Uncategorized
رواية شهادة قيد الفصل الثالث عشر 13 بقلم دودو محمد

رواية شهادة قيد الفصل الثالث عشر 13 بقلم دودو محمد
“شهادة قيد”13
“الفصل الثالث عشر”
صمت مهران لثوانٍ معدودة، يفكر في الكلمتين التي سيتفوه بهما، قبل أن يسأل بنبرة حاسمة:
“ذات، تتجوزيني؟”.
كان سؤاله سلاحًا قويًا، يحمل وعدًا بالحياة والأمل والمستقبل. كان يدرك تمامًا مدى خطورة تلك اللحظة، لكن قلبه كان يرفرف بالحب الذي يجمع بينهما كما لو كان طائرًا محلقًا في سماء مليئة بالسحب. كان مستعدًا أن يخاطر بكل شيء من أجل الحب، متمنيًا أن يكون هذا السؤال بداية فصل جديد في قصة حبهما، فصل مليء بالتحديات ولكن معًا، متكاتفين في مواجهة كل ما يأتي، كفريق واحد يخوض المعركة ضد مصاعب الحياة. تحركت بصعوبة وبقدم مرتعشة من شدة الألم، اقتربت منه ونظرت له بدموع في عينيها، وكأنها تعبر عن معاناتها التي لا تُحتمل، وقالت بصوت منكسر:
“مش موافقة يا مهران.”
نظر لها بعدم فهم، كأنما أصابته صاعقة من المفاجأة، وابتسم بتهكم، لعله يخفف حدة الموقف:
“هو إيه اللي مش موافقة؟ أنا مش تلميذ يا ذات وعيونك فضحاكي إنك بتحبيني زي ما أنا بح…”
تدخلت في الكلام سريعًا، حتى لا يتفوه بما قد يزيد من جراحها، قائلة بصراخ حاد، كأنها تحاول الاستنجاد بكل ما تبقى لها من قوة:
“متقولهاش أرجوك، عايزة أول مرة أسمعها أكون واحدة تانية غير اللي أنا فيها دي. هتقولها دلوقتي تبقى مجرد شفقة، كلمة بتقولها علشان تساعدني أتعالج. مهران، أنا مش عايزة أحس إنك مجرد راجل عادي بيعمل كده شهامة منه مع بنت ضايعة مش لاقية حد يكون سندها. أهلها أقرب ما لها بينهشوا لحمها، بنت سُكريّة وكمان مدمنة مخدرات، أي حاجة هتعملها دلوقتي ولا تقولها مش هشوفها غير جدعنة منك وأشفاق.”
اقترب منها ببطء، وكأن الوقت قد توقف لحظة، كوب وجهها بين يديه، ونظر لها بعينيها، تلك العينين اللتين كانتا تلمعان بالأمل والحب، قائلاً بنبرة عاشقة وحازمة:
“حاضر، مش هقولها دلوقتي، بس عايز أقولك إن ولا كلمة قولتيها كانت صح. مش شخصيتي خالص إن أشفق على حد، ولا أقول الكلمة دي لأي حد عادي مهما كانت دوافعه. أنا الكلمة دي عزيزة على لساني أوي وعمري ما قولتها لواحدة، إنتي بس يا ذات اللي حبيت مشاعري اتجاهك، حركتي حاجات كتير أوي جوايا كنت نسيتها وفقد الأمل فيها. أنا حصلت ليا حاجات كتير أوي زمان هبقى أحكيها ليكي، خلتني فقد الثقة في الناس كلها حتى أهلي. قفلت على نفسي ووهبت حياتي لشغلي الجديد وبس، إنما لما قابلتك حسيت إن الحياة رجعتلي من تاني. شوفتها بعيون تانية خالص، أنا حتى بقيت مسامح غير عادتي. خلاصة الكلام، أنا هفضل معاكي وعمري ما هتخلى عنك. مش هقولها دلوقتي بس وعد يوم ما تطلع نتيجة التحليل سالب هقولها ليكي وإحنا رايحين عند المأذون، وبكرة تعرفي إن “القناص” لما بيقول كلمته مبيرجعش فيها أبدا.”
ارتمت داخل أحضانه وتمسكت به بقوة حتى تهرب من الألم الملازم لها أثر انسحاب المخدر منها، كأنها تبحث عن ملاذ، عن أمان يساعدها في التغلب على أسود اللحظات. شعر بهزة جسدها، فضمها بقوة داخل أحضانه، مستشعرًا كم أن الوقت كان قاسيًا، وهتف بصراخ على الطبيب شريف قائلاً: “شرررريف، تعالى بسرعة، ذات فاقت والأعراض عندها.”
تكلمت بصوت ضعيف ومرتجف، وكأنها تطلب العون من أعماق روحها:
“أبوس إيدك، خليني أخد الجرعة، هموت، جسمي كل عضمة فيه بتتكسر، ساعدني بترجاك.”
ضمها أكثر وقال بصوت مختنق، مشحون بالعاطفة:
“ما أنا بساعدك يا ذات، بس بساعدك ترجعي أقوى من الأول. بساعدك أرجعك ذات اللي هتوقف للكل ومش هتسمح لحد ياخد منها مليم واحد وتحافظ على شركتها. اجمدي علشان خاطري يا ذات، اجمدي علشان أنا محتاجك جنبي، محتاجك تقويني على اللي داخل عليه.”
في ذلك الوقت، فتح شريف الباب واقترب منهما، وأعطاها الحقنة المهدئة، وفي تلك اللحظة بدأت تسترخي داخل أحضان مهران، فاقدة الوعي ومستسلمة لعالم آخر، شاعرة أنها قد تكون بصدد اختيار الحياة من جديد. جلس مهران على التخت يتمسك بذات داخل أحضانه، خائف كطفل صغير حتى لا يفقد لعبته. تجمعت الدموع في عينيه، ولأول مرة يظهر مهران ضعفه أمام أحد كما تراءت أمامه وحشية الألم. وتكلم بصوت مختنق، مليء بالحزن والأمل:
“حاول تعمل حاجة تخليها متحسش بالوجع ده يا شريف.”
شعر بمرارة صديقه الصدوق، وتكلم بصوت هادئ كأنما يحاول تقديم النصيحة والراحة لصديقه:
“اجمد يا صاحبي، لازم تقوي علشان تقويها. إحنا لسة في أول الطريق وعلاج الإدمان بياخد وقت. أنا بحاول أخليها نايمة أكتر وقت ممكن علشان متحسش بحاجة، وإن شاء الله تعدي الفترة دي ونقدر نتخطى المحنة من غير خساير.”
ضمها بقوة داخل أحضانه وأومأ برأسه بالتأكيد قائلاً:
“هتعدي المحنة إن شاء الله وهترجع ضحكتها تنور حياتي من تاني، وبعد كده هنخوض المعركه سوا ايد فى ايد.”
اقترب منه وربت على كتفه، محاولاً تقديم بعض الدعم النفسي، وقال بابتسامة هادئة وحنونة:
“والله ووقعت يا صاحبي وظهرت مشاعرك قدامنا من غير ما تقوح.”
تنهد بعشق خالص ونظر إلى ذات النائمة داخل أحضانه، وكأنها نجمة في سماء ظلمة، قائلاً بابتسامة حب:
“أنا بحب ذات يا شريف، إزاي وأمتى وليه، كل ده ميشغلنيش، كل اللي أعرفه هو أن انا بحبها، وهتجوزها في أقرب وقت ممكن.”
أومأ شريف برأسه بتفهم، عاقدًا النية لمساعدة صديقه في محنته، وتكلم بتوجز، محاولًا مواساة القلب المثقل بالهموم:
“بس متنساش أبوك، مستحيل يوافق على الجوازة دي، وانت عارف ومتأكد من الكلام ده، خصوصًا إنه أكيد هيعرف ماضيها كله وشكل حياتها كان عامل إزاي.”
ابتسم بعدم اهتمام، وكأنه يدافع عن حبه بكل قوة، وقال بسخرية:
“يبقى يمنع عني المصروف اللي بيدهولي. بابا ده آخر واحد هستني رأيه في حاجة تخص حياتي يا شريف.”
وفي ذلك الوقت، تصاعد صوت جرس الباب بشكل مفاجئ، مما جعل شريف يتحرك بسرعة نحو الباب، وكأنما تنبه لأمر جسيم. فتحه بحذر، ليجد وجهًا غريبًا يتطلع إليه بعيون متوترة للغاية. قال بتساؤل متوتر، وهو يحتبك مع مشاعره:
“أيوه، مين حضرتك؟ وعايز أيه؟”
ردَّ عليه الغريب بصوت غاضب ومرتفع، يملأ الغرفة بصفته الثابتة:
“أنا سليم الزويدي، عم ذات اللي عايشه في الشقة مع اتنين رجاله.”
وفي تلك الأثناء، سُمِع صوت مهران الغاضب يتردد في الأجواء مثل دوي رعد مفاجئ:
“خير! جاي وراها لحد هنا ليه؟!”
مما أثار شعورًا متزايدًا بالقلق في قلب شريف.
دخل سليم إلى الداخل، وكان في عينيه احتقان الغضب والحقد، مثل كيمياء مشتعلة، قال بحزم:
“إيه؟ هتمنعني أسأل على بنت أخويا كمان؟ أنا عايز أشوفها حالاً.”
