Uncategorized
رواية هاجس مذاقه حلو الفصل الستون 60 بقلم بسملة محمد

رواية هاجس مذاقه حلو الفصل الستون 60 بقلم بسملة محمد
عندما تُسأل عن العدالة قُل..مات الفاروق!
مات عمر العادل..خليفة المسلمين..
الذي يأكل أقل منهم، وينام أسفل الشچرة،
ويأخذه مثله مثل باقية المسلمين الذي كان خليفتهم!
العادل مات..لكن يبقى الله حيًا لا يموت!
تُظلمنا الحياة ويُنصفنا الله..
لا إنسان منصف بل جبر من الله تعالى.
عدلٌ..صبرت وتألمت..واحتسبت، ونُصفت!
هُنا أو في الآخرة الباقية.
يأتي العدل يأتي لا محالة!
مثله مثل الموت الآتي..
لا محالة!
وكلمة رعب كانت قليلة على موقفها، موقف يشيب الأبدان، تنتظر الحكم على مغتصب براءتها، وحياتها كإنها تنتظر الموت لها!
“ينهاري عليا وعلى أيامي، يابنتي كفاية عياط بقا قطعتي قلبي.”
قالت جملتها ساجية التي لم تخرجها من أحضانها لحظة واحدة، تربت على وشاحها، ظهرها، تجفف دموعها، تعاملها كإنها ابنة لها وهذا مصابها!
“شوفتي كان المحامي القذر بيقول إيه جوا؟ شوفتي الكذب والافترا؟ يارب أنا مش مسمحاهم يارب وإن شاء الله نقف نفس الوقفة بس قدام ربنا إللي مش بيظلم وشاهد ومطلع على كل حاجة.”
تبكي بحرقة، حرقة لم تعرف عنها شيء سوى بسبب ذلك المغتصب الحقير، نحيبها عالٍ يقطع النياط!
وعمر كان يجلس على جهتها الثانية يمسح على ذراعها وقلبه متمكن منه الغضب بعد حديث المحامي الحقير هذا، صائح عليها بعصبية”وإنتِ مستنية إيه من محامي قبل إنه يدافع عن واحد *******زي دا! ماهو طبيعي واخد فلوس قد كدا عشان يخرجه براءة ويقول الكلام دا! إنتِ بتعيطي ليه مش سامعة كلام المتر عبدالرحمن ويحيى؟؟”
_يابني براحة عليها دي مقهورة من إللي سمعته، ماهو صعب بردو اتنين محاميين يبقا بيتكلموا عليها والناس قاعدة ومستنين يشوفوا هيحصل إيه.
_لاء متعيطش وتقعد كدا، دول المفروض تفرح إنهم واقفين مذلولين في القفص زي الكلاب ومرعوبين.
معه كل الحق هي مهما كان الحكم يجب أن تفرح..رأتهما مذلولين ويبكيان! لكنها سألت بتيه”طب هو هيجيله إعدام ولا لاء؟”
وانتهت وهي تسأل يحيى باحثة بعيونها عن والده”فين عمو عبدالرحمن؟ هو مش موجود ليه! هو مشي؟”
_مشي إيه بس؟ أنا أبويا معتبر المحكمة بيته التاني فبيلف فيها ويروح يسلم على المحامي دا والقاضي دا ويقعد مع وكيل النيابة دا.
_طب هو قال إنه ممكن يجيله إعدام صح؟
“بصي يانور، مش شرط إعدام، في مؤبد المؤبد دا بيقضي كل حياته في السجن، والقضية إن شاء الله يا إعدام يامؤبد، والبت سماح دي كام سنة حلوين هتاخدهم.”
أجابها بهدوء، وهي حركت رأسها وهي تردد بحرقة”لاء أنا عايزة الاتنين ياخدوا إعدام.”
أغمضت نيار عيونها بإنهاكٍ، هي الأخرى دموعها لم تجف على حبيبة عمرها ابنتها الكبرى، وحاولت أن تقنعها حتى لا تنصدم بعد الحكم_:
_ياحبيبتي المؤبد دا عذاب، تخيلي تعيشي كل عمرك في السجن؟ معاملة زفت وأكل وشرب زفت وكل حاجة زفت وشبابك يضيع، ولا سماح دي حتى لو خدت تلت سنين ولا أربعة فبقا اسمها رد سجون.
“لاء بس حرام! حرام أنا حياتي تدمر وهما ميتعدموش.”
_السجن لوحده دمار يانور، إنتِ متعرفيش تحت بيحصل إيه..وخصوصًا لو بنت.
قالت كلماتها نيار وهي تضغط بحروفها على وجعها، تعلم ذلك الشعور المرعب، وعايشته لأيامٍ عديدة.
نظر لها يحيى بطرف عيونه بوجعٍ عليها، فهم المغزى من حديثها وعرف شعورها، لكنه انتبه على الحديث الذي صدح من حوله”وقت الحكم….”
“———“
تحبس حالها في غرفة أختها حسناء عندما يأتي والدها ليقضي يومه مع زوجته الثالثة، لا تحب أن تخرج تأكل معه لقمة حتى، أو تراه صدفة ويراها، تكرهه ولا تريد رؤية وجهه.
لكن زوجة والدها تلح وتلح وهي تحاول إقناعها بالخروج إليه!”يابنتي اخرجي بقا عيب كدا دا أبوكي، اخرجي كلي معاه دا ندمان.”
_لاء مش أبويا، دا متبري مني من زمان.
عندت هي الأخرى وظلت تحتضن نفسها مصممة على عدم الخروج، وهي شدتها من يديها مع كلماتها قليلة الحيلة”يابنتي اخرجي بقا متوجعيش قلبي.”
“لاء قلبي أنا يتوجع وأخرج أقعد معاه حـــاضر.”
قالت كلماتها وهي تنهض تخرج للخارج بعصبية، خرجت لتجده يجلس على الأرض حول الطعام، جلست هي الأخرى أمامه متجنبة النظر له محاولة السيطرة على عصبيتها ودموعها.
جلست زوجة والدها بجانبها هي ووالدها، ووالدها نظر لجسدها التي لا تخفيه الجلبية أم نصف ذراع، وشعرها المدمر المهرجل، طال تحديقه فيها وهي لم ترفع رأسها أو عيونها فيه لكن كانت تشعر بعيونه التي تخترقها، لتردد بصوتٍ مقهور شبه ساخر_:
_جسمي يقرف..البركة فيكم.
“وإحنا عملنا ليكي إيه؟ هو إحنا إللي جوزناكي الراجل دا؟ ولا إحنا كنا نعرفه أصلًا!”
سألها بعصبية بعدما ألقى الخبز على الطعام، فاض به الكيل منها ومن رميها للوم عليهم، رفعت عيونها به وهي تضع يدها على صدرها مع كلماتها المتألمة بتقطع_:
_عملتوا يابا! إنت وأمي وإخواتي الرجالة عملتوا كتير أوي، معلمتونيش، منورتوش عقلي، وبتعملوا كدا مع أختي الصغيرة، كإن مكتوب علينا إحنا الشقا! لكن بقيت إخواتي أمهتهم صمموا يعلموهم، جوزتوني لواحد كبير أوي، جوزتوني لواحد عيشني أسود يوم في حياتي بدل ما يبقا أجمل يوم في حياة البنت! ليلة فرحها اتحولت لخوف ورعب وهي طفلة، ومهما اتصلت أشتكي ليكم محدش بيسأل فيا، قعدت أعيطلك في التلافون وأقولك يابا إسماعيل نزلني أخدم العمارة، يابا إسماعيل ضربني بعد أسبوع ونص جواز، قولتلي يعني إيه ضربك ما كل الرجالة بيضربوا مرتاتهم، خليتوني أخاف اتحامى فيكم لما الكلب سامح بدأ ينهش فيا، خلتوني اتحوج للغريب، ولما إسماعيل جابني مجرجرني هنا موتوني ضرب، حبستوني يابا زيي زي البهايم، وأما خدني الغريب وطلقوني النطع خالد جه جوزني من سامح وأنا بعيط وبقوله هيقتلني ويدمرني! لاء متقولش إنكم معملتوش يابا عشان كان على الأقل هعرف اتحامى فيكم!
انهمرت دموعها على وجهها بغزارة، لتزيلها بقساوة وهي تخبره بصوتٍ كاره باكٍ”أنا رجعت البيت دا مجبورة، والله العظيم مجبورة عشان أطلق بس، رجعت وأنا خايفة منكم ومن قسوتكم عليا، ومع أقرب فرصة والله هبعد هبعد أوي عن هنا، هشوف أي حتة إن شالله الشارع، بس مش هعيش معاكم عمري كله مقهورة، أنا يابا ليا وصية واحدة بس والله العظيم لو موتت محدش يحضر جنازتي ولا تنزلوا دمعة عليا، قولوا كلبة وراحت في داهية.”
نهضت بعد جملتها وهي تدخل للغرفة مغلقة الباب خلفها بهدوء شديد، أغلقته بالقفل من الداخل وجلست على الفراش، تتذكر كل ما مرت به، وكل رجل تعاملت معه!
إسماعيل..
سامح..
يحيى..
زياد..
جميعهم شعرت معهم بمشاعر، مشاعر متناقضة تمامًا تجاه كل واحدٍ منهم، لكن بالنهاية هي طلبت الزواج من الشيخ عبدالرحمن! رَجُل يكبرها بـثلاث عقود ونصف!
رجل لم تشعر معه إلا بكل مشاعر الأبوة الخالصة المحرومة منها! تراه يعامل ابنته على إنها أميرة، لا يبخل عليها ولا على ابنتها بأي شيء، أبوته تفيض على الجميع..أرادت أن تفيض عليها هي الأخرى..ألا يحق!
كيف يعاملها كأب وهو رجل غريب عنها لا يحل له لمسها! هي فقط أرادت أن ترتمي في أحضانه وتشتكي له من ظلم الجميع لها! تحكي لوالدها عما يتعبها ويؤلمها!
لكنه رفض! ومعه كل الحق.. أنانية منها أن تتمنى شعور واحد جميل، أنانية منها أن تفكر في نفسها لمرة واحدة! أنانية منها إنها تريده أن يكون أبًا لها! أبًا لها فقط ليس أكثر! لا تريد إلا تمسيده من يده الحنونة على رأسها ويد تجفف دموعها! فقط والله ليس أكثر!
“عمو عبدالرحمن..اتجوزني، اتجوزني وخدني أعيش معاكم وأكون مراتك.”
جملة صادمة خرجت من بين شفتيها لتصدم الجميع وأولهم عبدالرحمن!
لكن لم يستوعب أحد إلا على ضربة أم عبدالله لها على رأسها مع نهرها لها الحاد”إيه قلة الأدب دي يابت! إنتِ اتجننتي؟؟ دا قد أبوكي يخربيتك اخرسي.”
_فيروز إنتِ خلاص اتجننتي! إنتِ بتقولي إيه؟؟
صاح عليها أخوها بعصبية، لكن هي لم تهتم بهما وسقطت دموعها وهي تتوسل عبدالرحمن المصدوم”عشان ربنا ياعمو اتجوزني واحميني من سامح وأهلي، أنا مش عايزة حاجة غير إنك تحميني وتاخدني من هنا وبس.”
رأى انهيارها وغضب أهلها ليتمالك صدمته متحدث بصوت جاد”اهدي بس وصلي على النبي يابنتي، جواز إيه بس! دا أنا قد جدو مش قد بابا حتى!”
نفت برأسها سريعًا وهي تقترب منه تجلس على ركبتيها وهي تخبره بشبه هستيريا وسرعة فائقة في الحديث_:
_مش جواز فعلًا ياعمو، والله ما عايزة منك حاجة، أنا هعيش خدامة عندك إنت وطنط ساجية، ومش هفتح بوقي بكلمة والله، أنا بس عايزة تحميني من سامح، أنا كنت في حمايتك وعمارتك وحماية ابنك يحيى بس معرفش يحميني عشان مفيش حاجة ربطاني بيه، لكن أما أكون مراتك وإنت حد أكبر من سامح كمان هيخاف، أنا عارفة إنه هيرجعني غصب عني والله.
تراجع في جلسته بعيد عنها، وتحدث بصوت جاد متفهم”بصي يافيروز، مفيش حاجة اسمها تشتغلي خدامة ليا أو لمراتي، الجواز دا حاجة كبيرة أوي، وأنا قد والدك ومش هقبل إن بنتي تتجوز واحد قديي…”
قاطعته وهي تبكي بحرقة تتوسله بكلماتها”ما دا مش جواز بجد، أنا عايزة أعيش بس مرتاحة من غير خوف، وأنا عارفة إنك محترم وشيخ وكويس.”
_فيروز خلاص اسكتي، إنتِ بنت صغيرة، وألف حد يتمناكي، وأنا هجوزك لواحد أحسن مني مليون مرة، بس أنا بحب مراتي ومستحيل اتجوز عليها ولا أكتب على اسمي أي حد غير ساجية، مينفعش أجرحها، ولا أجرحك.
أكملت نحيبها وهي تردد بتحسر”ياعمو أهلي هيجوزوني بعد عدتي لو سامح مردنيش، وكمان ممكن نتجوز في السر ومحدش يكون عارف نهائي حتى يحيى.”
“إنتِ جرالك إيه يابت؟ يخربيتك دا إنتِ كنتي هتموتي نفسك عشان هتتجوزي إسماعيل إللي في أول الأربعين!”
صاح أخوها بعصبية وهو يبعدها عنه، وعبدالرحمن أوقفه وهو يتحدث بسعة صدر”سيبها يا عبدالله فيروز نفسيتها تعبانة وأنا فاهمها، بصي يافيروز أنا فهمتك، إنتِ عايزة زوج يتقي الله فيكي ويحميكي ويكون أقوى من سامح، أنا يابنتي زي أبوكي وصعبانة عليا بس دا مش علاج مشكلتك..”
أغمضت عيونها بقوة وهي تستوعب حديثه، وهو أكمل بصوت هادئ عقلاني
“مفيش راجل ولا جواز، ولا حتى صاحب بيعالج يابنتي، عالجي نفسك بنفسك إنتِ أحن عليها من أي حد، إنتِ عارفة جروحك ومكان وجعك.”
بدأت ترجع لعقلها بالفعل، واعتدلت وهي تجلس بعيد عنهم نسبيًا، استوعبت كارثتها! وهمست بعد عدة دقائق من الصمت بصوتٍ مبحوح”أنا آسفة، مكنتش أقصد والله، أنا آسفة ياعمو أنا بس مشاعري نحيتك زي أبويا، بشوف يعني معاملتك لروح وكدا، أنا آسفة.”
