Uncategorized

رواية بنكهة عشق الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم عائشة حسين

رواية بنكهة عشق الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم عائشة حسين

                                              
الفصل الواحد والعشرون
رمقها من بعيد تأتي حاملة فتاتها بإنهاك وتعب  مما جعله يميل ويهمس لأحدى العاملات كي تساعدها وتأخذ عنها فتاتها لتدخل المقابلة بدونها، لكنها رفضت بشدة فِعل ذلك وأصرّت علي الدخول بها.. جلس علي كرسي مجاور لكرسي مدير المدرسة ينتظر دخولها.. دخلت بعد أن أذن لها.. تقدمت ناحية المكتب محييه الرجل ببسمة خادعة متصنعة ثم جلست، غمغمت فتاتها بضحكة (عمو) مما جعلها تلتفت للجالس بكبرياء ونظراته تحمل توعدًا خفي، ابتلعت ريقها بقلق وهي لا تعرف سبب مجيئة هنا هل أوصاه أحمد أم ماذا.؟تشعر بالقلق حقًا وهذا المتعجرف يحيط حياتها ويدور في فلكها بغرابة..
أولا إعتذرت عن مجيء فتاتها معها ذلك لظروفها وأخبرته أنها تبحث لها عن حضانه قريبة أو مربية تحتضنها ساعات العمل 
سألها المدير أسئلة روتينية بعملية وظل مالك بالجوار يراقبها بغرور، يبتسم لها بتهديد لا تفهمه حتى انتهت المقابلة. 
حين ابتعدت انسلت الفتاة الصغيرة واتجهت لمالك الذي أجفل من حضورها واندفاعها تجاهه.. صافحته ببراءة قائلة (باي يا عمو) 
سقط قلبه من نبرتها وعفويتها لانت ملامحه من تلك البراءة والود الخالص الذي أغدقته الفتاة مما دفعه لأن يُخرج من جيبه قطعة شيكولاته ويناولها لها بإبتسامة رائقة، تقدمت الصغيرة أكثر طبعت قبلة ناعمة تشبهها علي خده شاكرة له تحت نظرات والدتها الخجله المرتبكة من أفعال الصغيرة المفاجئة.. 
رحلت مع والدتها وهي تلوّح له بحب.. 
غادرت الصغيرة بعد أن سلبته قلبه بفعل صغير عفوي. 
سمع والدتها تؤنبها حين غادر خلفهما، لم تكتفي بذلك بل ضربتها علي كفها في عدم قبول لأفعالها.. استشاط مالك غضبًا، وقف متحفزًا يود الانقضاض عليها وضربها لينال للصغيرة.. لكن مهلًا ستعمل تحت إشرافه ولن يتركها حتي يثأر للصغيرة. 
اخرجه من شروده صوت مس عفاف تناديه (ازيك يامستر مالك عاش من شافك) 
وضع كفوفه في جيوب بنطاله مُجيبًا بغرور (ازيك يافوفا..؟) 
اتسعت عيناها وهي تعدل وضع عويناتها مندهشة لتقول بسعادة (ازيك إنت.. شكل الغزالة رايقة) 
رمقها بنظرة متعالية وتركها واقفة مكانها تغمغم (هو أنت لحقت تبقى كويس دقيقتين.. طاووس والله طاووس.. ثم نهدت مستسلمة بس قمر) 
سألتها أخرى انضمت لها (ماله دا.؟) 
مصمصت عفاف وهي تصنع بيدها حركات تقلد بها الأخرى(هتموتي يا صدفة علي كلمة منه..) 
لكزتها صدفة في كتفها مؤنبة (يخربيت لسانك يا عفاف) 
لوت عفاف فمها بتهكم، لتغادر صدفة متنازلة عن معرفة أخبار الوسيم حتى لا تفضحها عفاف وترمي لها بعض الكلمات التي يكشف  بها سرها. 
***********
جلس والده بجانبه بعد صلاة الظهر هامسًا برفق (مالك يا يوسف..؟) 
اعتدل يوسف احترامًا لوالده يخبره بحزن ظهر جليًا علي محياه (جلال تعبان شوية) 
سأله والده وهو يتفحص ملامحه الشاردة (ربنا يشفيه.. هو ده بس الي مزعلك كده.؟) 
أغمض يوسف عينيه لثواني ثم فتحهما قائلًا بألم (ايوه… وعايز أأجل كتب الكتاب) 
ربت الشيخ عل كتفه بحنو مواسيًا (صاحب صاحبك إنت يا يوسف.. ليوضح بعدها برفق ولطف محترمًا مشاعر ولده (معلش يا ولدي بس مش هينفع نأجل) 
كاد لسانه أن ينفلت بإعتراض لولا أن والده منعه برزانه(جميلة مينفعش تقعد بدون حاجه رسمي علشانها حتى لو الناس تعرف انك هتتجوزها) 
هز يوسف رأسه متفهمًا بغصة، كان يتمنى أن يشاركه جلال تلك اللحظات ويلطف بطيب قلبه وكلماته أجواء الاحتفال. 