نظر مهران إلى شريف لمدة أطول مما توقعه، ثم أدار نظره إليه مرة أخرى، قائلاً بتأكيد:
“ذات نايمة دلوقتي، وقالت أن محدش يصحيها مهما حصل.”
هزَّ سليم رأسه بشكل غير مبالٍ وهو يقول:
“مش مهم تصحيها، أنا هدخل أقعد جنبها شوية وهي نايمة، أطمن عليها وبعد كده أمشي على طول.”
رغم شعوره بالقلق المتزايد، أومأ مهران برأسه موافقًا، قائلاً بأدب،
“تمام، مافيش مشكلة، اتفضل معايا.”
ولكنه كان يشعر بشيء غير عادي في هذه المواقف.
توجه سليم مع مهران إلى الغرفة، وأغلق الباب خلفهم بهدوء وكأنما يؤكد على سرية ما سيحدث. نظر سليم حوله بقلق، واقترب من مهران بسرعة، متحدثًا بصوت هامس وعاجل وهو يستخرج بعض المستندات من داخل ملابسه:
“مهران، بترجاك، احمي بنت أخويا. الورق ده فيه كل حاجة، اقراه كويس وافهمه. أنا لما جبتك تحرسها، مش علشان سهر ولا كلام فارغ، أنا عملت كده لأنها متراقبة في كل حتة حتى في الشركة، ومكنتش أقدر أقولك الكلام ده في أي مكان بره. ذات في خطر كبير أوي من كذا اتجاه، والورقة اللي أخدها من مكتب ذات يوم ما شفتني، هتلاقيها هنا في الملف ده، اقراها وافهم اللي فيها. لو أتكشف الأمر، العواقب هتكون خطر، مش على ذات بس، لكن علينا كلنا.”
نظر مهران إليه بعدم فهم وتكلم بتساؤل:
“خطر من مين؟ ومين ليه يد في إذيتها؟ وليه عايز يعمل كده؟”.
جلس سليم على الأريكة بحزن شديد، وكأن ثقل العالم يجثم على كاهله، وقال بتوضيح مستفيض:
“اللي عايزين يأذوها كتير أوي. أولهم ابني ومراتي، عايزين يستولوا على الشركة والفلوس. وطبعًا علشان أمنها، عملت إن أنا في صفهم.”
ثم أضاف في صوت مرتعش، يكاد أن يُسمع كهمسات اهتزازية:
“والخطر الأكبر هو…”
نظر مهران إليه بترقب، مشدود لمتابعة الجزء الأكثر أهمية في حديث هذا الرجل المحمّل بالأسرار. أكمل سليم بصوت متقطع، كأن الكلمات تتجاوز عقله وتخرج مرهقة من صدره:
“الخطر الأكبر هو اللي قتل أخويا ومراته ودلوقتي عايز يقتل بنتهم.”
كان العرق يتصبب من جبين سليم وهو يتذكر تفاصيل الأحداث، كأن ذكرياته تحرق جوانحه.
أومأ مهران برأسه، حاثًا سليم على المتابعة، وسأله بصوت يتسم بالقلق:
“اللي هو مين؟ ولما انت عارف أن أخوك ومراته اتقتلوا، ليه مقلتش ده في التحقيق؟”.
أجاب سليم بصوت مختنق، عائداً إلى ذكرياته المظلمة وكأنها تتجسد أمام عينيه:
“خوفت على نفسي وعلى عيالي. خوفت ذات تعرف حقيقة أهلها وتنصدم. أخويا كان شغال في التهريب زمان، وكان بيستخدم الشركة كستار يخفي بي الشغل المشبوه ده. ومراته كانت عارفة بده، وأنا كنت بشتغل معاهم طبعًا. وفى يوم اخويا ومراته اخدوا قرار أنهم هيتوبوا، علشان يربوا بنتهم كويس، وتطلع فى بيئه هاديه بعيد عن شغل المافيا والاجرام، وبلغوا المافيا بالكلام ده، بس هما رفضوا وقالوا إن اخرت السكه دى تصفيه، بمعني القتل أو الموت، بس هما كانوا خلاص اخدين قرارهم اللى مافيش منه رجوع.”
ثم أضاف بنبرة مكسورة:
“الشخص اللي كان بيساعدهم هنا والعقل المدبر ليهم في مصر كان ضابط فاسد وقتها.”
ابتسم مهران بعدم تصديق، وهو يتذكر اسمًا مرعبًا من ماضيه:
“عاصم الدويري!”.
كان الاسم يتردد في أذنه كصدى لمشاهد مأساوية عايشها، وشعور بالفزع يتسلل إلى قلبه. أومأ سليم برأسه مؤكدًا وقال:
“أيوه، هو. ووقتها كان هو اللى بيساعدهم يخرجوا ويدخلوا الممنوعات دي، وكان وقتها بيقول انك انت شريكه فى كل حاجه، وسعتها رغم صغر سنك، بس وجود اسمك كفايه أنه يطمنهم، لأن إسم القناص كان بيرعب اتخن واحد فيهم.”
ثم تابع قائلاً:
“وقتها المافيا قررت بقلب بارد تصفي اخويا ومراته، واخد انا ذات اربيها، وهدودني بما ان الشركه هتبقى تحت أيدي، اكمل شغل حازم اخويا، يا أما مصيري هيبقى نفس مصيره، وبالفعل نفذت أوامرهم كلها بالملي، بس طلبت منهم محدش يأذي ذات، ولا يقرب منها وعاصم، ده هرب من البلد وبقى هو البوص الكبير واللى بيدير كل حاجه بأشاره من ايده، وانت طبعا سيبت الشرطه بعد ما هرب عاصم، والكل فكر انك كنت بتساعده فى الشغل ده، وسمعتك اتلوثت فى الداخليه، واستمرينا فى الشغل ده طول السنين اللى فاتت ده بمساعدة ناس تانيه فاسده فى الشرطه.”
تذكر كل ما حدث في الماضي وضغط على أسنانه بغضب قبل أن يسأل:
“وإيه اللي جد دلوقتي وليه عايز يأذي ذات؟”.
تنهد سليم بحزن، مضيفًا:
“من فترة، وقع ورق تحت أيد ذات، وعرفت أن فيه شحنة تهريب تحت اسم الشركة داخلة مصر. وقتها غضبت جامد وكانت عايزه تبلغ الشرطه، وانا اقنعتها أن اللى عمل كده حد من الموظفين من غير ما نعرف، بس هى مكانتش مقتنعه بالكلام ده، بس عدتها وبقت تتابع الشغل بنفسها، و أصبحت عائق للمافيا دي، حاولة كتير أبعدها عن سكتهم بس خوف عليها والله العظيم، بس هى دماغها ناشفه وعناديه وكانت مش بتسمح أي حاجه تعدي من تحت أيديها، طبعا الكلام ده معجبش عاصم الدويري وهددني كذا مره أن هو هيصفيها لو مبقتش فى صفنا، وقتها ملاقتش اى حل غير أن اجيبك انت اللى تحميها كنت واثق انك اكتر واحد هتقدر على المهمه دي وقتها قولت علشان السهر اللى بتسهره بس مكانش هو ده السبب لا كان خوف عليها من اللى هما ناوين يعملوه فيها كنت بتعامل معاك كده قصاد الكل علشان محدش يفهم حاجه ولا يفهم أن ده خوف على بنت اخويا حتى مراتي وابنى بوهمهم أن فى صفهم علشان مش هقدر على شرهم، طيب انت عارف أن انا متأكد أنكم متجوزتوش!! بس واثق انك مستحيل تقرب منها وتأذيها انا جبتك انت بالذات يا قناص علشان عارف تاريخك كله وعارف قد ايه اتأذيت بسبب عاصم ده وخسرت شغلك وأسمك بسببه، ذات متحوطه بتعابين يا مهران وانت الوحيد اللى هتقدر تحميها من لدغهم، حافظ عليها واحميها من شرهم يا أبني، انا الله أعلم ناوين يصفوني امته؟ بس مش شاغل بالي غير ذات وخوفي عليها.”
شعر مهران بصدق كلام سليم، ولكن داخله كان يسكن شعورٌ متأجج من الشك. أراد التأكد من ولاءه لأبنة أخيه، فسأله:
“طيب، وأنت جاي هنا ليه، علشان تقول الكلمتين دول ولا لسبب تاني؟”.
أجابه سليم وهو يحوّل نظره إلى ذات المستلقاة على الفراش، لا تشعر بأي شيء حولها، كأنها تتواجد في عالم آخر بعيد عن الواقع الصعب الذي يحيط بها:
“علشان ابني ومراتي عرفوا بموضوع التعاطي وأنها بتتعالج منه، طلبوا مني أن امضيها على بيع الشركة والتنازل عن كل الفلوس اللي معاها. عملت كلامهم حجة وجيت علشان أقولك الحقيقة وأطلب منك تحميها كويس أوي. وكمان علشان أجوزها ليك، كده هكون مطمن عليها أكتر، لأن ممكن ابني يجي يخدها بحجة أنها بنت عمه وخطيبته، وقتها محدش هيقدر يمنعه، حتى القانون هيكون في صفه.”