“أنا فاهم والله، أنا عارف إنك مجروحة.”
_محدش عارف حاجة، محدش فاهم حاجة، ولا أنا عارفة ولا فاهمة حاجة، أنا بس نفسي..نفسي أحس إني بني آدمة مش أكتر.
قالت كلماتها ودموعها تهبط ببطء وهي تحدق أمامها بشرودٍ، وبعد جملتها نهضت من أمامهم تدخل للغرفة مع همسها”أنا آسفة، حقكم عليا.”
لحقت بها نيار في الحال، وعبدالرحمن تحدث لعبدالله وأمه بهدوء محرك يديه ببساطة”اهدوا عليها البنت مقهورة، ماهو أما تكون قاعدة في عمارة كل إللي فيها حنية الدنيا على بعض طبيعي تفكر كدا، دي بنت غلبانة بجد صعبانة عليا.”
دخلت خلفها نيار وجلست بجانبها تحتضنها بشفقة مع مزاحها لها”يابنت اللاعيبة طلعتي رامية عينك على أبو يحيى! طب هل تعلمين إنه كان الكراش بتاعي قبل ما يحيى يخطبني؟”
بكت بحرقة بين أحضانها وهي تهمس لها بقلبٍ محروق”اتشوهت يانيار..شوفي..شوفي جسمي وشعري.”
قالت جملتها وهي تبتعد عنها تبعد الوشاح عن شعرها وعنقها، لطمت نيار وجهها بعدما رأت حرق عنقها الشنيع! وشعرها الشبه حليق، وسألتها بانهيارٍ”هو عمل إيه إللي ربنا يولع فيه بجاز *** دا؟”
“عيشت أسود أيام حياتي، والله أنا اتمرمطت، سامح حتى وهو بيطلقني كان بيعذب فيا، أنا بكرهه أوي يانيار.”
نهضت تربت على شعرها وشفقتها مسيطرة عليها مع دموعها السائلة، مرددة بتلجلج بعدما رأت حالتها_:
_طب..طب اعملي محضر باللي حصل دا عشان الحكومة تمنعه يقرب منك.
“هو الحكومة يانيار، العساكر والظباط معاه وبيجوا البيت يحضروا الطلاق والجواز، هما إللي ماسكين الدنيا، هما إللي بيجوا على الغلبان والله.”
تلك أصدق جملة ممكن أن تقولها بحياتها، بكت معها وهي تربت على ظهرها مع حرقتها”حقك عليا يافيروز، أنا حاسة بيكي والله وعارفة الظباط بيعملوا إيه.”
في وقتها فصلت عناقها تخبرها بصوتٍ موجوع متألم_:
_لاء إنتِ مش عارفة يعني إيه تنامي كل ليلة جمب واحد مجبورة عليه وحاطت السلاح جمبه، كل يوم بفكر ألف مرة إني ممكن أعمل حاجة غلط فيقوم يفرغ سلاحه كله فيا ومحدش هيسأل عني، ما أنا مليش حد يهتم بيا ولا يعرف عني حاجة، كل يوم كنت بصحى الفجر ألاقيه قاعد برا مع صاحبه بيشربوا سجاير ويتفرجوا على التلافزيون وأسلحتهم قدامهم، كل يوم كان بيقرب مني بحس إن جوايا نار يانيار، بحس إن جسمي بيعيط مش قلبي وروحي بس، طب والله إسماعيل كان أهون منه، على الأقل مكنش عنده سلطة ولا نفوذ يفرضهم عليا، إنك تتجوزي راجل جاحد دي صعبة لكن وكمان يبقا ظابط دي الأصعب بكتير.
جففت دموعها وهي تغير مجرى الحديث مع جملتها المتوترة”متحكيش ليحيى بيه إللي حصل برا، أنا مش عايزاه يضايق مني ويشوفني وحشة، وخلي عمو ميقولش ليه..عشان ميزعلش مني بالله عليكي.”
_لاء يابنتي كلنا فاهمينك أصلًا بلاش هبل، يحيى أصلًا عايز يكلمك، هتصلك بيه.
“——–“
“محـــكـــــــمـــــة”.
صدح الصوت لينتفض الجميع واقفين بوقارٍ واحترام للقضاة الخارجين من الباب الجانبي، وقف الجميع حتى جلس القاضي مشير لهم بالجلوس، وبعد لحظات بدأت جملته تخرج تستقر في آذان الجميع..تُهدئ البعض، وترعب الآخر!
“باسم الشعب….حكمت المحكمة في القضية رقم 4532 لسنة 2026 جنايات، إن المحكمة وهي بصدد النطق بحكمها، قد استقر في وجدانها بشاعة ما اقترفه المتهمون من جُرمٍ نكراء، فخيانة الصديقة وغدر الذئاب لا مكان لهما في مجتمعٍ ينشد العدل..ولما كان القصاص هو ميزان الأرض قبل السماء..”
_فحكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء:
أولًا: بمعاقبة المتهم”حسين….”بالإعدام شنقًا عما أُسند إليه من اتهامات…..
لم يكمل جملته ليقاطعه المتهم وهو يضرب على القفص الحديدي صائح بحرقة تمكنت منه ودموعه تنهار على وجهه”وربنا ظلم، حرام عليكم أنا معملتش حاجة ماهي عايشة حياتها ومتجوزة أهو! ما كل الرجالة بيعملوا كدا اشمعنى أنا اللي آخد إعدام!”
ضرب القاضي بمطرقته ثلاث ضربات قوية أصمتت القاعة كلها التي علتها صرخات الأم وخالته التي ترى مصير ابنتها هي الأخرى ينهار وأقاربهم! لكن بقى صوته هو وشهقاته تتعالى، آمره القاضي بلهجة جادة”اعتراضك الآن هو أشد من كل الأدلة التي قُدمت، فمن الواضح لا ندم ولا ذرة حياء تشفع لك! هل تبرر الجرم بانتشاره؟؟”
وبعد جملته تلك أمر الحراس بجملته الناهية”خدوه.”
بدأوا يسحبونه ونور كانت في حالة صدمة، هل ما سمعته حقيقة!! إعدام؟؟ إعدام وهي قرأت في ليالٍ عديدة عن زوج قتل زوجته أخذ سبع سنوات! ومغتصب انتهك عرض أخذ ثلاث سنوات! وغيره وغيره!! كانت تظن إن سيصبح مصيرها مصير الفتيات اللاتي ذهبن هدر!
لكن..لكن كرم الله وعدالته كان أكبر من أي شيء! انهارت دموعها لكن تلك المرة رضاءً وحمدًا لله! ترى المغتصب يصرخ ويصيح، وتقابلت عيونها بعيون رفيقتها! رفيقتها التي دمرتها بمنتهى الجحود! كانت تبكي بحرقة وهي تهزي بكلمات لم تسمع منها شيء، والعيون تقابلت، عيون نادمة وعيون منتصرة!
حق الله سيُطبق!
وتابع القاضي حديثه بنفس الجدية_:
_ثانيًا: معاقبة المتهمة”سماح…”التي سهلت قضية الخطف والاغتصاب بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر سنة سجن.
لم تصرخ عكس المغتصب بل ضحكت وصدمتها مسيطرة عليها، ضحكت لإن غيرتها وحقدها هما السبب في وجودها هنا! ولم تشعر بالقاضي الذي غادر بعد دقيقة، وكانت والدتها تبكي بحرقة لكن نور اقتربت من القفص تهمس لها ببسمة شامتة”عمرك كله ضاع زي ما ضيعتي حياتي.”
كانت ستكون طبيبة! ماذا يحدث الآن! لماذا تُجر وتسحب ويسبها الحراس! ماذا يجري هنا! لا تصدق…
وعلى النقيض صدحت تهليلات نيار وهي تردد بعلو صوتها”يحيى العدل، تستحقوا أكتر من كدا كمان، ربنا ينتقم منكم.”
ارتمت نور في أحضانها تبكي بقوة وهي لا تصدق، لم تتوقعها، أقنعها الجميع إنها الرابحة لكن لم تستوعب ولم تصدق حتى! احتضنتهما ساجية التي كانت تبكي مع نور بكاء غزير!
وعمر دموعه كانت هبطت بدون شعور منه، لم يشعر بحاله إلا وهو يشكر المحامي بصدقٍ ودموعه تزيين عيونه”بجد أنا مش عارف أقولك إيه، شكرًا على كل حاجة إنت ويحيى عملتوها، شكرًا والله العظيم على كل حاجة حلوة وعلى حق نور إللي رجع.”
ربت فوق ظهره عبدالرحمن متحدث ببسمة واسعة”كله بفضل الله ثم بفضلك ياعمر، يارب ما نشوفكم في حاجة وحشة تاني أبدًا، نور دي بنتي ونور عين مرات ابني.”
خرجت نيار من أحضانهما والتقطت كفه في الحال تقبله مع جملتها الممتنة”الله يباركلنا فيك يابابا، يارب أشوفك دايمًا ربنا رافعك ومعلي قيمتك عشان بتنصر الحق.”
ربت على رأسها برضاءٍ وحنانٍ”افرحي إنتِ وأختك.”
ووجه حديثه لنور التي تأخذ أنفاسها بصعوبة، محدثها ببسمة واسعة”افرحي يانور، ربك برد نارك في دنيته مأردش إنه يسيبك في الدنيا مقهورة خايفة من كلام الناس، أهو دلوقتي تمشي في المنطقة وجامعتك رافعة راسك ومتحنيهاش أبدًا.”
ترك عمر نور تتلقى التهاني والمباركات من الجميع حتى انتهت، وعادت لأحضان أمانها ومسكنها، ألقت بثقل جسدها على جسده، وهو في لحظة كان رفعها من فوق الأرض يضمها بقوة، مسيطر على كل جسدها وهو يخبرها بيقين”قولتلك يادكتورة، قولتلك ياست البنات حقك هيجي قدام عينك وربنا هينصرك”.
_وأنا بقولك ياعمر..إنت السبب إني آجي هنا وحقي يجيلي، إنت إللي عالجتني وخلتني أكمل القضية، إنت إللي خليتني أرفع راسي وأروح جامعتي، أنا بحبك أوي ياعمر.
ممتنة له، مهما كان حبها لا يتصوره أحد، ليس حب فقط..بل امتنان، وعشق، وثقة، وأمان!
وحتى محمود عانقها بقوة مبارك له بسعادة كبيرة، حتى عادت نور للمنطقة التي فُضحت فيها، ومعها أختها تساندها ككل مرة وكل لحظة، وعمر.. عمرها كله وخالها.
وقف عمر في وسط الحارة يوجه حديثه للجميع بسعادة فائقة ونبرة ذات مغزى”إحنا لسة جايين من المحكمة، مع أول جلسة مراتي الشريفة إللي مفيش أطهر منها اتحكم ليها بالإعدام على إللي اغتصبها، والبت صحبتها خدت ١٥سنة، مراتي طول عمرها شريفة وربنا جاب ليها حقها من أول كلمة في المحكمة.”
زغردت نيار بعلو صوتها وهي تقبل في نور، وعمر وجه حديثه لصاحب محل المقلة بجانبه”انهاردة أنا عازم الكل على ساقع حلاوة إن حق مراتي جه.”
ووقفت نور بعلو صوتها تردد بنبرة متحدية”وأي ست ولا راجل جابوا سيرة أختي بكلمة وحشة ولا داسوا ليها على طرف يجي دلوقتي يقول آه أنا اتكلمت.”
_أنا أصلًا مش مسامحة أي حد اتكلم عني.
قالتها بصوت منخفض جاد.
كان الجميع منتبه لحديثهم، وبدأت النسوة ينظرن من النوافذ، هبطت دينا لهم، اقتربت من نور تعانقها بحنانٍ مع جملتها المتهللة”ياألف نهار أبيض ياختي، ألف مبروك، أنا قولتلك ابن الكلاب الواطي دا هياخد إعدام، قولتلك ربنا هيجيب ليكي حقك.”
احتضنتها نور بقوة وهي تشكرها بامتنان”شكرًا يادينا، بجد شكرًا كلامك دا فوق راسي.”
وقفت الجارة من الأعلى تحدث الأخرى وهي تمصمص شفتيها”إيه ياختي دا! هو فرحان ولا فخور بإيه؟ الرجالة ماتوا والله، دا بدل ما يستر إنه متجوز مغتصبة واتوسخت ومش هو أول واحد يلمسها واقف فرحان والضحكة من هنا لهنا!”
_ولا دينا ياختي! دينا دي إللي هتجنني! نازلة تبارك ليها وتحضنها! أحيه ياختي على الستات! دا بدل ما تقول لجوزها إنه متجوز واحدة لمامة عليها! وتقف في نص الحارة تقول يا أنا يا البت دي! ياختي البت دي عاملة ليهم عمل؟؟
أنسيت أن أخبرك؟؟
مهما طُبق حق الله، وجاءت العدالة..
لن يصمتوا مرضى المجتمع!
ولن تكف النسوة عن الحديث..
وسيظل الحوار دائر حتى يلتهوا في حوار آخر!
لكنه لا يهم..
ذلك مجتمعنا، لترفع رأسها الحرة مهما يكن.
ونور أخذت نفسها اليوم، وولدت من جديد.
لكن يبقى شيء واحد فقط..
كليتها!
وعمر صور بهاتفه عندما نطق القاضي الحكم مرسله لنور بسعادة”كل شوية أسمع الحكم وأضحك بجد، مبروك يادكتورتنا القمورة.”
حفظته على هاتفها تشاهده بانتصارٍ وهي تشكر ربها، ودخلت المجموعة الخاصة بدفعتها في الكلية، لم تتردد للحظة وهي ترسل المقطع مع رسالتها الطويلة_:
_أنا نور.. البنت إللي اغتصبت في دفعتكم وكانت سيرتها على كل لسان، غابت شهر ورجعت لقت صاحبتها القريبة منها نشرت خبر اغتصابها وكإنه كان مش اغتصاب والكل بقا بيعاملني على الأساس دا، تلقيح وكلام بايخ، وتشوفوني تستغفروا ربنا كإني زانية..
أهو ربنا وبعديه القاضي أثبتوا برأتي وانهاردة كانت أول جلسة محاكمة للي اغتصبني..وصحبتي سماح إللي كانت سبب في كل دا، والقاضي برأني قدام الكل، وإللي اغتصبني وضيع حياتي خد إعدام، والدكتورة سماح خدت 15سنة سجن مشدد.