اعتذر الشيخ بأسف مقدرًا (معلش يا يوسف الناس عرفت خلاص الميعاد) 
ابتسم يوسف لولده بشحوب مُطيعًا (حاضر يا بوي) 
ثم أمره بعينين متفحصتين مزدانتين بالفطنة
(انزل إنت وجميلة اشتروا حاجه جديدة) 
أجاب يوسف بفتور (مفيش داعي) 
احتد الشيخ قليلًا وهو يصرّ عليه (دا لازم يا ولدي جميلة دلوقت ملهاش غيرنا وغيرك، وهي زيها زي أي بنت حقها تفرح). 
ابتسم يوسف بسخرية مريرة غير معلقًا ليقول بعدها بضيق (قول كمان نعمل فرح) 
استنكر والده (وه كمان مش عايزنا نفرح) 
أنّب يوسف نفسه علي اندفاعه وتفوّه بالحماقات التي قد تثير الشك ليقول (جلال يا بوي مقدرش اعمل حاجه) 
لوّح الرجل بالمسحبة التي لا تفارقه موضحًا (متعملش دلوقت بس بعد ما يقوم بخير نعمل) 
اعترض يوسف ونظراته تتهرب من والده (مفيش داعي) 
بنصف عين سأله الشيخ (أمال هتتجوز ليه لما كل حاجه لا لا) 
ارتبك يوسف وهو يخبره بكلمات فقدت حجتها (أم عامر وصتني عليها وأنا مش عايزها تنضر) 
هز الشيخ رأسه بخبث موضحًا (شهامة يعني) 
تعلقت نظرات يوسف بوالده الذي أبطل حجته بمكر (وعلي ايه طالما هتتغصب أنا أجوزها لعيسى وهو مش هيمانع) 
انتفض يوسف رافضًا وقد كُشف أمره (لا لا.. ثم وضح بإضطراب (عيسى يختار الي عيزها بنفسه بلاش جميلة) 
صدرت من حنجره الشيخ المتحشرجة غمغمة (اها… لا هو هيختارها وما هيصدق أخوك) 
نهض يوسف من مكانه مغيرًا الحديث مغلقًا علي والده تفسيرًا تطلبه نظراته وتلقيه كلماته (خلاص هنزل اجبلها الي عيزاه) 
ضحك الرجل حتي سعل لتلحق كلماته يوسف الذي هرب (خدها معاك) 
التفت يوسف يلوح له بيده علامة الرفض وهو لا يستطيع النظر لعيني والده الكاشفه حتى لا يفتضح أمره.. وأكمل الشيح ضحكاته الراضية وقد فهم أن قلب ولده معلق بها كماهي، فدعا لها بقوة وإلحاح حتى غاب عن نظراته. 
في المساء. 
ظلت مكانها منتظرة أن يأتي أحدهم بالخبر، عيناه تعتنقان باب المنزل بترقب تفرك كفيها بتوتر شديد مما جعل والدة يوسف تضحك عليها وتمازحها (هيخلصوا وييجوا) 
اخفضت رأسها في خجل من مراقبة السيدة لها، تفكر منتظرة إعلانهم بأنها صارت زوجته، خُتمت بصك ملكيته.. انسحبت بعد أن تلعقت عيون المهنئين بها في تفحص وحسد وترقب مثلها لرد فعلها، اختفت متوارية عن أنظارهم.. تنظر للفستان الذي أحضره لها اليوم بالإضافه لمكملاته حتى تكتمل أناقتها، أعجبها ذوقه بشده يكفيها أنه هو من أحضره لها وقد رأه فيها وجلبه خصيصًا لها. 
كان رقيقًا مثله ومثل حبها له، دق قلبها بعنف حين هتفت والدته مباركة (مبروك ياغالي الف مبروك) جميع النسوة فعلن مثلها وتعالت الزغاريد، دارت في الحجرة بفرحة غامرة غير مصدقة أن دعوتها استجيبت.. فسجدت لله تحمده وبعده وقفت في ترقب. بالخارج كانت والدته تهمس له (يوسف ادخل لمرتك باركلها وجيبها تقعد جنبك) 
تثاقل أول الأمر ثم رفض ليشير له والده مؤنبًا بنظراته لرفضه فوقف مرغمًا وغادر مثقلًا بالتراجع يزعجه حماسهم و تسحقه فرحتهم ليته كان مثلهم، فها هي الليلة التي يتمناها أتت مليئة بالخزي والأحزان.. 
