Uncategorized
رواية وشم الرمل الفصل الخامس 5 بقلم ميدانو

رواية وشم الرمل الفصل الخامس 5 بقلم ميدانو
جلس الشيخ طراد بجوار مناور على نفس الفراشين المتجاورين ونسيم الصباح يتسلل من بين أطراف الديار ..
رفع طراد فنجان القهوة بيده الثقيلة تأمله لحظة ثم قال بصوته الأجش :”وش رأيك في العرس يا ابو راكان ؟”
أجابه مناور بنبرة راضية :” ما أذكر ليل فرح القلب مثل البارح البتول تستاهل وسطّام قدها “
ضحك طراد ضحكة قصيرة ثم سكت لحظة وقال بصوت منخفض:” وأنا قلبي وده يفرح ما عاد فيه قوة يصبر”
لم يحتاج مناور الى سؤال يعرف تماماً من تسكن ذلك القلب المتردد.. فقال وهو ينظر الى وجه رفيق دربه:” انتظرت كثير يا طراد وحورية أرملة أخوك وانت أحق فيها من غيرك ما حد يلومك إنك تريدها ولا هي تجهل اللي فيك “
نظر طراد الى الأرض وصوتهانخفض :” هي ما قالت لا ولا قالت تعال كل ما لفيت ناحيتها لقيت ظهرها لي كأنها تبيني أفهم من سكوتها وأنا مليت أفهم نفسي بدل ما أسمع منها “
أطرق مناور لحظة ثم قال بحنق محب :” السكوت ما هو جواب يا طراد واللي يخاف يقول كلمته يضيعها ويضيع نفسه “
دخل سطّام في تلك اللحظة ..
خطواته هادئة وصوته مرتاح :” السلام عليكم “
مد مناور يده وصافحه بحرارة الأب قبل أن يكون اب زوجته وعيناه تمعنان في ملامحه التي بدا عليها الراحة والسعادة:” الله يهنيك يا ولدي “
ابتسم سطّام ومال قليلًا نحو مناور :” ويسعد قلبك يا عمي “
طراد بفرح وفخر:” سطّام يا ولدي ليلتك رفعت الراس “
التفت سطّام إليه ثم إلى مناور وقال بصدق:” أنا اللي راسي ارتفع يوم خطيت خطى الرجال وزوجتني كريمة القوم “
دخل زياد بخطى سريعة وقف أمام الشيخين وصوته يقطع صفو اللحظة:” عذرًا يا شيوخ لكن صارت سالفة تنتشر بين العرب “
رفع الشيخ طراد نظره إليه ببطء :” وش صاير؟”
تردد زياد لوهلة كأنما الكلمات عالقة في حلقه.. ثم قال:” قصيدة من حمدان “
تشنجت رقبة مناور وظهر عليه قلق خافت..
أما طراد فقد بقي ثابتًا في جلسته شبك أصابعه فوق ركبته وسأل :” عن وشو؟ قال شي في البتول؟”
أشار زياد برأسه نافيًا وعيناه لا تفارق الأرض:” لا قالها في سلمان “
خيم على المجلس صمت ثقيل…
تراجع طراد قليلًا إلى الوراء وعيناه تجمدتا على لهب النار المتراقص وقال بصوت لا استعجال فيه:” وش قال؟”
رفع زياد رأسه وقد بدا عليه التردد :” قال اسمها.. سلمى بصريح اللفظ”
لم تهتز ملامح طراد.. ظل يمسك فنجان القهوة وعيناه تراقبان النار…
أما مناور فقد أمال رأسه وفي صوته نبرة خيبة:” كلمة تطلع من فم شاعر طايش تجر وراها سوالف ما تنتهي “
رفع طراد فنجانه بهدوء وارتشف رشفة ثم قال بصوت بارد لا أثر فيه للغضب ولا للدهشة:” سلمان فارس من فرساننا والبنت اللي في الكلام ما عاد لها وجود اللي له عليه شيء يواجهه أما القصيد سكتوه ما أبي أسمع حرف ثاني عن هالسالفة “
ظل الصمت معلقاً .. حتى قطعه صوت سطّام الذي كان يجلس إلى يسار الشيخ متحدثًا الآن بخشونة رجل يكتم غيضه :” وسميت يا بوي لكن حمدان لو طاح بيدي ما يسلم “
نظر إليه مناور وفي عينيه تأييد لم يصرح به :” خله يواجه رجال لا ينبح من بعيد “
ابتسم سطّام ابتسامة خالية من أي بهجة وقال بصوت يشبه نذرًا:” بيجيه وقته والقصيد اللي قاله رح يكون سبب قطع رقبته “
أما طراد فلم يضف حرفًا.. كل ما فعله أنه أشار بيده نحو زياد إيماءة واثقة لا تخلو من الحسم وقال بنبرة مختومة:” يا زياد سد البيبان وخبر العرب اللي يتكلم عن هالسالفة بعد اليوم ما له مقام بيننا “
*****
عند مربط الخيل ..
الهواء يمر هادئًا ويحرك أطراف عباءة سلمان..
كان واقفًا بثبات يمسك العلف بيده اليسرى ويقربه من فرسه التي لا تقبل يد غير يده..
الفرس تأكل بهدوء.. وسلمان ينظر اليها كأنهما خلقا للعزلة معًا لكن العزلة لم تكن تامة.. فهيد… كان هناك..
واقف عند طرف المربط لا هو اقترب ولا عاد أدراجه كأن قدميه جذتا في الرمل .. وكأن صوته انحشر ما بين صدره ولسانه..
وأخيرًا افترب وقال بصوت مكسور من الداخل نطقها:” القصيدة اللي قالها حمدان صارت على لسان العرب كلهم “
سلمان لم يلتفت.. يده فقط شدت العلف أكثر.. سمع بالقصيدة بل ترددت عليه مرارًا من أفواه الركبان والرجال والنسوة حتى.. مرت لحظة ثم رفع وجهه ببطء..رمى باقي العلف على الرمل.. خطا خطوة ثم اخرى.. وحين مر بجانب فهيد .. توقف لحظة…
لم ينظر إليه وصوته خرج واضحًا كالسيف :” إذا سمعتها مرة ثانية تنقال والله لأقطع لسان قايلها.. وناقلها.. وسامعها “
مضى سلمان.. وتركه هناك
وحده
ظل فهيد واقف لا يدري كم مر من الوقت وقهر يلوك قلبه بلا رحمة
قصيدة حمدان.. انتزعت من صدره كأن حروفها كتبت بدمه هو..
أي حق له؟
أي جرأة جعلته يجاهر بشيء هو خبأه في قلبه لسنين؟
أي لسان لم يعرف الخوف قالها هكذا أمام الخلق وجعل من سلمى حكاية على أفواه العرب؟
هو.. فهيد
الذي رأى وصمت .. الذي أحب وسكت خوفًا أن تحرج أو تؤذى أو تفضح
نظر إلى المكان الذي اختفت فيه سلمى لا زال ظلها حياً في الرمل .. كأن الأرض تحفظ خطاها ولا تسلمها للنسيان
وفي داخله شيء كان يهمس:
“ألا إن سلمى قد رمتك بسهمها…
وكيف استباء القلب من لم يُنَاطِق؟”
أعاد البيت على نفسه…لكن بصوته ماهو بصوت حمدان
قاله ليصرخ .. صرخة مكتومة لا يسمعها سواه
نعم… رمتني
ولا أنا شكوت
ولا قلت: “آه”
ولا حتى قابلت السهم بسهم
“من لم يُنَاطق…”
هو الذي لم يجاهر ولم يبوح ولم يدنس حبه بكلمة
كان الحب عنده صمتًا طويلًا…
*****
في ظل الخيمة المهترئة المربوطة بأوتاد من سيوف صدئة قديمة
تمدد حمدان على بساط خشن يرتجف جسده بين دفء اللحاف وبرودة الجو صدره يرتفع وينخفض بصعوبة وعيناه نصف مغمضتين بين الشكوى وكبرياء يرفض الاستسلام ..
يده اليمنى ملفوفة بخرقة باهتة تخفي جرح غائر ممتد من الكف حتى منتصف الذراع .. شق مفتوح تتورم حوافه بحمرة قاتمة متوشحاً بخطوط زرقاء داكنة كخريطة الألم التي تعبث بعروقه..
