتهامسن حتى بدأن يخشين أن الخرس قد أصابها
ثم فجأة .. وقفت
وقفت ببطء وتقدمت نحو واحد فقط .. زياد
وقفت أمامه .. ونظرت اليه بعينين حادتين تُدينان .. :” يا زياد جاي تجر جسمك ورا الخذلان؟ليش ما رجعت بجثة ولدي؟”
ابتلع زياد ريقه .. نظر الى الارض و نطق بصوت مخنوق :” ما عرفته القتلى كثير ووسط المعركة سمعت صوته من بعيد يصرخ يا بني طراد حمدان غدرني وثاركم عنده “
تراجعت أم سطّام خطوة واحدة
ثم التفتت وشدت صوتها :” اسمعوني كلكم .. ما دام فينا عرق ينبض ما طاح اسم بني طراد اليوم نعيدها ديرة تهاب مو ترثى وراس سمهار يعلق اول الديار “
أشارت بيدها الى فهيد الجريح الواقف بعكازه :” يا فهيد جمع من بقي من الفرسان ودورو على سطّام حي أو جثة نغسلها بدموعنا ونحطها على كتوفنا .. وحمدان جيبوه لي عايش “
ثم التفتت الى راشد :” يا راشد بن ملحان أمسك أمر الناس من تدمر بيته نرجع نبنيه ومن له قلب مكسور نداويه “
ثم دارت بعينيها على النساء النائحات :” اللي راحو عطونا إرث نخيط من خرقنا راية ونعليها .. خيطن الثياب وجهزن الزاد واحتون الورعان لو قلوبكن رماد ترى الديار تقوم من صدر حرمة قبل سيف رجل “
****
بيت رباع ..
جلس جلوان على بساط من خيش ظهره مسنود الى صخرة دافئة من شمس الظهيرة
كان صدره بدأ يستعيد عمقه الطبيعي وكأن الهواء الذي كان قد نُسي في المغارة عاد ليملأ رئتيه من جديد
عالج رباع جروحه بعناية .. مستخدمًا خبرته البسيطة في الطب
الى جانبه جلس حمدان وعيناه تتجهان نحو الخيمة حيث يرقد سطّام ..
وسلمى تجلس عند رأسه تراقبه بعينين تفيضان بالقلق والأمل
عودة الى الليلة الملوثة بالخيانة ..
في قلب الجبال المتداخلة كان رباع يشد يد جلوان بحنان يدعمه ويحمله أحيانًا على أكتافه
سارا بصمت محملين بأثقال الجراح والهموم وعين جلوان لم تغفل لحظة واحدة.. كانت تراقب كل ظل في الوادي وكل حركة تخطو بين الصخور..
فجأة .. لمحو أربعة فرسان قادمين من بعيد..
همس رباع بملل :” ياليل بني طراد اللي ما هو منتهي ازبن ياخوي “
اتكأ جلوان على الصخور متعبًا .. وتعرف عليهم لكن الصدمة كانت عندما رأى ما لم يتوقعه .. الخيانة ..
برغم ثقل القيود التي كبلت يديه طويلاً رفع بندقية رباع وحملها بثبات في يده.. صوب بندقيته نحو زياد
وأطلقت طلقة واحدة
شقت الوادي بصوت مدوي ..
التفت جلوان الى رباع بحزم :” رح قبلي الحق على سطّام .. اروج يارباع “
بدون تردد ركض رباع بين الجبال سريعًا ..
*****
سطّام ممدد على الفراش جسده مثقل بالضربات وجهه باهت ..
الى جواره كانت سلمى .. تضغط بقطعة قماش مبللة على صدره المحموم يداها تعملان بهدوء .. وعيناها تراقب صدره حركته المتقطعة .. الشهيق الثقيل .. الزفير المتأخر كأن كل نفس قد يكون الأخير ..
في عينيها خليط غريب من الرجاء والغضب .. رجاء أن يعود .. وغضب أن يجرؤ على الغياب عنها وهو يعلم كم تخشى الفقد
رفعت الكمادة قليلًا مسحت بها جبينه ثم همست بوجع :” تكفى لاتروح وتخليني “
وفي الخارج ..