أرسلت المقطع، ودفعة كبيرة، عددها كبير جميعهم في المجموعة على الواتساب، بدأ المقطع يتداول بينهم ويردون عليها في المجموعة والخاص، الجميع يبارك لها، الجميع يتحدث ويتحدث حتى علمت إنها ستكون(تريند الكلية) ذلك الأسبوع..لكنها مرحبة للغاية…فمن قبل كانت تريند أيضًا لكن بحديث باطل عنها!
فهنيئًا لها إذن!
ستنام اليوم في أحضان عمر مرتاحة البال مطمئنة!
“—–“
وقفت أمام المرآة تأخذ أفضل قرار في حياتها كلها، وقفت تربط نقابها الأسود على رأسها من الخلف والبسمة تزين ثغرها، ومن ثم ارتدت قفزات يديها السوداء.
خرجت من غرفتها تحدق بظهر زوجها الجالس يقرأ القرآن وابنتها تجلس بجانبه تلعب بلعبتها، ضحكت بخفة وهي تقترب منه تضع يديها على عيونها مع همسها المرح له”غمض عينك يازوجي الجميل.”
أغمض عيونه وهو يضحك تارك المصحف من بين يديه، وهي أبعدت يديها تقف أمامه مع جملتها المتحمسة”افتح!”
فتحها مرة واحدة لتنصدم عيونه بالحورية الخارجة من الجنة التي تقف أمامه! ونطق بدهشةٍ”دا بجد!”
_بلمحلك بقالي فترة ياباشمهندس! وسيادتك بدل ما تجيبه ليا هدية قولت أجيبه أنا وأصدمك زي الكل!
قالتها بدلالٍ وهي تهز منكبيها، صفق بيديه بسعادة فائقة مع جملته المنبهرة”شكلك يجنن! أنا مش مصدق بجد! يارب يثبتك يارب”.
نهض يضمها وهو يضرب رأسها برأسه بمرحٍ، وهي تذمرت وهي تضربه على صدره بخفة “بعد كل دا وبتقولي شكلي يجنن! وفين شكلي بس دا حتى فتحة عيوني ضيقة؟”
_شكلك يجنن وإنتِ مش ظاهرة كدا غير ليا!
اقتربت من حفصة التي لم تتعرف عليها! بل ظنتها المنتقبة الوحيدة التي رأتها في حياتها حور! ضحكت روح وهي ترفع النقاب عن وجهها وهي تضمها”أنا ماما ياقلبي، تعالي هاتي بوسة ياحفوصتي.”
_تعالي ننزل نفرح أهلي وأهلك بقا.
شدها رائف يهبط بها هي وحفصة، ودخل أولًا عند عائلته، محدثهم ببسمة مازحة”جماعة أنا اتجوزت على روح منتقبة.”
في الحال نكزته روح بغيظ وهي تهتف بانفعالٍ”طب فكر تعملها وأنا أعلق على باب بيت أهلك.”
صفرت لها فجر وهي تردد بصوتٍ عالٍ”أيوة بقا ياروح ياجاحدة، اشكمي الواد دا، وتعالي وريني القمر دا، يوغتي عسل..شكلي كدا هقلدك ولا إيه؟”
“ياريت بجد، هتكوني عسولة أوي أكيد، ربنا يرزقك الخطوة دي.”
اقتربت منها ليل تتحدث بطيبة قلبها”ياروحي بسم الله ماشاء الله، أنا هبخرك أحسن تتحسدي.”
_مبروك ياروح يابنتي والله فرحتيني، عرفت تختار زينة البنات ياض يا ابن الكلب إنت.
قالها والده ليصرخ بغيظٍ”ياعم بقا سيبني في حالي!”
ضحكت حفصة عليه لينظر لها متحدث بنفس غيظه”بتضحكي! بكرة تكبري وأقرفك في عيشتك زي جوز الأم الجاحد دا.”
انتظرت روح حتى تتجمع أسرتها وهبطت لهم، الصدمة والسعادة علت وجوه الجميع، وأول من علق أحمد وهو يشد النقاب عن وجهها يحدق بها أولًا ومن ثم أرجعه”طلعت أختي روح بجد، طب مش تقوليلي؟ مش تقوليلي نطلع لايف مع بعض وإنتِ بتلبسي النقاب ونقول شعورك للناس؟”
“حد يشيل المختل عقليًا مريض الشهرة دا من قدامي.”
قالها رائف وهو يدفعه عن روح.
ويحيى اقترب يضمها وهو يبارك لها بابتسامة”اللهم بارك ياحبيبتي، والله ربنا كرمك بأحسن حاجة في الدنيا، يارب الثبات ياقلب أخوكي.”
وكعادة نيار ما تفعله عند سعادتها هو زغرودتها المعهودة الرنانة، وهي تغني لها بمرحٍ”يلا نحيي البنوتة إللي لابسة النقاب”.
وغمزتها وهي تدغدغها بمزاحٍ”القمر دا ماشاء الله! ببقا حاسس بانبهار!”
أشار أحمد لأسماء بعيونه أن تقترب من روح وتبارك لها، كانت مرتبكة ولا تعرف ماذا تقول وخصوصًا إن الجميع بارك لها! لكن روح اقتربت منها وهي تمسح على وجهها بخفة مع سؤالها”إيه رأيك؟”
_جميل زيك، شكلك حلو..مبروك.
قالتها ببسمة صغيرة لكن سعيدة لإنها اهتمت لأمرها.
وساجية ضربتها على ذراعها بغيظٍ”مقولتيش! كنت ألبسه معاكي!”
_ياماما نفسك بيتخنق! هتلبسيه إزاي؟
صمتت للحظات لتستوعب وهي تخبرها بعدها باقتناع”صح معاكي حق، خلاص سامحتك، مبروك ياحبيبة قلبي بجد.”
انتهى الجميع وانتظرت مباركة والدها ليسمح على رأسها بحنو وهو يدعي لها بمنتهى الحب_:
_اللهم أجعله شفيع لها.
اللهم استرها في الآخرة كما سترتها في الدنيا.
اللهم بارك لها وارضى عنها.
اللهم اجعله تقربًا منك وطاعة لك.
اللهم نور قلبها بنور إيمانك.
اللهم استرها بسترك.
وجعل ذلك العمل خالصًا لوجهك.
انتهى من دعائه لها وقبلها من جبينها مع جملته المازحة معها”والله إنتِ خسارة في جوزك دا”.
“طب جبتي نقاب تحضري بيه فرحي ولا لاء ياست روح؟ الفرح خلاص بعد يومين!”
تذمر أحمد بسؤاله لترد عليه بضحكة صغيرة_:
_ياحبيبي طالبة والله نقاب جميل أوي أحضر بيه فرحك، هو أنا هلاقي يوم أجمل من فرحك إنت وسمسمة؟
“—-“
جلس أحمد مع نيار ويحيى بعد تلك الجلسة محدث نيار بهدوء”بصي ياستي أسماء إنتِ عارفة حالتها وعارفة إنها اتعالجت المهم إنها بسبب الحالة دي مكنش عندها صحاب نهائي ولا حد كان بيكلمها خالص، حتى أهلها ملهاش علاقة بيهم ومتعرفهمش، كل إللي كانت عرفاه جدتها وإحنا خلاص فرحنا بعد يومين وقاعة ستات وقاعة رجالة يعني مش هكون واقف معاها فأنا طلبت من روح تعزم كل صحباتها البنات وتفهمهم إنها معندهاش صحاب يجوا يقفوا معاها وكدا، ويحيى في نفس الوقت قالي إنك في كتب كتابك عزمتي بنات كتير من صحابك فإيه رأيك تعزميهم وتقفي معاها إنتِ وروح متسبوهاش؟”
_طبعًا يا أحمد دا أنا عيني ليها والله، هعزملها كل إللي أعرفهم، وكمان مش هسيبها لحظة عيني.
“تسلمي والله، وحاجة كمان..أسماء يعني أول ما عرفتها كانت بتروح وتيجي وتتكلم وبتاع لكن من ساعة ما اتعالجت وهي شبه مبقتش تعرف تروح حتة لوحدها ولا بتعرف تتكلم كتير ومش ماسكة غير فيا فلو يعني تصاحبيها وتدردحيها شوية يبقا الله يباركلك.”
ضحكت نيار وهي تصفق بتحمس”طبعًا، دي تقعد بس ساعتين معايا أنا وندى وهتبقى مش متدردحة وبس! دي هتكون منحرفة كمان.”
_لاء مش للدرجة، شوية دردحة مش انحراف ولا حاجة إحنا عايزين البنت هادية بردو مش مجنونة مش هيكون أنا وهي!
مر اليومان سريعًا وبالفعل لا نيار تركتها ولا والدته وأخته، وقف أحمد يتجهز أمام المرآة وهو يدندن ويرقص”انهاردة فيرحي ياجدعان..عايز كله يبقا تمام، وهتجوووز هتجوز.”
_يابني اتهد الله يهدك مش عارف أظبطلك الفيونكة.
نهره رائف الذي يقف يهندم له ملابسه.
ونظر أحمد في المرآة يحدق بمصعب الذي ينظر لها بنظرات خزي ليصيح عليه بعصبية”بتبصلي كدا ليه ياض أنت!”
حرك رأسه بنفس الخزي وهو يجيبه بيأسٍ”إنت وقعت من نظري أوي يا أحمد بسبب الفيونكة دي.”
_هو إنت مالك بأم الفيونكة! تكونشي بدلة رقص وأنا مش عارف! مالها الفيونكة ماهي سودا وجميلة أهي مش بينك ولا بيبي بلو حتى!
صاح عليها بقلة صبر وهو يريد إلقائه من النافذة!
ليرد عليه الثاني بعصبية”في حاجة اسمها جرافتة.”
_بص يامصعب هو رأي يحترم وكل حاجة بس رأيك دا إنت عارف تحطه فين واطلع برا بقا متعصبنيش.
لم يكمل جملته حتى هبط كف رائف على وجهه مع صياحه المغتاظ”متكلمش أخويا كدا ياكلب! كله إلا أخويا يا أبو تلات ملاحق.”
كان سيمسك فيهم أحمد لولا دخول يحيى وداني عليهم ليردد داني بضحكة ساخرة”الحق ياعم بقا، جايين يتخانقوا وهو متأخر على العروسة ساعة!”
_ساعة! نهارك أبيض يارائف مش قولتلي إن معاد الكوافير ستة!
أمسك في رائف الذي تراجع فورًا وهو يجيبه بارتباك”يعني والله أنا نسيت المعاد إللي روح قالته فقولت أكيد العروسة هتخرج ستة.”
ضربه في معدته وركض على أخيه يولول له بكلماته”بالله عليك أعملي الفيونكة دي عشان أروح لأسماء.”
_اقف عدل وبطل دلع بقا.
هندم له ملابسه وغادروا أخيرًا، ووقف مصعب بجانب يحيى يحرك رأسه بقلة حيلة ضارب كف على آخر ليستنكر منه يحيى بعدم فهم”مالك! بتبص ليا كدا ليه؟”
_مش مكسوف من نفسك! أخواتك الصغيرين اتجوزوا كلهم خلاص في مرحلة الخلفة والحمل وإنت قاعد كدا! والله عيب.
انصدم من مصعب! أين مصعب الذي لا يتدخل في أي شيء! ليسحبه من معطفه صائح عليه”ولا!! مين حفظك الكلام دا؟؟ دا مش كلامك!”
“لاء والله دي جملة لسة جاية في دماغي، أنا عندي مخ على فكرة.”
اعترض بصوتٍ جاد للغاية، ليدفعه يحيى على الحائط وهو يسخر منه_:
_ويوم ما تشغل مخك تشغله عليا!
أما أحمد فكان في عالم ثاني أخذ أسماء من يديها يدخل بها إلى القاعة، كانت قاعة كبيرة للغاية منقسمة جزء رجال في الحديقة الكبيرة على البحر، وجزء نساء في نفس المكان لكن مفصولين عن بعضهم، يمكن للنساء رؤية الرجال عن طريق باب يظهر مَن بالخارج ولا يظهر مَن بالداخل لتأخذ النساء راحتهن.
كانت جميلة أسماء بفستانها الهادئ الرقيق الأبيض، وتفاجأت من كمية النساء الموجودة بالقاعة! فتيات كثيرة للغاية من نفس عمرها! ونيار تشدها ترقص مع مجموعة من الفتيات، ثم تشدها روح لترقص مع فتيات غيرهن تمامًا!
أما أحمد فكان الأمر مختلف…أحمد دعى جميع مشاهير التيك توك الذي يرافقهم والذي لا يرافقهم! كانت القاعة متكدسة وذلك بمثابة بوادر جلطة قلبية ستأتي لعبدالرحمن الذي سيدفع ثمن طعام لن يدفعه بحياته أبدًا!
وقف تيم ينظر لعبدالرحمن بصدمة”هو إيه دا! دا مفيش مكان الرجالة يقعدوا فيه! هو حد سرب عنوان الفرح غلط!”
_ياريته كان اتسرب ياريته ولا إنه الكلب دا يعزم أمة لا إله إلا الله كدا! دا أنا هشعلقه على باب القاعة.
نطقها وهو بالفعل سيُشل من ابنه الذي أخبره ليلة أمس بتفكير”لاء يابابا متقلقش دول مش هيكملوا 50!”
اتجه له يسحبه ببسمة مصطنعة يسأله بنبرة عالية وهو يخرج به للخارج بعيد عن الأنظار”هو مش إنت يا حيوان قولتلي المعازيم مش هيكملوا 50! دول داخلين على 2000واحد في القاعة؟”
_طب ما أنا مكدبتش أهو يابابا قولتلك مش هيكملوا 50 ألف! دول حتى مكملوش 5 آلاف عشان تزعل كدا!
رد عليه ببساطة وبمنتهى البرود ليشده والده بعصبية من بذلته”ولا! هنآكل كل دول منين!”
وضع يده على يد والده وهو يردد بصوتٍ خافت وهو يبتسم للمارين”الچاكت يابابا لو سمحت أنا عريس مشهور وليا هيبتي.”
_دا أنا همرمغ هيبتك يا ابن الكـ…
قاطعه أحمد وهو يبتعد عنه راكض جهة رجل شيخ كبير لحيته أصبحت كلها بيضاء لأول مرة يراه عبدالرحمن ومعه أربع نساء منتقبات!
اقترب منه أحمد وقبل يديه الاثنين معرف عبدالرحمن عليه بجملته السعيدة”بابا الشيخ حامد، قدوتي وحبيبي…ودول زوجاته الأربعة.”