كانت كلماته كالسهم الذي أصاب قلب مهران بنقطة حاسمة. شعر بتعقيد الموقف؛ فبينما كان يستشعر حبه العميق لذات، كانت هناك خيوط من الحيرة والقلق تشدّه نحو التراجع. مهران كان مشوشًا، لا يعرف حقًا ما عليه فعله. هو يريد الزواج منها، لكن هي رفضت في السابق بالإشارة إلى عدم رغبتها في أن يكون ذلك مجرد إشفاق عليها من معاناتها. كيف يستطيع أن يخبرها بأنه يرغب في الزواج منها، بينما هي تعيش في عالم من الظلام والفوضى، تتقاذفها المعاناة والآلام؟ هل يذهب في تنفيذ رغبته بالزواج منها دون علمها، ليكون حاميها، وهو الضمان الوحيد لوجودها معه في عالم مليء بالمخاطر؟ غرق في أفكاره حتى اقترب منه سليم مرة أخرى قائلاً بقلق:
“ها يا ابني، قولت إيه، هتتجوز ذات وتحميها ولا لأ؟”.
أخذ مهران نفسًا عميقًا، نظر إلى ذات بحسرة، ثم قال بصوت مليء بالعزم…
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
مرت عدة أيام على نفس الأحداث، حيث تمازج ألم الانسحاب مع حب ودعم مهران لذات.
استعدت مهره للرحلة المشؤومة، وبعد لحظات، هبطت إلى الأسفل لتجد ماهر في انتظارها، مستعداً لأخذها إلى محطة الحافلة. اقترب منها بابتسامة دافئة، وحمل حقيبتها بيديه القويتين، قائلاً:
“صباح الورد والفل والياسمين على عيونك يا قمري.”
ابتسمت له بمحبة أخوية، فردت:
“صباحك صافٍ زي قلبك يا روح أختك.” توجهوا إلى الخارج، حيث وضع الحقيبة في السيارة، ثم استقر أمام المقود. نظر إلى مهره بعيونه المليئة بالحماس وقال:
“قبل ما تمشي، هخدك لمكان هيفرحك قوي.”
نظرت له باستغراب، وتكلمت بتساؤل متفاعل:
“مكان هحبّه! فين ده، قصدك الملاهي؟”
تعالت ضحكاته الرجولية، وتحدث بصعوبة من شدة الضحك:
“الملاهي، آه يا بخته الأسود! اللي هتكوني من نصيبه هياخد طفلة تطلع عين أهله.”
نظرت له بتذمر طفولي، وقالت:
“طيب، والله العظيم انت غلس، هااا، ده يا سعده يا هنااا… اللي هبقى من نصيبه!”
أومأ برأسه مبتسمًا، وقال مازحًا:
“على يديي، ده هياخد العقل والهدوء كله، يارب سامحني على الكذبة دي.”
ثم أدار السيارة وتحرك بها متوجهاً إلى المكان الذي سيتجمع فيه الأحبة، حيث كانت رائحة الأمل والحياة تعم الأجواء. كانت المدينة تعج بالحركة، والأصوات تعلو باستقبال الفجر، الذي حمل طياته معاني جديدة لرحلة غير متوقعة. أثناء القيادة، كانت ملامح المدينة تتغير، وبدأت ملامح الابتسامة تتخطى وجه مهره وتتعمق داخل قلبها، وكأنها تتسلل إلى أحلامها العذبة التي راودتها لسنوات. شعرت بالفضول يتغلغل بداخلها، بينما كان ماهر يعبّر كل مرة عن سعادته ويهتف لها بكلمات لا تعرف معناها بعد، ولكن قلبها كان يعرف الفرح. كانت لديها رغبة عارمة في الاستكشاف، فهل ستفتح لها الأيام القادمة أبواباً جديدة ملؤها المغامرة والسرور؟
«««««««««««««»»»»»»»»»»»»»»
عند ذات
بدأت تسحب رأسها ببطء، تتألم بشدة، ففتحت عينيها بصعوبة ونظرت حولها بحالة من الضعف، كأنها قد استيقظت من كابوس طويل. كان جسدها هزيلاً كما لو أنها دمية بلا روح، ملقية في ركن من الزمان. الهالات السوداء تحت عينيها كانت واضحة، تتحدث بصوت عابر عن المعاناة المستمرة التي مرت بها، حيث أظهر المنظر من يراها أنها مريضة منذ سنين طويلة. ارتعدت أوصالها واعتدلت بألم، محاولًة كبح ضعفها الواضح وهي تتابع مهران النائم على الأريكة أمامها، رجل أحلامها وسبب استمرارها. ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها، رغم كل الآلام التي تثقل كاهلها، وتحدثت بصوت ضعيف، ممزوج بالأمل:
“أنا حاسَّة إن ربنا بعتك ليا العوض اللي هينسيني قسوة الماضي بكل ما فيه.”
تنهدت بعمق، تنفست بحذر كما لو كانت تستجدي الحياة لنفسها مرة أخرى. نهضت من السرير بصعوبة، متكئًة على الجدار لتستعيد توازنها، واقتربت من مهران، وتربت على كتفه برقة، كما لو كانت بحاجة للتأكد من وجوده:
“مهران يا مهران، اصحى.”
انتفض مهران مفزوعًا، بجزع كأنما استيقظ من حلم مزعج:
“إيه يا ذات، مالك فيكي حاجة؟”
ابتسمت له بهدوء، محاولة تخفيف قلقه، وقالت بصوت ضعيف يتنصل من كل علامات الضعف:
“لا متقلقش، أنا كويسة، بس عايزاك تخرج من الأوضة.”
نظر إليها باستغراب وسأل: “نعم!!”
أوضحت له بلطف وحسم:
“عايزاك تخرج من الأوضة علشان عايزه اخد شاور.”
تنحنح بإحراج، وأومأ برأسه بالموافقة:
“آه طبعًا، براحتك، أنا هطلع أقعد بره شويه.”
تحركت ذات بضعف وكادت أن تتعثر وتسقط، لكن ذراع مهران كان سريعًا، التقطها برفق وأحاطها بحضنه، فجأة شعرت بالأمان في عناقه. تبادلا النظرات في حديث صامت، ظلا على هذا الحال عدة ثوانٍ، محاطين بالدفء والرغبة. ثم انتبهت ذات لهذا الموقف، فابتعدت عنه وتحدثت بتوتر، وكأنها تحتاج لكسر تلك اللحظة:
“ش ش شكرا.”
اقترب منها مرة أخرى، ممسكًا بذراعها، وكلمها بنبرة هادئة ولكن تحمل مشاعر عميقة:
“تعالي اسندك، أدخلك الحمام علشان بقالك فترة مش بتتحركي، دايخة.”
أبعدت يده عنها، متكلمة بنبرة مختنقة تدل على استعادة قوتها:
“شكرًا، مش محتاجة مساعدة ولا شفقة من حد.”
هز رأسه رافضًا، بوضوح:
“بس دي مش مساعدة ولا شفقة مني، يا ذات. أنا بعمل كده لأن انا لو كنت مكانك، كنتي هتعملي زي كده وأكتر. أنا وأنت بنكمل بعض، ومافيش بينا الكلام العبيط ده.”
ثم أضاف بمزاح جريء، مع تعبيرات عينيه التي كانت تحوي مشاعر مختلطة:
“فين ذات القديمة، كانت زمانها هي اللي بتعرض عليا أدخل معها دلوقتي وأخد شاور؟ أنا وهي كمان.”
اتسعت عيناها بصدمة من وقاحة كلماته، وحذرت بتحدي ومشاعر واضحة:
“مهران، احترم نفسك وبلاش قلة أدب، أحسنلك.”
اقترب منها بمزيد من الجرأة، محتفظًا بابتسامته البسيطة، وهمس في أذنها:
“أنا بعترض، عايز ذات الوقحة اللي إيديها كانت تلمس كل حته في جسمي من غير كسوف، ولا كلامها اللي كان بيخليني أدوب.”
تكلمت بسرعة، مقاطعة أياه:
“مهران، بتكلم بجد. لو دي هتكون طريقتك معايا، يبقى هرفض وجودك في الأوضة أو هرجع أقعد في شقتي زي الأول.”
شعر مهران بسعادة لا توصف بتغير سلوك ذات، ابتسم لها بحب، كما لو كان يرى فيها بريق الأمل، وأومأ برأسه بالطاعة:
“أنا خارج من الأوضة، ولما تخلصي، نادي عليا.”
أنهى كلامه وخرج من الغرفة، تاركًا وراءه عبق مشاعره الطافحة. نظرت إلى أثره بسعادة، وابتسامة عاشقة ارتسمت على شفتيها، كأنها تعهدت لنفسها بأن هذه اللحظة لن تغادر حياتهم. بعد ذلك، اتجهت إلى المرحاض، نزعت ملابسها وقذفت بها على الأرض، ثم فتحت المياه الباردة، ووقفت تحتها، محاولة محو آثار التعاطي من على جسدها، كأنها تحاول غسل ذكرياتها الأليمة. ورغم شعورها بالاحتياج إلى تلك المادة السامة، إلا أنها أصبحت أكثر هدوءًا مما كانت عليه سابقًا، حيث ساعدتها العقاقير الطبية التي واظب شريف على إعطائها باستمرار، مما منحها قدرة على مقاومة ألم مثل هذا.