ظل حمدان يحدق في الخيمة لا يرمش ولا يلتفت .. رأى الانحناءة .. رأى يدها على صدر سطّام .. ورأى ذلك الحنو الصامت
شعر بضيقًا في صدره .. لم يسميه ولم يجرؤ
أشاح بنظره عن الخيمة كأنها أحرقت عينه.. وأدرك أن في داخله شيء لم يعد كما كان
وفجأة اهتزت الأرض
شق رباع المكان كعاصفة صغيرة وجهه يقطر عرقًا وعيناه واسعتان من الخوف :” مصيبة يا جماعة “
رفع حمدان رأسه ببطء نبرته مشدودة :” وش علمك؟ “
تردد رباع .. التفت نحو سلمى التي وقفت عند باب الخيمة .. ارتجف صوته : ” الشيخ طراد مات “
ثم وبعد تردد ثقيل نظر لحمدان :” وزياد يقول ان سطّام انقتل و اللي قتله حمدان “
تشنج وجه جلوان و من بين أسنانه :” زياد الخاين “
أومأ رباع برأسه ثم أضاف وصوته مبحوح : ” الديرة خربانة والشيخة أم سطّام أرسلت فهيد يدور على ولدها حي ولا جثة وتطلب حمدان حي تبي تاخذ بثأر ولدها بيدها “
سلمى أغمضت عينيها..
رحل عمها قبل أن تسترد منه حقها لكن العدالة لا تموت ولو مات الظالم
ضحك حمدان ضحكة قصيرة مريرة ساخرة.:” اللي عاشو على الهامش صارو أبطال الرواية واللي يدافع عن الشرف يصير قاتل “
تنفس رباع وقال بقلق :” لازم نتحرك يا نكمل طريقنا ونختفي يا نرجع ونفضح زياد قبل لا يفوت الأوان “
ألقى جلوان نظرة طويلة على سطّام ..
ذلك الفارس الراقد كأن سيفه انتزع من يده وهو حي .. تأمل صدره المرتجف .. ثم همس : “اللي مثل سطّام ما ينهان بموته كذب “
رفعت سلمى رأسها وبصرامه :” ما نرجع الا ويدنا مشدودة عالحقيقة والا ما لنا وجه نرجع “
حدق جلوان في الأفق كأنه يسمع صوتًا لا يسمعه سواه.. التفت اليهم ببطء وقال :” بناخذ سطّام ونروح السراة “
رباع بدهشة قال :” السراة؟! تبينا نرجع لدياركم ؟ “
هز جلوان رأسه ونظر الى حمدان :” هذي وصية أبوي ارجع للسراة “
سألت سلمى بهدوء:” وسطّام؟ “
اقترب جلوان من الفراش ثم وضع يده على جبين سطّام وقال: ” يمكن هناك نلقى طبيب ينقذه ويمكن نلقى اللي نقدر نقوله وش صاير الديرة هنا مو لنا صارت للي يكذب “
****
طريق السراة
سارو في صمت ثقيل تتقدمهم دابتان مشدود بينهما عارض خشبي عليه سطّام ممدد ..
ثبتو بين العارضتين جلود مشدودة وفرشو تحت جسده بطانة صوف ناعمة وغطو النهايات بالحبال ثم عقدوها بإحكام كي لا يتمايل جسده في كل انعطافة
سارت سلمى على الجانب الأيسر من النقالة لا تتقدم ولا تتأخر يدها تلامس حافة الخشب من حين لآخر تراقب صدر سطام كل ارتفاع وانخفاض تخشى أن يتوقف فجأة..
في المقدمة كان جلوان يمتطي فرس الحكيم.. ظهره منتصب لم يتكلم منذ ساعات وعيناه لا تفارقان الطريق..
كان صمته ثقيل مملوء بوصايا والده
أما في الخلف فكان رباع يتابع تمايل الخيول بنظراته ..
وخلفه حمدان يسير بصمت كتفاه مشدودتان متجهم الوجه عيناه لا تنظران لأحد في داخله عاصفة لا تهدأ..
الشمس تميل نحو المغيب والجبال بدأت تلوح في الأفق شامخة .. ساكنة .. الهواء هنا مختلف بارد
توقفو للراحه ..