صافحه عبدالرحمن وهو يرحب به وأرشد نساءه على المكان وأدخله هو وأحمد للداخل، وأحمد جاء يركض إلا إنه أمسك به والده يسأله بعدم فهم”مين دا! دا أكبر مني بعشرين سنة! عرفته منين!”
_لو سمحت يابابا أنا الراجل دا قدوتي.
“ياسيدي على راسي بس قدوتك في إيه؟ دا حد مشهور أو عالم من العلماء؟”
ابتسم أحمد وهو يهندم بذلته مخبره بثقة”لاء قدوتي في التعدد، متجوز أربعة ومقعدهم في بيت واحد مع بعض.”
أمسك بقلبه ليلحقه تيم الذي يضحك بعلو صوته، مردد عبدالرحمن بقلة حيلة”إنا لله وإنا إليه راجعون! يعني جايب الراجل بمرتاته بأولاده! أجيبلك فلوس منين يابني خربت جيبي!”
_أهلًا أهلًا الشيخ حازم.
ركض أحمد على أحد المشايخ تليه شيوخ في عمر الثلاثينات من مشاهير الانترنت، ليردد تيم بضحكة عالية”ابنك واصل، ولا عمره راح خطب في مسجد ولا إدى محاضرة بس عرف مشايخ وناس مهمة إنت ياللي قاعد خمسين سنة تخطب في المساجد معرفتهمش!”
_متقولش إن الشيخ الكبير وسطهم دا هو الشيخ إللي أنا بسمعه من وأنا شب عندي خمسة وعشرين سنة!
نطقها وهو بالفعل مصدوم، وصديقه هز رأسه بأسفٍ_:
_للأسف هو، شوفت! من وإنت شب بتسمعه عمرك ما وقفت معاه، ابنك عازمه على فرحه!
اقتربا منهم ليبدأ يصافح الجميع ويصافح مشايخ السوشيال ميديا! عجيب الأمر! هو له شأن كبير في محاضرات المساجد لكن لم يجلس من قبل مع أين منهم رغم إنه سمع عنهم الكثير! لكن الغريب إن ابنه يجلس معهم بمنتهى الاريحية ويتمازحون!
شد أحد العاملين بالمكان محدثه بتوسل”أبوس إيدك أي حد تاني جي يسأل على فرح أحمد قوله الفرح خلص خلاص، عشان والله مافي مكان جوا.”
وعند الشباب كانوا يقفون جميعًا منصدمين، وأول من علق يحيى”أنا حاسس إننا دخلنا برنامج التيك توك الإسلامي! إيه كل المشاهير دي!”
_إنت عارف أنا إيه إللي مزعلني؟ إن أحمد كان بيقنعني أعمل ڤيديوهات معاه وأنا كنت بقول لاء، ياريتني كنت عملت واتشهرت شهرته!
عدد بجملته رائف ليتحدث مصعب باختناق وهو يريح رابطة عنقه_:
_لاء ياجدعان إيه الرعب دا! أنا لازم أخرج، أنا معرفش أقعد في مكان فيه أكتر من عشر بني آدمين! أنا مخنوق لازم أخرج.
ضحك داني وهو يهوي له بيديه مع جملته”أهدى كدا دا أقل عدد في حصة عندي”.
_طب إنت مدرس حقير بتعمل تكدس للطلاب أنا مالي!
لكن أيده يحيى وهو يردد بسخرية”لاء ياجدعان بجد أنا نفسي مخنوق موت مع إن القاعة على البحر والزرع وملهاش سقف! وكمان جالي رهاب اجتماعي!”
تعالت ضحكات رائف القوية وهو يشده من وجنتيه”إنتِ ياحضرة الظابط عندك رهاب اجتماعي! يوغتي بطة عندها رهاب اجتماعي!”
“دا المفروض يبقا عنده إرهاب اجتماعي.”
قالها داني ليضرب رائف كفه بالثاني وهما يضحكان، شد يحيى مصعب من ذراعه وهو يردد بصوتٍ ممتعض”تعالى ياض والله ما هنقعد مع تُقل الدم دول!”
كانا سيخرجان لولا أحمد الذي جمع حولهما الجميع وهو يرقص معهما، ورغم الازدحام المبالغ فيه إلا إنهما اندمجا والجميع كانوا يرقصون ويصورون مقاطع بسعادة كبيرة.
بالداخل عند النساء شدت نيار أسماء من يديها تريها قاعة الرجال وهي تردد بدهشة”بصي القاعة عاملة إزاي!”
حدقت في الازدحام وهي تفتح فمها تسألها بعدم تصديق”كل دول أحمد يعرفهم؟”
ضحكت ساجية وهي تخبرها بنبرة مرحة”اسكتي دا عبدو برا هاين عليه يولع في أحمد عشان قاله مش هيجيب أكتر من خمسين واحد وراح عزم التيك توك والفيس كله.”
_مش مصدقة! أحمد محبوب أوي!
أعجبت أكثر به! الجميع هُنا! تقسم إن جامعة عين شمس كلها هنا! وكلية حقوق بالأخص! ومشاهير المواقع، وكبار السن، والأطفال، والشباب، والرجال!
بعد ذلك المنظر وكل تلك النساء أيضًا كانت تشعر بالسعادة الفائقة، لم تتوقع أن يفعل لها أحمد زفاف كبير كهذا! لا واشترى لها شبكة ذهب!
انتهى اليوم وأخيرًا تصوروا كثيرًا، وكان يوم بالنسبة للاثنين..يوم العمر بالفعل!
لكن بالنسبة لأسماء هو يوم مولدها الفعلي! دخلت لبيته الذي انتهى توضيبه وليس بيت جده وجدته القديم الذي كانت تجلس فيه، بل بيته بالأدوار الأخيرة الذي يعلو بيت يحيى!
دخلته كعروس، وأحمد حملها في غفلة وهو يهتف بمرحٍ بعدما صرخت برعبٍ، غامزها بمكرٍ”أموت أنا ياجميل! إيه رأيك في شقتنا؟ محرمتكيش من حاجة في سنة وكان شهر قعدتك في تلت شقق!”
_دا جميل أوي.
قالتها بصدق وهي تتعلق في عنقه بخجلٍ، وهو دخل بها للغرفة واضعة فوق الفراش برفق مع جملته”مبارك علينا ياحبيبة قلبي، أهو أنا انهاردة أقدر أبدأ معاكي حياة جديدة يرضاها الله، ونجيب ذرية صالحة.”
“شكرًا يا أحمد..”قالتها وهي تحدق فيه بامتنانٍ، وهو وضع سبابته على فمها مع كلماته”مش وقت شكر خالص، دا وقت مفاجأة، غمضي عيونك.”
أغمضت عيونها بالفعل ليضع فوق فستانها عدة أوراق مع الباسبور المصري لكل منهم، فتحت عيونها ببطء لتنظر لهم بعدم فهم، هو أخذها من قبل لإجراء تلك الأوراق لكن لم تفهم السبب، وهو أخبرها ببسمة_:
_ياستي أنا وإنتِ بعد بكرة عندنا سفر للسعودية وتحديدًا الحرم المكي، هنقعد في مكة تلت أيام وفي المدينة يومين، هنعمل عمرة لطنط والدتك، وعمرة لعمو والدك.
اندهشت وهي تسأله بعيونٍ متوسعة”بجد! هو ينفع نعمل ليهم عمرة؟”
_طبعًا ينفع، وكل سنة إن شاء الله هنطلع نعمل ليهم عمرة، وهتوصل ليهم وربنا يعليهم في الدرجات إن شاء الله، وهنفضل ندعي ليهم العمر كله، دا غير إننا هنبدأ حياتنا وإحنا في الحرم المكي عند الكعبة.
“شكرًا يا أحمد، بجد أنا بحبك أوي.”
“——-“
ومع كل الأحداث الإيجابية في تلك الأيام السابقة وصل يحيى قرار مجلس التأديب..تم نقله لقسم بعد الجيزة على الهوامش، قسم صغير في شبه قرية! عقابًا له! عقاب لا يعلم سببه.
اتصل به العقيد عصام يخبره أن يأتي له في أحد الأماكن الذي يجلسون فيها، وصل للمكان، الاثنان بالملابس العادية التي ليس لها علاقة بعملهما، اقترب منه يحيى يلقي عليه تحية الإسلام بهدوء ومن ثم جلس، ظل صامت حتى بدأ معه العقيد الحديث بسؤاله”عرفت قرار مجلس التأديب.”
_عرفت، ومش فاهم صراحة أنا بتأدب ليه ياسيادة العقيد؟ ليه أنا عمري في حياتي من ساعة ما اشتغلت لا ظلمت ولا ارتشيت ولا جيت على حد، ولا طرمخت على قضية وفي الآخر اتحول لتحقيق ومجلس تأديب وأترمي في الآخر في حتة قسم ولا ليه أي لازمة وولا بيمسك قواضي! مش دا معناه إنكم عايزين تقضوا عليا؟
كان منفعل ومتمكن منه الغل، لا يعلم ماذا فعل ليقضوا على مستقبله المهني! وسأله بسخرية واضحة”ولا أنا عشان مش بستخدم وساطة في الشغل؟ طب فهموني عشان أبويا محامي كبير بردو في البلد دي وعندي واسطة وضهر والله لو مش عارفين.”
_خلصت؟ ياغبي إنت رايح تتخانق مع المقدم إللي مقعدك معاه! دا أنا باعتك في قسم تاني عشان يكون فيه إنصاف ليك!
كعادة العقيد ينفعل عليه من عشمه فيه منذ الصبى، ويحيى ردد مستهجنًا_:
“إنصاف ليا؟ وقسم تاني؟ قسم المعادي إللي سامح صاحبه الروح بالروح يكون أسامة، والمقدم يكون ابن عمه ولا قريبه معرفش منين، وكلهم متفقين عليا.”
ضرب كف على آخر بقلة حيلة وهو ينصحه لعله يتقبل النصيحة!
_لا حول ولا قوة إلا بالله! يابني إنت ذكي متضيعش نفسك!
وفورًا ارتسمت البسمة المقهورة بتهكم واضح على محياه”أنا ضيعت خلاص ياسيادة العقيد.”
_ضيعت ليه! دي قرصة ودن عشان تتحكم في عصبيتك مش أكتر، يابني الظابط مينفعش يكون عصبي، إنت مشوفتش حتى تقرير المقدم فيك زفت، بتتعصب، بتقوم تقف، بتحرك إيدك كل دي حاجات لو عملها متهم هنحبسه فيها وقتي!
صك على أسنانه بقساوة، ونطق متعجبًا مما يسمعه، ومن الظلم البين الذي يتعرض له!
“طب والعصبية دي تخليكم تقضوا على مستقبلي؟؟ إنتم نقلتوني قسم لا فيه مية ولا نور وعلى الهوامش كإني ظابط فاشل محلش أي قضية، ظابط مقدمش أي حاجة ولمجرد إنه وقف قدام ظابط فاسد سيبتوا الفاسد ومسكتوا فيا أنا تعاقبوني!”
توقف للحظات حتى تابع بصوتٍ مخذولٍ وكإنه اكتشف للتو إن نزاهته هي سبب ظلمه!”دا مش من العدل! مش من العدل إني عمري ما عملت حاجة غلط ولا استخدمت سلطتي بطريقة غلط إني اتظلم كدا!”
وأتاه الرد فورًا من العقيد بهدوء شديد_:
_الحياة ليست عادلة ياحضرة الظابط.
ولأن الحياة ليست عادلة كما يقول فهو قطع عهد على نفسه من التو أمام رئيسه!
_طالما الحياة مش عادلة خلاص والله العظيم لا هوريهم إزاي أكون ظابط فاسد ظالم، وطاغي! هيشوفوا من هنا ورايح أقذر ظابط هيتعاملوا معاه، عشان أما اترقى والكل يكون مرعوب مني يبقا هو دا العدل، وقسمًا بربي لا هكون ****من سامح بمليون مرة عشان يعرفوا إن “يحيى عبدالرحمن” كان بمزاجه يكون شريف..لكن مفيش أسهل من الـو****.
رفع حاجبيه وهو يحدق بيحيى الشاب صاحب الثماني عشر الذي أخبره من قبل أنه سيحمل دولته على أكتافه، وفوقها رآيات العدالة..والحق! ليسأله بجدية_:
_هو دا مبدأك الجديد؟
أظلمت نظراته وهو يجيبه بشبح بسمة لا مبالية
“ظلم بظلم.”
استسلم له بمنتهى البساطة وهو يخبره بصوت حازم_:
_تمام موافق وخليها غابة، بس اوعى تنسى إن الحياة هي إللي مش عادلة ياحضرة الظابط، والحياة مرحلة وهتمر لكن هنقف كلنا قدام رب اسمه العدل! ربنا العادل إللي بيقف يحاسبنا على كل نفس بمنتهى العدل، حتى الحيوان ربنا بيعامله بمنتهى العدل!
_وهما ليه منوقفهمش عند حدهم! ليه بتعجزوا الشريف!
سؤال خرج مقهور وهو يعلم إنه قضى عليه بالفعل! إبعاده عن مكان عمله الرئيسي ومعاقبته ورميه في أطراف المحافظة سيكون وصمة عار..فلا تريقة ولا تحريكه حتى من رتبته! سيعيش ويموت نقيب! وكإنه ارتكب جريمة شنيعة في حق النظام والقانون!
“خد بالك ياسيادة النقيب لو سلطة الدولة 95٪ منها فاسد ففي 5٪ ناس عارفة قيمة المنصب والسلطة إللي ماسكينه، لو الـخمسة٪ قالوا يلا إحنا كمان نظلم ونفتري زي الكل يبقا مفيش واحد غلبان هيجيله حقه في يوم أبدًا، يبقا الـ100مليون هيتظلموا وهنعيش في غابة، لو مفيش واحد نزيه زيك في وسط القذارة دي يبقا صدقني إحنا بنقتل كل واحد مظلوم عنده أمل في كلمة حق أو إنصاف!”
يعلم ببذرته الصالحة الطيبة، يحدثه كابن له يعلم إنه غاضب مقهور!”الـ 5% دول يا يحيى هما إللي مخلين الناس لسه بتمشي في الشارع وماسكة نفسها، لو إنت بقيت زيهم، يبقى مفيش فرق بين الظابط وبين المجرم اللي بنطارده، غير البدلة إللي لابسها!”
وبعد تلك الخطبة المحترمة كان رد يحيى من كلامه، يلقي كلماته وهو متجه للرحيل بمنتهى العملية_:
“وصدقني يافندم إنتم فعلًا قتلتوا واحد نزيه زيي بظلمكم ليا.”