طرق الباب مُنبهًا لها قبل أن يدخل وعقله يخبره بالهرب أما قلبه فيريد نعيم تلك اللحظة، خطا للداخل مخفض النظرات لايُسمع إلا صوت انفاسهما العالية، حمحم  يجلي صوته قبل أن يهمس وعيناه ترتفع إليها يسرق نظرة (الناس بره مستنين) 
تلهث بعنف كانها خاضت سباقًا للجري، تخجل من أن تنظر إليه الآن وداخلها رغبة بإحتضانه، بعناق طويل يذوبان فيه ويتلاشى فيه الوجود.، وعينيه لم ترتوي بنظرة تلكأت عليها بإهتمام يتفحص الثوب الذي أحضره لها وكأنه صُنع خصيصًا ليحتضن جسدها، طلة ملائكية أصابته بالغيرة من أن يراها غيره وتنظر إليها العيون بإعجاب، رفعت نظراتها إليه ربما يفهم، ستجعل عيناها تبوح بلا كتمان تفشي سر قلبها ربما يدرك أنها لم تعشق غيره يومًا ولن تفعل. 
طال الصمت وتعانقت النظرات لتهمس هي بخجل (مش هنطلع.؟) 
حمحم يستعيد تركيزه وهو يخبرها بوجه أبعده عنها (تمام يلا) 
علي إستحياء اقتربت، وهو يجاهد ليشيح برأسه عنها حتى لا يغرق، كفها المرتعشة اقتربت من كفه الثابته، تسللت في خجل لكفه مع أول لمسة رفع نظراته المتعجبة، قطب في تفكير.. ونال من قلبه التأثر.. استراحت كفها الصغيرة بباطن كفه لتصدر عنها تنهيدة راحة كما لو أنها عادت لموطنها من جديد. 
ترك لكفها الغوص ثم أحاطها بعناية ونظراته تنهل منها في عشق، ضغط عليها ببعض الاهتزاز وبداخله ما يدعوه للتراجع ونفضها بعيدًا، لكنه مستسلم لذلك الخدر اللذيذ في تطلب واحتياج ويا ليته كان عناقًا.
خرجا بخطوات متباطئة متشبثة بكفه رغم ارتخائها واجتهاده في الهرب.. اجلسها بجانبه متقبلًا بإبتسامة المباركات حتى انتهى الاحتفال البسيط..وبقيا وحدهما في عزله فرضها عليه والده ووالدته.. خاصة بعدما علما بأمر انتهاء إجازته الذي خبئه عنهما. 
تجاهل وجودها، رفع هاتفه يعبث به مدعي الانشغال وقلبه معها…همست تجذب انتباهه (يوسف) 
انتبه لها تاركًا الهاتف، مترقبًا حديثها في شغف لم يظهره، أخيرًا منحته لذة ندائة بإسمه، أن يتذوقه من بين شفتيها  ويسمعه بنبرتها الناعمة ابتلع ريقه وانتبه لتخبره بخجل وهي تشير لعلبة حمراء بين اناملها (أنا جبتلك هدية)… فتحت العلبة الحمراء أخرجت منها دبلة تحتوي اسمه واسمها.. وهي تقول موضحة (طلبت من عيسى يجبها يارب تطلع مقاسك) 
أحبطها بكلماته الساخرة (مفيش داعي) 
مطت شفتيها قبل أن تهز كتفيها مصممة (لا له داعي علشان الي يشوفك يعرف إن الخط مشغول) 
ابتسم يخبرها بيأس(عادي وحتى لو مش مشغول مش هتفرق بالنسبالي) 
أقتربت منه تمسك بكفه رغمًا عنه، تُلبسها له وهي تقول (هتفرق بالنسبالي أنا) 
طاوعها، تركها تفعل ما تريد بصمت وترقب متلذذًا بقربها منه فقط يحرك نظراته ناحيتها في استئثار يجمع ما يعينه علي فراقها.
أضاء وجهها بإنتصار رغم خجلها، عادت لمكانها ثم صمتت صمتًا طويل بعدها همست بحشرجة بكاء (كان نفسي أمي تكون معاياو جنبي) 
ظلله السكون وهو يتابع حزنها بوقار واحترام لمشاعرها التي تسكبها له، دمعت عيناها فنهض من مكانه وقف أمامها وانحنى يهمس بإبتسامة مهترئة بينما أنامله تلملم دموعها (هي طول ما إنتِ مبسوطة هي أكيد هناك مبسوطة علشانك ومرتاحة) 
هزت رأسها وكادت تنطق لكنها لكمها بكلماته التالية (إن شاء الله الجوازه الجاية تنبسطي ويكون الي يتمناه قلبك) 
احتدت ملامحها كقطة شرسة أبعدت كفه بغضب وهو تقول مستفهمة بضيق(قصدك إيه.؟) 
أكد بهزة رأس مستفزة (الي فهمتيه). 