أشعل رباع نار صغيرة .. ومع أول شرارة ارتفعت سحابة دخان خفيفة .. ثم بدأت النار تتراقص كأنها تحاول أن تُضيء ما انطفأ في قلوبهم
جلست سلمى تحتضن عباءة والدها تبحث عن الدفء والامان .. وعينها لا تفارق سطام تراقب أنفاسه من ظل الضوء
في الجهة الأخرى من النار
جلس جلوان يداه ممدودتان نحو اللهب وعينيه كانتا تتبعان عود يحترق ببطء .. قال بصوت خافت :” السراة ما بقى عليها شي “
ثم التفت الى سلمى وأضاف برفق وهدوء :” وأنا ودي يا بنت صباح تروحين لديار أمك وهنا حنّا نعتني بسطّام واذا بان الحق وظهرت الحقيقة ترجعين وانتِ رافعة راسك ما تكونين وسط هالفتنة والعيون اللي ما ترحم “
لم تلتفت اليه ..
كانت عيناها مشغولتين بوجه سطّام الشاحب.. ثم قالت بصوت ثابت خالي من التردد :” ما أتركه ولا أرجع وهو هنا بين الحياة والموت “
سكتت لحظة ثم أضافت:” سطام اخوي حتى لو هضم حقي مصيره يرجع للحق “
سكت جلوان .. لم يكن بحاجة لرد كان يعرف أنها لن تذهب ..
نهض بهدوء ألقى نظرة على سطّام .. ثم اتجه الى الأعلى حيث كان حمدان يجلس على صخرة تطل على هوة من السواد .. صامتًا مائل الكتفين كأن الليل أثقل ظهره أكثر من الغربة
صعد جلوان اليه بخطوات هادئة وجلس بجانبه دون أن ينطق بكلمة..
وبعد فترة قال جلوان بحنان :” وش اللي بنفسك ياخوي علمني “
حمدان لم يرد.. كان نظره غارق في السواد الممتد أمامه .. ينظر الى قمم الجبال يبحث بينها عن إجابة لا يجرؤ على نطقها
انتظر جلوان بصبر أخوي حنون ثم التفت اليه :” ترى أبوي ما مات وهو زعلان منك قالها لي بصريح الكلام حمدان لو غضب ما يخون ولو أخطأ ما يعاند الحق.. وقال لي ادورك واردك للصواب ونرجع لسراة “
حينها فقط أخذ حمدان نفسًا عميقًا ثم أطلق كلماته بصوت خافت :” من ماتت أمي وأنا رضيع وانكتب علي أعيش بشقى كبرت بين خيبات وسيوف ما هي لي.. وكل ما حاولت ألقى درب سدوه في وجهي والحين؟.. العرب تطرد وراي لدم أنا بريء منه قلي يا خوي متى أرتاح؟ متى ألحق على عمري قبل لا يفوتني؟”
سكت جلوان نظر اليه طويلاً يحاول احتواء ما خلف الكلمات .. ثم مد يده برفق ووضعها على كتف أخيه :” أدري ما أحد يعرف حجم اللي بقلبك بس اللي أعرفه انك ما انخلقت للهرب ولا تربيت على كسر الظهر “
حرك نظره نحو الوادي الساكن أسفلهم ثم أكمل بنبرة تثقلها المسؤولية:” بكرة نوصل السراة أرض أبونا واهلنا وعزوتنا ولازم ندخلها بعقولنا ثابتة وقلوبنا مجتمعة الفتنة ما نطفيها اذا كنا كل واحد يحترق لحاله “
ما رد حمدان .. لكن أنفاسه صارت أهدأ وملامحه رغم الصمت خف فيها شيء من العبء الذي ثقل عليه طويلاً
**
وفي الصباح حين انسحب الليل ببطء من الوادي وانتشر الضوء على قمم الجبال كوشاح ذهبي ..
أعادو شد الحبال وتفقدو سطّام ثم واصلو المسير ومع انحناءة الطريق وبعد اجتياز تلة أخيرة .. بدأت تظهر ملامح السراة ..
بيوت الشعر السوداء متفرقة تعانق الضباب وتتمسك بكتف الوادي ..