وبعد تلك الجملة طار من أمامه وعيونه يتطاير منها الغضب، يتوعد الجميع إنه كما ظُلم فسيُظلم..والحياة هكذا.
مات عمر العادل..خليفة المسلمين..
الذي يأكل أقل منهم، وينام أسفل الشچرة،
ويأخذه مثله مثل باقية المسلمين الذي كان خليفتهم!
العادل مات..لكن يبقى الله حيًا لا يموت!
تُظلمنا الحياة ويُنصفنا الله..
لا إنسان منصف بل جبر من الله تعالى.
عدلٌ..صبرت وتألمت..واحتسبت، ونُصفت!
هُنا أو في الآخرة الباقية.
يأتي العدل يأتي لا محالة!
مثله مثل الموت الآتي..
لا محالة!
وكلمة رعب كانت قليلة على موقفها، موقف يشيب الأبدان، تنتظر الحكم على مغتصب براءتها، وحياتها كإنها تنتظر الموت لها!
“ينهاري عليا وعلى أيامي، يابنتي كفاية عياط بقا قطعتي قلبي.”
قالت جملتها ساجية التي لم تخرجها من أحضانها لحظة واحدة، تربت على وشاحها، ظهرها، تجفف دموعها، تعاملها كإنها ابنة لها وهذا مصابها!
“شوفتي كان المحامي القذر بيقول إيه جوا؟ شوفتي الكذب والافترا؟ يارب أنا مش مسمحاهم يارب وإن شاء الله نقف نفس الوقفة بس قدام ربنا إللي مش بيظلم وشاهد ومطلع على كل حاجة.”
تبكي بحرقة، حرقة لم تعرف عنها شيء سوى بسبب ذلك المغتصب الحقير، نحيبها عالٍ يقطع النياط!
وعمر كان يجلس على جهتها الثانية يمسح على ذراعها وقلبه متمكن منه الغضب بعد حديث المحامي الحقير هذا، صائح عليها بعصبية”وإنتِ مستنية إيه من محامي قبل إنه يدافع عن واحد *******زي دا! ماهو طبيعي واخد فلوس قد كدا عشان يخرجه براءة ويقول الكلام دا! إنتِ بتعيطي ليه مش سامعة كلام المتر عبدالرحمن ويحيى؟؟”
_يابني براحة عليها دي مقهورة من إللي سمعته، ماهو صعب بردو اتنين محاميين يبقا بيتكلموا عليها والناس قاعدة ومستنين يشوفوا هيحصل إيه.
_لاء متعيطش وتقعد كدا، دول المفروض تفرح إنهم واقفين مذلولين في القفص زي الكلاب ومرعوبين.
معه كل الحق هي مهما كان الحكم يجب أن تفرح..رأتهما مذلولين ويبكيان! لكنها سألت بتيه”طب هو هيجيله إعدام ولا لاء؟”
وانتهت وهي تسأل يحيى باحثة بعيونها عن والده”فين عمو عبدالرحمن؟ هو مش موجود ليه! هو مشي؟”
_مشي إيه بس؟ أنا أبويا معتبر المحكمة بيته التاني فبيلف فيها ويروح يسلم على المحامي دا والقاضي دا ويقعد مع وكيل النيابة دا.
_طب هو قال إنه ممكن يجيله إعدام صح؟
“بصي يانور، مش شرط إعدام، في مؤبد المؤبد دا بيقضي كل حياته في السجن، والقضية إن شاء الله يا إعدام يامؤبد، والبت سماح دي كام سنة حلوين هتاخدهم.”
أجابها بهدوء، وهي حركت رأسها وهي تردد بحرقة”لاء أنا عايزة الاتنين ياخدوا إعدام.”
أغمضت نيار عيونها بإنهاكٍ، هي الأخرى دموعها لم تجف على حبيبة عمرها ابنتها الكبرى، وحاولت أن تقنعها حتى لا تنصدم بعد الحكم_:
_ياحبيبتي المؤبد دا عذاب، تخيلي تعيشي كل عمرك في السجن؟ معاملة زفت وأكل وشرب زفت وكل حاجة زفت وشبابك يضيع، ولا سماح دي حتى لو خدت تلت سنين ولا أربعة فبقا اسمها رد سجون.
“لاء بس حرام! حرام أنا حياتي تدمر وهما ميتعدموش.”
_السجن لوحده دمار يانور، إنتِ متعرفيش تحت بيحصل إيه..وخصوصًا لو بنت.
قالت كلماتها نيار وهي تضغط بحروفها على وجعها، تعلم ذلك الشعور المرعب، وعايشته لأيامٍ عديدة.
نظر لها يحيى بطرف عيونه بوجعٍ عليها، فهم المغزى من حديثها وعرف شعورها، لكنه انتبه على الحديث الذي صدح من حوله”وقت الحكم….”
“———“
تحبس حالها في غرفة أختها حسناء عندما يأتي والدها ليقضي يومه مع زوجته الثالثة، لا تحب أن تخرج تأكل معه لقمة حتى، أو تراه صدفة ويراها، تكرهه ولا تريد رؤية وجهه.
لكن زوجة والدها تلح وتلح وهي تحاول إقناعها بالخروج إليه!”يابنتي اخرجي بقا عيب كدا دا أبوكي، اخرجي كلي معاه دا ندمان.”
_لاء مش أبويا، دا متبري مني من زمان.
عندت هي الأخرى وظلت تحتضن نفسها مصممة على عدم الخروج، وهي شدتها من يديها مع كلماتها قليلة الحيلة”يابنتي اخرجي بقا متوجعيش قلبي.”
“لاء قلبي أنا يتوجع وأخرج أقعد معاه حـــاضر.”
قالت كلماتها وهي تنهض تخرج للخارج بعصبية، خرجت لتجده يجلس على الأرض حول الطعام، جلست هي الأخرى أمامه متجنبة النظر له محاولة السيطرة على عصبيتها ودموعها.
جلست زوجة والدها بجانبها هي ووالدها، ووالدها نظر لجسدها التي لا تخفيه الجلبية أم نصف ذراع، وشعرها المدمر المهرجل، طال تحديقه فيها وهي لم ترفع رأسها أو عيونها فيه لكن كانت تشعر بعيونه التي تخترقها، لتردد بصوتٍ مقهور شبه ساخر_:
_جسمي يقرف..البركة فيكم.
“وإحنا عملنا ليكي إيه؟ هو إحنا إللي جوزناكي الراجل دا؟ ولا إحنا كنا نعرفه أصلًا!”
سألها بعصبية بعدما ألقى الخبز على الطعام، فاض به الكيل منها ومن رميها للوم عليهم، رفعت عيونها به وهي تضع يدها على صدرها مع كلماتها المتألمة بتقطع_:
_عملتوا يابا! إنت وأمي وإخواتي الرجالة عملتوا كتير أوي، معلمتونيش، منورتوش عقلي، وبتعملوا كدا مع أختي الصغيرة، كإن مكتوب علينا إحنا الشقا! لكن بقيت إخواتي أمهتهم صمموا يعلموهم، جوزتوني لواحد كبير أوي، جوزتوني لواحد عيشني أسود يوم في حياتي بدل ما يبقا أجمل يوم في حياة البنت! ليلة فرحها اتحولت لخوف ورعب وهي طفلة، ومهما اتصلت أشتكي ليكم محدش بيسأل فيا، قعدت أعيطلك في التلافون وأقولك يابا إسماعيل نزلني أخدم العمارة، يابا إسماعيل ضربني بعد أسبوع ونص جواز، قولتلي يعني إيه ضربك ما كل الرجالة بيضربوا مرتاتهم، خليتوني أخاف اتحامى فيكم لما الكلب سامح بدأ ينهش فيا، خلتوني اتحوج للغريب، ولما إسماعيل جابني مجرجرني هنا موتوني ضرب، حبستوني يابا زيي زي البهايم، وأما خدني الغريب وطلقوني النطع خالد جه جوزني من سامح وأنا بعيط وبقوله هيقتلني ويدمرني! لاء متقولش إنكم معملتوش يابا عشان كان على الأقل هعرف اتحامى فيكم!
انهمرت دموعها على وجهها بغزارة، لتزيلها بقساوة وهي تخبره بصوتٍ كاره باكٍ”أنا رجعت البيت دا مجبورة، والله العظيم مجبورة عشان أطلق بس، رجعت وأنا خايفة منكم ومن قسوتكم عليا، ومع أقرب فرصة والله هبعد هبعد أوي عن هنا، هشوف أي حتة إن شالله الشارع، بس مش هعيش معاكم عمري كله مقهورة، أنا يابا ليا وصية واحدة بس والله العظيم لو موتت محدش يحضر جنازتي ولا تنزلوا دمعة عليا، قولوا كلبة وراحت في داهية.”
نهضت بعد جملتها وهي تدخل للغرفة مغلقة الباب خلفها بهدوء شديد، أغلقته بالقفل من الداخل وجلست على الفراش، تتذكر كل ما مرت به، وكل رجل تعاملت معه!
إسماعيل..
سامح..
يحيى..
زياد..
جميعهم شعرت معهم بمشاعر، مشاعر متناقضة تمامًا تجاه كل واحدٍ منهم، لكن بالنهاية هي طلبت الزواج من الشيخ عبدالرحمن! رَجُل يكبرها بـثلاث عقود ونصف!
رجل لم تشعر معه إلا بكل مشاعر الأبوة الخالصة المحرومة منها! تراه يعامل ابنته على إنها أميرة، لا يبخل عليها ولا على ابنتها بأي شيء، أبوته تفيض على الجميع..أرادت أن تفيض عليها هي الأخرى..ألا يحق!
كيف يعاملها كأب وهو رجل غريب عنها لا يحل له لمسها! هي فقط أرادت أن ترتمي في أحضانه وتشتكي له من ظلم الجميع لها! تحكي لوالدها عما يتعبها ويؤلمها!
لكنه رفض! ومعه كل الحق.. أنانية منها أن تتمنى شعور واحد جميل، أنانية منها أن تفكر في نفسها لمرة واحدة! أنانية منها إنها تريده أن يكون أبًا لها! أبًا لها فقط ليس أكثر! لا تريد إلا تمسيده من يده الحنونة على رأسها ويد تجفف دموعها! فقط والله ليس أكثر!
“عمو عبدالرحمن..اتجوزني، اتجوزني وخدني أعيش معاكم وأكون مراتك.”
جملة صادمة خرجت من بين شفتيها لتصدم الجميع وأولهم عبدالرحمن!
لكن لم يستوعب أحد إلا على ضربة أم عبدالله لها على رأسها مع نهرها لها الحاد”إيه قلة الأدب دي يابت! إنتِ اتجننتي؟؟ دا قد أبوكي يخربيتك اخرسي.”
_فيروز إنتِ خلاص اتجننتي! إنتِ بتقولي إيه؟؟
صاح عليها أخوها بعصبية، لكن هي لم تهتم بهما وسقطت دموعها وهي تتوسل عبدالرحمن المصدوم”عشان ربنا ياعمو اتجوزني واحميني من سامح وأهلي، أنا مش عايزة حاجة غير إنك تحميني وتاخدني من هنا وبس.”
رأى انهيارها وغضب أهلها ليتمالك صدمته متحدث بصوت جاد”اهدي بس وصلي على النبي يابنتي، جواز إيه بس! دا أنا قد جدو مش قد بابا حتى!”
نفت برأسها سريعًا وهي تقترب منه تجلس على ركبتيها وهي تخبره بشبه هستيريا وسرعة فائقة في الحديث_:
_مش جواز فعلًا ياعمو، والله ما عايزة منك حاجة، أنا هعيش خدامة عندك إنت وطنط ساجية، ومش هفتح بوقي بكلمة والله، أنا بس عايزة تحميني من سامح، أنا كنت في حمايتك وعمارتك وحماية ابنك يحيى بس معرفش يحميني عشان مفيش حاجة ربطاني بيه، لكن أما أكون مراتك وإنت حد أكبر من سامح كمان هيخاف، أنا عارفة إنه هيرجعني غصب عني والله.
تراجع في جلسته بعيد عنها، وتحدث بصوت جاد متفهم”بصي يافيروز، مفيش حاجة اسمها تشتغلي خدامة ليا أو لمراتي، الجواز دا حاجة كبيرة أوي، وأنا قد والدك ومش هقبل إن بنتي تتجوز واحد قديي…”
قاطعته وهي تبكي بحرقة تتوسله بكلماتها”ما دا مش جواز بجد، أنا عايزة أعيش بس مرتاحة من غير خوف، وأنا عارفة إنك محترم وشيخ وكويس.”
_فيروز خلاص اسكتي، إنتِ بنت صغيرة، وألف حد يتمناكي، وأنا هجوزك لواحد أحسن مني مليون مرة، بس أنا بحب مراتي ومستحيل اتجوز عليها ولا أكتب على اسمي أي حد غير ساجية، مينفعش أجرحها، ولا أجرحك.
أكملت نحيبها وهي تردد بتحسر”ياعمو أهلي هيجوزوني بعد عدتي لو سامح مردنيش، وكمان ممكن نتجوز في السر ومحدش يكون عارف نهائي حتى يحيى.”
“إنتِ جرالك إيه يابت؟ يخربيتك دا إنتِ كنتي هتموتي نفسك عشان هتتجوزي إسماعيل إللي في أول الأربعين!”
صاح أخوها بعصبية وهو يبعدها عنه، وعبدالرحمن أوقفه وهو يتحدث بسعة صدر”سيبها يا عبدالله فيروز نفسيتها تعبانة وأنا فاهمها، بصي يافيروز أنا فهمتك، إنتِ عايزة زوج يتقي الله فيكي ويحميكي ويكون أقوى من سامح، أنا يابنتي زي أبوكي وصعبانة عليا بس دا مش علاج مشكلتك..”
أغمضت عيونها بقوة وهي تستوعب حديثه، وهو أكمل بصوت هادئ عقلاني
“مفيش راجل ولا جواز، ولا حتى صاحب بيعالج يابنتي، عالجي نفسك بنفسك إنتِ أحن عليها من أي حد، إنتِ عارفة جروحك ومكان وجعك.”
بدأت ترجع لعقلها بالفعل، واعتدلت وهي تجلس بعيد عنهم نسبيًا، استوعبت كارثتها! وهمست بعد عدة دقائق من الصمت بصوتٍ مبحوح”أنا آسفة، مكنتش أقصد والله، أنا آسفة ياعمو أنا بس مشاعري نحيتك زي أبويا، بشوف يعني معاملتك لروح وكدا، أنا آسفة.”
“أنا فاهم والله، أنا عارف إنك مجروحة.”
