Uncategorized

رواية إيبار الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم رانيا عمارة 

مِن الغريب ظُهوره خصيصًا لغيداء عن غيرها من أفراد العائلة، كأنه يَختار ضحاياه الأسهلُ تأثيرًا، اختارهُا وفقًا لليونة فِكرها والقدرةِ على التحكمُ في مشاعرها، بعد غياب واصل لسنواتٍ، فانقطعَ الوصالُ بين العائلتينِ بعد مُشادات عَنيفة بينُ أطرافها بالتحديدِ الرجال الذينَ احتجبوا عن استقبالِ مكالماتهِ خوفًا على ما تبقى مِن حِطامهم الذي كانّ هو السبب في دمارهِ.
ذاكَ المَلعون الذي لمْ يَترُّك بُنيانًا مَأُمُون إلا وحطمه بتدخلاته الشيطانية الخنَّاسة، شتَّتَ القلوبَ الخِدنة، وشطرها بسكينِ الانتقامِ، ربط الأرواح وقيدها ذليلة في صندوقِ الجَوْرِ، ونفَثَ النيران كما لو كانْ شيطان الإنس بروح لُطخت بدماءِ ضحاياه.
جاءَ من رقم غير مألوف، لينشأ فتنة عظيمة عنوانها ثأرًا قويًا ضد ممن تعمدوا الدخول في ساحة الحروب معه، ليَثبت لهم أن من يَتجرأ على العبثِ معهُ لا بدَ أنْ يَتحمل المُجازفة بمخاطرِها الشَائِنة.
أنفاس صوته تحمل رَيبة عجيبة تبدو كصوت ساحر، فيسري شره متدفقًا مع نبرته العَاهِرة، لكن ما استغربته “غيداء” اتصاله بها دونًا عن غيرها، ومن أي مصدر أتى بهذا الرقم؟ ما جعلها تسأله بدهشة:
_چوز عمتي؟ چيبت رقمي من وين؟!
تزايدْ الهلعَ في روحها وهيّ تُخاطب مَن دُمرت الأواصر الراسخة على يديه، فتسللت إليها حرارةُ الخوفِ، وهو على جهة أُخرى داخل دارهِ المَاجن بشراراتِ الأذى، جالسًا على كُرسيه يقُول:
_إذا كنت شايفك وإنتي لابسة عباية وردي، وشعرك مضفر، ومناكيرك أصفر على ضوافيرك الحلوين، تعتقدي إني ما أعرف رقمك؟
انصدمت “غيداء”، وهي تحدّق في ثيابها التي وصفها تمامًا كما هي عليها، وتيقّنت من أنّه ليس بمرءٍ عاديّ، بل مشعوذٌ يُنذر بالخطر، قد يفتح الكلامُ معه أبوابَ الجحيمِ عليها. فاحتُجز الهواءُ في حلقها، وهي تحاول أن تتلفّظ وتعبّر عن تساؤلاتها، قائلةً:
_خير يا زوچ عمتي؟ وش في بالك يخليك تتصل عليّ؟
نبّتت ضحكاتُ الأبالسةِ من فُوهة كبارهُم، فيضحك بازدراءٍ وهو مُستشعرًا روعِهَا الجليّ منه، ثم صمتّ وقال بألفاظٍ تَكتسِ شرورًا عظيمة:
_إنتي مصدقة الهبل اللي عمله رمزي عليكم كلكم؟ والله ما تزوچت غير فطيمة، ولا خلفت غير رمزي… رمزي هو ولدي الوحيد من صُلبي، كان دراعي اليمين، لكنه خاني عشان واحدة غريبة، لا راحت ولا چات!
حينما أحست “غيداء” أن الوضع يزداد غموضًا، نهضت مُسرعة إلى باب حجرتها، وصكّته بالمزلاق بإحكام. ثم عادت إلى سريرها، وبأطراف مُرتجفة، استلقت على ألحان المخافة، وسألته بنبرةٍ متلجلجة:
_آني ما فاهمة شي، وش تقصد بكلامك يا زوچ عمتي؟
برّز الشر على معالم وجه “مصعب”، وأجابها بوضوح:
_البنت اللي اسمها چيهان مو زي ما قالّكم، چيهان هرب بيها من أهلها وتزوچها في السر، وعايش معها طول هالشهور يضحك على الناس ويخبرهم إنها أخته عشان يغطّي عمصيبته، والباقي ما أقدر أقوله، ما هو ما يصح….
لطمتْ “غيداء” على وجههِا من وقع الصدمةِ عليها، وبينما تُصغى إليه بأنفاسٍ مُتقطعة، تابعَ بغيظٍ يوثب من كلماتِهِ اللعينة:
_وخدي الكبيرة يا غيداء، ما كنت ناوي أقولك عشان ما تتوچعي على أخوكي ومرته، بس مرت أخوكي اللي هي بنت عمك، العيل اللي طاح النهارده ما كان كذا بالصدفة، چيهان إلها يد في اللي صار، والتانية ماشية وراها ومصدقاها، لولا الخبطة اللي خبطتهالها، لا كانت طاحت على السلم، ولا كان زمانها سقطت في چنينها.
صرخت “غيداء” من هول الأخبارِ الشنيعةِ المزلزلةِ لكيانها، فسألته، وما زالت الصدمة تثقل صدرها:
_هي صبا كانت حبلة ومخبية عنا؟!
ضحك “مصعب” وكأنّه يُثبت لها الحقيقة بأسلوبٍ مُزدري يفتقر إلى الإنسانيةِ، فينسخ خيوطًا وهمية تزرعُ الفتنَ في دارٍ طالما انقشعت عن المشكلات قبل ظهور رمزي وچيهان بينهم، وقال:
_صبا غلبانة، ما كانت تعرف شي لا هي ولا زوچها، لولا غل چيهان منها، أصلها حاسة بنقص چنبها، تقوم ترفصها بالرچل كأنها ما خدت بالها، آني بكلمك أنصحك يا غيداء، ما أبيكي تكوني مغفلة ومضحوك عليكي، وبرغم كل هذا أقولك لا تحكي قدام حد، آني ما أقبل برضه إنك تحاصريهم بالحقيقة المُرة وتخلي صورتهم وحشة قدام الناس، الله حليم ستار.