كادت تصرخ بوجهه أنه هو من تمناه قلبها، هو فقط من تريد… لكنها ابتلعت كلماتها ونهضت مشتعلة بالغضب أبعدته عن طريقها وغادرت راكضة للأعلى حيث نقلت لها زوجه الشيخ حجرتها بجانبه. 
شيع رحيلة برضا وقد نال من هدوئها وأنهى الليلة كما يليق بكذبها عليه وإدعائها الفرحة.. 
وتبعها بعد ذلك لحجرته دخلها وأغلق خلفه. 
تمدد مُرهقًا يتلاعب بخاتمها بين أنامله في ضيق.. حتى غفا.. 
بينما كانت هي بحجرتها تبكي بحرقة لفساد ليلتها وإنطفاء سعادتها ورغم محاولاتها.. صلّت وجلست علي سجادتها تدعو لأختها بالهداية ولقلبها بالرضا علي الأقدار وله بالحفظ والسلام وأن يرد الله لها قلبه. 
في الصباح
استيقظت باكرًا صلت وهندمت ملابسها وخرجت تستقبل الصباح بقلبٍ جديد، بحثت عنه فلم تجده، تقهقرت للمطبخ منشغلة البال تساعد الحاجه بإهتمام وعناية.. 
حين وصل صوته إليها ارتبكت وتبسمت ملامحها المقتضبة، مما جعل السيدة ترمقها بحنو ومودة حقيقية.. انفلت لسانها بالفرحة (يوسف جه) 
حثتها السيدة بضحكة (يلا نجهز الفطور بسرعة)
أطاعت وجهزت كما أمرتها السيدة بعدها انسحبت لحديقة المنزل في خجل من أن تشاركهم مما جعل الأب يحرك ابنه الذي بدا متوترًا يبحث عنها كأرض تبحث عن غيثها (يوسف قوم جيب مرتك) 
استنكر يوسف بملل (طيب ما تيجي لوحدها) 
استغفر والده ثم استطرد بنبره محتدة (قوم يا ولدي) 
رحل في ضيق يبحث عنها حتي وجدها تقف أمام شجرته التي يجلس تحتها دائما تولي المنزل ظهرها منشغلة بالتأمل ابتلع ريقه ونادها (جميلة) 
ما شعرت بوجوده قط ولا أقترابه منها لذلك الحد، استدارت مجفلة فاصدم كوبها الزجاجي بصدره فانسكب عليه. 
شهقت فزعة مما فعلت، رمت الكوب من يدها واندفعت تنظف قميصة البيتي الذي تناثر كوب اللبن فيه مشكلًا خريطه علي صدره العريض، ابتعد مُرتبكًا من لمساتها العفوية وأناملها التي حطت علي صدرة 
أوقفها متنهدًا بتأثر من فعلتها البسيطة(خلاص يا جميلة) 
إعتذرت بضيق شديد (أنا آسفة مقصدش والله) 
(عادي دي مش أول مرة) 
تذكرت ما حدث قبل ذلك وقصده هو لتخفض نظراتها في خجل امتزج بحزنها، انتشلها من اضطرابها ولومها نفسها قائلًا (هروح أغير وإنتِ تعالي إفطري) 
(مش هفطر) 
عقد جبينه غاضبًا والقسوة تفرض نفسها علي ملامحه وقد سئم عنادها (لو عليا فبراحتك متفطريش إنما الشيخ مصمم) 
أشاحت متنهدة بيأس من كلماته وإنزاعاج من معاملته الجافة وحماقاته. 
حضرت تناولهم للفطور مرغمة لكن ما جذب انتباهها سؤال الشيخ عن جلال وملامح يوسف المتجعدة بحزن مما يدل أن مكروهًا قد أصاب جلال وذلك قلل شهيتها وأفقدها الرغبة في تناول الطعام حزنًا عليه، لاتنسى له وقفته ولا حبه ليوسف. 
سألتها السيدة بقلق بعد أن لاحظتها :مالك يابتي مبتاكليش ليه.؟ 
أفاقت من شرودها على السؤال ونظرات يوسف التي ركنت عندها بإستفهام وترقب 
(مفيش تعبانه شوية… ثم نهضت معتذرة (عن اذنكم) 
رحلت ومعها قلب الآخر ونظراته ليفقد هو الآخر شهيته وينهض ليطمئن على صديقة ويرى إن كان يحتاج شيئًا هو أو عائلته. 