تذكرت حياتها السابقة، فانهمرت دموعها بغزارة، وكأنها تتحدث إلى نفسها لتعتذر عن الوقت الضائع. ثم أغلقت المياه، ارتدت برنس الاستحمام، وخرجت من الغرفة، كأنها مخلوق جديد قادم من تحت الأنقاض. تذكرت أن الملابس في شقتها، زفرت بضيق ووقفت خلف الباب، صارخة: “مهران، يا مهران، ممكن تيجي ثواني؟”
ثوانٍ معدودة، وكان يقف أمام الباب. نظر لها بصدمة، ثم ألقى نظرة خلفه ليتأكد من عدم وجود شريف، دفعها إلى الداخل وأغلق الباب بقوة، متحدثًا بغضب:
“أنتي مجنونة! إزاي توقفي على الباب بالشكل ده، إنتي ناسية إن شريف قاعد معانا هنا؟”
تكلمت بغضب موضحة:
“أنا مخرجتش كده يا مهران من الأوضة، أنا كنت بكلمك من على الباب، علشان مكانش ينفع دخولك الأوضة وأنا كده زي ما حضرتك عملت دلوقتي.”
نظر إلى جسدها بتوتر، وابتلع ريقه بصعوبة، شعر بالقلق والارتباك:
“ح ح حتى برضه لو مخرجتيش، كان ممكن يعدي بالصدفة ويشوفك كده وأنتي واقفة على الباب. عموما كنت عايزة إيه؟”
زفرت بضيق، وقالت موضحة بألم:
“كنت عايزة هدوم ليا من تحت ممكن؟”
بأنفاس متقطعة، محاولًا تهدئة حالته المضطربة، أومأ برأسه بالموافقة، وتحرك نحو الباب ثم استدار إليها، قائلاً بلهجة آمر، كأنما يضع حدودًا جديدة:
“حسك عينك رجلك تخطي عتبة الباب وأنتي كده، فاهمة؟”
نظرت له بابتسامة جميلة، التي تحمل التعبير عن الأمل، وأومأت برأسها بالطاعة: “فاهمة.”
اشتعلت النيران داخله بعد تلك الابتسامة، كأنما أعيد إشعال القلوب الميتة. اقترب منها سريعًا، وضع قبلة خفيفة على وجنتها، ثم خرج يركض مُغلقًا الباب خلفه، وكأنما أفلتت رياح التغيير لتنعش الأجواء.
وقفت مذهولة من قبلة مهران، لكن سرعان ما تحولت الصدمة إلى ابتسامة سعيدة، وهي تستشعر الأثر العميق الذي تركه في قلبها. وضعت يدها مكان قبلة مهران، وشعرت بقلبها يتراقص من شدة السعادة. اتجهت إلى المرآة، وقفت أمامها، ونظرت إلى هيئتها بحزن شديد، عاقدة العزم على مقاومة كل تلك الأوجاع. تذكرت كيف كانت مليئة بالحياة، والآن أصبحت جسدًا بلا روح، أكوامًا من الذكريات المنسية. حركت يدها على وجهها الشاحب وجسدها النحيف، ظلت على هذا الحال عدة ثوان، ثم تحدثت بصوت مختنق، وكأنها تخاطب نفسها:
“الوردة المفتحة اللي كانت كلها حيوية، بقت عبارة عن زهرة ميتة، مفيهاش روح. كل حاجة فيا بهتت، حتى روحي.”
ولكن في تلك اللحظة، شعرت بمهران يحيط خصرها بذراعه من الخلف، وينظر إلى انعكاسهما في المرآة، قائلاً بصوت هامس يحمل عمق المشاعر:
“بس مهما دبلتي، عطرك اللي بينشر بهجته في المكان لسه فيكي، قلبك الطيب والنضيف، لسه زي ما هو. أنتي بقيتي ذات جديدة، بس أجمل وأقوى من الأول…”
ثم أكد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه، كنغمة لحن لا يبتعد عن مساعدته:
“أجمل وأقوى من الأول في عيوني أنا يا ذات.”
انهمرت دموعها، لكنها لم تكن دموع الوجع، بل دموع السعادة من فرط شعورها بعشقه الكبير. تكلمت بنبرة تحمل الحب والامتنان، وهي تشعر بالقوة تتجدد بداخلها:
“شكرًا يا مهران، شكرًا على كل حاجة عملتها معايا. ظهورك في حياتي فرق معايا كتير وقواني، لأنك جدد الأمل اللي كنت فاقده من زمان.”
تحرك مهران إلى الأمام ووقف مقابلًا لها، ونظر إلى عينيها، متحدثًا بابتسامة رائعة سحرت قلبها:
“أنا اللي لازم أشكرك يا ذات، علشان قدرتي تصحي جوايا حاجات كانت ماتت من زمان، رجعتلي الحياة بعد ما كنت فقدها.”
ثم ضحك بمزاح عاشق، كأنه يذكر ذكريات حزينة لكنه سعيد بها:
“مين يصدق إن الميه واحد وخمسين سم دي توقع راجل زي طولي بعرض، وتشقلب حاله في وقت قصير زي كده؟”
ابتسمت بحق على كلماته، وتراقص قلبها بسعادة لا يمكن وصفها سوى بحضنه الدافئ، وكأنما استجابت لنبض الزمن. ارتمت في أحضانه، متحدثة بسعادة غير مبالية بما يحدث داخل الرجل الذي يغلي كالبراكين:
“أنت جميل اوي يا مهران، اوعي تبعد عني، بترجاك. أنا الموت عندي أهون من أعيش من غيرك.”
أخرج كلماته بصعوبة، محاولًا ضبط النفس حتى لا يفقد السيطرة، وهو يتلمس حبات الأمل:
“قولتلك قبل كده يا ذات، أنا عمري ما أقدر أعيش من غيرك ولا أبعد عنك. أنتي الهوى اللي بتنفسه، أنتي حياتي كلها، والبعد عنك معناه موتي.”
وضعت أناملها بسرعة على شفتيه لكي لا يخرج هذه الكلمة مرة أخرى، وقالت بهلع، كما لو كانت تستجدي الحياة:
“بعد الشر متقولش كده تاني، هزعل منك بجد يا مهران.”
أعلن قلبه الحرب، وأجبر نفسه على دخول معركة صغيرة للإعلان عن احتلال قلب ذات، كعملاق خفي يريد أن ينتشر. اقترب من شفتيها، يعبّر لها عن مدى عشقه لها، وهي، ولأول مرة، تسمح له باقتحام عالمها، مرحبة بذلك.
مرّت ثوانٍ دون أي انقطاع حتى شعر كل منهما بحاجة لدخول الهواء، فابتعد عنها، وأنفاسه تتصاعد من فرط مشاعره المتوهجة، بينما جاء ليؤكد تعهداته. نظر لها بحب، قائلاً:
“أنتي جميلة اوي يا ذات.”
احمرت وجنتاها خجلًا، وأتجهت سريعًا إلى الجهة الأخرى، متحدثة بصعوبة، بينما أحاسسها تتداخل:
“م م ممكن تخرج من الأوضة علشان ألبس هدومي؟”
تكلم بمزاح جريء، مُظهرًا شجاعته:
“أنا في الخدمة لو عايزة أي مساعدة.”
دفعته بقوة على وقاحته، قائلة:
“أنت بني آدم وقح على فكرة.”
تعالت ضحكاته، ورد مازحًا:
“الدنيا أتقلب حالها والله! بعد ما كنتي أنتي اللي بتتحمرشي بيا، بقيت أنا اللي بعمل كده. مليش دعوة، أنا بطالب بذات التانية الجريئة.”
تعالت ضحكاتها على مزاحه، فقالت بصعوبة بينما تتذكر الماضي:
“وأنا بطالب بمهران القديم، الجد أوي ومحترم اوي أوي، ده أنت كنت بتحمر من الكسوف، يا راجل، لما أقرب منك.”
انتهت حديثها بابتسامة خفيفة بعد دفعة لطيفة خارجة من الغرفة، وأغلقت الباب سريعًا من الداخل، مدفوعة بشعور جديد من الطمأنينة.
تكلم بصوت هامس من خلف الباب، وقد بدأ في الهروب من حالته:
“مسيرك يا توم تقع في الهون وأدوقك.”
ردت بصعوبة من بين ضحكاتها، كأنما تجد وسيلة للتعبير عن نفسها:
“الدنيا اتطورت يا مهورتي، وبقي فيه مفرمة كهربائية لتوم والبصل.”
تراقصت دقات قلبه بسعادة عندما سمع الاسم المحبب له: “مهورتي.” تكلم بصوت هامس، كأنه يسبح في دوامة من الحب:
“الاسم ده كان واحشني أوي منك، يا ذات. قوليه على طول، أياكي تحرميني منه مهما حصل.”
أغلقت عينيها بسعادة، وإبتسمت بقلوبٍ شغوفة، واكتفت بتنهيدة حارة، بينما سمع صوتها من خلف الباب وبدأت ترتدي ملابسها، عازمة على مواجهة الحياة من جديد.