_محدش عارف حاجة، محدش فاهم حاجة، ولا أنا عارفة ولا فاهمة حاجة، أنا بس نفسي..نفسي أحس إني بني آدمة مش أكتر.
قالت كلماتها ودموعها تهبط ببطء وهي تحدق أمامها بشرودٍ، وبعد جملتها نهضت من أمامهم تدخل للغرفة مع همسها”أنا آسفة، حقكم عليا.”
لحقت بها نيار في الحال، وعبدالرحمن تحدث لعبدالله وأمه بهدوء محرك يديه ببساطة”اهدوا عليها البنت مقهورة، ماهو أما تكون قاعدة في عمارة كل إللي فيها حنية الدنيا على بعض طبيعي تفكر كدا، دي بنت غلبانة بجد صعبانة عليا.”
دخلت خلفها نيار وجلست بجانبها تحتضنها بشفقة مع مزاحها لها”يابنت اللاعيبة طلعتي رامية عينك على أبو يحيى! طب هل تعلمين إنه كان الكراش بتاعي قبل ما يحيى يخطبني؟”
بكت بحرقة بين أحضانها وهي تهمس لها بقلبٍ محروق”اتشوهت يانيار..شوفي..شوفي جسمي وشعري.”
قالت جملتها وهي تبتعد عنها تبعد الوشاح عن شعرها وعنقها، لطمت نيار وجهها بعدما رأت حرق عنقها الشنيع! وشعرها الشبه حليق، وسألتها بانهيارٍ”هو عمل إيه إللي ربنا يولع فيه بجاز *** دا؟”
“عيشت أسود أيام حياتي، والله أنا اتمرمطت، سامح حتى وهو بيطلقني كان بيعذب فيا، أنا بكرهه أوي يانيار.”
نهضت تربت على شعرها وشفقتها مسيطرة عليها مع دموعها السائلة، مرددة بتلجلج بعدما رأت حالتها_:
_طب..طب اعملي محضر باللي حصل دا عشان الحكومة تمنعه يقرب منك.
“هو الحكومة يانيار، العساكر والظباط معاه وبيجوا البيت يحضروا الطلاق والجواز، هما إللي ماسكين الدنيا، هما إللي بيجوا على الغلبان والله.”
تلك أصدق جملة ممكن أن تقولها بحياتها، بكت معها وهي تربت على ظهرها مع حرقتها”حقك عليا يافيروز، أنا حاسة بيكي والله وعارفة الظباط بيعملوا إيه.”
في وقتها فصلت عناقها تخبرها بصوتٍ موجوع متألم_:
_لاء إنتِ مش عارفة يعني إيه تنامي كل ليلة جمب واحد مجبورة عليه وحاطت السلاح جمبه، كل يوم بفكر ألف مرة إني ممكن أعمل حاجة غلط فيقوم يفرغ سلاحه كله فيا ومحدش هيسأل عني، ما أنا مليش حد يهتم بيا ولا يعرف عني حاجة، كل يوم كنت بصحى الفجر ألاقيه قاعد برا مع صاحبه بيشربوا سجاير ويتفرجوا على التلافزيون وأسلحتهم قدامهم، كل يوم كان بيقرب مني بحس إن جوايا نار يانيار، بحس إن جسمي بيعيط مش قلبي وروحي بس، طب والله إسماعيل كان أهون منه، على الأقل مكنش عنده سلطة ولا نفوذ يفرضهم عليا، إنك تتجوزي راجل جاحد دي صعبة لكن وكمان يبقا ظابط دي الأصعب بكتير.
جففت دموعها وهي تغير مجرى الحديث مع جملتها المتوترة”متحكيش ليحيى بيه إللي حصل برا، أنا مش عايزاه يضايق مني ويشوفني وحشة، وخلي عمو ميقولش ليه..عشان ميزعلش مني بالله عليكي.”
_لاء يابنتي كلنا فاهمينك أصلًا بلاش هبل، يحيى أصلًا عايز يكلمك، هتصلك بيه.
“——–“
“محـــكـــــــمـــــة”.
صدح الصوت لينتفض الجميع واقفين بوقارٍ واحترام للقضاة الخارجين من الباب الجانبي، وقف الجميع حتى جلس القاضي مشير لهم بالجلوس، وبعد لحظات بدأت جملته تخرج تستقر في آذان الجميع..تُهدئ البعض، وترعب الآخر!
“باسم الشعب….حكمت المحكمة في القضية رقم 4532 لسنة 2026 جنايات، إن المحكمة وهي بصدد النطق بحكمها، قد استقر في وجدانها بشاعة ما اقترفه المتهمون من جُرمٍ نكراء، فخيانة الصديقة وغدر الذئاب لا مكان لهما في مجتمعٍ ينشد العدل..ولما كان القصاص هو ميزان الأرض قبل السماء..”
_فحكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء:
أولًا: بمعاقبة المتهم”حسين….”بالإعدام شنقًا عما أُسند إليه من اتهامات…..
لم يكمل جملته ليقاطعه المتهم وهو يضرب على القفص الحديدي صائح بحرقة تمكنت منه ودموعه تنهار على وجهه”وربنا ظلم، حرام عليكم أنا معملتش حاجة ماهي عايشة حياتها ومتجوزة أهو! ما كل الرجالة بيعملوا كدا اشمعنى أنا اللي آخد إعدام!”
ضرب القاضي بمطرقته ثلاث ضربات قوية أصمتت القاعة كلها التي علتها صرخات الأم وخالته التي ترى مصير ابنتها هي الأخرى ينهار وأقاربهم! لكن بقى صوته هو وشهقاته تتعالى، آمره القاضي بلهجة جادة”اعتراضك الآن هو أشد من كل الأدلة التي قُدمت، فمن الواضح لا ندم ولا ذرة حياء تشفع لك! هل تبرر الجرم بانتشاره؟؟”
وبعد جملته تلك أمر الحراس بجملته الناهية”خدوه.”
بدأوا يسحبونه ونور كانت في حالة صدمة، هل ما سمعته حقيقة!! إعدام؟؟ إعدام وهي قرأت في ليالٍ عديدة عن زوج قتل زوجته أخذ سبع سنوات! ومغتصب انتهك عرض أخذ ثلاث سنوات! وغيره وغيره!! كانت تظن إن سيصبح مصيرها مصير الفتيات اللاتي ذهبن هدر!
لكن..لكن كرم الله وعدالته كان أكبر من أي شيء! انهارت دموعها لكن تلك المرة رضاءً وحمدًا لله! ترى المغتصب يصرخ ويصيح، وتقابلت عيونها بعيون رفيقتها! رفيقتها التي دمرتها بمنتهى الجحود! كانت تبكي بحرقة وهي تهزي بكلمات لم تسمع منها شيء، والعيون تقابلت، عيون نادمة وعيون منتصرة!
حق الله سيُطبق!
وتابع القاضي حديثه بنفس الجدية_:
_ثانيًا: معاقبة المتهمة”سماح…”التي سهلت قضية الخطف والاغتصاب بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر سنة سجن.
لم تصرخ عكس المغتصب بل ضحكت وصدمتها مسيطرة عليها، ضحكت لإن غيرتها وحقدها هما السبب في وجودها هنا! ولم تشعر بالقاضي الذي غادر بعد دقيقة، وكانت والدتها تبكي بحرقة لكن نور اقتربت من القفص تهمس لها ببسمة شامتة”عمرك كله ضاع زي ما ضيعتي حياتي.”
كانت ستكون طبيبة! ماذا يحدث الآن! لماذا تُجر وتسحب ويسبها الحراس! ماذا يجري هنا! لا تصدق…
وعلى النقيض صدحت تهليلات نيار وهي تردد بعلو صوتها”يحيى العدل، تستحقوا أكتر من كدا كمان، ربنا ينتقم منكم.”
ارتمت نور في أحضانها تبكي بقوة وهي لا تصدق، لم تتوقعها، أقنعها الجميع إنها الرابحة لكن لم تستوعب ولم تصدق حتى! احتضنتهما ساجية التي كانت تبكي مع نور بكاء غزير!
وعمر دموعه كانت هبطت بدون شعور منه، لم يشعر بحاله إلا وهو يشكر المحامي بصدقٍ ودموعه تزيين عيونه”بجد أنا مش عارف أقولك إيه، شكرًا على كل حاجة إنت ويحيى عملتوها، شكرًا والله العظيم على كل حاجة حلوة وعلى حق نور إللي رجع.”
ربت فوق ظهره عبدالرحمن متحدث ببسمة واسعة”كله بفضل الله ثم بفضلك ياعمر، يارب ما نشوفكم في حاجة وحشة تاني أبدًا، نور دي بنتي ونور عين مرات ابني.”
خرجت نيار من أحضانهما والتقطت كفه في الحال تقبله مع جملتها الممتنة”الله يباركلنا فيك يابابا، يارب أشوفك دايمًا ربنا رافعك ومعلي قيمتك عشان بتنصر الحق.”
ربت على رأسها برضاءٍ وحنانٍ”افرحي إنتِ وأختك.”
ووجه حديثه لنور التي تأخذ أنفاسها بصعوبة، محدثها ببسمة واسعة”افرحي يانور، ربك برد نارك في دنيته مأردش إنه يسيبك في الدنيا مقهورة خايفة من كلام الناس، أهو دلوقتي تمشي في المنطقة وجامعتك رافعة راسك ومتحنيهاش أبدًا.”
ترك عمر نور تتلقى التهاني والمباركات من الجميع حتى انتهت، وعادت لأحضان أمانها ومسكنها، ألقت بثقل جسدها على جسده، وهو في لحظة كان رفعها من فوق الأرض يضمها بقوة، مسيطر على كل جسدها وهو يخبرها بيقين”قولتلك يادكتورة، قولتلك ياست البنات حقك هيجي قدام عينك وربنا هينصرك”.
_وأنا بقولك ياعمر..إنت السبب إني آجي هنا وحقي يجيلي، إنت إللي عالجتني وخلتني أكمل القضية، إنت إللي خليتني أرفع راسي وأروح جامعتي، أنا بحبك أوي ياعمر.
ممتنة له، مهما كان حبها لا يتصوره أحد، ليس حب فقط..بل امتنان، وعشق، وثقة، وأمان!
وحتى محمود عانقها بقوة مبارك له بسعادة كبيرة، حتى عادت نور للمنطقة التي فُضحت فيها، ومعها أختها تساندها ككل مرة وكل لحظة، وعمر.. عمرها كله وخالها.
وقف عمر في وسط الحارة يوجه حديثه للجميع بسعادة فائقة ونبرة ذات مغزى”إحنا لسة جايين من المحكمة، مع أول جلسة مراتي الشريفة إللي مفيش أطهر منها اتحكم ليها بالإعدام على إللي اغتصبها، والبت صحبتها خدت ١٥سنة، مراتي طول عمرها شريفة وربنا جاب ليها حقها من أول كلمة في المحكمة.”
زغردت نيار بعلو صوتها وهي تقبل في نور، وعمر وجه حديثه لصاحب محل المقلة بجانبه”انهاردة أنا عازم الكل على ساقع حلاوة إن حق مراتي جه.”
ووقفت نور بعلو صوتها تردد بنبرة متحدية”وأي ست ولا راجل جابوا سيرة أختي بكلمة وحشة ولا داسوا ليها على طرف يجي دلوقتي يقول آه أنا اتكلمت.”
_أنا أصلًا مش مسامحة أي حد اتكلم عني.
قالتها بصوت منخفض جاد.
كان الجميع منتبه لحديثهم، وبدأت النسوة ينظرن من النوافذ، هبطت دينا لهم، اقتربت من نور تعانقها بحنانٍ مع جملتها المتهللة”ياألف نهار أبيض ياختي، ألف مبروك، أنا قولتلك ابن الكلاب الواطي دا هياخد إعدام، قولتلك ربنا هيجيب ليكي حقك.”
احتضنتها نور بقوة وهي تشكرها بامتنان”شكرًا يادينا، بجد شكرًا كلامك دا فوق راسي.”
وقفت الجارة من الأعلى تحدث الأخرى وهي تمصمص شفتيها”إيه ياختي دا! هو فرحان ولا فخور بإيه؟ الرجالة ماتوا والله، دا بدل ما يستر إنه متجوز مغتصبة واتوسخت ومش هو أول واحد يلمسها واقف فرحان والضحكة من هنا لهنا!”
_ولا دينا ياختي! دينا دي إللي هتجنني! نازلة تبارك ليها وتحضنها! أحيه ياختي على الستات! دا بدل ما تقول لجوزها إنه متجوز واحدة لمامة عليها! وتقف في نص الحارة تقول يا أنا يا البت دي! ياختي البت دي عاملة ليهم عمل؟؟
أنسيت أن أخبرك؟؟
مهما طُبق حق الله، وجاءت العدالة..
لن يصمتوا مرضى المجتمع!
ولن تكف النسوة عن الحديث..
وسيظل الحوار دائر حتى يلتهوا في حوار آخر!
لكنه لا يهم..
ذلك مجتمعنا، لترفع رأسها الحرة مهما يكن.
ونور أخذت نفسها اليوم، وولدت من جديد.
لكن يبقى شيء واحد فقط..
كليتها!
وعمر صور بهاتفه عندما نطق القاضي الحكم مرسله لنور بسعادة”كل شوية أسمع الحكم وأضحك بجد، مبروك يادكتورتنا القمورة.”
حفظته على هاتفها تشاهده بانتصارٍ وهي تشكر ربها، ودخلت المجموعة الخاصة بدفعتها في الكلية، لم تتردد للحظة وهي ترسل المقطع مع رسالتها الطويلة_:
_أنا نور.. البنت إللي اغتصبت في دفعتكم وكانت سيرتها على كل لسان، غابت شهر ورجعت لقت صاحبتها القريبة منها نشرت خبر اغتصابها وكإنه كان مش اغتصاب والكل بقا بيعاملني على الأساس دا، تلقيح وكلام بايخ، وتشوفوني تستغفروا ربنا كإني زانية..
أهو ربنا وبعديه القاضي أثبتوا برأتي وانهاردة كانت أول جلسة محاكمة للي اغتصبني..وصحبتي سماح إللي كانت سبب في كل دا، والقاضي برأني قدام الكل، وإللي اغتصبني وضيع حياتي خد إعدام، والدكتورة سماح خدت 15سنة سجن مشدد.
أرسلت المقطع، ودفعة كبيرة، عددها كبير جميعهم في المجموعة على الواتساب، بدأ المقطع يتداول بينهم ويردون عليها في المجموعة والخاص، الجميع يبارك لها، الجميع يتحدث ويتحدث حتى علمت إنها ستكون(تريند الكلية) ذلك الأسبوع..لكنها مرحبة للغاية…فمن قبل كانت تريند أيضًا لكن بحديث باطل عنها!