هناك كانت إسراء تبحث عن براء بقلق جعلها تسأل بركة التي تقيم معهم بشكل دائم رغبةً في الاطمئنان علي جلال ولكم بكت وانتحبت مناديةً له حتى أشفقوا عليها وأدخلوها لتراه وتطمئن فقررت بعدها أن تقيم لخدمتهم حتى يُشفى جلال. 
(راحت فين….؟) 
سألتها بركة وهي تتعمق النظر لها والتمعن في تلك السماعات التي تضعها بأذنها (مين.؟) 
انتبهت تسراء لسؤالها مفسرة (براء) 
أشاحت بركة بنفور واضح وهي تنطق اسم الآخرى مستشعرة بفطرتها سوء فعلة براء (كانت ماسكة شنطة الصبح بدري ومشيت) 
استنكرت إسراء بصرخة مدوية (نعم) 
ثم انطلقت تجاه والدها تخبره بغضب (براء مشت يا بابا لمت هدومها ومشت) 
أخفض الرجل نظراته متأسفًا (لا حولا ولا قوة إلا بالله) 
(هتصل بيها) أمسك والدها بكفها يمنعها (مش هترجع خليها تمشي يا إسراء خليها تدوق الحرية الي عيزاها) 
ببداية بكاء امتزج بحسرتها (بس جلال لو فاق) 
هدأها الرجل بفطنة ولم يمنع نفسه من مشاركتها الألم والخيبة والخوف علي جلال.. 
اندفعت بركة تخبرهم (يوسف بره عايز يشوف جلال) 
أشار لها عباس أن تدخل هي وإسراء ليتكفل هو بأمر يوسف، رحب الرجل به واستقبله بحفاوة وإمتنان سأله يوسف بقلق (جلال أخباره ايه.؟) 
أجابه الرجل بيأس (زي ما هو تحب تشوفه..؟) 
أومأ يوسف بتأكيد، ليأخذه عباس لحجرة جلال، أدخله سامحًا له بالجلوس وحده منفردًا به ثم غادر وأغلق الباب. 
انحني يوسف يلثم جبين جلال بمودة ويهمس له سألًا له عن حاله وكأنه يسمعه ويستجيب..بسط كف فوق صدر جلال والأخرى مسك بمصحفه يقرأ ما تيسر من القرآن.. انتهي يوسف وأغلق مصحفه ثم بدأ يحكي له ماحدث وشاوره في أمور كثيرة أخبره أنه كان يود لو كان شاهدًا علي زواجه يشاركه اليوم ربما خفف عنه ما عاناه وأشار عليه بالفعل والقول ربما هما مختلفان لكنهما يُكملان بعضهما كالنسيج الواحد ثم اختتم كلماته بإبتسامة قائلًا وكأنه يشاركه المزاح (مكنتش أعرف إن ليك لزمة والله) 
قوم وكفاية متعودتش أشوفك كده) 
لثم جبينه في وداع مرة أخرى وغادر، ما إن خرج حتى أوصله عباس للخارج شاكرًا له وممتنًا للمساعدة. 
********
انتفض من جلسته حين وصله صوت ضحكات والدته التي سُرقت من الجحيم وهي تخبره بشماته (براء سابت أخوك وجات) انقبض صدره ضاقت عليه أنفاسه فسألها (ليه مقالتش..؟) 
أجابته والإنتصار يعتلي هامة كلماتها (معرفش بس جايبه هدومها اكيد طلقها ) 
ثرثرت والدته تنقلت عباراتها مابين الشماتة والكراهية والسُباب القذر.. ليغلق الاتصال ويلمل أغراضه ويلحق ببراء ليفهم ماحدث، قلبه يحدثه بشيء خطير وصدره يضيق عليه في زعر لا يفهمه. 
بينما كانت براء بيت عمها يستقبلونها بحفاوة غريبة، تلك مروة تقفز من شدة السعادة وكأنها نالت خبرًا إنتظرته وعمتها تركض غير مصدقة، عينيها تلمع ببريق لا تفهمه، أما مروان فعاملها بأدب جم ولم يرفع نظراته فيها بما يُسيء أو يُنفرها منه، طاب لها الهروب واستحسنت قرارها.. انتشت بمقابلتهم رغم أن قلبها يقفز قلقًا علي آخر منذ رحلت، تشعر ببرد شديد وكأنها تعرت أو تركها الأمان.. 