إن لم تسمع غيداء صرخات والدتها في الخارج، لكانت أيقنت أنه أفّاك، مُغرم بإخراج أفلامٍ سينمائية تحكي عن حَرث بذور البهتان.
غزالة، التي تلقت الخبر في مكالمة هاتفية من ناجي، وأملي عليها ما حدث لزوجته صبا، كان الخبر كارثيًا، مما جعل بكاءها يتردد في أنحاء المنزل. سرعان ما أنهت “غيداء” المكالمة مع مصعب قائلة له بارتهاب:
_طيب بكلمك بعدين، أشوف أمي مالها، سلام يا زوچ عمتي.
انتهت المكالمة، والمخاوف لم تنتهِ بعد، فخرجت “غيداء” إلى بهوهم الواسع، مُستنشقة عبق النوازل في أنحاء المنزل. وهناك، وجدت والدتها جالسةً على علو الأريكة، منتحبة بمرارة، في ذلك المكان الذي شهد لحظات الألم. فسألتها بترقب:
_مالك ياما، بتبكي ليش؟!
جلست بجوار والدتها “غزالة” على الأريكة، فوجدتها تقول بنشيج يرتد صداه في الآذان:
_صبا يا قلب أمها كانت في بداية حبلها، لا هي كانت تعرف ولا ناچي يعرف، راحت لچيهان تچيبها من هناك، وهم نازلين اتكفت عوشها وطاحت من فوق السلم طيحة قوية، قامت چيهان اتصلت بناچي وقالتله اللي صار، ناچي ونايف راحولها وخدوها المستشفى، الدكتور قال إنها سقطت الچنين، ودخلها العمليات تعمل كحت… قلبي توچع عليهم كثير يا غيداء، ما مصدقة اللي صار!
أيقنت غيداء حينها صحة حديث مصعب، فاقتحم الشكُّ فؤادها بهمسات الشياطين المتلاعبة. تحولت الحياة إلى شاشة سوداء بلا ملامح، وأحست أن چيهان بالفعل هي السبب الرئيسي الوحيد فيما أصابها. ازداد سخطها بعدما عرفت الحقيقة المكتومة بينها وبين رمزي، تلك التي جعلتها كالهواء إزاء رمزي الذي لم يلتفت لأي من محاولاتها لجذبه إليها، وكأنه لا يراها من الأساس.
وسط أجواء الحزن المخيمة على القلوب، دخل “فهيم” إلى الداخل، مرتديًا جلبابه قبل الذهاب إلى الوحدة الصحية بالبلدة. وبينما التقت به زوجته غزالة، قالت:
_رايحلهم يا حاچ فهيم؟ إذا رايح، آني باچي معاك.
أجابها “فهيم” وهو يصعد إلى الطابق الثاني، منطلقًا على الدَرج الداخلي إلى حجرة النوم:
_رايح مع عاصم وچماعته، إذا ناوية تيچي معانا، البسي بسرعة عشان ما نتأخر!
تحرَّكت “غزالة” وراءه بخفةٍ، والقلقُ يقضمُ من أمانِ قلبها، قائلةً بتسريعٍ:
_چاية وراك علطول، ما بتأخر!
وقفت “غيداء” في زاويةِ البهو، وسنا النهارِ ينعكسُ على ملامحها بغَضبٍ، لم تتخيَّل ما آلت إليه الأمور من أحداثٍ مستعصيةٍ زرعت بينهما فتنةً عظيمةً على هيئة امرأةٍ، الحقدُ والثورانُ بات واضحًا عليها تجاه چيهان التي خربت لهم الحياة منذ ظهورها مع رمزي، رفعت كفَّها إلى وجهها، وحركت أناملها على شفتاها بغيظٍ، وقالت بوعيدٍ:
_طلعت ما شايفني طول هالمدة عشان خاطرها؟ تسيب بنت خالك اللي منك وعليك، وتچيبلنا واحدة غريبة بينا لا راحت ولا چات؟ يا خسارة يا رمزي…
ثم ابتسمت ابتسامةً انتقاميةً، واسترسلت:
_يوم ألعب، ألعبها عالهادي وما أكشف ورقي، خليها تولع بس بالبطيء.
دلفت غيداء إلى حجرتها مسترجعةً مشهدها مع صقر منذ أشهر مديدة، صَدَّتْه بلا دليل ظنًا منها أن كلماته تخرج بلا إثبات، لكن الحقيقة جاءتْها في جوف دارها لتبرهن لها أن هواجسها لم تكن مجرد شكوك منذ البداية، بل حقيقة استدلَّ القلبُ بها.
بعد دقائق خرجت غزالة برفقة زوجها فهيم وباقي العائلة، جميعهم مُتجهون إلى المستشفى لزيارة صبا بتمني ودعوات صادقة، فيما بقيت غيداء داخل حجرتها تعيد النظر في الأحداث الأخيرة بقلب ينبض مرياتٍ متوالية، ومشاعر ريبةٍ سَنيّة.
بينما تحيق روائح الشر في دار “مصعب”، قد جلس في موضعه المعتاد بين الأضواء البرتقالية الخافتة النابضة بالانتقام، حجرةٌ فوضوية تفتقر إلى النظام، أدواته الخبيثة مبعثرة على الأرض، وصور الضحايا تتراص فوق بعضها وكأنها حلقاتٌ من المصائب، كل صورةٍ أحاطتها ورقةٌ بتفاصيل ضحاياه وطالبي السحر، كأنه يذكّر ذاته وسط مشاغل الحياة، لم يَحتاج إلى آثارهم ليصنع سحرًا، اكتفى بأسمائهم وأسماء أمهاتهم، وتواريخ ميلادهم، ثم ابتسم قبل أن يبدأ العمل، وقال بوعيدٍ لافح:
_بتشوهي صورتي يا صبا، يا بنت عاصم، قدام اللي ما تتسمى چيهان؟ هديتي ليكي إنتي وزوچك، ولا أي هدية؟ لا لا! هذي هدية محترمة تليق بمقامكم.