كل حركة ترسل لهيب موجع إلى داخله والحمى تلفح جبينه فتكسوه بعرق بارد
قرب الجمر المشتعل ..
جلس رباع القرفصاء يقلب اللحم الذي تفوح منه رائحة العرس: ” أشوي لك لحيمات على شرف العريس اللي ما ذقت عشاه “
حمدان بصوت مخنوق بالألم والعتب دون أن يفتح عينيه:” إي بالله زين ذكرتني باللحم يكفي إنك سحبت علي وجلست تتهنى وأنا أركض وأحارب “
قهقه رباع وهو يقلب اللحم وتطاير الشرر من حوله
همس حمدان بصوت واهن وقد أثقل التعب نبرته :” كنت أظنها ضعيفة ما قدرت أبارزها بكل حيلي أنثى حتى لو لابسة عباءة رجال وهي حطت كل حيلها فيني وأنا ما كان في صدري حيل أرده “
أخذ رباع قطعة لحم من على الجمر نفخ عليها بخفة مدها لحمدان ثم قضم واحدة لنفسه وابتسم بسخرية وهو يتكلم وفمه شبه ممتلئ:” حمدان اللي يشق الهضاب بسيفه طلع قلبه مثل الشمع يذوب إذا حرمة وقفت قدامه لا تقول لي ما كان فيك صدر ترد صدرك هو أول من نزل السلاح “
ضحك حمدان ضحكة قصيرة متقطعة فيها من التعب بقدر ما فيها من الإقرار .. وهز رأسه بخفة يسخر من نفسه
وجلس بين نارين.. نار الحمى ونار الذكرى
****
في بيت الشيخة أم سطّام ..
كانت رائحة القهوة والعود تعبق في أرجاء الخيمة الكبيرة حيث تتوافد النسوة واحدة تلو الأخرى تدخل بهدوء وتسلّم على أم سطّام ثم تلقي السلام على البتول التي جلست في صدر الخيمة على سجادة موردة وأمامها طشت ماء ورد تغمس فيه يديها بين حين وآخر تعكس على وجهها إشراقة ناعمة كنسمة الصباح ..
كانت البتول تبتسم برقة والهنوف تجلس إلى جانبها بنظرات تفيض حنان
دخلت مناصف تمشي بثقة تجر ذيل عباءتها بخفة وأطلقت بصوت مرتفع يملأ المكان:” يا حيّ العروس يا حيّ زينة البنات صباح مباارك “
نهضت البتول لتحييها بهدوء ثم عادت إلى جلستها الرزينة ..
اقتربت الخادمات حاملة الصحون .. صحون اللحم المغطى بالرغفان وأكواب لبن الغنم وتمر مفروك بالسمن وسط ضحكات النسوة وحديثهن الدافئ ملأت الخيمة دفء الألفة..
قالت إحدى الكبيرات وهي ترمق البتول بنظرة دافئة:” ما شاء الله كأن ضو القمر نازل بيننا الله يتمم عليكم يا بنتي ويجعل دربك ستر ورضا “
ارتفعت همهمات الإعجاب وقالت الشيخة أم سطّام بحنان :” اميين البتول تربت في بيت رجال وتستاهل ولدنا سطّام “
ثم التفتت إلى الخادمات بوجه ودود:” لفن بالقهوة مرة ثانية.”
فانتشرت رائحة القهوة في أرجاء الخيمة وتبدل الجو إلى جلسة أنيقة تخللها غناء خفيف من بعض النساء وهمسات ملؤها الفرح والفضول ..
لكن وسط ذاك الانسجام مالت أم سطّام قليلًا إلى الهنوف وهمست:” وين حورية؟ ما شفناها مع النسوان اليوم “
رفعت الهنوف حاجبيها باستغراب وقالت:” ماادري والله حورية مايفوتها واجب “
صمتت أم سطّام لحظة ثم التفتت إلى إحدى الفتيات الجالسات وقالت:” يا ترفه قومي شوفي وينها حورية لا تكون تعبانة ولا زعلانة من شي “
في تلك اللحظة تحركت مناصف من مكانها ترتب عباءتها ببطء ثم وقفت وقالت بنبرة هادئة ظاهرها الاحترام وباطنها امتلأ سماً :” أنا أستأذن ما لي مقعد في مجلس بتدخله وحدة الله يستر عليها والناس شافو من يذكرها بالزاد ويوصله لبابها “
سقطت الجملة في الخيمة كسكين بارد لا دماء فيه .. وجوه بعض النسوة شحبت .. نظرت إليها نوفه نظرة جانبية فيها مزيج من الحذر والمتعة ثم لحقت بها دون كلمة
عينا أم سطّام ضاقتا ملامحها ما بين الدهشة والانزعاج .. التفتت ببطء إلى من حولها وقالت بصوت لم يخف فيه التوتر:” وش السالفة؟! من تقصد؟”
ساد تردد قصير ثم تجرأت صيتة التي لم تكن حاضرة ليلة البارحة لكنها لا تفوت حديثًا:” يقولون إن جلوان بعد العرس تذكر حورية وزين لها قدر زاد نظيف ووداه لباب بيتها “
لم تكد تنهي الجملة حتى قطعتها أم سطّام بحدة وهي تضرب كفها براحة يدها:” هالكلام ما ينقال في مجلسي لا همز ولا لمز واللي ما بيدها طيب تسكت “
ساد صمت ثقيل كأن الأصوات تراجعت خجلًا.. بعض النسوة طأطأن رؤوسهن وأخريات رمقن صيتة بنظرة صامتة تعاتب
ولم يطل ذلك الصمت إذ عادت ترفه تبعد طرف الستارة بخفة وهمست:” حورية جاية وراي “
تبدل الجو في لحظة كأن الخيمة حبست أنفاسها ارتفعت عيون وسقطت أخرى وجوه تزينت بابتسامات مصطنعة
دخلت حورية بخطا واثقة وابتسامة طيبة
سلمت على أم سطّام بهدوء ثم اقتربت من البتول قبلت خدها وقالت بنبرة دافئة:” مبروك الله يجعل بيتك عامر ويبارك لك في سطّام “
ابتسمت البتول بخجل وامتنان:” الله يبارك فيك يا خالتي “
جلست حورية وما إن فعلت حتى أحست بثقل الجو من حولها.. كانت تسمع الهمس وتقرأ الأسئلة في ارتجاف النظرات
ضحكة خافتة في الزاوية نظرة طويلة أكثر من اللازم من امرأة تجلس في أقصى الخيمة ولمزة بالكوع من اثنتين تظاهرتا بتعديل الطرحة..
ومع ذلك رفعت فنجان القهوة بأطراف أصابعها وشكرت الخادمة بابتسامة خفيفة ثم رمقت النار كمن تنصت لما لا يسمع
أما أم سطّام فكانت تراقبها طويلاً بصمت لا يخلو من التفكير…
*******
الليل سكن والهواء بارد ينفذ بخفة إلى الخيمة لكن الصمت فيها كان الأبرد..
في طرفها جلست حورية عند الموقد تعيد ترتيب الجمر البراد الصغير يغلي فوق النار الهادئة تنبعث منه رائحة الشاي
ثوبها الأسود ينسدل على جسدها المنهك وحركتها بطيئة
أما سلمى فكانت واقفة عند المدخل تنظر إلى الخارج بعينين ساكنتين ..
قالت حورية بصوت خافت دون أن ترفع رأسها:” قالو إن حمدان نطق باسمك في قصيدة ووصفك “
ردت سلمى دون أن تلتفت:” إيه وولا واحد من الرجاجيل رفع صوته “
صمتت حورية لحظة ثم قالت بمرارة:” لو إن اللي انقال فيها بنت مناور أو حتى خادمة في بيت الشيخ كان هبت الديرة كلها بس لأنك بنت صباح”
هنا فقط استدارت سلمى نحو أمها ونظرت إليها.. :” ما اريدهم يحموني بس عرفت قدري بهالديار “
حورية تربت على فخذها بحنو:” تعالي حطي راسك وأنا أمك وهالديرة كل ما لها تكتم على نفسنا “
اقتربت سلمى وجلست بصمت ثم أسندت رأسها على فخذ أمها كما تفعل طفلة تحتمي من العاصفة في حضن تعرفه أكثر من نفسها..