“الفصل الثالث عشر”
صمت مهران لثوانٍ معدودة، يفكر في الكلمتين التي سيتفوه بهما، قبل أن يسأل بنبرة حاسمة:
“ذات، تتجوزيني؟”.
كان سؤاله سلاحًا قويًا، يحمل وعدًا بالحياة والأمل والمستقبل. كان يدرك تمامًا مدى خطورة تلك اللحظة، لكن قلبه كان يرفرف بالحب الذي يجمع بينهما كما لو كان طائرًا محلقًا في سماء مليئة بالسحب. كان مستعدًا أن يخاطر بكل شيء من أجل الحب، متمنيًا أن يكون هذا السؤال بداية فصل جديد في قصة حبهما، فصل مليء بالتحديات ولكن معًا، متكاتفين في مواجهة كل ما يأتي، كفريق واحد يخوض المعركة ضد مصاعب الحياة. تحركت بصعوبة وبقدم مرتعشة من شدة الألم، اقتربت منه ونظرت له بدموع في عينيها، وكأنها تعبر عن معاناتها التي لا تُحتمل، وقالت بصوت منكسر:
“مش موافقة يا مهران.”
نظر لها بعدم فهم، كأنما أصابته صاعقة من المفاجأة، وابتسم بتهكم، لعله يخفف حدة الموقف:
“هو إيه اللي مش موافقة؟ أنا مش تلميذ يا ذات وعيونك فضحاكي إنك بتحبيني زي ما أنا بح…”
تدخلت في الكلام سريعًا، حتى لا يتفوه بما قد يزيد من جراحها، قائلة بصراخ حاد، كأنها تحاول الاستنجاد بكل ما تبقى لها من قوة:
“متقولهاش أرجوك، عايزة أول مرة أسمعها أكون واحدة تانية غير اللي أنا فيها دي. هتقولها دلوقتي تبقى مجرد شفقة، كلمة بتقولها علشان تساعدني أتعالج. مهران، أنا مش عايزة أحس إنك مجرد راجل عادي بيعمل كده شهامة منه مع بنت ضايعة مش لاقية حد يكون سندها. أهلها أقرب ما لها بينهشوا لحمها، بنت سُكريّة وكمان مدمنة مخدرات، أي حاجة هتعملها دلوقتي ولا تقولها مش هشوفها غير جدعنة منك وأشفاق.”
اقترب منها ببطء، وكأن الوقت قد توقف لحظة، كوب وجهها بين يديه، ونظر لها بعينيها، تلك العينين اللتين كانتا تلمعان بالأمل والحب، قائلاً بنبرة عاشقة وحازمة:
“حاضر، مش هقولها دلوقتي، بس عايز أقولك إن ولا كلمة قولتيها كانت صح. مش شخصيتي خالص إن أشفق على حد، ولا أقول الكلمة دي لأي حد عادي مهما كانت دوافعه. أنا الكلمة دي عزيزة على لساني أوي وعمري ما قولتها لواحدة، إنتي بس يا ذات اللي حبيت مشاعري اتجاهك، حركتي حاجات كتير أوي جوايا كنت نسيتها وفقد الأمل فيها. أنا حصلت ليا حاجات كتير أوي زمان هبقى أحكيها ليكي، خلتني فقد الثقة في الناس كلها حتى أهلي. قفلت على نفسي ووهبت حياتي لشغلي الجديد وبس، إنما لما قابلتك حسيت إن الحياة رجعتلي من تاني. شوفتها بعيون تانية خالص، أنا حتى بقيت مسامح غير عادتي. خلاصة الكلام، أنا هفضل معاكي وعمري ما هتخلى عنك. مش هقولها دلوقتي بس وعد يوم ما تطلع نتيجة التحليل سالب هقولها ليكي وإحنا رايحين عند المأذون، وبكرة تعرفي إن “القناص” لما بيقول كلمته مبيرجعش فيها أبدا.”
ارتمت داخل أحضانه وتمسكت به بقوة حتى تهرب من الألم الملازم لها أثر انسحاب المخدر منها، كأنها تبحث عن ملاذ، عن أمان يساعدها في التغلب على أسود اللحظات. شعر بهزة جسدها، فضمها بقوة داخل أحضانه، مستشعرًا كم أن الوقت كان قاسيًا، وهتف بصراخ على الطبيب شريف قائلاً: “شرررريف، تعالى بسرعة، ذات فاقت والأعراض عندها.”
تكلمت بصوت ضعيف ومرتجف، وكأنها تطلب العون من أعماق روحها:
“أبوس إيدك، خليني أخد الجرعة، هموت، جسمي كل عضمة فيه بتتكسر، ساعدني بترجاك.”
ضمها أكثر وقال بصوت مختنق، مشحون بالعاطفة:
“ما أنا بساعدك يا ذات، بس بساعدك ترجعي أقوى من الأول. بساعدك أرجعك ذات اللي هتوقف للكل ومش هتسمح لحد ياخد منها مليم واحد وتحافظ على شركتها. اجمدي علشان خاطري يا ذات، اجمدي علشان أنا محتاجك جنبي، محتاجك تقويني على اللي داخل عليه.”
في ذلك الوقت، فتح شريف الباب واقترب منهما، وأعطاها الحقنة المهدئة، وفي تلك اللحظة بدأت تسترخي داخل أحضان مهران، فاقدة الوعي ومستسلمة لعالم آخر، شاعرة أنها قد تكون بصدد اختيار الحياة من جديد. جلس مهران على التخت يتمسك بذات داخل أحضانه، خائف كطفل صغير حتى لا يفقد لعبته. تجمعت الدموع في عينيه، ولأول مرة يظهر مهران ضعفه أمام أحد كما تراءت أمامه وحشية الألم. وتكلم بصوت مختنق، مليء بالحزن والأمل:
“حاول تعمل حاجة تخليها متحسش بالوجع ده يا شريف.”
شعر بمرارة صديقه الصدوق، وتكلم بصوت هادئ كأنما يحاول تقديم النصيحة والراحة لصديقه:
“اجمد يا صاحبي، لازم تقوي علشان تقويها. إحنا لسة في أول الطريق وعلاج الإدمان بياخد وقت. أنا بحاول أخليها نايمة أكتر وقت ممكن علشان متحسش بحاجة، وإن شاء الله تعدي الفترة دي ونقدر نتخطى المحنة من غير خساير.”
ضمها بقوة داخل أحضانه وأومأ برأسه بالتأكيد قائلاً:
“هتعدي المحنة إن شاء الله وهترجع ضحكتها تنور حياتي من تاني، وبعد كده هنخوض المعركه سوا ايد فى ايد.”
اقترب منه وربت على كتفه، محاولاً تقديم بعض الدعم النفسي، وقال بابتسامة هادئة وحنونة:
“والله ووقعت يا صاحبي وظهرت مشاعرك قدامنا من غير ما تقوح.”
تنهد بعشق خالص ونظر إلى ذات النائمة داخل أحضانه، وكأنها نجمة في سماء ظلمة، قائلاً بابتسامة حب:
“أنا بحب ذات يا شريف، إزاي وأمتى وليه، كل ده ميشغلنيش، كل اللي أعرفه هو أن انا بحبها، وهتجوزها في أقرب وقت ممكن.”
أومأ شريف برأسه بتفهم، عاقدًا النية لمساعدة صديقه في محنته، وتكلم بتوجز، محاولًا مواساة القلب المثقل بالهموم:
“بس متنساش أبوك، مستحيل يوافق على الجوازة دي، وانت عارف ومتأكد من الكلام ده، خصوصًا إنه أكيد هيعرف ماضيها كله وشكل حياتها كان عامل إزاي.”
ابتسم بعدم اهتمام، وكأنه يدافع عن حبه بكل قوة، وقال بسخرية:
“يبقى يمنع عني المصروف اللي بيدهولي. بابا ده آخر واحد هستني رأيه في حاجة تخص حياتي يا شريف.”
وفي ذلك الوقت، تصاعد صوت جرس الباب بشكل مفاجئ، مما جعل شريف يتحرك بسرعة نحو الباب، وكأنما تنبه لأمر جسيم. فتحه بحذر، ليجد وجهًا غريبًا يتطلع إليه بعيون متوترة للغاية. قال بتساؤل متوتر، وهو يحتبك مع مشاعره:
“أيوه، مين حضرتك؟ وعايز أيه؟”
ردَّ عليه الغريب بصوت غاضب ومرتفع، يملأ الغرفة بصفته الثابتة:
“أنا سليم الزويدي، عم ذات اللي عايشه في الشقة مع اتنين رجاله.”
وفي تلك الأثناء، سُمِع صوت مهران الغاضب يتردد في الأجواء مثل دوي رعد مفاجئ:
“خير! جاي وراها لحد هنا ليه؟!”
مما أثار شعورًا متزايدًا بالقلق في قلب شريف.
دخل سليم إلى الداخل، وكان في عينيه احتقان الغضب والحقد، مثل كيمياء مشتعلة، قال بحزم:
“إيه؟ هتمنعني أسأل على بنت أخويا كمان؟ أنا عايز أشوفها حالاً.”