شرع في استخدام ورقةٍ سوداءَ دوّن عليها طلاسمَ تحوي أسماءَ ناجي وصبا وأمهاتهم، ثم أحضر خيوطًا رفيعةً سوداءَ وعقدها عشرةَ مرات، ثم لفّ الخيط حول إصبعه بعنايةٍ وركّز طاقته على طقوسِ الربط، ختامًا بحرق الورقةِ وإضافةِ مادةٍ سحريةٍ عليها جعلتها كالعجينِ الذي شبكه حول العقد وكأنهم نسيجٌ واحدٌ لا يتجزأ، فربط مصيرهم بسحرٍ شنيعٍ يمنع التناسل تمامًا وإن تزوجا كلٌ واحدٌ منهم آخر فلن يستطيعا الإنجاب، هكذا تجلّى الجبروت في شخصيته، وبعدما أنهى مهمته، قال بهدوءٍ وارتياحٍ:
_هذي هدية بسيطة مني، إنتوا ولاد خال رمزي، ابني الغالي، الدم ما يصير مايه أبد، وعشان كذا آني سويتلكم شيء صغير على قد محبتي لكم.
ظهرَّ التباين الرهيب بين من يدسُّ الأذى في حيوات الناس، ومن ينزعه وإن كان شوكًا يبتر أصابعه، في إحدى منازل الحالات التي يعالجها الشيخ نعمان ببلدة المنصورة، جالسًا في دارٍ بسيطةٍ، فتتجلى التقوى على وجهه، ويشعر بفخرٍ عظيمٍ وهو يحارب المفسدين في الأرض، هذا من انفتحت الأبواب خصيصًا لأجل تدخله الداعم، وخطواته المطهرة لأراضٍ فُرشت بالفساد، يتحدث في مكالمةٍ هاتفيةٍ مع الزوج الذي عانت زوجته من مشكلات إنجابية متكررة، الحجرة لم تسع أجنحتهما بهجةً، بعدما شُفيت زوجته على يد الشيخ نعمان من سحر ربط الأرحام، تعدُّ في شهرها الثالث من الحمل، ورغم الوهن المسيطر عليها إلا أنها في ذروة سعادتها، عبر “الزوج” عن سعادته قائلًا:
_والله مهما نحكي لك يا شيخ نعمان ما نوفيك حقك، حنا لفينا على شيوخ الدنيا كلّها، وقابلنا الصالح والطالح اللي نهب مننا آلاف الچنيهات، وفي الآخر ما لاقينا حل، لكن بفضل ربنا ثم بفضلك، الحمدلله على النعمة، حنا كنا فين وبقينا فين يا شيخ نعمان؟
ضحك الشيخ “نعمان” بفرحٍ، وقدم خالص التهاني، قائلًا:
_ألف مبروك، ربنا يكملهالها على خير، ويكفيكم شر ولاد الحرام.
ردَّ الزوج بحبورٍ يتسرب من صوته:
_الله يبارك فيك يا شيخ نعمان، وألف ألف شُكر لك.
تلفّظ الشيخ “نعمان” بابتسامةٍ واسعةٍ كادت أن تمتدّ وصولًا من أذنه اليمنى إلى اليسرى، دلالةً على سعادته الكبيرة بهذا الخبر:
_الشكر لله وحده، احنا مجرد أسباب مُسّخرة على الأرض، لو احتاجتوا أي حاجة رنوا عليا في أي وقت.
البشرُ أسبابٌ لبعضهم، قد يدعو المؤمن ربه في لحظة يأس طالبًا المعونة فتأتي ملبيةً على هيئة عبادٍ صالحين ينيرون دربه المظلم بكتاب الله الكريم، فردَّ “الزوج” عليه بكل امتنان، قائلًا:
_الله يخليك يا شيخ نعمان، تسلم يا رب، ربي ما يحرمنَا منك أبدًا.
بعد ختام الحوار بينهما، كان أهل الحالة الجديدة، رجلان وامرأة، يجلسون على الآرايك حول الشيخ “نعمان”، مستمعين لما يدور بينه وبين الحالات القديمة، وضع هاتفه في جيب جلبابه ببسمةٍ منقوشةٍ على وجهه لا تكاد تختفي، ثم قال بتفاخُر:
_دول حالة قديمة متجوزين من سنين وكان معمولهم ربط هما الاتنين، لفوا على شيوخ الدنيا بحالها لقوا منهم اللي قدراته مش قد كده وقابلوا النصابين اللي بيتدعوا الدين، الراجل الصراحة في أول الأمر كان عنده يأس من كتر ما لف بس قولتله سيبها على الله، احنا هنعمل اللي علينا وهنتوكل عليه في اللي جاي، وبفضل الله لما مشوا على البرنامج العلاجي شهور، زوجته دلوقتي في الشهر التالت، ولا هو مصدق ولا هي مصدقة.
بحديثه الطيب أبدلَ اليأس أملًا، في كل عين بريقٌ أطفأه حقدُ البشرِ ومكائدهم الدسيسة، هذا الرجل الجليل، التقي بفعله وليست بكثرة كلماته، كان سببًا عظيمًا في شفاء مئات المصابين بعلل روحية، فقال أحد الرجال بانبهار:
_ما شاء الله، تبارك الله، ربنا يستخدمك ولا يستبدلك يا شيخ نعمان، ويجعلك دايمًا ساعي في طرق الخير.
ردَّ الشيخ “نعمان” متمنيًا لو أن يعين جميع المرضى في القضاء على مشكلاتهم المستعصية:
_اللهم آمين يا رب العالمين….
واسترسل بجديةٍ لما هو قادم بخصوص حالتهم:
_بُص يا حاج، هتعملوا البرنامج يوميًا بإذن الله وكل يوم على الساعة سبعة بالليل رنوا عليا أتابع معاكم الحالة، ولو في حاجة جديدة هقولهالكم، بس اهتموا بالعلاج كويس.