أنزلت حورية غطاء رأسها ومدت يدها إلى شعر ابنتها تمسده بخفة تصبر به قلباً وقلبين..
ظلت صامتة إلى أن تنهدت بهمسة مرتجفة:” سلمى “
ردت بصوت ناعس مبلل بالدفء:” لبيه “
صمتت حورية لحظة كانت النار أمامها تخفت لكنها في صدرها توقدت.. ثم قالت :” في شي ودي أقولك من كم يوم بس خوفي منك أكبر من خوفي عليه “
رفعت سلمى عينيها إليها ملامحها مشدودة تتحسس الخطر في نبرة أمها :” وش صاير؟ منهو عليه؟”
بلعت حورية ريقها وانخفض صوتها :” مناصف “
لم تقل سلمى شيئًا… لكن النار اشتعلت في عينيها ..
تابعت حورية وهي تغرز عينيها في الجمر تبحث فيه عن شجاعة:” تمر علي تلمح وتلمز صارت تقول إن فيه شي بيني وبين جلوان ولد الحكيم والناس ما ترحم وأنا بديت أخاف مناصف ما تخاف الله “
قفزت سلمى واقفة يدها تشد عباءتها بغضب :” والله لا أروح لها الحين وأوريها مقامها “
أخذت تبحث عن نعلها ثم رفعت الغطاء على رأسها بعصبية لكن حورية نهضت بسرعة أمسكت يدها برجاء يشبه الاستغاثة:” تكفين يا بنتي لا أنا اللي تحملتها وأنا اللي بصدها لا تخلينها تجرك لميدانها ميدانها الغمز وانتي ميدانك الجهر “
توقفت سلمى لحظة يدها ترتجف لكن الغضب أقوى من التردد.. حاولت أن تفلت يدها لكن نظرة أمها كانت أقسى من القبضة ..
قالت حورية بحزم هادئ:” اجلسي ونامي خذيها مني هالمرة بس علشاني أنا ما قلت لك إلا أبي شورك ونحلها بعقل “
ببطء جلست سلمى لم تهدأ كانت كالنار التي خفت لهيبها ولم تنطفئ
وعادت حورية إلى جلستها وسحبت رأس ابنتها إلى فخذها.. راحت تمسد شعرها بيدها الهادئة
طال الليل وخفت صوت النار لكن ما اشتعل في قلب سلمى لم ينطفئ.. بات ينتظر الفجر
****
في وضح الصبح والنسيم يتسلل بين أوتاد الخيام كانت مناصف واقفة عند باب خيمتها رفعت ذقنها وقالت بنبرة متعالية دون أن تلتفت للخادمة التي وقفت تنتظر أمرها:” روحي لنوفه قولي لها تتبعني لبيت الشيخة أم سطّام “
ثم أضافت بسخرية و احتقارها لزوج نوفه:” بس مقابلة رويشد ذاك الي لا يهشّ ولا ينشّ “
لم تكمل سخريتها إذ أحست بظل طويل يغمرها من الخلف واقترب منها بصمت ثقيل كأنه وقع نذير .. تجمدت يدها على طرف العباءة والتفتت ببطء لتجد أمامها سلمان..
كان واقفًا بثبات وسوطه بيده .. لم يقل شيئًا في البدء ثم قال بصوت هادئ محذر:”وش تبين من أمي؟”
رفت مناصف رمشها حاولت أن تخفي خوفها بابتسامة متهكمة:” أنا؟ أبد ماابي إلا كل خير”
قاطعها وهو يثبت نظره في عينيها بقوة :” الخير ما يجي مع اللمز “
ضحكت بوقاحة تقول:” الخير صار نادر وأسماء البنات صارت تتغنى في قصايد الرجاجيل “
سكت سلمان ونظرته تثبتت فيها لحظة ثم قال ببطء حازم :” هالمرة أنا جيتك بكلمة المرة الجاية؟ أجيك بحساب “
ثم استدار ومشى بخطوات ثابتة
ترك خلفه وجه مناصف شاحبًا ضحكتها المرتبكة تحاول أن تستعيد ما تبقى من كبريائها لكن الخوف قد تخللها
*****
سطّام يسير بخطى واثقة عباءته الجديدة تهف مع نسيم الصبح وسيفه يتدلى على خاصرته كأنه امتداد لجسده ..
على وجهه سكينة لم يألفها الناس فيه ارتخاء غريب كأن العرس أودع في قلبه طمأنينة ..
تجمع رفاقه حوله ضحكاتهم تتناثر كالرمل وسوالفهم مشحونة بالفخر والمزاح الخشن
عيني سطّام كانتا أبعد من كل هذا كانتا تراقبان سلمان..
الذي كان يمشي وحده وخطواته مسرعة كأنها تهرب من شيء يطارده من الخلف.. لم يلتفت و لم ينطق لكن جسده كان يغلي غلًا يمشي على قدمين…وما إن صعد ظهر فرسه ضربها بساقه فانطلقت بسرعة الريح
قهقه زياد ساخرًا ونظر إلى سطّام وقال:” وش به سلمان؟ كأنه شاف شي ما يعجبه “
ضحك البعض لكن سطّام لم يشاركهم الضحك..
التفت وركب فرسه وانطلق خلف سلمان.. يعلم انه انشغل عنه بالعرس
حين شعر سلمان بأحد يلحقه .. أوقف فرسه واستدار ينتظر
اقترب سطّام حتى صار بمحاذاته دون أن ينزل وسأل بصوت هادئ:” علامك؟ “
تحرك سلمان بفرسه يشد على اللجام وقال دون أن ينظر إليه:” ابد “
سطّام ونبرته تزداد حزمًا:” تكلم أنا أدري إن بك علة إن كانها بسبب قصيدة هذاك الهامل والله لأطلعه من تحت الأرض واقص لسانه “
هز سلمان رأسه ثم قال بصوت بارد :” مثل ما قال الشيخ الاسم اللي انذكر ما عاد له وجود “
نزل سطّام عن فرسه اقترب أكثر وعيناه تغوصان في عين سلمان: ” وأنا ابي أفهم اللي صار “
أطرق سلمان لحظة ثم رفع رأسه وقال:” حمدان كان بالعرس بين الحضور ولا أدري وش كان ناوي عليه لكني لمحته طاردته وتبارزنا ما قام يشعر إلا من حر الهزيمة “
صمت سطّام ناظر سلمان نظرة ما بين التفهم والحزم ثم قال بصوت واثق ممتن :” ظهري انت وعزّ الله ما خاب ظنى بس علمنى وش ودك ؟”
شد سلمان على لجام فرسه نظر قدامه ما التفت:” ماابي شي بس أمي ما يقربها الأذى “
اقترب سطّام خطوة ربت على صدره بكف ثابت وقال:” أمك بوجهي ولو قرب لها احد ما تقوم له قايمة “
*****
مساءً ..
مد سطّام يده يشد على يد البتول بخفة وهمس بصوته العميق:” الليلة قمرا وحنا عرسان النوم مب لنا “
ضحكت البتول ضحكة خجولة ناعمة ورفعت طرف عباءتها بخفة خطواتها خلفه موزونة لا تلهث ولا تتعجل وسألت :” وين ماخذني بهالساعة؟ “
كان سطّام قد ركب الفرس التفت ومد كفه نحوها :” مكان غالي علي وودي يصير غالي عليك “
ركبت خلفه ببطء ولفت يديها حول وسطه وأسندت رأسها على ظهره كانها تستودعه نبضها وتستكين لصوته
مشت الفرس على مهل تمر بين البيوت والليل يفتح لهما طريقًا من نور القمر حتى ابتعدا عن الديار وصعدا في درب ترابي ضيق لا يصله إلا من يعرفه.. الهواء كان عليلًا تتمايل فيه رائحة الأعشاب البرية
حين وصلا كانت التلة تعلو فوق الديار .. المكان فسيح وفي طرفه صخرة عتيقة اعتاد سطّام أن يجلس عندها منذ كان صغيرًا..