شد جلوان لجام فرسه رفع رأسه وتنهد تنهيدة عميقة ثم قال بصوته المبحوح:” وصلنا “
*
قادهم شيخ من أهل الديار الى بيت على طرف الوادي .. أخبرهم بأنهم سيجدون “المداوي محمد بن شعلان”
عندما وصلو .. نظرو للخيمة قائمة عند حافة الرمال وعند مقدمتها كان يقف رجل بهي الطلعة.. ثوبه بسيط .. شامخ في وقفته .. لحيته البيضاء طويلة
اقتربت فرس الحكيم بخطواتها الواثقة .. كأنها تعرف المكان منذ زمن بعيد دون أن تنتظر إذنًا
رفع الشيخ صوته العميق والواثق :” حي الله ابن الحكيم “
ترجل جلوان من على ظهر دابته .. صافحه بحرارة وفي قلبه شيء يبرد للمرة الأولى منذ سنين
ثم أدار رأسه الى حيث سطّام ممدد على نقالته .. وقال: ” جيناك بدعاء يا عمي ما معنا غيره “
اقترب محمد بن شعلان من سطّام
نظر الى وجهه ثم رفع يده ببطء وأشار نحو فتحة الخيمة وقال بصوته العميق :” دخلوه الخيمة “
تحرك جلوان أولًا..
اقترب من جانب النقالة ورفع بطرف الرداء عن كتفه ثم التفت لحمدان نظرة سريعة .. اتفاق صامت
تقدم حمدان دون كلمة..
وقف عند الطرف الآخر أمسك بحافة الخشب بحذر رفعاه معًا.. ومضيا به بهدوء الى داخل الخيمة
أما سلمى فتبعتهم بصمت خطواتها خفيفة تتفقد المكان من حولها .. وخلفها كان رباع يسير بهدوء و يراقب بحذر
في الداخل ..
تقدم الشيخ نحو فراش مفروش ببساطة تحيطه صُرر من أعشاب وجلود معلقة وبعض الزجاجات المائلة بلون العسل.. أشار الى الفراش وقال:” مدوه هنا بسرعة يا ولدي النبض ما ينتظر “
أراحوه بلطف.. وأسندو رأسه على الوسادة
جلس محمد بن شعلان عنده وضع يده على صدره ثم على جبينه ظل صامتًا
والخيمة صارت كأنها معلقة بين الأنفاس
ثم قال:” واقف على الحد بين الرحيل والبقاء.. ما بعد راح لكن الدرب هد حيله “
قالت سلمى بصوت خافت ويداها مقبوضتان في حجرها:” بيرجع؟”
لم يلتفت الشيخ.. أخذ جرة صغيرة فتحها وأخرج منها عُشبة ذات رائحة نفاذة ..
ثم دقها في هاون من حجر أملس حتى صارت بودرة .. مزجها بماء دافئ وسكبها في فم سطّام بحذر .. وقال:” الله العالم “
غطى صدر سطّام بقطعة قماش مبلولة ثم شد البطانية على جسده وأخذ نفس طويل ثم قال دون أن ينظر لأحد:” باتو الليلة هنا وخلو الدعاء رفيق أنفاسكم الجسد بيدكم لكن روحه معلقة بين رجعة ومغيب”
****
ديار بني طراد ..
تغيرت الأرض
الخيام نُصبت من جديد و بدت كأرامل تلبس السواد وتصمت.. كل شيء في الديار يسير لكن بلا روح ..
في قلب الديار نصب بيت جديد للشيخ راشد بن ملحان
وقف بصدر المجلس .. رفع صوته بين الرجال:” من اليوم ما في فتنة الا نخمد نارها ولا في راس يعلو فوق راية بني طراد “
هز الرؤوس كثيرون ماهو عن قناعة عن تعب .. تعب الحيرة .. وتعب الخوف .. وتعب الجراح المفتوحة التي لم تُداوى بعد ..