قابله الرجل بموافقةٍ دون أن يتردد، فقال:
_تحت أمرك، هنعمل كل حاجة بحذافيرها، والباقي على الله.
ردَّ الشيخ “نعمان” بفيضٍ من التقوى:
_ونعم بالله.
تمثَّلت الرحمة فيه كونه إنسانًا رحيمًا بالضعفاء المستذلَّين، كم منَّا تعرَّض للأذى من أقرب الأقربون، ولربما ممَّن تربطنا بهم صلةُ رحمٍ قوية؟ الحياة كمحطةٍ لمسارين، يسلك مسارَ الخير مَن بَلجت فيهم مكارمُ الأخلاق، ومسارَ الشر يقوده شياطين الإنس الذين لم يكتفوا بذلك، بل أرادوا الجميع مثلهم، يغضبون منك كونك لطيفًا متفوِّقًا عليهم بنُبلك السامية، كيف يتركونك تعلو وهم في أعماق الانحدار؟ الأذى دومًا لا يأتي من غريبٍ يجهلك، بل ممَّن فتحتَ لهم طرقًا مُترَعةً بالإخلاص والثقة التي غدروها بلا ضمير.
اِنصرم رمزي بعد معاناةٍ من قلب النفق، دام لساعات يحاول الخروج، حاملًا الكتاب أسفل ذراعه، بحث عن السلاح طويلًا لكنَّه لم يجده، وهذه كارثة تهدِّد استمراريته في العمل، انشقت به طرقٌ نائيةٌ عن نفق بيارون، يعيش الفزعَ الأكبر بمفرده، إلى أن وجد شعاعَ الأمل يستردُّ له أمانته، ابتسم فرحًا وحمله على ذراعه، وخطى بين عتمة المتاهات، كأنه عالمٌ من نوعٍ آخر بلا نهاية، لكنه في ختام رحلته، خرج من البوابة الخلفية للمبنى، متعجبًا من جَلائه حيًّا بلا نقصان.
كان وقت العمل قد انتهى بعدما تبدلت المواعيدُ لحراسة بيارون المشددة، تحرك دون أن يلاحظه أحدٌ من رجال الغَفَر، لا زالت چيهان تغوص في أفكاره المشتتة وهو يسير بين شوارع البلدة عائدًا إلى دار خاله بأملٍ متجدِّد.
الآن الساعة تشير إلى الحاديةَ عشرةَ ليلًا، القمر يميل ببسمة حزينة في السماء، النجوم احتشدت حوله تتساءل عن حاله السائم، الطيور رابضة على الأغصان في حالة نعاس، وكأن لا يعيش في هذا العالم سوى الجِمال التي برك بعضها حول الخيام المُزخرفة بألوان الحياة، وقف رمزي قبالة المنزل في تلك اللحظة التي توقفت فيها سيارتان ينزل منهما خاله وزوجته وناجي وچيهان، جميعهم يساندون صبا في حزنٍ مُطبقٍ على الأجواء.
وقفت چيهان جانبًا ترمقهم بغمرةٍ من الندم، فيما يتحرك فهيم وناجي وغزالة بصبا إلى الداخل برفق، لم يفهم رمزي ما حدث، حتى اندهش من تواجد “چيهان” معهم في حضرة الصمت، تتابعهم، ورمزي يخطو قبالة البوابة حتى كانت المسافة بينهما محدودة، لم يهتم الاثنان لبعضهما وكأن ضوء المدخل لا يحجبه سوى فرد واحد، لكن چيهان لاحظت جرح يده الملفوف بلثامه، تاركًا مجالًا لشعراته تهفهف في الهواء الطلق، كانت مترددةً أن تسأله عما حدث فتظهر مكترثةً بشأنه، لكن مشاعرها التي قضت على خططها دفعتها لسؤاله، قائلةً بارتباك:
_هو إيه الدم اللي على إيدك ده؟ إنت اتجرحت؟!
ردَّ “رمزي” ساخرًا من آلامه:
_مانا متعود عالچرح، وش الچديد يعني؟
نظر حوله والفضول يقتله لمعرفة ما وقع في مَغيبه، وسألها بتردّد:
_صبا وش فيها؟ راچعين مسندينها كذا ليه؟!
تنهدت “چيهان” باستياء، وأجابته باختصار:
_وقعت من على السلم في بيت الشيخ نعمان.
تلفّظ “رمزي” بغضبٍ، فقال بحدّةِ صوتٍ:
_عرفتي إنه دچال؟ النصاب هذا ما يچي من وراه خير أبد، كنتي مستنية إنتي اللي تقعي بدالها ولا إيش؟
ردّت “چيهان” بوضوح، متمنّيةً لو أن ما حدث لكان أصابها بدلًا من صبا، قائلةً باستنكار:
_الشيخ نعمان مش نصاب! لو كنت أنا اللي وقعت كان أرحم، لكن هي لا، على الأقل هي كانت هتبقى أم، بس محصلش نصيب.
لم يكترث “رمزي” بما حدث لصبا، بل صبَّ اهتمامه برمَّته نحو چيهان، ورغم ذلك نطق بسخريةٍ بعدما رأى مدى التناقضات بين قولها وفعلها:
_ولما ما هو نصاب، وش اللي رچعك؟ إذا إنتي لاقية الأمان معاه ما معي أنا، رچعتي ثاني ليش؟
أحنت “چيهان” رأسها للأسفل بخجل، واستحوذ عليها الصمت لثوانٍ، وأجابته برقةِ صوتٍ:
_أنا عمري ما حسيت بالأمان غير وأنا….
رفعت رأسها نحوه، والكلمات كأنها تحتجز في فمها بفعل الحياء، أمّا هو فازداد تركيزًا، يعيش لحظاتِ الوضوح لأول مرة بعد أشهرٍ من الخفاء، فاسترسلت بصراحة:
_غير وأنا هنا.