نزل عن الفرس أولًا .. ثم التفت وساعدها على النزول ولم يفلت يدها شد عليها برقة تشبه الوعد
نظرت حولها صامتة تغمرها مشاعر لا تعبر عنها الكلمات تنظر إلى الديار التي تحتها كخرزات تتلألأ في ضوء الليل والسماء فوقها تبدو كحلم لا نهاية له
شد سطّام يدها وهمس بالقرب من أذنها:” ياكثر ما تمنيتك معي بهالمكان ولو قالو لي إن باقي بعمري ساعة وحده أختارها معك “
ارتجفت عيناها وابتسمت بخجل في عينيها لمعة حب مختلطة بخوف:” لا تتكلم كنك مودع ترا أخاف “
ضحك بسكون .. انزل لثامها برقة ولمس خدها برقة من طرف إصبعه وقال بصوت واثق وحنون:” أنا ما أودعك أنا أبتدي معك “
اخذ بيدها وأجلسها برفق بجانبه على الصخرة مد ظهره وسند كتفه
وفجأة شق الليل صوت ذئب بعيد..
تصلبت البتول للحظة .. ثم تمسكت بذراعه بسرعة وقالت بنبرة خافتة فيها نبرة أنثى تخفي خوفها خلف مزاح خفيف:” الله عليك يا سطّام جايبني حول الذيابة وأنا عروس؟”
ضحك سطّام ضحكة مطمئنة.. وضمها إليه شد ذراعه حولها وقال بصوت رجولي هادئ:” ذيابة؟ ما يطولك الأذى وأنتِ بحضني “
ارتكت على صدره تسمع دقات قلبه تتناغم مع نبض قلبها وهمست:” وش سميت هالمكان؟ “
رد وهو يشم شعرها بهدوء : ” ما سميته.”
سكت لحظة ثم أضاف بصوت منخفض يشبه الوعد:” بس من هالليلة صارت تلة البتول “
رفعت وجهها له دهشة خفيفة مرت في نظرتها ثم ابتسمت وقالت: ” صدق “
شد على حضنها وقرب جبينه منها وقال بثقة هادئة:” وش تبيني أسمي المكان اللي صرت أشوف الدنيا من فوقه وأنتِ جنبي؟”
ابتسمت بخجل رقيق وقالت وهي تهمس:” مدام سميتها باسمي خلها تظل لنا محد يعرف دربها غيرنا “
رد سطّام بنظرة طويلة ثم مد يده بلطف يلملم خصلة من شعرها تراقصها النسيم..
قبل جبينها قبلة صامتة عميقة..لا تحتاج إلى وعد ولا إلى كلام.. ثم ركن كلاهما إلى سكون ناعم لا يقطعه سوى خفق القلب
****
في هذة الليلة لم تنم مناصف..
جلست بجانب موقدها الصغير تتأمل احتراق عود الحطب تتمنى لو انه لسان سلمان يحترق أمام عينيها.. وجهها غائم كسماء قبل العاصفة وشرر الغضب يتلألأ في عينيها
كانت تنتظر.. تنتظر سقوط الفريسة
في بيت حورية كانت تجلس تترقب عودة سلمى التي حان موعدها
دخلت عليها مزنة كعاصفة وجهها شاحب وعينيها تملأهما الرهبة:” يا حورية س سلمان بالوادي لحاله متصاوب قالو طاح من فرسه ودمه سال “
كانت الكلمات خناجر اخترقت صدرها دفعتها قدماها للمسير دون وعي..
خرجت من البيت تسير بلا تفكير والخوف يسبقها في كل خطوة..
في جهة أخرى من الديار
وقف رجل غريب أمام جلوان قال بسرعة :” الحق سلمان بالوادي متصاوب وطاح من فرسه”
لم يسأل جلوان عن هويته لم ينتظر تفسيرًا..
قلبه سبق قدميه فانطلق نحو الوادي فـ سلمان عزيز عليه لا يحتمل فيه شك ولا تأخير
*
كان زياد يتجول بين البيوت كعادته حين لمح مزنة تخرج من بيت مناصف وتتجه إلى بيت حورية..
تابعها بعين صقر ورأسه يميل قليلاً وكأنه أدرك الامر .. رآها تعود أدراجها ثم رأى حورية تخرج مسرعة نحو الوادي فتبعها بصمت ..
وعندما مر فهيد من الجهة الأخرى ابتسم زياد ابتسامة ماكرة:” تعال معي نتمشى شكل الليلة ما فيها نوم”
ابتسم فهيد ببرود ووافق فقد كان بحاجة لمن يخفف عنه ثقل الليل..
سارا معًا ..
لكن عيني فهيد تعلقت بسلمى التي كانت تعود إلى بيتها بخطى ثقيلة رأسها منخفض لا تلتفت إليهم..
كأنها تجر قلبها خلفها
يشعر بها وقلبه يتمزق لكنه ظل صامتًا كما يفعل كل من لا يحسن البوح
***
في طرف الوادي…
وقفت حورية وحدها.. الليل يلفها والقمر منير.. تنادي وصوتها يرتد من الصخور كأنه يتهكم عليها:” سلمان ” القلق والخوف يعتصران صدرها..
فجأة سمعت وقع خطوات تقترب فالتفتت وإذا هو.. جلوان
وجهه معقود وعيناه مشتعلة بالقلق والشك ..
اقتربت منه وهي تبكي وانفجرت بصوت مختنق:” وينها؟! بنتي قالو لي مصاوبه ويييييينهااا؟!”
كان جلوان يبحث بعينيه في محيطها يفتش عن أي أثر:” جاني الخبر وفزعت وينه؟”
تجمدا للحظة..
لا شيء بينهما إلا خفقة القلب ورجفة الشك
كأن اليد الخفية التي قادتهما إلى هناك أرادت أن تضعهما أمام اختبار لا يحتمله الحياد
ثم… خرج صوت من خلف الصخور ..
زياد وفهيد
توقفا عند رؤيتهما .. كأنهما اصطدما بمشهد لا يريدان تصديقه..
فهيد عقد حاجبيه أما زياد ففتح فمه بدهشة مصطنعة كمن أصيب بصاعقة:” جلوان؟ حورية؟ هنا؟ بهالوقت سوا؟!”
وضع يده على صدره كأن قلبه انشطر ورفع حاجبيه تمثيلاً للخذلان:” لا حول ولا قوة إلا بالله” قالها بصوت جهوري
كمن يؤذّن للفضيحة
تقدم جلوان نحوه والغضب في عينيه يحاول أن يبقى عقلانيًا:” ماهو مثل ما تظن حنا جينا ندور سلمان قيل لنا إنه متصاوب “
قهقه زياد ضحكة ناعمة تحمل سماً أكثر من سخرية:” وينه؟ ما أشوف أحد وادي خالي وقمرا ما عليها غيم “
ثم التفت إلى فهيد وقال:” سلمان تونا شايفينه بالديار راجع للبيت “
وسكت
ذلك السكون بداية زرع خبيث.. شك ينثر بين الأرواح ببطء
أما فهيد فظل صامت
عيناه على الرمل يبحث عن أثر ينجيه من الفوضى أو عن حبل يمسكه ليمنع قلبه من السقوط..
الهواء في الوادي صار أثقل
والليل الذي كان شاهدًا بدأ يغلق ستائره على مشهد امتلأ فجأة بالظنون..
ومن أعلى من فوق تلة البتول..