على طرف المجلس جلس زياد وقال بصوت مرتفع :”كلكم تنسون وأنا ما أنسى نسوان بني طراد انهانن والمغارة انكشفت والقبيلة تحولت عار .. إذا ما طهرنا الأرض العرب تتركنا ثارنا عند عيال الحكيم “
ساد صمت ثقيل.. الكلمة الأخيرة كانت كالسيف تنذر بحرب لا ترحم..ومن خلف الستائر كانت هناك عيون تراقب عيون نساء فقدن أبناءهن وأخريات ترملن
تقدم فهيد رفع صوته بهدوء موزونًا يحثه تأنيب الضمير :” أنا شفت حمدان يوم الغزو ما كان ينهب ما كان يخون شفت سيفه يضرب في صدر العدو وذراعه تنزف وهو يحمي ظهور القوم مااقدر أقول انه خصيم وهو يقاتل مثلنا الا أشد “
تبادل الرجال النظرات بعضهم عبس .. بعضهم حرك لحيته في صمت
زياد كان أول من ضحك ضحكة نصفها سخرية ونصفها خوف.. قال بصوت متهكم:” ما تشوف الا اللي ودك يا فهيد والا من اللي قتل سطّام؟ من اللي فتح درب الهرب للحرامية؟ يوم سطام قال يله يارجال انت جلست هان مثل الارامل ماطلعت معنا “
وقبل أن يرد رماه رجل من الخلف بكلمة لاذعة خرجت مثل صفعة على الملأ:” ويوم أرسلتك أم سطّام تدور عن سطام حي ولا جثه جيت خايب ويدينك فاضية الحين جاي تبرر للي غدر فينا عقب ماربيناه غريب بيننا “
كثُر الهرج..
كأن تلك الكلمة أطلقت زمجرة بين القوم.. ضحكات خفيفة تعليقات مسمومة همسات فيها استخفاف
” فهيد يقول شاف حمدان يضرب العدو؟ يمكن كان يضرب ظلاله “
” ولا يمكن خان مثلهم وجا يبي يغطي وجهه “
” يا زين الصمت يا فهيد وخل عنك شهادة الزور “
كان فهيد واقف وجهه احمر من الغضب المكبوت..
وفي اللحظة التي بدأ فيها الناس يشكون حتى في صمته…
شقت المجلس كلمة واحدة بصوت مُزلزل:” كفاكم كذب “
كانت هي .. البتول ..
لم يرها أحد منذ صباح الليلة المشؤومة قيل انها فقدت النطق من هول ما جرى .. وقيل انها لم تعد تخرج من بيتها لا تأكل ولا ترد
لكن ها هي الان .. واقفة حجابها أسود لا زينة فيه
وقفت شامخة تُكمل ما عجز عنه القتلى والأحياء وصوتها خرج قوي : ” ثارنا أخذنـــاه من ليلته .. سمهار الي تهابه كل الديار .. انقتل هااان بديار بني طراد .. انقتل بيد بنت صباح يسلم راسها “
سكت المكان..
الرجال الذين كانو قبل لحظة يتصايحون انكمشو في مقاعدهم العيون التفتت وبعض الأفواه انفتحت دون كلمة..
زياد يداه تقبضان على عباءته ووجهه محتقن بالغضب .. استدار على القوم وصوته خرج هذه المرة مبحوح من شدة ما يكتم :” حتى لو ان بنت صباح هي اللي قتلت سمهار حتى لو حمدان قاتل في صفنا ويده نزفت وسيفه شق صدورهم “
رفع اصبعه عاليًا وصاح: ” في النهايه حمدان غدر بسطام وقتله “
تحرك الهمس من جديد ..
وزياد لوح بيده يزيد النار :” لا تنسون حمدان اللي حكم عليه سطّام بالنفي عشان البتول وإذا كان بيقتل ما راح يقتل سطّام قدام الرجال .. لا غدر فيه غدر “
تباينت ردود المجلس.. منهم من ظل صامت ومنهم من بدأ يهز رأسه مترددًا بين حجة العقل وغليان الشك
دخلت أم سطّام
كانت ترتدي السواد كاملاً عباءتها من دون تطريز وقفت في مدخل الديوان لم تتقدم كثيرًا
قالت بصوت ثابت :” ما أحد يقول ان سطّام مات الا بعد ما نشوف جثته غير كذا لا أحد يتكلم “
تجمد الرجال في أماكنهم
زياد الذي كان يلهث خلف كلماته سكت..