مرّت الكلمات على قلبه كنسيمٍ بارد، أهدأ من تأجّج مشاعره، كان خاضعًا تحت رحمة الغرام الذي لم يرحمه يومًا، كتمان المشاعر أشبه بلسعات النيران على قلب المُستهام الذي ضخَّ عشقًا، فما أجمل من أن تهرب من قسوة العالم في أحضان الحب؟
اختفت ابتسامته قبل أن تظهر، ذاك الذي كان عبوسُ وجهه عنوانَ حياته، وإن كان يتراقص فرحًا من داخله، لانَت نبرته الحادّة أقربَ ما يكون إلى اضمحلالها، وتنهد وهو يقلقل رأسه بهدوء، يفكّر في حديثها بعمق، ثم نظر إليها، وقال بحزم:
_عشان أنا عاقل وقلبي طيب، بعديهالك يا چيهان، بس المرة الچاية لو فكرتي ترچعي للنصاب هذا، يبقى إنتي اللي اخترتيه وبعتيني، وقتها ما بسامحك لو إيش صار، والقرار قرارك بالنهاية، بس لا تچي تزعلين!
هزّت چيهان رأسها برفق، بإيماءةٍ توحي بالموافقة، فرفع “رمزي” يده اليمنى على خصره، تارةً ينظر إلى البوابة، وتارةً يرمق چيهان في صمتٍ تام، حتى خرج عن صمته واسترسل:
_اطلعي، ديري بالك عروحك! زين إنها ما چات فيكي إنتي، الصراحة كان قلبي بيتوچع.
أوهمته “چيهان” بهدوئها حتى عبرت البوابة ودلفت إلى الداخل، ثم رفعت صوتها بعناد، فقالت:
_الشيخ نعمان مش نصاب، ده راجل محترم، ها!
نطق “رمزي” بحدّةِ صوتٍ، لكنها لا تزال محتفظةً بهدوئها:
_صِرت فاهمك، تبغي تچننيني وياكي وتطلعيني عن طوري، بس ما بيصير! اطلعي اطلعي، الشغل هذا حفظناه زين!
صعدت چيهان بخُطى مدلَّلةٍ إلى الأعلى بعدما أشعلت لَظى الغضب في صدره، لكنه بذكاءٍ قاومه، تيقّنَ منها أنها تعمّدت حديثها لإثارة سخطه لا أكثر. وبينما اختفت عن نظره ووصلت الطابق الأخير، ظل متمكثًا قبالةَ الدار ببسمةٍ مُضطربةٍ تعكّرت بثباتٍ اعتقده قمة الصلابة، وكأنه يخاف من خِفّة الروح ودعابتها على الرغم من أنه قادرٌ على صنع أجواء طافحةٍ بالفكاهة إن وُجد.
بعد خمس دقائق، تحرّك هو الآخر من موضعه إلى الأعلى، طرق باب منزل ناجي بفضولٍ متصاعدٍ يَحثُّه على معرفة ما ألمَّ بصبا في دار الشيخ نعمان. خرجت له “غزالة” من الحجرة وفتحت الباب، إذ رحّبت به قائلة:
_شلونك يا رمزي؟ تفضل!
خطا “رمزي” للداخل، فوجد خاله فهيم وأبناءه الذكور مجتمعين على الأرايك في تعاسةٍ مُطبقة، كمن فقد حلمًا ثمينًا تمنّى يومًا الوصولَ إليه لكن الحسرة أصابته. جلس إلى جوارهم وبدا يستفهم ما حدث، فألقى بسؤاله:
_وش صار يا خال فهيم؟
أحنى الخال “فهيم” رأسَه للأسفل بحزنٍ، وأجابه بنبرةٍ خافتة:
_قدّر الله وما شاء فعل، صبا وقعت من عالسلم وأچهضت، يلا الحمد لله، أهم شي تكون بخير.
خرجت “غيداء” من حجرة نوم صبا، بثوبٍ مُلفت ومكياچٍ صارخ، تتحرّك وكأنها تسير على نغمةٍ مُغنَّجة، وجهُها متجهِّم، متصنّعة الشفقة على ابنةِ عمّها، وفي الوقت نفسه تُلقي بكلماتٍ غامضة تشرح فيضَ مشاعرها الحانقة، قائلةً بمقصدٍ خفي:
_منه لله اللي كان السبب، ناچي وصبا لسه صغار وما لحقوا يتهنوا، كان زماني العمة غيداء اللي حاسكة ولاد أخوها على يدها وآني كلي فرح.
خرج “ناجي” بكلماته، فلا يرى مبررًا لتصرّفها سوى أنها تتوق إلى إيصال رسالةٍ محددةٍ بطريقةٍ ملتوية، فقال باعتراضٍ:
_الكلام ذا ما له لازمة، إذا تبي تفرحيني، خليكي چنب صبا لين تشد حيلها وترچع أحسن من قبل… ما يهمني اللي راح، المهم إن صبا بخير وربي يعوض علينا.
لم ينطق “رمزي” بكلمة، بل بنظرةٍ حادّةٍ جعلتْها دلفت إلى الداخل برهبةٍ، بلغةٍ صامتة لامسَ معنى حديثها الذي قصدت به أحدًا دون غيره. وبعدما تلاشت كدخنة ما بعد الحريق، اعتدل بجسده على الأريكة بهدوء، وخاطب ناجي بمواساةٍ:
_حصل خير يا ناچي، الله يبعثلك العوض، إنت وصبا بعدكم صغار والدنيا قدامكم طويلة.
ردّ “ناجي” بملامح كادت أن تصرخ استياءً:
_عندك حق يا رمزي، تسلم يا غالي عاهتمامك.
قابلهُ “رمزي” بردٍّ يفسّر محبّته العميقة له، فقال:
_حبيبي يا ناچي.