دخل عاصم غاضبًا بعد أن سلّم عليها سحبها من ذراعها تحت نظراتهم الناقمة المغتاظة.. أدخلها حجرة الصالون وأغلق حتى لا يسترق أحد السمع.. دلكت ذراعها منتظرة ما دفعه ليفعل ذلك.. سألها بهدوء جاهد ليكتسبه (فين جلال.؟) يعرف هناك شيء دفعها لتأتي. مكروه أصاب جلال مؤكد فهو يعرف جلال لن يترك ما يخصه.. 
تنهدت بأسف قبل أن تقول بلا مبالاة (تعبان) 
في لهفة سألها عاصم (ليه خير.؟) 
لوت فمها ثم قالت بعدم فِهم (مش عارفه إسراء بتقول دخل غيبوبة) 
علي ذِكر اسم الأخرى نبض قلبه بعنف وامتلأت نظراته بالتأثر رمى مشاعره وعاد يسألها مستنكرًا (وإنتِ سبتيه وجيتي ليه) 
حدثته بوضوح متخلية عن حذرها (لقيت إنها فرصة أرجع وكفاية كده) 
استنكر عاصم وملامحه تتأهب (كفاية ايه.؟) 
أخذت نفسًا عميق ثم قالت بحذر وهي تراقب ملامحه التي تغيرت (اتجوزني غصب عني  وخلاص مش هتغصب تاني) 
صرخ بها عاصم متعجبًا يرمقها بإزدراء(هان عليكي تسبيه وهو محتاجلك؟) 
صمتت ترمش بعينيها وقد أصاب سهم كلماته قلبها ليتابع ويقترب يقيد ذراعها ويهزها (ليه استغليتي ضعفه وهربتي ليه مهربتيش وهو قادر) 
قابلت كلماته بالصمت لتقول بإرتعاش ودون حجة قوية (علشان مش هيقدر يمنعني) 
دفعها عاصم للكرسي مؤنبًا بغضب (عايزه إيه.؟ كان عاجبك الوضع.؟ والي حصل.؟) 
ابتلعت ريقها بإرتعاش، خائفة من غضبه وقد تبدلت حالته في لحظة،أشار عاصم بسبابته في تحذير وإقرار (بكره الصبح هنرجع) 
رفضت بقوة واهية (لا… مش هرجع كفاية اتخليت عني مرة مش عايزه أكرهك) 
أجفل من كلماتها لكنه لم يتأثر ليأمرها (تمام بس لغاية ما أخويا يقوم بالسلامة مش هتقعدي هنا.) 
فكرت كفيها تسأله بإرتباك وقلق (أمال هروح فين) 
أجابها بقوة وهو يشير للأعلى (فشقة أبوكي) 
حاولت الكلام لكنه منعها زاعقًا وهقفل عليكي ومتطلعيش ولا تدخلي  يا براء من غير أذني وأكون علي علم) 
كرمشت وجهها مُعنفة (دا كده سجن) 
ابتسم لها ساخرًا (إنتِ اخترتي) 
خرج وانتظرها تلملم أغراضها تحت نظرات الجميع، حين انتهت أخذ مفتاح شقة والدها من أمه وصعد بها.. أدخلها وأغلق خلفها رغم اعتراضات الجميع وبكائها. 
أخبرته ببكاء من خلف الباب مترجية (هما بقا كويسين معايا خلاص) 
أخبرها بسخرية مريرة مُشفقًا عليها (دا طُعم بيصطادوكي بيه) ثم أخبرها بنبرة تقطر وجعًا (جلال مكانش يستاهل منك كده دا عمل كل حاجه علشانك) 
جلست أسفل الباب مرتعشة تبكي بحرقة مندهشة من أفعال عاصم.. 
عاصم الذي استقبلته والدته بالتوبيخ والشماتة (أخوك عيان يكش ربنا ياخده ونرتاح) 
ولامته مروة بدلال وخبث (إنت مالك ما تسيبها) لكنه واصل هبوط الدرج غير ملتفتًا حتي خرج متجاهلًا لهم… يفكر كيف سيصل لأخية وكيف سيذهب للاطمئنان عليه ويترك براء؟ مَن سيسأل عليه.؟ .. رغم تردده حاول الاتصال برقم جلال وهو يعرف أنها ستجيب 
ولم يخب ظنه أجابت عليه. صمتا يتبادلان الأنفاس والتنهيدات، والبكاء المكتوم من ناحيتها لينتزع نفسه ويسألها بنبرة مهزوزة (جلال عامل إيه.؟) 
(بتسأل عليه ليه.؟ بتحبه قوي يعني..؟) 
تنهد تاركًا لها تهاجمه لتستطرد (براء مشيت وسابته.. واطية زيك.. الظاهر إن مفيش فايدة فيكم مش هتتغيروا وإحنا الي بنتأذي) 
بكت بحرقة شديدة جعلته يشفق عليها ولم يجرؤ علي تهدأتها فبينهما حسابًا سيطول لكن ليس الآن.. 