أكملت أم سطّام وهي تتقدم خطوة واحدة فقط:” نحزن؟ ايه نغضب؟ نغضب.. بس ماندفن سطّام وهو يمكن حي “
رفعت يدها وأشارت نحو الساحة :” اللي عنده بينة يجيبها واللي عنده قلب حاقد يسكت “
ثم استدارت نحو البتول مشت اليها وضمتها بقلب أم .. وخرجتا سويًا من المجلس بين أعين خافتة وصمت مهيب .. تاركة خلفها رجالًا أعادت اليهم صوابهم ..
سارت أم سطّام بجوار البتول بخطى بطيئة كأنهما تمشيان فوق تراب لا يعرفهما ولا يعترف بهما بعد كل ما جرى..
كان في وجهيهما ما تبقى من الكبرياء وفي قلبيهما بحر من الحزن لا شاطئ له..
توقفت أم سطّام.. ونظرت الى مزنة
شعثاء الشعر ثوبها مغبر ودموعها لم تجف من وجهها منذ أيام.. كانت واقفة عند بيت مناصف الذي اعيد بناؤه حديثًا ..
ترجم البيت بالحجارة و تصرخ بصوت مبحوح من وجع الفقد :”اطلعي اطلعي يا مناصف الشر اطلعييي “
كانت النساء قد بدأن يتجمعن وجوههن ممتلئة بالدهشة وأعينهن تتقاطع بين الفضول والخوف ..
خرجت مناصف من بيتها ببطء.. وقف بثبات مصطنع
مزنة وصوتها ممزق بالحسرة :” ولدي ولدي راح وانتِ السبب انتِ”
تقدمت منها خطوتين يداها ترتجفان ودموعها تنهمر :” راح ضحية خطاي حسبي الله عليك يا مناصف لو ما شهدت لك زور لو ما كذبت عشانك كان ولدي للحين يركض بالديار “
في الخلف وقفت أم سطّام تنظر الى المشهد بصمت ثقيل..
تعرف أن أختها مناصف ليست بريئة .. لكنها لا تريد أن تنبش لا تريد أن تكرهها .. تحبس الغضب في قلبها لأنها تحمل وصية والدتها .. أختك دمك لا تفرطي فيها مهما جار الزمان
انتبهت مناصف لوجود أختها.. نظرت نحوها وارتبكت ثم حاولت أن تتماسك وتدافع رفعت صوتها تطرد التهمة بالصراخ:” وش دخلني ؟! كل ما صار شي بهالديار قلتو مناصف؟كلهم ماتو وأنا وش ذنبي؟!”
ثم شهقت وبكت بكاء مبالغًا فيه:” حتى أنا قلبي محروووق الشيخ طراد كنت أحسبه أبوي راااح .. سطّام سندي ررراح “
مزنة لم تهدأ.. لم تقنعها دموع مناصف كل ما بداخلها كان يغلي غضبها صار ندم جاثم على صدرها
نظرت الى الخيمة المنصوبة حديثًا .. خيمة مناصف ثم صاحت بصوت حارق:” هالبيت؟ما يستحق ينشد وسطنا”
مدت يدها وانقضت على أحد أوتاد الخيمة سحبته بكل قوتها ثم الآخر ثم أمسكت طرف الساتر ومزقته بيد ترتجف من الوجع
تطايرت الحبال وانهار جانب الخيمة..
مزنة واقفة وسط الغبار والشتات وجهها مبلل بالدموع النساء تحلقن حولها بين من تحاول أن تهدئها ومن تكتفي بالنظر
أما مناصف فكانت قد تراجعت ببطء وقفت بلا حيلة نظرتها متخشبة
أم سطّام تحركت خطواتها بطيئة ثابتة.. نظرات النساء انزلقت نحوها تلقائيًا وصلت الى حيث تقف مناصف لم تتكلم ولم تسأل.. مدت يدها
وأمسكت بذراع أختها شدتها اليها بحزم وسارت ومناصف خلفها تمشي بخطى متعثرة لا تدري أهي تخرج من النار أم تدخلها من جديد
في الخلف ..