بينما داخل الحجرة، هنا على السرير ترقد صبا محتضنةَ الآلام كما لو كانت تجد فيها ملاذًا. الحجرة معتمةٌ جزئيًا، مستضاءةٌ بضوء القمر المنبعث من النافذة المفتوحة. و”غزالة” تقف على سيف ابنتها غيداء ترمقها بنظرات جافة، محاولةً الوصول إلى سببٍ حقيقي يجعلها تتفوه بهذه الكلمات أمام رجال العائلة. فجذبتها بقبضةٍ قويةٍ نحوها، وعيناها مفتوحتان بغضب، فتجزّ على أنيابها، متلفظة بصوتٍ خافت، حريصةً ألا تزعج صبا في علتها:
_وش هالحركات المچنونة اللي تسويها يا غيداء؟ صار لك زمان ما تعچبيني، وكلامك ذا وراه قصص كثيرة ما يعلم عنها إلا الله!
أقصت “صبا” يدَ والدتها بعيدًا عنها، ودافعت عن نفسها، قائلةً بتبريرٍ:
_وش قولت غلط؟!
ازدادت “غزالة” امتعاضًا وهي تجادلها، فردت بفظاظةٍ في صوتها:
_إنتي عارفة وش تسوين زين، شغل البنات ذا خليه بعيد، عشان لا تزعلين أحد منك! أبوكي للحين ساكت، بس إذا زودتيها، إنتي عارفة وش بيصير معاكي.
بينما تخطو “غيداء” خارج الحجرة بلا مبالاة، ألقت ردودًا حادة، مُستنكرة كل تصرفاتها، قائلةً:
_ما سويت شي أبد، طول حياتي ماشية زين… تصبحين عالخير.
لمحت غيداء رمزي بنظراتٍ أخيرة تحمل غيظًا مكبوتًا، ثم نزلت إلى الطابق الأرضي عبر المصعد الكهربائي كما لو تنهي فصلًا من المشكلات مع والدتها قبل بدايته. أما غزالة فربّت على كتف صبا وهي تغفو في نومها بقلب أم حنونة، اعتبرتها في مقام بناتها، وقدّرت مشاعرها الشاجنة، فترى معنى الفقد الحقيقي بعدما خسرت أملًا يمثّل الحياة وما فيها. لكن القدر كان له آراء أخرى، ربّ الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن كان الواقع أليمًا لا يُحتمل.
وبينما كان في الخارج، جلّس رمزي مع خاله وأبنائه يتبادلون الأحاديث بشغفٍ، وفي تلك اللحظات الملآنة بالترابُط الأسري، رنّت نغمة موسيقية تلتها شاشته المُستنيرة برسالةٍ من أحدهم. لم يتريّث لفتحها، فقبضّ على هاتفه من أعماق جيبه، وأخرجه يَنظر، ودلالات الفضول مُشرقة لمعرفة المُرسل.
كانت “چيهان”، بعدما ألغت حظرها عنه، أرسلت للتو رسالة قصيرة من كلمةٍ واحدة، تعتذر له عن أسلوبها معه الليلة الماضية. كانت مُندفعة في تعاملها معه حينما صكت الباب في وجهه وحظرته عن مراسلتها، على الرغم من أنه لا يتنفع منها في شيء بل بالعكس تصيبه مَضار البشرية لمجرد إعانته لها. وكان محتوى الرسالة كالآتي:
_آسفة.
انبثقت ابتسامةٌ بسيطةٌ من فوهةِ بئرٍ جفَّ بالحسرات، بدأت أنامله تراسلها على الشاشة، بكتابة:
_ما صار شي… شوي وچاي، إذا حبيتي تنامين، اقفلي زين عروحك ولا تخافي!
ردّت “چيهان” باستجابةٍ، مختصرةٍ حروفها، متجنبةً مماطلةَ الحديثِ معه:
_تمام.
نهضت چيهان من على السرير وصكت الباب بالمزلاق كتأمين بسيط ضد أي خطرٍ مُرجح، لكنها حقًا شعرت بالأمان في مُجاورته، كأنه الوحيد الذي نجح في بث السكينة في قلبها. العلاقة بينهما بدأت تنجرف في مسارٍ ملآن بأملٍ جديدٍ يولد كل يوم، كأن دعات العالم اضمحلت لتسكن بين جناحيه.
أيعقل أنه أمانٌ لم تجده حتى في أقربِ الأقربين؟ فاز كونه رجلًا ذو شخصيةٍ قويةٍ تمنحها الدفء الذي ضلّت سُبُله، الوحيد الذي تركها تدرك قيمة المرأة بل وتستشعر بها في كنف رجل باسل يكن سندًا لا يميل بها. فالمرأة تشتد صفاتٌ ذكوريةٌ حينما تجد ذاتها محملة بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ لم يجب عليها يومًا تحملها بمفردها، فالتوازن يجعل كلا منهما في موطنه الأصلي دون اللجوء إلى أدوارٍ لا تمثله يومًا.
انصرمت الليالي ليلةً بعد ليلةٍ، والهيام اشتد ذروته، الخوف من السقوط فيما لا يرغبه القلب قد تلاشى لأنه انحدر بالفعل ووقع ما خشاه يومًا.
صبا التي ارتدت لباس المرض، توافد الأقارب لزيارتها كل ليلةٍ محملين بخيراتٍ قيّمةٍ تليق بمقامها. أتوا بحزنٍ في حضور والديها وأخواتها اللذين لم يتركوها ليلةً، بل بقوا حصنًا تحتمي فيه من آلام بدنها. كان دار الخال فهيم بمثابة وكالةٍ يفد إليها أشكالٌ وألوانٌ من البشر، فيقوون صلة الأرحام بزيارات أنارت المحبة وقوّت الوداد فيما بينهم.
كان ناجي لا يزال حزينًا بفقدانهم لبذرةٍ ستنمو بالحب لتصبح ثمرةً صالحةً يتفاخرون بها بعد الميلاد والكِبر، وفي نفس الأوان يملك رضا تامًّا بما كتبه الله عليهما. المؤمن دومًا مُصابٌ، ليس عقابًا بل رحمةً واختبارًا لقدرته على التحمل من الله عز وجل، ما جعل رمزي يدعوه إلى حفلة شواء حول الخيام القريبة من منزل الخال فهيم لعله يُخفف من وطأة أحزانه.