(هرجعها) قالها مؤكدًا لتبخسه حقه وتصفعه بإستهزائها منه (مش هتقدر) 
وعدها برفق (أوعدك مش هيفوق إلا وهي هناك) 
بصوت مكتوم بالبكاء لطمته بكلماتها (ما أنت ياما وعدت) 
تبادلا الصمت الطويل لتقول مستسلمة (لولا خوفي خليه كنت منعتها ترجع تاني) 
هاتفها كأنما يتحدث عن نفسه هو (اعذريها) 
صرخت به وهي تشهق ببكاء (مفيش عذر إنتوا مبتعرفوش تحبوا مبتعرفوش غير توجعونا وبس) 
أغمض عينيه يجلد ذاته بكلماتها، متفهمًا كل كلمة، يؤنب نفسه ويسحق روحه مؤكدًا بأنه يستحق.. 
أغلقت هي وقد أفضت بجزء مما في قلبها، جلست منكمسة تبكي وتصرخ ترفس بساقيها كأنما تنازع وحشًا بداخلها، ترتشف الإنهيار من دموعها.. تتعذب في آتون ذكرياتها المشتعل. 
*********
تقابلا علي باب حجرتيهما، فتقدمت منه قليلًا تخبره (كنت لسه بدور عليك) 
سألها بقلق وهو يتأمل ملامحها المفتقدة للراحة (خير) 
رغم حرجها وإرتباكها لكنها قالت (صاحبك عامل ايه.؟) 
وضع كفيه في جيوب بنطاله متحيرًا لتقول له موضحة (الحاجه قالتلي.. وكمان قابلته لما كنت بشتغل في المركز) 
كان دوره ليلتقط كلمتها ويردها إليها طالبًا توضيح (تشتغلي) 
هزت رأسها تبين له ما خُفي عنه (كنت في الاستقبال بشتغل) 
رفع حاجبه وهو يقول بنبرة متهكمة (عند إيهاب.؟ ) 
هزت رأسها بالرفض مكملة (لا هو جابلي الشغل بس أنا كنت عند دكتور العظام) 
مال فمه ببسمة ساخرة، عملت بالقرب منه لتراه، وتقابله دون عناء 
بنبرة جافة (مقولتليش ليه.؟) 
يعذب نفسه بكلماتها، رفعت عينيها تخبره بإحباط (إنت مسألتنيش) 
تنفس بقوة قبل أن يعلن خيبته فيها (كنت فاكر إن ليا مَعَزة عندك تخليكِ تيجي تحكيلي أو تاخدي رأيي) 
أوجعها يأسه وإحباطه، نظراته المتألمة فغمغمت بضيق(مكنتش عايزه أضايقك بمشاكلي) 
هز رأسه زاهدًا مناقشتها ليقول بقسوة (يارب بس دلوقت تقوليلي وتحكيلي ولا الوضع بالنسبالك مختلفش.؟ ) 
تضجرت وجنتاها وهي تهمس متأثرة بكلماتها المنطوقة (أنا دلوقت مش هحكي غير ليك وبس) 
تجاهل تأثره هو الأخر بكلماتها واعتبرها ماهي إلا بداية مهادنة منها ليس إلا. شملها بنظرة نافرة وابتعد عنها منزعجًا من قلبه الذي يرغبها بشدة ولا يستطيع السيطرة عليه. 