البتول كانت تسير على مهل نظراتها لا تبارح ظهر مناصف.. في صدرها جمرة لم تنطفئ
ليت ام سطام لم تتدخل .. ليت الخيمة سقطت فوق رأس مناصف ورجموها بالحجارة
فهي لاتنسى تلك الليلة .. ليلة الغارة
عندما تهجم سمهار على مناصف..
هي من دافعت عنها .. هي وحدها من وقفت بين الوحش وفريسته .. لكن حين دار وجه سمهار نحوها واشتعلت المعركة بين النظر والنية
مناصف .. هربت
تركتها هناك كأنها لا تعرفها
*
فتحت أم سطّام ستارة الخيمة بقوة ودخلت وبيدها كانت تدفع مناصف أمامها دفعًا بحزم وأشارت الى زاوية الخيمة وقالت بلهجة لا تعرف اللين:” اجلسي هنا “
جلست مناصف في المكان الذي أُشير اليه دون أن ترفع رأسها
ثم تقدمت أم سطّام خطوة ووقفت قبالتها وصوتها خرج كما لم تسمعه مناصف منذ سنين:” تعيشين عندي لأن أمي وصتني عليك “
ثم رفعت اصبعها أمام وجه مناصف وصوتها هذه المرة حمل الغضب المتجمد :” بس تسمعينها زين قسماً بالله يا مناصف لو شميت ريحة فتنة من لسانك لأطردك من هالبيت ومن هالديار واعتبرك ما كنتي “
ارتجفت شفتا مناصف و لم تجرؤ على الكلام.. كل ما فعلته هو أنها أومأت برأسها تحتمي بصمتها من صرامة أختها..
في الخلف كانت البتول واقفة تتمزق بين احترام أم سطّام .. وبين رغبة دفينة بأن تنهال على مناصف بالكلمات او بالحجارة..
لكنها سكتت.. احترامًا فقط لمن حملت البيت على كتفها… ودفنت زوجها بصدرها
أم سطّام التفتت وجلست في ركنها ثم قالت بلهجة أخيرة واضحة لا نقاش فيها: ” هذا البيت ما فيه مكان للفتن اللي تبي تعيش .. تعيش ساكتة واللي تبي تلعب تلعب بعيد لأن ما عاد فينا نتحمل وجع ثاني “
في طرف الخيمة عند الفتحة التي تطل على الساحة جلست الهنوف بصمت..
عيناها لم تبارحا طفليها الصغيرين راكان وصقر يلعبان بالحجارة كما يلعب اليتامى يحاولان بناء بيت من الرمل لا يشبه البيت الذي احترق
كانت تسمع كل كلمة.. صرامة أم سطّام .. خضوع مناصف ..
وفيفي قلبها كان الصوت الوحيد الذي تسمعه هو صوت مناور يضحك مع راكان يحمل صقر على كتفه ويقول لها:” عيالنا ذراعي يا الهنوف لا تخافين “
*****
جلس محمد بن شعلان عند موقد النار .. صب القهوة من دلة فوق الجمر ثم ناولهم واحد واحد وصمت الخيمة كان دافئ يقطعه صوت طقطقة النار
بدأ الشيخ يتعرف عليهم وكان لا يعرف الا جلوان .. رفع نظره اليه أولًا .. ثم تحولت عيناه نحو الشاب الواقف عند طرف الضوء
فارع القامة وسيم الملامح وثيابه مرتبة رغم عناء السفر
كان يقف بثبات لا يطلب شيئ من أحد .. في صمته كبرياء وفي هيئته عزّة
قال بن شعلان وهو يحدق فيه بنظرة خبيرة:” وهذا؟”
أشار جلوان برأسه اليه وقال بهدوء:” هذا حمدان أخوي ولد الحكيم “
ابتسم بن شعلان وفي عينيه لمعة حنين قديم ثم نظر الى حمدان وقال : ” الحكيم رحل من هان وامك ناقل ما شفناك .. لكن سمعنا عنك لما كبرت قالو شاعر وقالو رجال ما يعجبه شي ولسانه جريء وما يهاب ودايم يجره للتهلكة “