نظر مهران إلى شريف لمدة أطول مما توقعه، ثم أدار نظره إليه مرة أخرى، قائلاً بتأكيد:
“ذات نايمة دلوقتي، وقالت أن محدش يصحيها مهما حصل.”
هزَّ سليم رأسه بشكل غير مبالٍ وهو يقول:
“مش مهم تصحيها، أنا هدخل أقعد جنبها شوية وهي نايمة، أطمن عليها وبعد كده أمشي على طول.”
رغم شعوره بالقلق المتزايد، أومأ مهران برأسه موافقًا، قائلاً بأدب،
“تمام، مافيش مشكلة، اتفضل معايا.”
ولكنه كان يشعر بشيء غير عادي في هذه المواقف.
توجه سليم مع مهران إلى الغرفة، وأغلق الباب خلفهم بهدوء وكأنما يؤكد على سرية ما سيحدث. نظر سليم حوله بقلق، واقترب من مهران بسرعة، متحدثًا بصوت هامس وعاجل وهو يستخرج بعض المستندات من داخل ملابسه:
“مهران، بترجاك، احمي بنت أخويا. الورق ده فيه كل حاجة، اقراه كويس وافهمه. أنا لما جبتك تحرسها، مش علشان سهر ولا كلام فارغ، أنا عملت كده لأنها متراقبة في كل حتة حتى في الشركة، ومكنتش أقدر أقولك الكلام ده في أي مكان بره. ذات في خطر كبير أوي من كذا اتجاه، والورقة اللي أخدها من مكتب ذات يوم ما شفتني، هتلاقيها هنا في الملف ده، اقراها وافهم اللي فيها. لو أتكشف الأمر، العواقب هتكون خطر، مش على ذات بس، لكن علينا كلنا.”
نظر مهران إليه بعدم فهم وتكلم بتساؤل:
“خطر من مين؟ ومين ليه يد في إذيتها؟ وليه عايز يعمل كده؟”.
جلس سليم على الأريكة بحزن شديد، وكأن ثقل العالم يجثم على كاهله، وقال بتوضيح مستفيض:
“اللي عايزين يأذوها كتير أوي. أولهم ابني ومراتي، عايزين يستولوا على الشركة والفلوس. وطبعًا علشان أمنها، عملت إن أنا في صفهم.”
ثم أضاف في صوت مرتعش، يكاد أن يُسمع كهمسات اهتزازية:
“والخطر الأكبر هو…”
نظر مهران إليه بترقب، مشدود لمتابعة الجزء الأكثر أهمية في حديث هذا الرجل المحمّل بالأسرار. أكمل سليم بصوت متقطع، كأن الكلمات تتجاوز عقله وتخرج مرهقة من صدره:
“الخطر الأكبر هو اللي قتل أخويا ومراته ودلوقتي عايز يقتل بنتهم.”
كان العرق يتصبب من جبين سليم وهو يتذكر تفاصيل الأحداث، كأن ذكرياته تحرق جوانحه.
أومأ مهران برأسه، حاثًا سليم على المتابعة، وسأله بصوت يتسم بالقلق:
“اللي هو مين؟ ولما انت عارف أن أخوك ومراته اتقتلوا، ليه مقلتش ده في التحقيق؟”.
أجاب سليم بصوت مختنق، عائداً إلى ذكرياته المظلمة وكأنها تتجسد أمام عينيه:
“خوفت على نفسي وعلى عيالي. خوفت ذات تعرف حقيقة أهلها وتنصدم. أخويا كان شغال في التهريب زمان، وكان بيستخدم الشركة كستار يخفي بي الشغل المشبوه ده. ومراته كانت عارفة بده، وأنا كنت بشتغل معاهم طبعًا. وفى يوم اخويا ومراته اخدوا قرار أنهم هيتوبوا، علشان يربوا بنتهم كويس، وتطلع فى بيئه هاديه بعيد عن شغل المافيا والاجرام، وبلغوا المافيا بالكلام ده، بس هما رفضوا وقالوا إن اخرت السكه دى تصفيه، بمعني القتل أو الموت، بس هما كانوا خلاص اخدين قرارهم اللى مافيش منه رجوع.”
ثم أضاف بنبرة مكسورة:
“الشخص اللي كان بيساعدهم هنا والعقل المدبر ليهم في مصر كان ضابط فاسد وقتها.”
ابتسم مهران بعدم تصديق، وهو يتذكر اسمًا مرعبًا من ماضيه:
“عاصم الدويري!”.
كان الاسم يتردد في أذنه كصدى لمشاهد مأساوية عايشها، وشعور بالفزع يتسلل إلى قلبه. أومأ سليم برأسه مؤكدًا وقال:
“أيوه، هو. ووقتها كان هو اللى بيساعدهم يخرجوا ويدخلوا الممنوعات دي، وكان وقتها بيقول انك انت شريكه فى كل حاجه، وسعتها رغم صغر سنك، بس وجود اسمك كفايه أنه يطمنهم، لأن إسم القناص كان بيرعب اتخن واحد فيهم.”
ثم تابع قائلاً:
“وقتها المافيا قررت بقلب بارد تصفي اخويا ومراته، واخد انا ذات اربيها، وهدودني بما ان الشركه هتبقى تحت أيدي، اكمل شغل حازم اخويا، يا أما مصيري هيبقى نفس مصيره، وبالفعل نفذت أوامرهم كلها بالملي، بس طلبت منهم محدش يأذي ذات، ولا يقرب منها وعاصم، ده هرب من البلد وبقى هو البوص الكبير واللى بيدير كل حاجه بأشاره من ايده، وانت طبعا سيبت الشرطه بعد ما هرب عاصم، والكل فكر انك كنت بتساعده فى الشغل ده، وسمعتك اتلوثت فى الداخليه، واستمرينا فى الشغل ده طول السنين اللى فاتت ده بمساعدة ناس تانيه فاسده فى الشرطه.”
تذكر كل ما حدث في الماضي وضغط على أسنانه بغضب قبل أن يسأل:
“وإيه اللي جد دلوقتي وليه عايز يأذي ذات؟”.
تنهد سليم بحزن، مضيفًا:
“من فترة، وقع ورق تحت أيد ذات، وعرفت أن فيه شحنة تهريب تحت اسم الشركة داخلة مصر. وقتها غضبت جامد وكانت عايزه تبلغ الشرطه، وانا اقنعتها أن اللى عمل كده حد من الموظفين من غير ما نعرف، بس هى مكانتش مقتنعه بالكلام ده، بس عدتها وبقت تتابع الشغل بنفسها، و أصبحت عائق للمافيا دي، حاولة كتير أبعدها عن سكتهم بس خوف عليها والله العظيم، بس هى دماغها ناشفه وعناديه وكانت مش بتسمح أي حاجه تعدي من تحت أيديها، طبعا الكلام ده معجبش عاصم الدويري وهددني كذا مره أن هو هيصفيها لو مبقتش فى صفنا، وقتها ملاقتش اى حل غير أن اجيبك انت اللى تحميها كنت واثق انك اكتر واحد هتقدر على المهمه دي وقتها قولت علشان السهر اللى بتسهره بس مكانش هو ده السبب لا كان خوف عليها من اللى هما ناوين يعملوه فيها كنت بتعامل معاك كده قصاد الكل علشان محدش يفهم حاجه ولا يفهم أن ده خوف على بنت اخويا حتى مراتي وابنى بوهمهم أن فى صفهم علشان مش هقدر على شرهم، طيب انت عارف أن انا متأكد أنكم متجوزتوش!! بس واثق انك مستحيل تقرب منها وتأذيها انا جبتك انت بالذات يا قناص علشان عارف تاريخك كله وعارف قد ايه اتأذيت بسبب عاصم ده وخسرت شغلك وأسمك بسببه، ذات متحوطه بتعابين يا مهران وانت الوحيد اللى هتقدر تحميها من لدغهم، حافظ عليها واحميها من شرهم يا أبني، انا الله أعلم ناوين يصفوني امته؟ بس مش شاغل بالي غير ذات وخوفي عليها.”
شعر مهران بصدق كلام سليم، ولكن داخله كان يسكن شعورٌ متأجج من الشك. أراد التأكد من ولاءه لأبنة أخيه، فسأله:
“طيب، وأنت جاي هنا ليه، علشان تقول الكلمتين دول ولا لسبب تاني؟”.
أجابه سليم وهو يحوّل نظره إلى ذات المستلقاة على الفراش، لا تشعر بأي شيء حولها، كأنها تتواجد في عالم آخر بعيد عن الواقع الصعب الذي يحيط بها:
“علشان ابني ومراتي عرفوا بموضوع التعاطي وأنها بتتعالج منه، طلبوا مني أن امضيها على بيع الشركة والتنازل عن كل الفلوس اللي معاها. عملت كلامهم حجة وجيت علشان أقولك الحقيقة وأطلب منك تحميها كويس أوي. وكمان علشان أجوزها ليك، كده هكون مطمن عليها أكتر، لأن ممكن ابني يجي يخدها بحجة أنها بنت عمه وخطيبته، وقتها محدش هيقدر يمنعه، حتى القانون هيكون في صفه.”