فهنيئًا لها إذن!
ستنام اليوم في أحضان عمر مرتاحة البال مطمئنة!
“—–“
وقفت أمام المرآة تأخذ أفضل قرار في حياتها كلها، وقفت تربط نقابها الأسود على رأسها من الخلف والبسمة تزين ثغرها، ومن ثم ارتدت قفزات يديها السوداء.
خرجت من غرفتها تحدق بظهر زوجها الجالس يقرأ القرآن وابنتها تجلس بجانبه تلعب بلعبتها، ضحكت بخفة وهي تقترب منه تضع يديها على عيونها مع همسها المرح له”غمض عينك يازوجي الجميل.”
أغمض عيونه وهو يضحك تارك المصحف من بين يديه، وهي أبعدت يديها تقف أمامه مع جملتها المتحمسة”افتح!”
فتحها مرة واحدة لتنصدم عيونه بالحورية الخارجة من الجنة التي تقف أمامه! ونطق بدهشةٍ”دا بجد!”
_بلمحلك بقالي فترة ياباشمهندس! وسيادتك بدل ما تجيبه ليا هدية قولت أجيبه أنا وأصدمك زي الكل!
قالتها بدلالٍ وهي تهز منكبيها، صفق بيديه بسعادة فائقة مع جملته المنبهرة”شكلك يجنن! أنا مش مصدق بجد! يارب يثبتك يارب”.
نهض يضمها وهو يضرب رأسها برأسه بمرحٍ، وهي تذمرت وهي تضربه على صدره بخفة “بعد كل دا وبتقولي شكلي يجنن! وفين شكلي بس دا حتى فتحة عيوني ضيقة؟”
_شكلك يجنن وإنتِ مش ظاهرة كدا غير ليا!
اقتربت من حفصة التي لم تتعرف عليها! بل ظنتها المنتقبة الوحيدة التي رأتها في حياتها حور! ضحكت روح وهي ترفع النقاب عن وجهها وهي تضمها”أنا ماما ياقلبي، تعالي هاتي بوسة ياحفوصتي.”
_تعالي ننزل نفرح أهلي وأهلك بقا.
شدها رائف يهبط بها هي وحفصة، ودخل أولًا عند عائلته، محدثهم ببسمة مازحة”جماعة أنا اتجوزت على روح منتقبة.”
في الحال نكزته روح بغيظ وهي تهتف بانفعالٍ”طب فكر تعملها وأنا أعلق على باب بيت أهلك.”
صفرت لها فجر وهي تردد بصوتٍ عالٍ”أيوة بقا ياروح ياجاحدة، اشكمي الواد دا، وتعالي وريني القمر دا، يوغتي عسل..شكلي كدا هقلدك ولا إيه؟”
“ياريت بجد، هتكوني عسولة أوي أكيد، ربنا يرزقك الخطوة دي.”
اقتربت منها ليل تتحدث بطيبة قلبها”ياروحي بسم الله ماشاء الله، أنا هبخرك أحسن تتحسدي.”
_مبروك ياروح يابنتي والله فرحتيني، عرفت تختار زينة البنات ياض يا ابن الكلب إنت.
قالها والده ليصرخ بغيظٍ”ياعم بقا سيبني في حالي!”
ضحكت حفصة عليه لينظر لها متحدث بنفس غيظه”بتضحكي! بكرة تكبري وأقرفك في عيشتك زي جوز الأم الجاحد دا.”
انتظرت روح حتى تتجمع أسرتها وهبطت لهم، الصدمة والسعادة علت وجوه الجميع، وأول من علق أحمد وهو يشد النقاب عن وجهها يحدق بها أولًا ومن ثم أرجعه”طلعت أختي روح بجد، طب مش تقوليلي؟ مش تقوليلي نطلع لايف مع بعض وإنتِ بتلبسي النقاب ونقول شعورك للناس؟”
“حد يشيل المختل عقليًا مريض الشهرة دا من قدامي.”
قالها رائف وهو يدفعه عن روح.
ويحيى اقترب يضمها وهو يبارك لها بابتسامة”اللهم بارك ياحبيبتي، والله ربنا كرمك بأحسن حاجة في الدنيا، يارب الثبات ياقلب أخوكي.”
وكعادة نيار ما تفعله عند سعادتها هو زغرودتها المعهودة الرنانة، وهي تغني لها بمرحٍ”يلا نحيي البنوتة إللي لابسة النقاب”.
وغمزتها وهي تدغدغها بمزاحٍ”القمر دا ماشاء الله! ببقا حاسس بانبهار!”
أشار أحمد لأسماء بعيونه أن تقترب من روح وتبارك لها، كانت مرتبكة ولا تعرف ماذا تقول وخصوصًا إن الجميع بارك لها! لكن روح اقتربت منها وهي تمسح على وجهها بخفة مع سؤالها”إيه رأيك؟”
_جميل زيك، شكلك حلو..مبروك.
قالتها ببسمة صغيرة لكن سعيدة لإنها اهتمت لأمرها.
وساجية ضربتها على ذراعها بغيظٍ”مقولتيش! كنت ألبسه معاكي!”
_ياماما نفسك بيتخنق! هتلبسيه إزاي؟
صمتت للحظات لتستوعب وهي تخبرها بعدها باقتناع”صح معاكي حق، خلاص سامحتك، مبروك ياحبيبة قلبي بجد.”
انتهى الجميع وانتظرت مباركة والدها ليسمح على رأسها بحنو وهو يدعي لها بمنتهى الحب_:
_اللهم أجعله شفيع لها.
اللهم استرها في الآخرة كما سترتها في الدنيا.
اللهم بارك لها وارضى عنها.
اللهم اجعله تقربًا منك وطاعة لك.
اللهم نور قلبها بنور إيمانك.
اللهم استرها بسترك.
وجعل ذلك العمل خالصًا لوجهك.
انتهى من دعائه لها وقبلها من جبينها مع جملته المازحة معها”والله إنتِ خسارة في جوزك دا”.
“طب جبتي نقاب تحضري بيه فرحي ولا لاء ياست روح؟ الفرح خلاص بعد يومين!”
تذمر أحمد بسؤاله لترد عليه بضحكة صغيرة_:
_ياحبيبي طالبة والله نقاب جميل أوي أحضر بيه فرحك، هو أنا هلاقي يوم أجمل من فرحك إنت وسمسمة؟
“—-“
جلس أحمد مع نيار ويحيى بعد تلك الجلسة محدث نيار بهدوء”بصي ياستي أسماء إنتِ عارفة حالتها وعارفة إنها اتعالجت المهم إنها بسبب الحالة دي مكنش عندها صحاب نهائي ولا حد كان بيكلمها خالص، حتى أهلها ملهاش علاقة بيهم ومتعرفهمش، كل إللي كانت عرفاه جدتها وإحنا خلاص فرحنا بعد يومين وقاعة ستات وقاعة رجالة يعني مش هكون واقف معاها فأنا طلبت من روح تعزم كل صحباتها البنات وتفهمهم إنها معندهاش صحاب يجوا يقفوا معاها وكدا، ويحيى في نفس الوقت قالي إنك في كتب كتابك عزمتي بنات كتير من صحابك فإيه رأيك تعزميهم وتقفي معاها إنتِ وروح متسبوهاش؟”
_طبعًا يا أحمد دا أنا عيني ليها والله، هعزملها كل إللي أعرفهم، وكمان مش هسيبها لحظة عيني.
“تسلمي والله، وحاجة كمان..أسماء يعني أول ما عرفتها كانت بتروح وتيجي وتتكلم وبتاع لكن من ساعة ما اتعالجت وهي شبه مبقتش تعرف تروح حتة لوحدها ولا بتعرف تتكلم كتير ومش ماسكة غير فيا فلو يعني تصاحبيها وتدردحيها شوية يبقا الله يباركلك.”
ضحكت نيار وهي تصفق بتحمس”طبعًا، دي تقعد بس ساعتين معايا أنا وندى وهتبقى مش متدردحة وبس! دي هتكون منحرفة كمان.”
_لاء مش للدرجة، شوية دردحة مش انحراف ولا حاجة إحنا عايزين البنت هادية بردو مش مجنونة مش هيكون أنا وهي!
مر اليومان سريعًا وبالفعل لا نيار تركتها ولا والدته وأخته، وقف أحمد يتجهز أمام المرآة وهو يدندن ويرقص”انهاردة فيرحي ياجدعان..عايز كله يبقا تمام، وهتجوووز هتجوز.”
_يابني اتهد الله يهدك مش عارف أظبطلك الفيونكة.
نهره رائف الذي يقف يهندم له ملابسه.
ونظر أحمد في المرآة يحدق بمصعب الذي ينظر لها بنظرات خزي ليصيح عليه بعصبية”بتبصلي كدا ليه ياض أنت!”
حرك رأسه بنفس الخزي وهو يجيبه بيأسٍ”إنت وقعت من نظري أوي يا أحمد بسبب الفيونكة دي.”
_هو إنت مالك بأم الفيونكة! تكونشي بدلة رقص وأنا مش عارف! مالها الفيونكة ماهي سودا وجميلة أهي مش بينك ولا بيبي بلو حتى!
صاح عليها بقلة صبر وهو يريد إلقائه من النافذة!
ليرد عليه الثاني بعصبية”في حاجة اسمها جرافتة.”
_بص يامصعب هو رأي يحترم وكل حاجة بس رأيك دا إنت عارف تحطه فين واطلع برا بقا متعصبنيش.
لم يكمل جملته حتى هبط كف رائف على وجهه مع صياحه المغتاظ”متكلمش أخويا كدا ياكلب! كله إلا أخويا يا أبو تلات ملاحق.”
كان سيمسك فيهم أحمد لولا دخول يحيى وداني عليهم ليردد داني بضحكة ساخرة”الحق ياعم بقا، جايين يتخانقوا وهو متأخر على العروسة ساعة!”
_ساعة! نهارك أبيض يارائف مش قولتلي إن معاد الكوافير ستة!
أمسك في رائف الذي تراجع فورًا وهو يجيبه بارتباك”يعني والله أنا نسيت المعاد إللي روح قالته فقولت أكيد العروسة هتخرج ستة.”
ضربه في معدته وركض على أخيه يولول له بكلماته”بالله عليك أعملي الفيونكة دي عشان أروح لأسماء.”
_اقف عدل وبطل دلع بقا.
هندم له ملابسه وغادروا أخيرًا، ووقف مصعب بجانب يحيى يحرك رأسه بقلة حيلة ضارب كف على آخر ليستنكر منه يحيى بعدم فهم”مالك! بتبص ليا كدا ليه؟”
_مش مكسوف من نفسك! أخواتك الصغيرين اتجوزوا كلهم خلاص في مرحلة الخلفة والحمل وإنت قاعد كدا! والله عيب.
انصدم من مصعب! أين مصعب الذي لا يتدخل في أي شيء! ليسحبه من معطفه صائح عليه”ولا!! مين حفظك الكلام دا؟؟ دا مش كلامك!”
“لاء والله دي جملة لسة جاية في دماغي، أنا عندي مخ على فكرة.”
اعترض بصوتٍ جاد للغاية، ليدفعه يحيى على الحائط وهو يسخر منه_:
_ويوم ما تشغل مخك تشغله عليا!
أما أحمد فكان في عالم ثاني أخذ أسماء من يديها يدخل بها إلى القاعة، كانت قاعة كبيرة للغاية منقسمة جزء رجال في الحديقة الكبيرة على البحر، وجزء نساء في نفس المكان لكن مفصولين عن بعضهم، يمكن للنساء رؤية الرجال عن طريق باب يظهر مَن بالخارج ولا يظهر مَن بالداخل لتأخذ النساء راحتهن.
كانت جميلة أسماء بفستانها الهادئ الرقيق الأبيض، وتفاجأت من كمية النساء الموجودة بالقاعة! فتيات كثيرة للغاية من نفس عمرها! ونيار تشدها ترقص مع مجموعة من الفتيات، ثم تشدها روح لترقص مع فتيات غيرهن تمامًا!
أما أحمد فكان الأمر مختلف…أحمد دعى جميع مشاهير التيك توك الذي يرافقهم والذي لا يرافقهم! كانت القاعة متكدسة وذلك بمثابة بوادر جلطة قلبية ستأتي لعبدالرحمن الذي سيدفع ثمن طعام لن يدفعه بحياته أبدًا!
وقف تيم ينظر لعبدالرحمن بصدمة”هو إيه دا! دا مفيش مكان الرجالة يقعدوا فيه! هو حد سرب عنوان الفرح غلط!”
_ياريته كان اتسرب ياريته ولا إنه الكلب دا يعزم أمة لا إله إلا الله كدا! دا أنا هشعلقه على باب القاعة.
نطقها وهو بالفعل سيُشل من ابنه الذي أخبره ليلة أمس بتفكير”لاء يابابا متقلقش دول مش هيكملوا 50!”
اتجه له يسحبه ببسمة مصطنعة يسأله بنبرة عالية وهو يخرج به للخارج بعيد عن الأنظار”هو مش إنت يا حيوان قولتلي المعازيم مش هيكملوا 50! دول داخلين على 2000واحد في القاعة؟”
_طب ما أنا مكدبتش أهو يابابا قولتلك مش هيكملوا 50 ألف! دول حتى مكملوش 5 آلاف عشان تزعل كدا!
رد عليه ببساطة وبمنتهى البرود ليشده والده بعصبية من بذلته”ولا! هنآكل كل دول منين!”
وضع يده على يد والده وهو يردد بصوتٍ خافت وهو يبتسم للمارين”الچاكت يابابا لو سمحت أنا عريس مشهور وليا هيبتي.”
_دا أنا همرمغ هيبتك يا ابن الكـ…
قاطعه أحمد وهو يبتعد عنه راكض جهة رجل شيخ كبير لحيته أصبحت كلها بيضاء لأول مرة يراه عبدالرحمن ومعه أربع نساء منتقبات!
اقترب منه أحمد وقبل يديه الاثنين معرف عبدالرحمن عليه بجملته السعيدة”بابا الشيخ حامد، قدوتي وحبيبي…ودول زوجاته الأربعة.”
صافحه عبدالرحمن وهو يرحب به وأرشد نساءه على المكان وأدخله هو وأحمد للداخل، وأحمد جاء يركض إلا إنه أمسك به والده يسأله بعدم فهم”مين دا! دا أكبر مني بعشرين سنة! عرفته منين!”