********
تطلع حوله فلم يجد والدته مما جعله يسأل عنها وجسده يستقر فوق أقرب آريكة بتعب (ماما فين) 
أجابته بإختصار (اتعشت ونامت) 
سألها وعيناه تطبعان انفعالاتها (اكيد إنها اتعشت.؟) 
رفعت حاجبها ترمقعه بنظرة متفحصة لتقول بمصمصه من شفتيها خرجت تستنكر السؤال (اكيد يعني هكدب عليك) 
أجابها مؤكدًا تلدغها كلماته (اه ممكن ليه لا تكوني استخسرتي فيها الأكل) 
فغرت فمها مندهشة، وهي تستنكر عليه كلماته (ايه الي بتقوله ده.؟ وأنا هعمل كده ليه..؟) 
أجابها ببساطة وهو ينهض عازمًا علي الذهاب لحجرتهما (بتطفشيها مثلا) 
ثم أضاف مُتجاهلًا لها (هعدي عليها اتأكد)
مشت خلفه تستوقفه غاضبة تعاتبه(إيه الي بتقوله دا يا أحمد من أمتى أنا كنت وحشه مع والدتك) 
مط شفتيه يخبرها بفظاظة (والله إنتِ اصلا مش مضمونه) ابتعد خطوتين.. لتسوقفه بصوتها العالي (أنا… إنت جرالك إيه.. متغير وكلامك سخيف) 
زعق بجفاء ونظراته تُلقي بشررها(اهترمي نفسك واتكلمي عدل) 
وجابهته بعناد (هو في ايه.؟) 
أجابها بوضوح (بصراحة أنا إيه يضمنلي متعمليش مع أمي زي حنان لغاية متطفشيها.. ماهي حنان أختك الكبيرة وكان خيرها عليكي) 
وضعت كفها علي فمها تحبس مفاجآتها منه لتبعدها وتطلب توضيحًا (إنت قصدك إيه..؟) 
القى كلماته فوق رأسها كالصاعقة بكل برود وثبات غير مهتم بها ولا بإنفعالاها (بصراحة أنا مبقتش أثق فيكِ) 
قالها وتركها تقف مبهوتة ترمش بعينيها لتستوعب هجومه عليها واتهاماته لها، شكه فيها ونغمته الجديدة عليها… أما هو فكان يطلق أنفاس راحه بعد أن أفضى لها بما يعكر عليه أفكاره ويسرق راحته ربما تعتدل وتحاول أن تأخذ كلماته بجدية.، هو لن يتراجع عم ما خططه ودبره ليردعها ويغيرها.. بل لن يستمر بالعيش معها إن ظلت هكذا وظل هو فاقد الثقة فيها غير مطمئن لها، متخوف يخشى غدرها.. من يضمن له أنها لن تفعل معه كما فعلت بإختها..؟! 
ظل يفكر حتى غلبه النعاس، فدخلت إليه تجاوره مستعدة للنوم رغم ما تعانيه من أفكار صارخة بعقلها تكاد تطيح برأسها وتقطعها لقطع متناثرة. 
****************
في منتصف الليل كانت ساهرة تستمع كما إعتادت للفيلم الهندي المحبب لها، لاهية عن فتاتها منسجمة بشدة، متأثرة حد أنها كانت تشارك الأبطال مشاعرهم وإنفعالاتهم.. 
فجأة تقدمت منها فتاتها تمسك بحلقها في ألم، سألتها والدتها دون أن تحيد بعينيها (عايزه إيه ياماما..؟) 
همست الصغيرة بصوت متقطع وكفها تدفع هاتف أمها لتستنجد بها (ما ما) 
انتبهت لها حنان، حين رأتها تنازع مستسلمة ترخي جسدها علي الأرض، صرخت منفعلة (بنتي) قلّبتها بين كفيها متسائلة (في ايه.؟) 
لكن شهقات الصغيرة كانت متتالية، عيناها تتسع في جزع وإستسلام… وضعت حجابها فوق رأسها وحملتها بين ذراعيها وخرجت بها راكضة بعد أن فتحت الباب قدماها ساقتها للجار في استنجاد 
(طرقت بكفها تارة وبقدمها تارة) 
نهض من نومه متأففًا لاعنًا نظر للساعة وحين علم الوقت توعد الطارق.. اتجه للباب يفتحه والشر يتطاير من نظراته 
كاد يصرخ بوجهها حين وجدها لكن هيئة الصغيرة علي ذراعيها نفضت عنه آثار النوم والحنق، اندفع يأخدها منها وهو يسأل بخوف (حصل إيه.؟) 
أجابته باكية (مش عارفه.؟ اقرب مستشفى هنا فين لو سمحت.؟) 
من طريقة إمساك الطفلة بحلقها خمن أن يكون ابتلعت شيئًا تعلق بمجراها التنفسي 
أوقفها ثم أمال رأسها للأسفل وضرب بكفه خلف رأسها وظهرها عدة ضربات متتالية جعلت الصغيرة تسعل بقوة وتطلق من فمها كرة صغيرة وبعدها عادت لطبيعتها تتنفس بإنتظام.. حمدالله لسرعة بديهيته وجلس أرضًا يضمها إلي صدره مُشفًقا ومُتعبًا هو الآخر.. لهاثه يصل عنان السماء. 
حاولت حنان أخذها من بين ذراعيه بعدما اطمئنت وكفت عن البكاء لكنه دفعها برفق وتعلق بالطفلة أكثر..  حين لمح هاتف إمها أضاء وفي خلفيته فيلمًا هنديًا ثار استيائه منها، نهض يضم الطفلة إليه التي تعلقت برقبته في امتنان.. دخل بها وأغلق بوجه حنان دون أن يتفوه بكلمة… داخله يسبها بأفظع الألفاظ ويقذفها بأبشع تهم الإهمال.
1
زر الذهاب إلى الأعلى