كانت كلماته كالسهم الذي أصاب قلب مهران بنقطة حاسمة. شعر بتعقيد الموقف؛ فبينما كان يستشعر حبه العميق لذات، كانت هناك خيوط من الحيرة والقلق تشدّه نحو التراجع. مهران كان مشوشًا، لا يعرف حقًا ما عليه فعله. هو يريد الزواج منها، لكن هي رفضت في السابق بالإشارة إلى عدم رغبتها في أن يكون ذلك مجرد إشفاق عليها من معاناتها. كيف يستطيع أن يخبرها بأنه يرغب في الزواج منها، بينما هي تعيش في عالم من الظلام والفوضى، تتقاذفها المعاناة والآلام؟ هل يذهب في تنفيذ رغبته بالزواج منها دون علمها، ليكون حاميها، وهو الضمان الوحيد لوجودها معه في عالم مليء بالمخاطر؟ غرق في أفكاره حتى اقترب منه سليم مرة أخرى قائلاً بقلق:
“ها يا ابني، قولت إيه، هتتجوز ذات وتحميها ولا لأ؟”.
أخذ مهران نفسًا عميقًا، نظر إلى ذات بحسرة، ثم قال بصوت مليء بالعزم…
««««««««««««««»»»»»»»»»»»»»
مرت عدة أيام على نفس الأحداث، حيث تمازج ألم الانسحاب مع حب ودعم مهران لذات.
استعدت مهره للرحلة المشؤومة، وبعد لحظات، هبطت إلى الأسفل لتجد ماهر في انتظارها، مستعداً لأخذها إلى محطة الحافلة. اقترب منها بابتسامة دافئة، وحمل حقيبتها بيديه القويتين، قائلاً:
“صباح الورد والفل والياسمين على عيونك يا قمري.”
ابتسمت له بمحبة أخوية، فردت:
“صباحك صافٍ زي قلبك يا روح أختك.” توجهوا إلى الخارج، حيث وضع الحقيبة في السيارة، ثم استقر أمام المقود. نظر إلى مهره بعيونه المليئة بالحماس وقال:
“قبل ما تمشي، هخدك لمكان هيفرحك قوي.”
نظرت له باستغراب، وتكلمت بتساؤل متفاعل:
“مكان هحبّه! فين ده، قصدك الملاهي؟”
تعالت ضحكاته الرجولية، وتحدث بصعوبة من شدة الضحك:
“الملاهي، آه يا بخته الأسود! اللي هتكوني من نصيبه هياخد طفلة تطلع عين أهله.”
نظرت له بتذمر طفولي، وقالت:
“طيب، والله العظيم انت غلس، هااا، ده يا سعده يا هنااا… اللي هبقى من نصيبه!”
أومأ برأسه مبتسمًا، وقال مازحًا:
“على يديي، ده هياخد العقل والهدوء كله، يارب سامحني على الكذبة دي.”
ثم أدار السيارة وتحرك بها متوجهاً إلى المكان الذي سيتجمع فيه الأحبة، حيث كانت رائحة الأمل والحياة تعم الأجواء. كانت المدينة تعج بالحركة، والأصوات تعلو باستقبال الفجر، الذي حمل طياته معاني جديدة لرحلة غير متوقعة. أثناء القيادة، كانت ملامح المدينة تتغير، وبدأت ملامح الابتسامة تتخطى وجه مهره وتتعمق داخل قلبها، وكأنها تتسلل إلى أحلامها العذبة التي راودتها لسنوات. شعرت بالفضول يتغلغل بداخلها، بينما كان ماهر يعبّر كل مرة عن سعادته ويهتف لها بكلمات لا تعرف معناها بعد، ولكن قلبها كان يعرف الفرح. كانت لديها رغبة عارمة في الاستكشاف، فهل ستفتح لها الأيام القادمة أبواباً جديدة ملؤها المغامرة والسرور؟
«««««««««««««»»»»»»»»»»»»»»
عند ذات
بدأت تسحب رأسها ببطء، تتألم بشدة، ففتحت عينيها بصعوبة ونظرت حولها بحالة من الضعف، كأنها قد استيقظت من كابوس طويل. كان جسدها هزيلاً كما لو أنها دمية بلا روح، ملقية في ركن من الزمان. الهالات السوداء تحت عينيها كانت واضحة، تتحدث بصوت عابر عن المعاناة المستمرة التي مرت بها، حيث أظهر المنظر من يراها أنها مريضة منذ سنين طويلة. ارتعدت أوصالها واعتدلت بألم، محاولًة كبح ضعفها الواضح وهي تتابع مهران النائم على الأريكة أمامها، رجل أحلامها وسبب استمرارها. ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها، رغم كل الآلام التي تثقل كاهلها، وتحدثت بصوت ضعيف، ممزوج بالأمل:
“أنا حاسَّة إن ربنا بعتك ليا العوض اللي هينسيني قسوة الماضي بكل ما فيه.”
تنهدت بعمق، تنفست بحذر كما لو كانت تستجدي الحياة لنفسها مرة أخرى. نهضت من السرير بصعوبة، متكئًة على الجدار لتستعيد توازنها، واقتربت من مهران، وتربت على كتفه برقة، كما لو كانت بحاجة للتأكد من وجوده:
“مهران يا مهران، اصحى.”
انتفض مهران مفزوعًا، بجزع كأنما استيقظ من حلم مزعج:
“إيه يا ذات، مالك فيكي حاجة؟”
ابتسمت له بهدوء، محاولة تخفيف قلقه، وقالت بصوت ضعيف يتنصل من كل علامات الضعف:
“لا متقلقش، أنا كويسة، بس عايزاك تخرج من الأوضة.”
نظر إليها باستغراب وسأل: “نعم!!”
أوضحت له بلطف وحسم:
“عايزاك تخرج من الأوضة علشان عايزه اخد شاور.”
تنحنح بإحراج، وأومأ برأسه بالموافقة:
“آه طبعًا، براحتك، أنا هطلع أقعد بره شويه.”
تحركت ذات بضعف وكادت أن تتعثر وتسقط، لكن ذراع مهران كان سريعًا، التقطها برفق وأحاطها بحضنه، فجأة شعرت بالأمان في عناقه. تبادلا النظرات في حديث صامت، ظلا على هذا الحال عدة ثوانٍ، محاطين بالدفء والرغبة. ثم انتبهت ذات لهذا الموقف، فابتعدت عنه وتحدثت بتوتر، وكأنها تحتاج لكسر تلك اللحظة:
“ش ش شكرا.”
اقترب منها مرة أخرى، ممسكًا بذراعها، وكلمها بنبرة هادئة ولكن تحمل مشاعر عميقة:
“تعالي اسندك، أدخلك الحمام علشان بقالك فترة مش بتتحركي، دايخة.”
أبعدت يده عنها، متكلمة بنبرة مختنقة تدل على استعادة قوتها:
“شكرًا، مش محتاجة مساعدة ولا شفقة من حد.”
هز رأسه رافضًا، بوضوح:
“بس دي مش مساعدة ولا شفقة مني، يا ذات. أنا بعمل كده لأن انا لو كنت مكانك، كنتي هتعملي زي كده وأكتر. أنا وأنت بنكمل بعض، ومافيش بينا الكلام العبيط ده.”
ثم أضاف بمزاح جريء، مع تعبيرات عينيه التي كانت تحوي مشاعر مختلطة:
“فين ذات القديمة، كانت زمانها هي اللي بتعرض عليا أدخل معها دلوقتي وأخد شاور؟ أنا وهي كمان.”
اتسعت عيناها بصدمة من وقاحة كلماته، وحذرت بتحدي ومشاعر واضحة:
“مهران، احترم نفسك وبلاش قلة أدب، أحسنلك.”
اقترب منها بمزيد من الجرأة، محتفظًا بابتسامته البسيطة، وهمس في أذنها:
“أنا بعترض، عايز ذات الوقحة اللي إيديها كانت تلمس كل حته في جسمي من غير كسوف، ولا كلامها اللي كان بيخليني أدوب.”
تكلمت بسرعة، مقاطعة أياه:
“مهران، بتكلم بجد. لو دي هتكون طريقتك معايا، يبقى هرفض وجودك في الأوضة أو هرجع أقعد في شقتي زي الأول.”
شعر مهران بسعادة لا توصف بتغير سلوك ذات، ابتسم لها بحب، كما لو كان يرى فيها بريق الأمل، وأومأ برأسه بالطاعة:
“أنا خارج من الأوضة، ولما تخلصي، نادي عليا.”
أنهى كلامه وخرج من الغرفة، تاركًا وراءه عبق مشاعره الطافحة. نظرت إلى أثره بسعادة، وابتسامة عاشقة ارتسمت على شفتيها، كأنها تعهدت لنفسها بأن هذه اللحظة لن تغادر حياتهم. بعد ذلك، اتجهت إلى المرحاض، نزعت ملابسها وقذفت بها على الأرض، ثم فتحت المياه الباردة، ووقفت تحتها، محاولة محو آثار التعاطي من على جسدها، كأنها تحاول غسل ذكرياتها الأليمة. ورغم شعورها بالاحتياج إلى تلك المادة السامة، إلا أنها أصبحت أكثر هدوءًا مما كانت عليه سابقًا، حيث ساعدتها العقاقير الطبية التي واظب شريف على إعطائها باستمرار، مما منحها قدرة على مقاومة ألم مثل هذا.
