روايات شيقة

رواية روح وريحان الفصل الثاني عشر 12 بقلم ايناس عادل

رواية روح وريحان الفصل الثاني عشر 12 بقلم ايناس عادل

الفصل الثاني عشر

قررت أنسحب .. كان قرارها حين انهارت .. وهو يجلس على ركبتيه أمامها يحاول تهدئتها بلا فائدة .. كانت تخشى أن ينهرها لبكائها كعادته .. ولكنه لم يفعل .. وبعد محاولات يائسة معها لأن تهدأ .. هاتف “يوسف” ليحملها للأعلى .. جاءها “يوسف” ومعه “ريم” التي تنظر لـ”باسل” نظرات لوم .. لم يفهمها .. ولكن ظنها فيه أنه من أبكاها .. مكث مع ابنته في الأسفل ولم يذهب معهم .. وفي غرفتها كان “يوسف” و”ريم” يحاولان تهدئتها بشتى الطرق .. ولكن بلا فائدة .. حين شعرت أنها أفرغت كل ما عندها سكتت وسكتوا جميعا .. فليست “ريم” فقط من تعلم حبها لـ”باسل” .. “يوسف” كذلك يعلم .. لم تخطئ فيمنعها .. ولم يخطئ فينهره .. يعلم أن مشاعرها حبيستها وفقط .. ويعلم ما هو أكثر من ذلك .. يعلم ما لا تعلمه هي أو “ريم” أو حتى “باسل” ..

الانسحاب أفضل حل .. لماذا تعذب نفسها بحبه .. وبإمكانها أن تريح بالها بفراقه .. ولكن هل ستتحمل أعراض الانسحاب .. الانسحاب من الحب كمدمن مخدرات حاول أن يقلع أخيرا عم يفعل .. الأمر صعب لأقصى حد في البداية .. ولكن إن عقد العزم فعليه التحمل .. ستقل الأعراض تدريجيا .. إلى أن يخرج كل ذرة من المخدر من دمه ..

المخدر مضر والحب إن كان في غير موضعه أكثر ضررا …

“ريحانة” ستنسحب .. رغم ضعفها فهي سيدة القرارات الصعبة .. حين تتخلى عن حبه ستقوى .. هي ضعيفة بحبها له .. وجوده جوارها يضعفها .. جميعهم سبب في ضعفها .. إما بحب أو شفقة أو خوف .. وهي من سمحت لهم بذلك .. بسبب كل هذا ستتخلى عن حبه .. مرت سنون ذابت في حبه كل خلية لها .. على أمل أن يراها كما تراه .. ولكن بلا فائدة .. ماذا ستفعل له حتى يحبها .. وماذا ستجني إن أحبها .. لا شئ .. حبه لها لا شئ .. هي ليست بحاجة له .. هي بحاجة إلى نفسها .. بل في أمس الحاجة ..

“ريحانة لباسل .. وباسل لريحانة” .. هكذا بدأت .. فتاة في الثانوية يتحدد مصيرها بحب أبدي .. لم تكن لها يد في اختياره .. فـ”باسل” كان عندها كـ”يوسف” .. أخوها .. عانى جدها وخالتها حتى يفهموها أنه ليس كـ”يوسف” .. بمجرد أن وصلت للبلوغ .. وارتدت حجابها .. أصبحوا يضعون حدود بينها وبين “باسل” .. ثم لا تخلعي حجابك أمام “باسل” .. ثم لا تضحكي كثيرا مع “باسل” .. ثم لا تمزحي ولا تتحدثي مع “باسل” .. أصبح فجأة “باسل” الفاكهة المحرمة .. كانت فقط في الأمس القريب تمازحه وتضربه ويحملها ويذهب ويروح بها كطفلته .. دون مقدمات أصبح “باسل” ممنوع الاقتراب منه .. لم لا يمهدون لها ..