ضحك رباع من ركنه وهو يمد يده الى فنجانه وبنبرة مازحة :” كل اللي قالوه عنه صحيح وزيادة “
لم يرد حمدان مباشرة اكتفى بابتسامة مائلة لا ينفي ولا يعترف.. ثم جلس بجانب جلوان بهدوء وقال دون ان ينظر لابن شعلان :” لا تصدق الا اللي تشوفه ولا تحكم على الرجال من هروج المجالس “
هز بن شعلان رأسه وفي عينيه اعجاب لا يخفى ثم قال بصوت هادئ :” صدق لسانك .. واللي أنا أشوفه؟ان ولد الحكيم ورجع وعينه فيها نار ما تنطفي “
ثم التفت نحو جلوان نظرة فخر :” اثنينكم من صلب رجل عزيز على هالديار وحياكم الله بين هلكم وناس تعرف قدركم”
ونظر نحو سلمان الجالس بصمت عمامته تغطي أغلب ملامحه لكنه لم يكن غريبًا على عيون من شب على حكمة الفراسة.. قال : ” والوجيه الطيبة من هالطرف؟ ما نطقت ولا سمعنا لك حرف “
رد رباع قبل أن يتكلم أحد:” هذا سلمان رفيقنا من أهل الوفا وما يقعد بمجلس الا رفع قدره “
هز بن شعلان رأسه لم يكن من أولئك الذين يسألون كثيرًا.. في السراة يكفي أن ترى المشي وتسمع الصمت لتعرف ما يلزمك
ثم ابتسم قليلاً وقال باحترام:” أستأذنكم الحين وخذو راحتكم الدار داركم “
تسلل الصمت بينهم لا يُكسر الا بطقطقة الحطب ..
تثاءب جلوان وهو ينهض متثاقلاً شد عباءته على كتفيه وهمس بتعب :” نامو ورانا يوم طويل مع اهل السراة “
وربت على كتف أخيه قبل أن ينصرف
وتبعه رباع وهو يتمطى كسائر من سَكِر من دفء النار .. ثم قال ممازحًا :” أوصيكم بالجمر لا ينطفي لا هو ولا اللي قاعد عنده “
ضحك وحده وذهب ..
هدأ المكان من بعدهم وبقيت سلمى جالسة الى جوار سطّام تبلل قطعة القماش وتضعها برفق على جبينه عيناها لا تفارقان وجهه تتتبع كل رعشة وكل نفس
بجانب الجمر جلس حمدان متكورًا بعض الشيء كأنه يحمي في داخله سرًا لا يريد له أن يفلت..كان يرمق سلمى خلسة يراها تلامس جبين سطّام بحنان يكفي لشفاء وطن ..
ثم يشيح بنظره الى النار كأن النظر اليها يحرره من سؤال مُلح لم يستطع كتمه طويلًا.. وغلفه بالسخرية هامساً :” من يشوفك يظن انك ميته بهواه “
توقفت يدها لحظة ولم تلتفت.. فقط أعادت حركة يدها بهدوء وبنبرة خافتة :” مو كل يد تمسح تعب يعني قلبها متعلق هي أشياء أكبر من فهمك الضيق “
أخذ حمدان نفس طويل كان يريد أن يقول شيئ ..لكنه اكتفى بأن رمى عود في النار وتابع اشتعاله بعينيه كأن احتراقه يلهيه عن احتراق اخر في داخله..
رفعت سلمى رأسها نحوه ..
استغربت صمته وهو الذي لا يسكت عادة ولا يترك سخرية الا وأطلقها.!!؟
قابلت نظراته و لم تجد فيها تهكمًا هذه المرة ..
وجدت نارًا هادئة تتوارى خلف سحابة من الكبرياء نارًا تعرفها وتحذرها .. نارًا لا تهاجم لكنها ان اقتربت منها لسعت
أشاح حمدان بوجهه نحو النار..
تعلق بوميضها كأنها مهرب من شيء لم يتعلم بعد كيف يواجهه.. رمى قطعة صغيرة من الحطب وتابع كيف اشتعلت .. كيف تحترق ببطء كما يحترق في داخله شيء لم يجد له صيغة ولا توقيتًا آمنًا