كان سطّام والبتول يرقبان كل شيء بصمت
بدت لهم الأرض تحتهم كلوحة غامضة:حرمة تمشي نحو الوادي ثم رجل يلحقها ثم رجلان آخران يقتربان
ظلال تتحرك في ضوء القمر..مشهد لا يفهم يثير الريبة
قال سطّام بنبرة مشدودة وصوته يقطر حميّة:” بهالوقت؟ والحرمة لحالها؟ شي ما يطمن “
شدت البتول على ذراعه بلطف ونظرتها لم تغادر الأسفل:” لا تظن السوء وانت ما سمعت “
نظر إليها ثم عاد بعينيه إلى الوادي وقال بثقل:” هذي ديرتنا والسمعة ما تنغض الطرف عنها “
فردت البتول بصوت فيه لين ممزوج بقوة أنثى لا تسكت عن الحق:” ولا تنحكم عليها من بعيد “
رفع طراد فنجان القهوة بيده الثقيلة تأمله لحظة ثم قال بصوته الأجش :”وش رأيك في العرس يا ابو راكان ؟”
أجابه مناور بنبرة راضية :” ما أذكر ليل فرح القلب مثل البارح البتول تستاهل وسطّام قدها “
ضحك طراد ضحكة قصيرة ثم سكت لحظة وقال بصوت منخفض:” وأنا قلبي وده يفرح ما عاد فيه قوة يصبر”
لم يحتاج مناور الى سؤال يعرف تماماً من تسكن ذلك القلب المتردد.. فقال وهو ينظر الى وجه رفيق دربه:” انتظرت كثير يا طراد وحورية أرملة أخوك وانت أحق فيها من غيرك ما حد يلومك إنك تريدها ولا هي تجهل اللي فيك “
نظر طراد الى الأرض وصوتهانخفض :” هي ما قالت لا ولا قالت تعال كل ما لفيت ناحيتها لقيت ظهرها لي كأنها تبيني أفهم من سكوتها وأنا مليت أفهم نفسي بدل ما أسمع منها “
أطرق مناور لحظة ثم قال بحنق محب :” السكوت ما هو جواب يا طراد واللي يخاف يقول كلمته يضيعها ويضيع نفسه “
دخل سطّام في تلك اللحظة ..
خطواته هادئة وصوته مرتاح :” السلام عليكم “
مد مناور يده وصافحه بحرارة الأب قبل أن يكون اب زوجته وعيناه تمعنان في ملامحه التي بدا عليها الراحة والسعادة:” الله يهنيك يا ولدي “
ابتسم سطّام ومال قليلًا نحو مناور :” ويسعد قلبك يا عمي “
طراد بفرح وفخر:” سطّام يا ولدي ليلتك رفعت الراس “
التفت سطّام إليه ثم إلى مناور وقال بصدق:” أنا اللي راسي ارتفع يوم خطيت خطى الرجال وزوجتني كريمة القوم “
دخل زياد بخطى سريعة وقف أمام الشيخين وصوته يقطع صفو اللحظة:” عذرًا يا شيوخ لكن صارت سالفة تنتشر بين العرب “
رفع الشيخ طراد نظره إليه ببطء :” وش صاير؟”
تردد زياد لوهلة كأنما الكلمات عالقة في حلقه.. ثم قال:” قصيدة من حمدان “
تشنجت رقبة مناور وظهر عليه قلق خافت..
أما طراد فقد بقي ثابتًا في جلسته شبك أصابعه فوق ركبته وسأل :” عن وشو؟ قال شي في البتول؟”
أشار زياد برأسه نافيًا وعيناه لا تفارق الأرض:” لا قالها في سلمان “
خيم على المجلس صمت ثقيل…
تراجع طراد قليلًا إلى الوراء وعيناه تجمدتا على لهب النار المتراقص وقال بصوت لا استعجال فيه:” وش قال؟”
رفع زياد رأسه وقد بدا عليه التردد :” قال اسمها.. سلمى بصريح اللفظ”
لم تهتز ملامح طراد.. ظل يمسك فنجان القهوة وعيناه تراقبان النار…
أما مناور فقد أمال رأسه وفي صوته نبرة خيبة:” كلمة تطلع من فم شاعر طايش تجر وراها سوالف ما تنتهي “
رفع طراد فنجانه بهدوء وارتشف رشفة ثم قال بصوت بارد لا أثر فيه للغضب ولا للدهشة:” سلمان فارس من فرساننا والبنت اللي في الكلام ما عاد لها وجود اللي له عليه شيء يواجهه أما القصيد سكتوه ما أبي أسمع حرف ثاني عن هالسالفة “
ظل الصمت معلقاً .. حتى قطعه صوت سطّام الذي كان يجلس إلى يسار الشيخ متحدثًا الآن بخشونة رجل يكتم غيضه :” وسميت يا بوي لكن حمدان لو طاح بيدي ما يسلم “
نظر إليه مناور وفي عينيه تأييد لم يصرح به :” خله يواجه رجال لا ينبح من بعيد “
ابتسم سطّام ابتسامة خالية من أي بهجة وقال بصوت يشبه نذرًا:” بيجيه وقته والقصيد اللي قاله رح يكون سبب قطع رقبته “
أما طراد فلم يضف حرفًا.. كل ما فعله أنه أشار بيده نحو زياد إيماءة واثقة لا تخلو من الحسم وقال بنبرة مختومة:” يا زياد سد البيبان وخبر العرب اللي يتكلم عن هالسالفة بعد اليوم ما له مقام بيننا “
*****
عند مربط الخيل ..
الهواء يمر هادئًا ويحرك أطراف عباءة سلمان..
كان واقفًا بثبات يمسك العلف بيده اليسرى ويقربه من فرسه التي لا تقبل يد غير يده..
الفرس تأكل بهدوء.. وسلمان ينظر اليها كأنهما خلقا للعزلة معًا لكن العزلة لم تكن تامة.. فهيد… كان هناك..
واقف عند طرف المربط لا هو اقترب ولا عاد أدراجه كأن قدميه جذتا في الرمل .. وكأن صوته انحشر ما بين صدره ولسانه..
وأخيرًا افترب وقال بصوت مكسور من الداخل نطقها:” القصيدة اللي قالها حمدان صارت على لسان العرب كلهم “
سلمان لم يلتفت.. يده فقط شدت العلف أكثر.. سمع بالقصيدة بل ترددت عليه مرارًا من أفواه الركبان والرجال والنسوة حتى.. مرت لحظة ثم رفع وجهه ببطء..رمى باقي العلف على الرمل.. خطا خطوة ثم اخرى.. وحين مر بجانب فهيد .. توقف لحظة…
لم ينظر إليه وصوته خرج واضحًا كالسيف :” إذا سمعتها مرة ثانية تنقال والله لأقطع لسان قايلها.. وناقلها.. وسامعها “
مضى سلمان.. وتركه هناك
وحده
ظل فهيد واقف لا يدري كم مر من الوقت وقهر يلوك قلبه بلا رحمة
قصيدة حمدان.. انتزعت من صدره كأن حروفها كتبت بدمه هو..
أي حق له؟
أي جرأة جعلته يجاهر بشيء هو خبأه في قلبه لسنين؟
أي لسان لم يعرف الخوف قالها هكذا أمام الخلق وجعل من سلمى حكاية على أفواه العرب؟
هو.. فهيد
الذي رأى وصمت .. الذي أحب وسكت خوفًا أن تحرج أو تؤذى أو تفضح
نظر إلى المكان الذي اختفت فيه سلمى لا زال ظلها حياً في الرمل .. كأن الأرض تحفظ خطاها ولا تسلمها للنسيان
وفي داخله شيء كان يهمس:
“ألا إن سلمى قد رمتك بسهمها…
وكيف استباء القلب من لم يُنَاطِق؟”
أعاد البيت على نفسه…لكن بصوته ماهو بصوت حمدان
قاله ليصرخ .. صرخة مكتومة لا يسمعها سواه
نعم… رمتني
ولا أنا شكوت
ولا قلت: “آه”
ولا حتى قابلت السهم بسهم
“من لم يُنَاطق…”
هو الذي لم يجاهر ولم يبوح ولم يدنس حبه بكلمة
كان الحب عنده صمتًا طويلًا…
*****
في ظل الخيمة المهترئة المربوطة بأوتاد من سيوف صدئة قديمة
تمدد حمدان على بساط خشن يرتجف جسده بين دفء اللحاف وبرودة الجو صدره يرتفع وينخفض بصعوبة وعيناه نصف مغمضتين بين الشكوى وكبرياء يرفض الاستسلام ..
يده اليمنى ملفوفة بخرقة باهتة تخفي جرح غائر ممتد من الكف حتى منتصف الذراع .. شق مفتوح تتورم حوافه بحمرة قاتمة متوشحاً بخطوط زرقاء داكنة كخريطة الألم التي تعبث بعروقه..