_لو سمحت يابابا أنا الراجل دا قدوتي.
“ياسيدي على راسي بس قدوتك في إيه؟ دا حد مشهور أو عالم من العلماء؟”
ابتسم أحمد وهو يهندم بذلته مخبره بثقة”لاء قدوتي في التعدد، متجوز أربعة ومقعدهم في بيت واحد مع بعض.”
أمسك بقلبه ليلحقه تيم الذي يضحك بعلو صوته، مردد عبدالرحمن بقلة حيلة”إنا لله وإنا إليه راجعون! يعني جايب الراجل بمرتاته بأولاده! أجيبلك فلوس منين يابني خربت جيبي!”
_أهلًا أهلًا الشيخ حازم.
ركض أحمد على أحد المشايخ تليه شيوخ في عمر الثلاثينات من مشاهير الانترنت، ليردد تيم بضحكة عالية”ابنك واصل، ولا عمره راح خطب في مسجد ولا إدى محاضرة بس عرف مشايخ وناس مهمة إنت ياللي قاعد خمسين سنة تخطب في المساجد معرفتهمش!”
_متقولش إن الشيخ الكبير وسطهم دا هو الشيخ إللي أنا بسمعه من وأنا شب عندي خمسة وعشرين سنة!
نطقها وهو بالفعل مصدوم، وصديقه هز رأسه بأسفٍ_:
_للأسف هو، شوفت! من وإنت شب بتسمعه عمرك ما وقفت معاه، ابنك عازمه على فرحه!
اقتربا منهم ليبدأ يصافح الجميع ويصافح مشايخ السوشيال ميديا! عجيب الأمر! هو له شأن كبير في محاضرات المساجد لكن لم يجلس من قبل مع أين منهم رغم إنه سمع عنهم الكثير! لكن الغريب إن ابنه يجلس معهم بمنتهى الاريحية ويتمازحون!
شد أحد العاملين بالمكان محدثه بتوسل”أبوس إيدك أي حد تاني جي يسأل على فرح أحمد قوله الفرح خلص خلاص، عشان والله مافي مكان جوا.”
وعند الشباب كانوا يقفون جميعًا منصدمين، وأول من علق يحيى”أنا حاسس إننا دخلنا برنامج التيك توك الإسلامي! إيه كل المشاهير دي!”
_إنت عارف أنا إيه إللي مزعلني؟ إن أحمد كان بيقنعني أعمل ڤيديوهات معاه وأنا كنت بقول لاء، ياريتني كنت عملت واتشهرت شهرته!
عدد بجملته رائف ليتحدث مصعب باختناق وهو يريح رابطة عنقه_:
_لاء ياجدعان إيه الرعب دا! أنا لازم أخرج، أنا معرفش أقعد في مكان فيه أكتر من عشر بني آدمين! أنا مخنوق لازم أخرج.
ضحك داني وهو يهوي له بيديه مع جملته”أهدى كدا دا أقل عدد في حصة عندي”.
_طب إنت مدرس حقير بتعمل تكدس للطلاب أنا مالي!
لكن أيده يحيى وهو يردد بسخرية”لاء ياجدعان بجد أنا نفسي مخنوق موت مع إن القاعة على البحر والزرع وملهاش سقف! وكمان جالي رهاب اجتماعي!”
تعالت ضحكات رائف القوية وهو يشده من وجنتيه”إنتِ ياحضرة الظابط عندك رهاب اجتماعي! يوغتي بطة عندها رهاب اجتماعي!”
“دا المفروض يبقا عنده إرهاب اجتماعي.”
قالها داني ليضرب رائف كفه بالثاني وهما يضحكان، شد يحيى مصعب من ذراعه وهو يردد بصوتٍ ممتعض”تعالى ياض والله ما هنقعد مع تُقل الدم دول!”
كانا سيخرجان لولا أحمد الذي جمع حولهما الجميع وهو يرقص معهما، ورغم الازدحام المبالغ فيه إلا إنهما اندمجا والجميع كانوا يرقصون ويصورون مقاطع بسعادة كبيرة.
بالداخل عند النساء شدت نيار أسماء من يديها تريها قاعة الرجال وهي تردد بدهشة”بصي القاعة عاملة إزاي!”
حدقت في الازدحام وهي تفتح فمها تسألها بعدم تصديق”كل دول أحمد يعرفهم؟”
ضحكت ساجية وهي تخبرها بنبرة مرحة”اسكتي دا عبدو برا هاين عليه يولع في أحمد عشان قاله مش هيجيب أكتر من خمسين واحد وراح عزم التيك توك والفيس كله.”
_مش مصدقة! أحمد محبوب أوي!
أعجبت أكثر به! الجميع هُنا! تقسم إن جامعة عين شمس كلها هنا! وكلية حقوق بالأخص! ومشاهير المواقع، وكبار السن، والأطفال، والشباب، والرجال!
بعد ذلك المنظر وكل تلك النساء أيضًا كانت تشعر بالسعادة الفائقة، لم تتوقع أن يفعل لها أحمد زفاف كبير كهذا! لا واشترى لها شبكة ذهب!
انتهى اليوم وأخيرًا تصوروا كثيرًا، وكان يوم بالنسبة للاثنين..يوم العمر بالفعل!
لكن بالنسبة لأسماء هو يوم مولدها الفعلي! دخلت لبيته الذي انتهى توضيبه وليس بيت جده وجدته القديم الذي كانت تجلس فيه، بل بيته بالأدوار الأخيرة الذي يعلو بيت يحيى!
دخلته كعروس، وأحمد حملها في غفلة وهو يهتف بمرحٍ بعدما صرخت برعبٍ، غامزها بمكرٍ”أموت أنا ياجميل! إيه رأيك في شقتنا؟ محرمتكيش من حاجة في سنة وكان شهر قعدتك في تلت شقق!”
_دا جميل أوي.
قالتها بصدق وهي تتعلق في عنقه بخجلٍ، وهو دخل بها للغرفة واضعة فوق الفراش برفق مع جملته”مبارك علينا ياحبيبة قلبي، أهو أنا انهاردة أقدر أبدأ معاكي حياة جديدة يرضاها الله، ونجيب ذرية صالحة.”
“شكرًا يا أحمد..”قالتها وهي تحدق فيه بامتنانٍ، وهو وضع سبابته على فمها مع كلماته”مش وقت شكر خالص، دا وقت مفاجأة، غمضي عيونك.”
أغمضت عيونها بالفعل ليضع فوق فستانها عدة أوراق مع الباسبور المصري لكل منهم، فتحت عيونها ببطء لتنظر لهم بعدم فهم، هو أخذها من قبل لإجراء تلك الأوراق لكن لم تفهم السبب، وهو أخبرها ببسمة_:
_ياستي أنا وإنتِ بعد بكرة عندنا سفر للسعودية وتحديدًا الحرم المكي، هنقعد في مكة تلت أيام وفي المدينة يومين، هنعمل عمرة لطنط والدتك، وعمرة لعمو والدك.
اندهشت وهي تسأله بعيونٍ متوسعة”بجد! هو ينفع نعمل ليهم عمرة؟”
_طبعًا ينفع، وكل سنة إن شاء الله هنطلع نعمل ليهم عمرة، وهتوصل ليهم وربنا يعليهم في الدرجات إن شاء الله، وهنفضل ندعي ليهم العمر كله، دا غير إننا هنبدأ حياتنا وإحنا في الحرم المكي عند الكعبة.
“شكرًا يا أحمد، بجد أنا بحبك أوي.”
“——-“
ومع كل الأحداث الإيجابية في تلك الأيام السابقة وصل يحيى قرار مجلس التأديب..تم نقله لقسم بعد الجيزة على الهوامش، قسم صغير في شبه قرية! عقابًا له! عقاب لا يعلم سببه.
اتصل به العقيد عصام يخبره أن يأتي له في أحد الأماكن الذي يجلسون فيها، وصل للمكان، الاثنان بالملابس العادية التي ليس لها علاقة بعملهما، اقترب منه يحيى يلقي عليه تحية الإسلام بهدوء ومن ثم جلس، ظل صامت حتى بدأ معه العقيد الحديث بسؤاله”عرفت قرار مجلس التأديب.”
_عرفت، ومش فاهم صراحة أنا بتأدب ليه ياسيادة العقيد؟ ليه أنا عمري في حياتي من ساعة ما اشتغلت لا ظلمت ولا ارتشيت ولا جيت على حد، ولا طرمخت على قضية وفي الآخر اتحول لتحقيق ومجلس تأديب وأترمي في الآخر في حتة قسم ولا ليه أي لازمة وولا بيمسك قواضي! مش دا معناه إنكم عايزين تقضوا عليا؟
كان منفعل ومتمكن منه الغل، لا يعلم ماذا فعل ليقضوا على مستقبله المهني! وسأله بسخرية واضحة”ولا أنا عشان مش بستخدم وساطة في الشغل؟ طب فهموني عشان أبويا محامي كبير بردو في البلد دي وعندي واسطة وضهر والله لو مش عارفين.”
_خلصت؟ ياغبي إنت رايح تتخانق مع المقدم إللي مقعدك معاه! دا أنا باعتك في قسم تاني عشان يكون فيه إنصاف ليك!
كعادة العقيد ينفعل عليه من عشمه فيه منذ الصبى، ويحيى ردد مستهجنًا_:
“إنصاف ليا؟ وقسم تاني؟ قسم المعادي إللي سامح صاحبه الروح بالروح يكون أسامة، والمقدم يكون ابن عمه ولا قريبه معرفش منين، وكلهم متفقين عليا.”
ضرب كف على آخر بقلة حيلة وهو ينصحه لعله يتقبل النصيحة!
_لا حول ولا قوة إلا بالله! يابني إنت ذكي متضيعش نفسك!
وفورًا ارتسمت البسمة المقهورة بتهكم واضح على محياه”أنا ضيعت خلاص ياسيادة العقيد.”
_ضيعت ليه! دي قرصة ودن عشان تتحكم في عصبيتك مش أكتر، يابني الظابط مينفعش يكون عصبي، إنت مشوفتش حتى تقرير المقدم فيك زفت، بتتعصب، بتقوم تقف، بتحرك إيدك كل دي حاجات لو عملها متهم هنحبسه فيها وقتي!
صك على أسنانه بقساوة، ونطق متعجبًا مما يسمعه، ومن الظلم البين الذي يتعرض له!
“طب والعصبية دي تخليكم تقضوا على مستقبلي؟؟ إنتم نقلتوني قسم لا فيه مية ولا نور وعلى الهوامش كإني ظابط فاشل محلش أي قضية، ظابط مقدمش أي حاجة ولمجرد إنه وقف قدام ظابط فاسد سيبتوا الفاسد ومسكتوا فيا أنا تعاقبوني!”
توقف للحظات حتى تابع بصوتٍ مخذولٍ وكإنه اكتشف للتو إن نزاهته هي سبب ظلمه!”دا مش من العدل! مش من العدل إني عمري ما عملت حاجة غلط ولا استخدمت سلطتي بطريقة غلط إني اتظلم كدا!”
وأتاه الرد فورًا من العقيد بهدوء شديد_:
_الحياة ليست عادلة ياحضرة الظابط.
ولأن الحياة ليست عادلة كما يقول فهو قطع عهد على نفسه من التو أمام رئيسه!
_طالما الحياة مش عادلة خلاص والله العظيم لا هوريهم إزاي أكون ظابط فاسد ظالم، وطاغي! هيشوفوا من هنا ورايح أقذر ظابط هيتعاملوا معاه، عشان أما اترقى والكل يكون مرعوب مني يبقا هو دا العدل، وقسمًا بربي لا هكون ****من سامح بمليون مرة عشان يعرفوا إن “يحيى عبدالرحمن” كان بمزاجه يكون شريف..لكن مفيش أسهل من الـو****.
رفع حاجبيه وهو يحدق بيحيى الشاب صاحب الثماني عشر الذي أخبره من قبل أنه سيحمل دولته على أكتافه، وفوقها رآيات العدالة..والحق! ليسأله بجدية_:
_هو دا مبدأك الجديد؟
أظلمت نظراته وهو يجيبه بشبح بسمة لا مبالية
“ظلم بظلم.”
استسلم له بمنتهى البساطة وهو يخبره بصوت حازم_:
_تمام موافق وخليها غابة، بس اوعى تنسى إن الحياة هي إللي مش عادلة ياحضرة الظابط، والحياة مرحلة وهتمر لكن هنقف كلنا قدام رب اسمه العدل! ربنا العادل إللي بيقف يحاسبنا على كل نفس بمنتهى العدل، حتى الحيوان ربنا بيعامله بمنتهى العدل!
_وهما ليه منوقفهمش عند حدهم! ليه بتعجزوا الشريف!
سؤال خرج مقهور وهو يعلم إنه قضى عليه بالفعل! إبعاده عن مكان عمله الرئيسي ومعاقبته ورميه في أطراف المحافظة سيكون وصمة عار..فلا تريقة ولا تحريكه حتى من رتبته! سيعيش ويموت نقيب! وكإنه ارتكب جريمة شنيعة في حق النظام والقانون!
“خد بالك ياسيادة النقيب لو سلطة الدولة 95٪ منها فاسد ففي 5٪ ناس عارفة قيمة المنصب والسلطة إللي ماسكينه، لو الـخمسة٪ قالوا يلا إحنا كمان نظلم ونفتري زي الكل يبقا مفيش واحد غلبان هيجيله حقه في يوم أبدًا، يبقا الـ100مليون هيتظلموا وهنعيش في غابة، لو مفيش واحد نزيه زيك في وسط القذارة دي يبقا صدقني إحنا بنقتل كل واحد مظلوم عنده أمل في كلمة حق أو إنصاف!”
يعلم ببذرته الصالحة الطيبة، يحدثه كابن له يعلم إنه غاضب مقهور!”الـ 5% دول يا يحيى هما إللي مخلين الناس لسه بتمشي في الشارع وماسكة نفسها، لو إنت بقيت زيهم، يبقى مفيش فرق بين الظابط وبين المجرم اللي بنطارده، غير البدلة إللي لابسها!”
وبعد تلك الخطبة المحترمة كان رد يحيى من كلامه، يلقي كلماته وهو متجه للرحيل بمنتهى العملية_:
“وصدقني يافندم إنتم فعلًا قتلتوا واحد نزيه زيي بظلمكم ليا.”
وبعد تلك الجملة طار من أمامه وعيونه يتطاير منها الغضب، يتوعد الجميع إنه كما ظُلم فسيُظلم..والحياة هكذا.