ثم دون مقدمات أيضا .. أخبروها قائلين “ستصبحين زوجة لباسل حين تكبرين” .. مشاعرها البكر ولدت على حبه .. كان الأمر غريب عليها في البداية .. أن تتخيل “يوسف” كان أو” باسل” زوجا لها فهما عندها سواء .. ولكن كأي فتاة حين بدأت تحلم بفارسها .. كان “باسل” قد شغل منصب الفارس دون منازع .. لم ترى غيره ..

عاشت تحلم أياما وليالِ بيوم يأتيها “باسل” يخبرها أنه يحبها .. ثم تعيش الموقف وتخجل منه .. ثم ترسم يوما آخر يأتيها “باسل” يخبرها أن تزوجيني .. وتعلو ضربات قلبها كأنها تعيش اللحظة الآن .. ثم تتخيل كيف سيعاملها كحبيبته وزوجته .. وترسمه حنونا غيورا عصبيا .. ترسمه ضاحكا وعابسا .. تتحدث معه وتخبره معاناتها .. تعلم أنه لن يشفق عليها .. ولن يشعرها أن بها نقص .. لذلك كان مختلفا .. يحتويها بكل ألمها وحزنها ..

أحلام كثيرة رسمتها .. وما يصدق أحلامها كان معاملته لها .. يشجعها على دراستها .. يساعدها إن احتاجت .. يخبرها كيف يكون لديها هدف تحارب من أجله .. ثم يخبرها كيف تتمسك بما أرادت .. ويدافع عن رغبتها إن احتاجت .. حين تبكي يخبرها أنها قوية .. وحين تمرض يشعرها أن صحتها سليمة .. في أضعف حالاتها لم يشعرها بأنها بحاجة لشفقة .. بل كانت مثلها مثل غيرها ..

بعد أن كان فارسها باختيارهم لها .. أصبح فارسها باختيارها .. فإن كان يعاملها كذلك رغم الحدود التي بينهم .. فكيف حين تنزع الحدود .. ويا لسعادتها حين أوكل إليه أمر ذهابها وعودتها .. ستراه يوميا وتتحدث معه .. وتخبره كيف مر يومها .. وتستمتع بابتسامته لها .. لها وفقط .. وتشجيعه أن تبقى قوية .. لا يهزها شئ ..

وكانت العاصفة .. إعصارا .. بركانا .. زلزالا .. أيا كان .. ولكن شعورها كان كذلك .. اضطراب في الأرض يحدث فيسبب هزة أرضية شديدة .. قد ينتج عنها كوارث وقد لا .. ولكن هناك ضررا سيحدث ..

حين جاءها بنفسه يخبرها أنه وجد من يحلم بها .. وجد أميرته الضائعة .. وفتاته الجميلة .. سيتزوج غيرها .. بكل بساطة قالها ..

وبدلا من أن تسمع تزوجيني صغيرتي .. قال سأتزوج غيرك عزيزتي .. ببساطة شديدة لست أميرتي ..

ليست “ريحانة” بمن تتظاهر بالسعادة أو القوة حتى تحافظ على ما بقي من شتات نفسها .. ولكن سعادته حين أخبرها كأنه يسر بأمر لأخته الأثيرة .. قتلت صدمتها .. فكيف لا تسعد حين ترى سعادته تلك .. حتى وإن كانت لأجل غيرها .. ولكن لم تستطع منع دموعها أمامه .. وحين سأل بلهفة تعشقها .. أجابت بأن الأم حين تسعد بأبنائها تبكي .. هو صدقها وهي صدقت نفسها …

وعادت لتبكي وحدها في غرفتها .. ومن هنا بدأت حكايتها مع الانطواء والصمت .. فمن سيشاركها أحزانها وكل من في البيت فرحين .. فـ”باسل” سيتزوج -غيرها- فقط هي من كانت تضيف تلك الكلمة .. بعد أن كان ملك خاص لها .. أصبح لغيرها .. ومن أخبروها بأن “باسل سيتزوجك” فرحين كأنهم لم يفعلوا بها شئ .. ليتهم ما قالوها وليتهم تركوها تراه أخا وفقط .. لماذا وجهوا مشاعرها له .. ولماذا سمحت لهم هي بذلك ..