كل حركة ترسل لهيب موجع إلى داخله والحمى تلفح جبينه فتكسوه بعرق بارد
قرب الجمر المشتعل ..
جلس رباع القرفصاء يقلب اللحم الذي تفوح منه رائحة العرس: ” أشوي لك لحيمات على شرف العريس اللي ما ذقت عشاه “
حمدان بصوت مخنوق بالألم والعتب دون أن يفتح عينيه:” إي بالله زين ذكرتني باللحم يكفي إنك سحبت علي وجلست تتهنى وأنا أركض وأحارب “
قهقه رباع وهو يقلب اللحم وتطاير الشرر من حوله
همس حمدان بصوت واهن وقد أثقل التعب نبرته :” كنت أظنها ضعيفة ما قدرت أبارزها بكل حيلي أنثى حتى لو لابسة عباءة رجال وهي حطت كل حيلها فيني وأنا ما كان في صدري حيل أرده “
أخذ رباع قطعة لحم من على الجمر نفخ عليها بخفة مدها لحمدان ثم قضم واحدة لنفسه وابتسم بسخرية وهو يتكلم وفمه شبه ممتلئ:” حمدان اللي يشق الهضاب بسيفه طلع قلبه مثل الشمع يذوب إذا حرمة وقفت قدامه لا تقول لي ما كان فيك صدر ترد صدرك هو أول من نزل السلاح “
ضحك حمدان ضحكة قصيرة متقطعة فيها من التعب بقدر ما فيها من الإقرار .. وهز رأسه بخفة يسخر من نفسه
وجلس بين نارين.. نار الحمى ونار الذكرى
****
في بيت الشيخة أم سطّام ..
كانت رائحة القهوة والعود تعبق في أرجاء الخيمة الكبيرة حيث تتوافد النسوة واحدة تلو الأخرى تدخل بهدوء وتسلّم على أم سطّام ثم تلقي السلام على البتول التي جلست في صدر الخيمة على سجادة موردة وأمامها طشت ماء ورد تغمس فيه يديها بين حين وآخر تعكس على وجهها إشراقة ناعمة كنسمة الصباح ..
كانت البتول تبتسم برقة والهنوف تجلس إلى جانبها بنظرات تفيض حنان
دخلت مناصف تمشي بثقة تجر ذيل عباءتها بخفة وأطلقت بصوت مرتفع يملأ المكان:” يا حيّ العروس يا حيّ زينة البنات صباح مباارك “
نهضت البتول لتحييها بهدوء ثم عادت إلى جلستها الرزينة ..
اقتربت الخادمات حاملة الصحون .. صحون اللحم المغطى بالرغفان وأكواب لبن الغنم وتمر مفروك بالسمن وسط ضحكات النسوة وحديثهن الدافئ ملأت الخيمة دفء الألفة..
قالت إحدى الكبيرات وهي ترمق البتول بنظرة دافئة:” ما شاء الله كأن ضو القمر نازل بيننا الله يتمم عليكم يا بنتي ويجعل دربك ستر ورضا “
ارتفعت همهمات الإعجاب وقالت الشيخة أم سطّام بحنان :” اميين البتول تربت في بيت رجال وتستاهل ولدنا سطّام “
ثم التفتت إلى الخادمات بوجه ودود:” لفن بالقهوة مرة ثانية.”
فانتشرت رائحة القهوة في أرجاء الخيمة وتبدل الجو إلى جلسة أنيقة تخللها غناء خفيف من بعض النساء وهمسات ملؤها الفرح والفضول ..
لكن وسط ذاك الانسجام مالت أم سطّام قليلًا إلى الهنوف وهمست:” وين حورية؟ ما شفناها مع النسوان اليوم “
رفعت الهنوف حاجبيها باستغراب وقالت:” ماادري والله حورية مايفوتها واجب “
صمتت أم سطّام لحظة ثم التفتت إلى إحدى الفتيات الجالسات وقالت:” يا ترفه قومي شوفي وينها حورية لا تكون تعبانة ولا زعلانة من شي “
في تلك اللحظة تحركت مناصف من مكانها ترتب عباءتها ببطء ثم وقفت وقالت بنبرة هادئة ظاهرها الاحترام وباطنها امتلأ سماً :” أنا أستأذن ما لي مقعد في مجلس بتدخله وحدة الله يستر عليها والناس شافو من يذكرها بالزاد ويوصله لبابها “
سقطت الجملة في الخيمة كسكين بارد لا دماء فيه .. وجوه بعض النسوة شحبت .. نظرت إليها نوفه نظرة جانبية فيها مزيج من الحذر والمتعة ثم لحقت بها دون كلمة
عينا أم سطّام ضاقتا ملامحها ما بين الدهشة والانزعاج .. التفتت ببطء إلى من حولها وقالت بصوت لم يخف فيه التوتر:” وش السالفة؟! من تقصد؟”
ساد تردد قصير ثم تجرأت صيتة التي لم تكن حاضرة ليلة البارحة لكنها لا تفوت حديثًا:” يقولون إن جلوان بعد العرس تذكر حورية وزين لها قدر زاد نظيف ووداه لباب بيتها “
لم تكد تنهي الجملة حتى قطعتها أم سطّام بحدة وهي تضرب كفها براحة يدها:” هالكلام ما ينقال في مجلسي لا همز ولا لمز واللي ما بيدها طيب تسكت “
ساد صمت ثقيل كأن الأصوات تراجعت خجلًا.. بعض النسوة طأطأن رؤوسهن وأخريات رمقن صيتة بنظرة صامتة تعاتب
ولم يطل ذلك الصمت إذ عادت ترفه تبعد طرف الستارة بخفة وهمست:” حورية جاية وراي “
تبدل الجو في لحظة كأن الخيمة حبست أنفاسها ارتفعت عيون وسقطت أخرى وجوه تزينت بابتسامات مصطنعة
دخلت حورية بخطا واثقة وابتسامة طيبة
سلمت على أم سطّام بهدوء ثم اقتربت من البتول قبلت خدها وقالت بنبرة دافئة:” مبروك الله يجعل بيتك عامر ويبارك لك في سطّام “
ابتسمت البتول بخجل وامتنان:” الله يبارك فيك يا خالتي “
جلست حورية وما إن فعلت حتى أحست بثقل الجو من حولها.. كانت تسمع الهمس وتقرأ الأسئلة في ارتجاف النظرات
ضحكة خافتة في الزاوية نظرة طويلة أكثر من اللازم من امرأة تجلس في أقصى الخيمة ولمزة بالكوع من اثنتين تظاهرتا بتعديل الطرحة..
ومع ذلك رفعت فنجان القهوة بأطراف أصابعها وشكرت الخادمة بابتسامة خفيفة ثم رمقت النار كمن تنصت لما لا يسمع
أما أم سطّام فكانت تراقبها طويلاً بصمت لا يخلو من التفكير…
*******
الليل سكن والهواء بارد ينفذ بخفة إلى الخيمة لكن الصمت فيها كان الأبرد..
في طرفها جلست حورية عند الموقد تعيد ترتيب الجمر البراد الصغير يغلي فوق النار الهادئة تنبعث منه رائحة الشاي
ثوبها الأسود ينسدل على جسدها المنهك وحركتها بطيئة
أما سلمى فكانت واقفة عند المدخل تنظر إلى الخارج بعينين ساكنتين ..
قالت حورية بصوت خافت دون أن ترفع رأسها:” قالو إن حمدان نطق باسمك في قصيدة ووصفك “
ردت سلمى دون أن تلتفت:” إيه وولا واحد من الرجاجيل رفع صوته “
صمتت حورية لحظة ثم قالت بمرارة:” لو إن اللي انقال فيها بنت مناور أو حتى خادمة في بيت الشيخ كان هبت الديرة كلها بس لأنك بنت صباح”
هنا فقط استدارت سلمى نحو أمها ونظرت إليها.. :” ما اريدهم يحموني بس عرفت قدري بهالديار “
حورية تربت على فخذها بحنو:” تعالي حطي راسك وأنا أمك وهالديرة كل ما لها تكتم على نفسنا “
اقتربت سلمى وجلست بصمت ثم أسندت رأسها على فخذ أمها كما تفعل طفلة تحتمي من العاصفة في حضن تعرفه أكثر من نفسها..