لم تكن حفلة بمعناها الأصلي، وإنما هي جلسة بسيطة وسط النسيم الوافد من غَور الصحراء، قد أعدها خصيصًا من أجل چيهان في المقام الأول، إذ رفضت مرارًا وتكرارًا أن تنفرد معه في أي مكان وإن كان لطهي الطعام، لكنه برصانته المعتادة أقنعها بمجيء غيداء وناجي وأخيهما الأصغر نايف معهما في الهواء الطلق بين خيام البدو. أخبرها أنه اختص ناقةً باهيةً لها، مانعًا أن يستخدمها أحد غيرها. وبينما أعيدت چيهان التفكير في الأمر، أحست بالرغبة في الخروج من قوقعة الوحدة الذي سجنت فيه، وكأنها أسيرةٌ بلا حقوق.
ليلة أجازته من العمل، كانت الساعة تشير إلى التاسعة ليلًا، السماء مشعةٌ بالنجوم كمصابيحٍ مضيئةٍ تمثل نور الأمل وسط عتمة اليأس. الخيام فارغةٌ من الرجال وكأن الكون يتمهد لحفلة شواء بسيطة بين رمزي وچيهان، وكلاهما يثبتان براعتهما في طهي الطعام. النيران مشتعلةٌ وحولهما أدوات الطبخ عدا أهم العناصر وهي الخضروات، إذ كانا في انتظار مجيء نايف محملًا بها في وعاءٍ واسع.
بينما يجلس رمزي بالقرب من “چيهان” التي تعجبت تكلّؤ غيداء وناجي عن المجيء، فأعربت بسؤالها إلى رمزي، متسائلةً باكتراث:
_هما اتأخروا ليه؟ إنت مش قولت هيجوا؟
نظر “رمزي” في شاشة هاتفه متدعيًا باستياءٍ وتأثرٍ أن ناجي راسله في رسالةٍ نصية، يخبره برحيله مع صبا إلى الطبيب برفقة غيداء لإعادة الكشف نظرًا لحالتها المرضية، ثم رفع رأسه بأسف، وقال:
_يا خسارة، ناچي وغيداء رايحين مع صبا للدكتور، بس ما علينا، حنا كده كده ما في شي بيتغير.
تساءلت “چيهان” بدهشةٍ وبداخلها رغبةٌ في الرحيل:
_يعني إيه مش جايين؟ أنا بالشكل ده همشي.
ظهر المراهق نايف من بعيد، يتحرّك مبعثرًا الخضروات بعشوائية في طبقٍ نحاسيٍّ واسعٍ ابتلع كيلواتٍ من الثمار واللحوم الحمراء، يسير حاملًا كتلةً أثقل من كتلته شخصيًا، فبدى متعثّرًا في خطاه، حتى وصل إليها، فسأله “رمزي” باهتمام:
_چيبت كل المكونات يا نايف؟
أجابه “نايف” بتأكيد، وهو يثبّت الوعاء على الفراش الممدود فوق الرمال، قائلًا:
_أي، كل شي، حتى اللحم چيبته، تبي شي بعد؟
استفسرت “چيهان” مُوجهة حديثها إلى نايف، قاصدةً تجاهل الحوار مع رمزي عن عمد، قائلةً بنبرة لطيفة:
_جيبت البهارات يا حبيبي؟
ابتسم “نايف” وردّ بتأكيدٍ وهو يشير إلى البهارات داخل الوعاء:
_أي كل شي موچود حتى البهارات.
تبدّل حالُ “رمزي” في ثوانٍ قليلة، ما جعله يخرج عن صمته، وهو ينطق بنبرةٍ رجوليةٍ خشنة، متسائلًا:
_منو حبيبك؟ راسك ذا مزروع بالچنان، كيف يعني حبيبك؟!
لم ترَ “چيهان” مشكلةً في أن تعامله كونه طفلًا باعتباره أخًا أصغر لها، فأجابت باعتيادٍ:
_إيه المشكلة يعني؟ ده طفل!
جذب “رمزي” نايف بحدةٍ من ثيابه، فسقط على سيقانه بعنف. ثبت قبضته على كتفيه بعدوان، ولهيب الغيظ يتطاير من عينيه، وسألها بنبرةٍ عنيفة:
_حبيبك وتقولين طفل؟ ذا اللي في عمره متزوچ ومخلف…
بتر “نايف” حديثه، محاولًا النهوض بمقاومة، قائلًا بصراخ:
_باعد يدك عني! شكلك اتچنيت يا رمزي، واللي مثلك كل ما كبروا زاد چنانهم.
نهض “رمزي” بخفةٍ، والاحتدام مسيطرٌ على لسانه الذي تلفظ بانزعاجٍ، موجّهًا حديثه إلى چيهان:
_كيف حبيبك؟ أچيبلكم كوبين ليمون وأخليكم سوا وأمشي؟ ولا وش تبي مني أقول؟
كتمت “چيهان” ضحكاتها، فظهرت منزعجةً من أسلوبه الفظّ في التعبير عن غضبه، لم ترَ مبررًا لتحوّله المفاجئ، فقالت بحدةٍ هي الأخرى:
_في إيه؟ هو إيه اللي حصل لكل ده؟ كل ده عشان بعامله كأنه أخويا الصغير؟ ما هو فعلًا صغير ولسه طفل، أنا مش شايفة حاجة حصلت تستاهل اللي بتقوله ده.
ضرب “رمزي” كفًا على كفٍ ونبرته تعلو برعبٍ، مستنكرًا تعاملها معه كطفلٍ صغير، ما أجبره يقول بجلبةٍ مدوية:
_إنتي ما عندك خوات، غير كذا لا تقوليلي مثل خويا ولا أبوي، هالكلام ما ينفع معي!
بمجرد أن فَلَت “نايف” من قبضته، وقف بعيدًا بشكل هزلي، يتراقص بسخرية، ويحرك خصره كما لو كان راقصًا محترفًا، ويداه تدور حول رأسه، يغني بمرح:
_والله شكلي حبيتك، يا قلبي لك يخربيتك،
أنا شفتك صدفة ولقيتك صِرتي بدمي إدمان.