ولكن لم يكن “باسل” ليتركها تختلي بنفسها .. فقد اقتحم خلوتها وكسر الحدود بينها وبين نفسها .. وهو يسألها ببراءة لماذا صغيرتي لا تشاركيني فرحتي .. كان كذلك يفعل مع “ريم” حين تحزن لا يتركها وحيدة .. ولكن هي من كانت تشعر أن معاملته لها معاملة خاصة ..

تزوج “باسل” .. ودمرت “ريحانة” .. رحمها فسافر بزوجته .. وتركها لتتحول شخصيتها .. هي كانت متماسكة تحاول أن تقوى بوجوده .. ولكن تركها ..

لكي تصنع عجينة متماسكة .. هناك مادة ما تضعها لتحافظ على ذلك التماسك .. دونها ستجد بين يديك شيئا هش .. كذلك كانت هي ذلك الشئ الهش دون “باسل” ..

انطواؤها كان تعبيرا عن حزنها وألمها .. سافر “باسل” ليأتي بعد سنتين معلنا أنه سينفصل عن زوجته .. لم تفرح .. حتى بعودته لم تفرح .. كان كل شئ فيها تدمر .. فقدت الشعور بالفرحة أو الحزن .. ولكن كانت هناك مخلوقة جديدة نورت حياتهم .. هي من بعثت فيها أملا جديدا .. فانشغلت عنه بابنته .. ولكن كانت معاملته لها تغيرت .. أصبحت كما هي الآن .. يلقي عليها كلماته اللاذعة .. ويسخر منها ومن كل شئ فيها .. فتحول حبها لوسيلة دفاع عن نفسها أمامه .. ولم يدرِ أن شخصيتها الجديدة التي يهاجمها كانت بسببه .. وبسبب ما فعله فيها .. كان ينتقد فيها صفات استجدت عليه وعليها لم تكن في “ريحانة” التي تربت على يده ..

لتأتيها صاعقة أخرى حين علمت بخبر الحادثة التي تعرض لها مع ابنته وزوجته .. ماتت زوجته .. وعجزت قدماه عن حركتها لستة أشهر .. ونجت ابنته .. حينها حدث لها انهيار آخر .. فكيف سيتحمل كل ذلك .. واعتصمت بغرفتها أيضا لتنهار .. حزنت لموت زوجته .. وحزنت لما أصابه .. وخشيت أن تبقى ابنته مثلها .. ورغم أنها لم ترى ضعفه حينها ولا حزنه .. إلا أنها كانت على علم بشعوره .. لم تفرح أبدا بموت زوجته .. ولكن حينها علمت أن أمام الموت كل شئ يفنى .. حتى حبها له .. ماذا سيفيد الآن .. وماذا سيفعل أمام مصيبته ..

لا تنكر انبهارها بصبره وجلده .. ولكن تحول صبره لعنف حين بدأت أمه تلح عليه بالزواج حتى تبقى معه امرأة لخدمته وابنته .. أكبر خطأ ارتكبته خالتها في حياتها .. أشعرته بعجزه .. دون قصد منها .. ولخوف أخوال ابنته عليها من أب عاجز .. سعوا لضمها .. تكاتف الكل عليه .. عندها كان التحدي أمامه صعبا .. قدماه لم تكن لتعود طبيعية قبل سنة أو اثنين من العلاج والجراحة .. فإذا به يتحدى الجميع لأجل ابنته .. فلم يبق له سواها .. وتحولت شخصيته الهادئة لشخص عنيف بطباع حادة .. وكل طباعه كانت على “ريحانة” .. كأنها السبب في كل شئ .. تتحمله وتضعف شخصيتها أكثر .. إلى أن جاءت أمه بالقاضية وهي تعرضها عليه زوجة .. ورغم عنفه وألمه .. عندما وصل الأمر لـ”ريحانة” رفض لأجلها .. لأجلها هي لم يرد لها زوجا مثله .. ثم تأتي هي لتحيي حبه في قلبها مجددا بعد موقفه ذاك ..