أنزلت حورية غطاء رأسها ومدت يدها إلى شعر ابنتها تمسده بخفة تصبر به قلباً وقلبين..
ظلت صامتة إلى أن تنهدت بهمسة مرتجفة:” سلمى “
ردت بصوت ناعس مبلل بالدفء:” لبيه “
صمتت حورية لحظة كانت النار أمامها تخفت لكنها في صدرها توقدت.. ثم قالت :” في شي ودي أقولك من كم يوم بس خوفي منك أكبر من خوفي عليه “
رفعت سلمى عينيها إليها ملامحها مشدودة تتحسس الخطر في نبرة أمها :” وش صاير؟ منهو عليه؟”
بلعت حورية ريقها وانخفض صوتها :” مناصف “
لم تقل سلمى شيئًا… لكن النار اشتعلت في عينيها ..
تابعت حورية وهي تغرز عينيها في الجمر تبحث فيه عن شجاعة:” تمر علي تلمح وتلمز صارت تقول إن فيه شي بيني وبين جلوان ولد الحكيم والناس ما ترحم وأنا بديت أخاف مناصف ما تخاف الله “
قفزت سلمى واقفة يدها تشد عباءتها بغضب :” والله لا أروح لها الحين وأوريها مقامها “
أخذت تبحث عن نعلها ثم رفعت الغطاء على رأسها بعصبية لكن حورية نهضت بسرعة أمسكت يدها برجاء يشبه الاستغاثة:” تكفين يا بنتي لا أنا اللي تحملتها وأنا اللي بصدها لا تخلينها تجرك لميدانها ميدانها الغمز وانتي ميدانك الجهر “
توقفت سلمى لحظة يدها ترتجف لكن الغضب أقوى من التردد.. حاولت أن تفلت يدها لكن نظرة أمها كانت أقسى من القبضة ..
قالت حورية بحزم هادئ:” اجلسي ونامي خذيها مني هالمرة بس علشاني أنا ما قلت لك إلا أبي شورك ونحلها بعقل “
ببطء جلست سلمى لم تهدأ كانت كالنار التي خفت لهيبها ولم تنطفئ
وعادت حورية إلى جلستها وسحبت رأس ابنتها إلى فخذها.. راحت تمسد شعرها بيدها الهادئة
طال الليل وخفت صوت النار لكن ما اشتعل في قلب سلمى لم ينطفئ.. بات ينتظر الفجر
****
في وضح الصبح والنسيم يتسلل بين أوتاد الخيام كانت مناصف واقفة عند باب خيمتها رفعت ذقنها وقالت بنبرة متعالية دون أن تلتفت للخادمة التي وقفت تنتظر أمرها:” روحي لنوفه قولي لها تتبعني لبيت الشيخة أم سطّام “
ثم أضافت بسخرية و احتقارها لزوج نوفه:” بس مقابلة رويشد ذاك الي لا يهشّ ولا ينشّ “
لم تكمل سخريتها إذ أحست بظل طويل يغمرها من الخلف واقترب منها بصمت ثقيل كأنه وقع نذير .. تجمدت يدها على طرف العباءة والتفتت ببطء لتجد أمامها سلمان..
كان واقفًا بثبات وسوطه بيده .. لم يقل شيئًا في البدء ثم قال بصوت هادئ محذر:”وش تبين من أمي؟”
رفت مناصف رمشها حاولت أن تخفي خوفها بابتسامة متهكمة:” أنا؟ أبد ماابي إلا كل خير”
قاطعها وهو يثبت نظره في عينيها بقوة :” الخير ما يجي مع اللمز “
ضحكت بوقاحة تقول:” الخير صار نادر وأسماء البنات صارت تتغنى في قصايد الرجاجيل “
سكت سلمان ونظرته تثبتت فيها لحظة ثم قال ببطء حازم :” هالمرة أنا جيتك بكلمة المرة الجاية؟ أجيك بحساب “
ثم استدار ومشى بخطوات ثابتة
ترك خلفه وجه مناصف شاحبًا ضحكتها المرتبكة تحاول أن تستعيد ما تبقى من كبريائها لكن الخوف قد تخللها
*****
سطّام يسير بخطى واثقة عباءته الجديدة تهف مع نسيم الصبح وسيفه يتدلى على خاصرته كأنه امتداد لجسده ..
على وجهه سكينة لم يألفها الناس فيه ارتخاء غريب كأن العرس أودع في قلبه طمأنينة ..
تجمع رفاقه حوله ضحكاتهم تتناثر كالرمل وسوالفهم مشحونة بالفخر والمزاح الخشن
عيني سطّام كانتا أبعد من كل هذا كانتا تراقبان سلمان..
الذي كان يمشي وحده وخطواته مسرعة كأنها تهرب من شيء يطارده من الخلف.. لم يلتفت و لم ينطق لكن جسده كان يغلي غلًا يمشي على قدمين…وما إن صعد ظهر فرسه ضربها بساقه فانطلقت بسرعة الريح
قهقه زياد ساخرًا ونظر إلى سطّام وقال:” وش به سلمان؟ كأنه شاف شي ما يعجبه “
ضحك البعض لكن سطّام لم يشاركهم الضحك..
التفت وركب فرسه وانطلق خلف سلمان.. يعلم انه انشغل عنه بالعرس
حين شعر سلمان بأحد يلحقه .. أوقف فرسه واستدار ينتظر
اقترب سطّام حتى صار بمحاذاته دون أن ينزل وسأل بصوت هادئ:” علامك؟ “
تحرك سلمان بفرسه يشد على اللجام وقال دون أن ينظر إليه:” ابد “
سطّام ونبرته تزداد حزمًا:” تكلم أنا أدري إن بك علة إن كانها بسبب قصيدة هذاك الهامل والله لأطلعه من تحت الأرض واقص لسانه “
هز سلمان رأسه ثم قال بصوت بارد :” مثل ما قال الشيخ الاسم اللي انذكر ما عاد له وجود “
نزل سطّام عن فرسه اقترب أكثر وعيناه تغوصان في عين سلمان: ” وأنا ابي أفهم اللي صار “
أطرق سلمان لحظة ثم رفع رأسه وقال:” حمدان كان بالعرس بين الحضور ولا أدري وش كان ناوي عليه لكني لمحته طاردته وتبارزنا ما قام يشعر إلا من حر الهزيمة “
صمت سطّام ناظر سلمان نظرة ما بين التفهم والحزم ثم قال بصوت واثق ممتن :” ظهري انت وعزّ الله ما خاب ظنى بس علمنى وش ودك ؟”
شد سلمان على لجام فرسه نظر قدامه ما التفت:” ماابي شي بس أمي ما يقربها الأذى “
اقترب سطّام خطوة ربت على صدره بكف ثابت وقال:” أمك بوجهي ولو قرب لها احد ما تقوم له قايمة “
*****
مساءً ..
مد سطّام يده يشد على يد البتول بخفة وهمس بصوته العميق:” الليلة قمرا وحنا عرسان النوم مب لنا “
ضحكت البتول ضحكة خجولة ناعمة ورفعت طرف عباءتها بخفة خطواتها خلفه موزونة لا تلهث ولا تتعجل وسألت :” وين ماخذني بهالساعة؟ “
كان سطّام قد ركب الفرس التفت ومد كفه نحوها :” مكان غالي علي وودي يصير غالي عليك “
ركبت خلفه ببطء ولفت يديها حول وسطه وأسندت رأسها على ظهره كانها تستودعه نبضها وتستكين لصوته
مشت الفرس على مهل تمر بين البيوت والليل يفتح لهما طريقًا من نور القمر حتى ابتعدا عن الديار وصعدا في درب ترابي ضيق لا يصله إلا من يعرفه.. الهواء كان عليلًا تتمايل فيه رائحة الأعشاب البرية
حين وصلا كانت التلة تعلو فوق الديار .. المكان فسيح وفي طرفه صخرة عتيقة اعتاد سطّام أن يجلس عندها منذ كان صغيرًا..