تذكرت حياتها السابقة، فانهمرت دموعها بغزارة، وكأنها تتحدث إلى نفسها لتعتذر عن الوقت الضائع. ثم أغلقت المياه، ارتدت برنس الاستحمام، وخرجت من الغرفة، كأنها مخلوق جديد قادم من تحت الأنقاض. تذكرت أن الملابس في شقتها، زفرت بضيق ووقفت خلف الباب، صارخة: “مهران، يا مهران، ممكن تيجي ثواني؟”
ثوانٍ معدودة، وكان يقف أمام الباب. نظر لها بصدمة، ثم ألقى نظرة خلفه ليتأكد من عدم وجود شريف، دفعها إلى الداخل وأغلق الباب بقوة، متحدثًا بغضب:
“أنتي مجنونة! إزاي توقفي على الباب بالشكل ده، إنتي ناسية إن شريف قاعد معانا هنا؟”
تكلمت بغضب موضحة:
“أنا مخرجتش كده يا مهران من الأوضة، أنا كنت بكلمك من على الباب، علشان مكانش ينفع دخولك الأوضة وأنا كده زي ما حضرتك عملت دلوقتي.”
نظر إلى جسدها بتوتر، وابتلع ريقه بصعوبة، شعر بالقلق والارتباك:
“ح ح حتى برضه لو مخرجتيش، كان ممكن يعدي بالصدفة ويشوفك كده وأنتي واقفة على الباب. عموما كنت عايزة إيه؟”
زفرت بضيق، وقالت موضحة بألم:
“كنت عايزة هدوم ليا من تحت ممكن؟”
بأنفاس متقطعة، محاولًا تهدئة حالته المضطربة، أومأ برأسه بالموافقة، وتحرك نحو الباب ثم استدار إليها، قائلاً بلهجة آمر، كأنما يضع حدودًا جديدة:
“حسك عينك رجلك تخطي عتبة الباب وأنتي كده، فاهمة؟”
نظرت له بابتسامة جميلة، التي تحمل التعبير عن الأمل، وأومأت برأسها بالطاعة: “فاهمة.”
اشتعلت النيران داخله بعد تلك الابتسامة، كأنما أعيد إشعال القلوب الميتة. اقترب منها سريعًا، وضع قبلة خفيفة على وجنتها، ثم خرج يركض مُغلقًا الباب خلفه، وكأنما أفلتت رياح التغيير لتنعش الأجواء.
وقفت مذهولة من قبلة مهران، لكن سرعان ما تحولت الصدمة إلى ابتسامة سعيدة، وهي تستشعر الأثر العميق الذي تركه في قلبها. وضعت يدها مكان قبلة مهران، وشعرت بقلبها يتراقص من شدة السعادة. اتجهت إلى المرآة، وقفت أمامها، ونظرت إلى هيئتها بحزن شديد، عاقدة العزم على مقاومة كل تلك الأوجاع. تذكرت كيف كانت مليئة بالحياة، والآن أصبحت جسدًا بلا روح، أكوامًا من الذكريات المنسية. حركت يدها على وجهها الشاحب وجسدها النحيف، ظلت على هذا الحال عدة ثوان، ثم تحدثت بصوت مختنق، وكأنها تخاطب نفسها:
“الوردة المفتحة اللي كانت كلها حيوية، بقت عبارة عن زهرة ميتة، مفيهاش روح. كل حاجة فيا بهتت، حتى روحي.”
ولكن في تلك اللحظة، شعرت بمهران يحيط خصرها بذراعه من الخلف، وينظر إلى انعكاسهما في المرآة، قائلاً بصوت هامس يحمل عمق المشاعر:
“بس مهما دبلتي، عطرك اللي بينشر بهجته في المكان لسه فيكي، قلبك الطيب والنضيف، لسه زي ما هو. أنتي بقيتي ذات جديدة، بس أجمل وأقوى من الأول…”
ثم أكد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه، كنغمة لحن لا يبتعد عن مساعدته:
“أجمل وأقوى من الأول في عيوني أنا يا ذات.”
انهمرت دموعها، لكنها لم تكن دموع الوجع، بل دموع السعادة من فرط شعورها بعشقه الكبير. تكلمت بنبرة تحمل الحب والامتنان، وهي تشعر بالقوة تتجدد بداخلها:
“شكرًا يا مهران، شكرًا على كل حاجة عملتها معايا. ظهورك في حياتي فرق معايا كتير وقواني، لأنك جدد الأمل اللي كنت فاقده من زمان.”
تحرك مهران إلى الأمام ووقف مقابلًا لها، ونظر إلى عينيها، متحدثًا بابتسامة رائعة سحرت قلبها:
“أنا اللي لازم أشكرك يا ذات، علشان قدرتي تصحي جوايا حاجات كانت ماتت من زمان، رجعتلي الحياة بعد ما كنت فقدها.”
ثم ضحك بمزاح عاشق، كأنه يذكر ذكريات حزينة لكنه سعيد بها:
“مين يصدق إن الميه واحد وخمسين سم دي توقع راجل زي طولي بعرض، وتشقلب حاله في وقت قصير زي كده؟”
ابتسمت بحق على كلماته، وتراقص قلبها بسعادة لا يمكن وصفها سوى بحضنه الدافئ، وكأنما استجابت لنبض الزمن. ارتمت في أحضانه، متحدثة بسعادة غير مبالية بما يحدث داخل الرجل الذي يغلي كالبراكين:
“أنت جميل اوي يا مهران، اوعي تبعد عني، بترجاك. أنا الموت عندي أهون من أعيش من غيرك.”
أخرج كلماته بصعوبة، محاولًا ضبط النفس حتى لا يفقد السيطرة، وهو يتلمس حبات الأمل:
“قولتلك قبل كده يا ذات، أنا عمري ما أقدر أعيش من غيرك ولا أبعد عنك. أنتي الهوى اللي بتنفسه، أنتي حياتي كلها، والبعد عنك معناه موتي.”
وضعت أناملها بسرعة على شفتيه لكي لا يخرج هذه الكلمة مرة أخرى، وقالت بهلع، كما لو كانت تستجدي الحياة:
“بعد الشر متقولش كده تاني، هزعل منك بجد يا مهران.”
أعلن قلبه الحرب، وأجبر نفسه على دخول معركة صغيرة للإعلان عن احتلال قلب ذات، كعملاق خفي يريد أن ينتشر. اقترب من شفتيها، يعبّر لها عن مدى عشقه لها، وهي، ولأول مرة، تسمح له باقتحام عالمها، مرحبة بذلك.
مرّت ثوانٍ دون أي انقطاع حتى شعر كل منهما بحاجة لدخول الهواء، فابتعد عنها، وأنفاسه تتصاعد من فرط مشاعره المتوهجة، بينما جاء ليؤكد تعهداته. نظر لها بحب، قائلاً:
“أنتي جميلة اوي يا ذات.”
احمرت وجنتاها خجلًا، وأتجهت سريعًا إلى الجهة الأخرى، متحدثة بصعوبة، بينما أحاسسها تتداخل:
“م م ممكن تخرج من الأوضة علشان ألبس هدومي؟”
تكلم بمزاح جريء، مُظهرًا شجاعته:
“أنا في الخدمة لو عايزة أي مساعدة.”
دفعته بقوة على وقاحته، قائلة:
“أنت بني آدم وقح على فكرة.”
تعالت ضحكاته، ورد مازحًا:
“الدنيا أتقلب حالها والله! بعد ما كنتي أنتي اللي بتتحمرشي بيا، بقيت أنا اللي بعمل كده. مليش دعوة، أنا بطالب بذات التانية الجريئة.”
تعالت ضحكاتها على مزاحه، فقالت بصعوبة بينما تتذكر الماضي:
“وأنا بطالب بمهران القديم، الجد أوي ومحترم اوي أوي، ده أنت كنت بتحمر من الكسوف، يا راجل، لما أقرب منك.”
انتهت حديثها بابتسامة خفيفة بعد دفعة لطيفة خارجة من الغرفة، وأغلقت الباب سريعًا من الداخل، مدفوعة بشعور جديد من الطمأنينة.
تكلم بصوت هامس من خلف الباب، وقد بدأ في الهروب من حالته:
“مسيرك يا توم تقع في الهون وأدوقك.”
ردت بصعوبة من بين ضحكاتها، كأنما تجد وسيلة للتعبير عن نفسها:
“الدنيا اتطورت يا مهورتي، وبقي فيه مفرمة كهربائية لتوم والبصل.”
تراقصت دقات قلبه بسعادة عندما سمع الاسم المحبب له: “مهورتي.” تكلم بصوت هامس، كأنه يسبح في دوامة من الحب:
“الاسم ده كان واحشني أوي منك، يا ذات. قوليه على طول، أياكي تحرميني منه مهما حصل.”
أغلقت عينيها بسعادة، وإبتسمت بقلوبٍ شغوفة، واكتفت بتنهيدة حارة، بينما سمع صوتها من خلف الباب وبدأت ترتدي ملابسها، عازمة على مواجهة الحياة من جديد.