سرعان ما جال “رمزي” بعينيه للبحث عن نعله، وقذفه به بغضبٍ مرح، وقال بوعيدٍ لافحٍ:
_امشي بدل ما أدفنك بمكانك وأزعل خالي ومرته عليك، يلا اختفي، دقيقة وما يكون لك أثر!
أشار له نايف بقبضةٍ غاضبةٍ في الهواء بشَعفةٍ من المزاح، وسار بعيدًا حتى عاد إلى الدار، تاركًا رمزي وچيهان يصنعان طعامَهما في هدوءٍ، وحينما التقط “رمزي” الخضرواتَ والسكين، زفر بضيقٍ، وقال:
_كل واحد يطبخ أكله لحاله، وبتشوفيني أسوي أكل أحلى مية مرة من أكلك.
بصرته “چيهان” بنظرةٍ قاذعة، ولمحت بريقَ الثقة في عينيه، ويداه تتحركان بثباتٍ مُدَّعيًا كما لو أنّه طباخٌ أريبٌ في صُنعه، ثم قالت باستهزاءٍ:
_إيه الثقة دي؟!
خرجت ضحكةٌ عالية من “رمزي”، يبادلها فيها نفسَ الازدراء، مُقتنعًا بمهاراتٍ لا يمتلكها من الأساس، فقال:
_بتشوفي، رمزي ما بيحكي كثير، رمزي بينفذ وبس!
امتدَّت يدُ رمزي ناحية اللحم الطازج بنيَّةِ صنعِ المنسف البدوي، فيما كانت چيهان تُقشِّر البطاطا بعناية وتقطعها إلى حلقاتٍ متساوية. بدا رمزي يُعدُّ صنفًا آخر إلى جانب المنسف، فيتبع خطواتها في مراقبةٍ صامتة وكأنَّه مجهودُه الشخصي. الخطوات كثيرة والطرق متنوِّعة، لكن الأيادي التي اعتادت الطهي لن تتعثر أمام أصنافٍ ميسَّرة، ما جعل رمزي يتعمَّد إظهار المهارة وهو لا يفقه طهيَ بيضةٍ مقلية.
كلما استدارت چيهان برأسها نحوه، أدار وجهه إلى الناحية الأخرى، مُظهِرًا انهماكه في وصفته الخاصة. شرائح الطماطم فوق البطاطا مع حلقات البصل الأبيض أعطت مذاقًا بديعًا، فتداخلت البهارات مع الخضروات واللحوم وكأنها لوحةٌ إبداعية تُظهِر مظاهر الإتقان.
بعد ساعةٍ من الانشغال بالخطوات الأولى للتحضير، أسقط كلٌّ منهما المرقة فوق الطعام، وتركاه يطيب على الحطب. بدت چيهان تنظف يديها بالصابون في وعاءٍ واسع، ورمزي يصبُّ لها المياه من أعلى كمياهِ الشلال المتدفقة بانسيابية، حتى تبدَّلت الأدوار ورفعت له القارورة ليغسل يديه هو الآخر، ويزيل بقايا آثار الطهي من أصابعه. ومن ثم نشَّفا يديهما في المنشفة، وكلٌّ منهما مُستَربِعٌ على الفرشة، يُشاهدان الجِمال المتجولة في عالمٍ ينبض بالحياة.
غليانُ الطعام خلفهما كنغمةٌ أزادَت أوقاتهما مسرَّةً، والأبخرة تتصاعد إلى السماء بهدوء. كانت “چيهان” تجلس بوجنتين مُحمَّرتين من الخجل، فتوافد سؤالٌ إلى ذهنها بينما رمزي يحمل هاتفه وكأنه غير مكترث، فسألته بفضول:
_هو ممكن أسألك سؤال؟
وضع “رمزي” هاتفه جانبًا، فنظر إليها باكتراثٍ وقال:
_اسألي!
تردَّدت “چيهان” في سؤالها، متوقة بشدَّةٍ لمعرفة إجابته، فسألته:
_إنت ليه ساعات بتتكلم بلهجتنا وساعات بتتكلم بلهجتكم؟
رفع “رمزي” يدًا فوق الأخرى بتأمُّل، وأجابها بوضوح:
_شوفي يا چيهان، أنا اتولدت بأصول بدوية أه، وعيشت واتربيت بين عيلة أبويا وأمي، البدو على أصولهم، لكن عيشت وسط ناس الحضر سنين، وعارف عادات دول وعادات دول.
لكنه لم يفهم المقصَد من سؤالها، فكرَّرته بطريقةٍ أكثر إيضاحًا، قائلة:
_أنا قصدي ليه لما بتتعصب بتتكلم بدوي، ولما بتكون هادي بتتكلم زينا عادي؟
قابلها “رمزي” بالحقيقة دون تزييف، مُوضِّحًا:
_في مثل بيقول الطبع بيغلب التطبع، والواحد لما بيكون مضايق، أصله بيظهر غصب عنه، وده اللي بيحصل معايا.
بعيدًا على مسافةٍ مُترامية، من فجوةٍ مخبوءة بين أغصانِ الشجر وأوراقها المائلة إلى الأرض، كانت غيداء تتابعُهما كذئبٍ مترصد، شاشتها مرفوعة وسط الظلام، وإصبعاها يتحركان على الشاشة يُكبّرانها.
الكاميرا شهدت لحظاتِ الانسجام بينهما وهما يتبادلان الأحاديث في مشهدٍ غريب، يبدوان كالقططِ المتحابة بعد شجارٍ عنيف. لأول مرة يضحكان سويًّا وسط همساتٍ لطيفة، فيما كان رمزي بأسلوبٍ عجيب يمازح چيهان برقةٍ في حدود الأخلاق التي لم ولن يتعدّاها. لكن غيداء، بالتقاطها ثلاث صورٍ أصدرت صخبًا، فأحست بحركةٍ وراء ظهرها توحي بريبة، جعلتها تلتفت للوراء لتجده شخصًا غير متوقَّع.
زر الذهاب إلى الأعلى