نزل عن الفرس أولًا .. ثم التفت وساعدها على النزول ولم يفلت يدها شد عليها برقة تشبه الوعد
نظرت حولها صامتة تغمرها مشاعر لا تعبر عنها الكلمات تنظر إلى الديار التي تحتها كخرزات تتلألأ في ضوء الليل والسماء فوقها تبدو كحلم لا نهاية له
شد سطّام يدها وهمس بالقرب من أذنها:” ياكثر ما تمنيتك معي بهالمكان ولو قالو لي إن باقي بعمري ساعة وحده أختارها معك “
ارتجفت عيناها وابتسمت بخجل في عينيها لمعة حب مختلطة بخوف:” لا تتكلم كنك مودع ترا أخاف “
ضحك بسكون .. انزل لثامها برقة ولمس خدها برقة من طرف إصبعه وقال بصوت واثق وحنون:” أنا ما أودعك أنا أبتدي معك “
اخذ بيدها وأجلسها برفق بجانبه على الصخرة مد ظهره وسند كتفه
وفجأة شق الليل صوت ذئب بعيد..
تصلبت البتول للحظة .. ثم تمسكت بذراعه بسرعة وقالت بنبرة خافتة فيها نبرة أنثى تخفي خوفها خلف مزاح خفيف:” الله عليك يا سطّام جايبني حول الذيابة وأنا عروس؟”
ضحك سطّام ضحكة مطمئنة.. وضمها إليه شد ذراعه حولها وقال بصوت رجولي هادئ:” ذيابة؟ ما يطولك الأذى وأنتِ بحضني “
ارتكت على صدره تسمع دقات قلبه تتناغم مع نبض قلبها وهمست:” وش سميت هالمكان؟ “
رد وهو يشم شعرها بهدوء : ” ما سميته.”
سكت لحظة ثم أضاف بصوت منخفض يشبه الوعد:” بس من هالليلة صارت تلة البتول “
رفعت وجهها له دهشة خفيفة مرت في نظرتها ثم ابتسمت وقالت: ” صدق “
شد على حضنها وقرب جبينه منها وقال بثقة هادئة:” وش تبيني أسمي المكان اللي صرت أشوف الدنيا من فوقه وأنتِ جنبي؟”
ابتسمت بخجل رقيق وقالت وهي تهمس:” مدام سميتها باسمي خلها تظل لنا محد يعرف دربها غيرنا “
رد سطّام بنظرة طويلة ثم مد يده بلطف يلملم خصلة من شعرها تراقصها النسيم..
قبل جبينها قبلة صامتة عميقة..لا تحتاج إلى وعد ولا إلى كلام.. ثم ركن كلاهما إلى سكون ناعم لا يقطعه سوى خفق القلب
****
في هذة الليلة لم تنم مناصف..
جلست بجانب موقدها الصغير تتأمل احتراق عود الحطب تتمنى لو انه لسان سلمان يحترق أمام عينيها.. وجهها غائم كسماء قبل العاصفة وشرر الغضب يتلألأ في عينيها
كانت تنتظر.. تنتظر سقوط الفريسة
في بيت حورية كانت تجلس تترقب عودة سلمى التي حان موعدها
دخلت عليها مزنة كعاصفة وجهها شاحب وعينيها تملأهما الرهبة:” يا حورية س سلمان بالوادي لحاله متصاوب قالو طاح من فرسه ودمه سال “
كانت الكلمات خناجر اخترقت صدرها دفعتها قدماها للمسير دون وعي..
خرجت من البيت تسير بلا تفكير والخوف يسبقها في كل خطوة..
في جهة أخرى من الديار
وقف رجل غريب أمام جلوان قال بسرعة :” الحق سلمان بالوادي متصاوب وطاح من فرسه”
لم يسأل جلوان عن هويته لم ينتظر تفسيرًا..
قلبه سبق قدميه فانطلق نحو الوادي فـ سلمان عزيز عليه لا يحتمل فيه شك ولا تأخير
*
كان زياد يتجول بين البيوت كعادته حين لمح مزنة تخرج من بيت مناصف وتتجه إلى بيت حورية..
تابعها بعين صقر ورأسه يميل قليلاً وكأنه أدرك الامر .. رآها تعود أدراجها ثم رأى حورية تخرج مسرعة نحو الوادي فتبعها بصمت ..
وعندما مر فهيد من الجهة الأخرى ابتسم زياد ابتسامة ماكرة:” تعال معي نتمشى شكل الليلة ما فيها نوم”
ابتسم فهيد ببرود ووافق فقد كان بحاجة لمن يخفف عنه ثقل الليل..
سارا معًا ..
لكن عيني فهيد تعلقت بسلمى التي كانت تعود إلى بيتها بخطى ثقيلة رأسها منخفض لا تلتفت إليهم..
كأنها تجر قلبها خلفها
يشعر بها وقلبه يتمزق لكنه ظل صامتًا كما يفعل كل من لا يحسن البوح
***
في طرف الوادي…
وقفت حورية وحدها.. الليل يلفها والقمر منير.. تنادي وصوتها يرتد من الصخور كأنه يتهكم عليها:” سلمان ” القلق والخوف يعتصران صدرها..
فجأة سمعت وقع خطوات تقترب فالتفتت وإذا هو.. جلوان
وجهه معقود وعيناه مشتعلة بالقلق والشك ..
اقتربت منه وهي تبكي وانفجرت بصوت مختنق:” وينها؟! بنتي قالو لي مصاوبه ويييييينهااا؟!”
كان جلوان يبحث بعينيه في محيطها يفتش عن أي أثر:” جاني الخبر وفزعت وينه؟”
تجمدا للحظة..
لا شيء بينهما إلا خفقة القلب ورجفة الشك
كأن اليد الخفية التي قادتهما إلى هناك أرادت أن تضعهما أمام اختبار لا يحتمله الحياد
ثم… خرج صوت من خلف الصخور ..
زياد وفهيد
توقفا عند رؤيتهما .. كأنهما اصطدما بمشهد لا يريدان تصديقه..
فهيد عقد حاجبيه أما زياد ففتح فمه بدهشة مصطنعة كمن أصيب بصاعقة:” جلوان؟ حورية؟ هنا؟ بهالوقت سوا؟!”
وضع يده على صدره كأن قلبه انشطر ورفع حاجبيه تمثيلاً للخذلان:” لا حول ولا قوة إلا بالله” قالها بصوت جهوري
كمن يؤذّن للفضيحة
تقدم جلوان نحوه والغضب في عينيه يحاول أن يبقى عقلانيًا:” ماهو مثل ما تظن حنا جينا ندور سلمان قيل لنا إنه متصاوب “
قهقه زياد ضحكة ناعمة تحمل سماً أكثر من سخرية:” وينه؟ ما أشوف أحد وادي خالي وقمرا ما عليها غيم “
ثم التفت إلى فهيد وقال:” سلمان تونا شايفينه بالديار راجع للبيت “
وسكت
ذلك السكون بداية زرع خبيث.. شك ينثر بين الأرواح ببطء
أما فهيد فظل صامت
عيناه على الرمل يبحث عن أثر ينجيه من الفوضى أو عن حبل يمسكه ليمنع قلبه من السقوط..
الهواء في الوادي صار أثقل
والليل الذي كان شاهدًا بدأ يغلق ستائره على مشهد امتلأ فجأة بالظنون..
ومن أعلى من فوق تلة البتول..
كان سطّام والبتول يرقبان كل شيء بصمت
بدت لهم الأرض تحتهم كلوحة غامضة:حرمة تمشي نحو الوادي ثم رجل يلحقها ثم رجلان آخران يقتربان
ظلال تتحرك في ضوء القمر..مشهد لا يفهم يثير الريبة
قال سطّام بنبرة مشدودة وصوته يقطر حميّة:” بهالوقت؟ والحرمة لحالها؟ شي ما يطمن “
شدت البتول على ذراعه بلطف ونظرتها لم تغادر الأسفل:” لا تظن السوء وانت ما سمعت “
نظر إليها ثم عاد بعينيه إلى الوادي وقال بثقل:” هذي ديرتنا والسمعة ما تنغض الطرف عنها “
فردت البتول بصوت فيه لين ممزوج بقوة أنثى لا تسكت عن الحق:” ولا تنحكم عليها من بعيد “