ثم سافر ولم يعد .. بمجرد أن شفي سافر .. رحل بابنته .. ليأخذ معه حبها له وأملها بابنته .. لتنطوي هي أكثر .. وتضعف في غيابه أكثر .. لم يكن يؤثر فيها سوى رسائله لها في المناسبات .. تشجيعه لها في دراستها والعمل ..

بتشجيعه حولت حبها له لإبداع في عملها .. وكلما تفوقت وأبدعت أكثر كان دعمه لها يزداد .. وهي كانت بحاجة لدعمه .. إلى قرار عودته .. كان معها .. ولكن في تلك الفترة حبها له اختلف كانت تحب “باسل” الأب والأخ .. قد يكون ظل فارسها ولا ترى فارس غيره .. ولكن بدعمه لها كما كان دائما كان حبها يزداد .. لأنه في فترة زواجه القصيرة ابتعد وابتعدت …

ستنسحب الآن .. ستنسحب ..

أخطأت حين اعتمدت على بشر .. أخطأت حين علقت قلبها بقلب بشر .. أخطأت حين استمدت قوتها منه لتضعف حين يبتعد ..

ستنسحب لأنها تريد “ريحانة” .. تحب “ريحانة” مستقلة دون أحد .. اشتاقت لـ”ريحانة” .. هي مستقلة بذاتها ..

ستبقى “ريحانة” بلا “باسل” .. وستترك “باسل” دون طيف “ريحانة” …

ولكن أنَّى لها بطاقة الانسحاب .. ومن أين تستمدها .. لها الله ..

————————

اليوم الأول …

تعرف مواعيد ذهابه وعودته لتنتظر رؤيته .. ولكن من اليوم تعرفها حتى تذهب لعملها قبله أو بعده .. وتختفي حين يعود .. أو تنام ..

ولكن لا تتحمل آلام الانسحاب .. كيف لها بسماع صوته ولا تخرج لتراه .. كيف تسمعه يسأل عنها ولا تجيبه …

ستتحمل ..

اليوم الثاني …

كانت تبكي وهي تستحضر كل السنين الماضية في حبه .. لولا خوفها من اقتحام أحد لخلوتها لصرخت ..

في اليوم الثالث ..

بدأت تتجه لله تدعوه أن يفرج عنها ما هي فيه …

واستمرت أسبوعان .. بين بكاء ونحيب .. لا تراه .. تسمعه فقط يسأل عنها .. وتمنع نفسها من الخروج له ..

وكما فعلت “رنيم” قبل كانت تفعل هي .. تختفي منهما وتدعي النوم ..

——————–

لم تخفى حالتها عن “باسل” .. لاحظ أنها تتعمد الابتعاد عنه .. تتعمد عدم رؤيته .. لا ترد على اتصالاته -لأنها أخته- فقلقه يزداد عليها ..
بدأت تنطوي أكثر .. لا تريد رؤية “ريم” أو حتى “يوسف” .. شكوى جده زادت ..
“ريحانة” الصغيرة ماذا بها ..
قرر أن يتدخل هو .. فإن كانت لا تريد رؤيته فهو يريد أن يعرف ما بها ..

لا يعلم لم خطط أن يراها في عدم وجود جده .. يعلم أن جده يظل في المسجد بين المغرب والعشاء .. إذا فلتكن زيارته لها في هذا الوقت .. شعر أن ما بها لا يجب أن يعرفه جدها ..

طرق الباب ففتحت .. ظن أنه سيعاني ليجعلها تفتح ..

ميتة .. هذا وصفه لها حين رآها .. لا حياة فيها .. وجهها الرقيق به شحوب غريب .. وعيناها البريئتان يحيطهما هالة من السواد .. لم ترفع نظرها له .. تقف ساكنة .. وهو لم يتحدث .. هاله مظهرها ..

بنظرة ميتة مثلها رفعت عينيها لتقول :
– جدو مش موجود …

وهمت بغلق الباب لولا يده .. ثم صوته الحازم :
– قدامي ع الجنينة …

قالت :
– مش عاوزة انزل .. لو سمحت انا هقفل ..

بحزم أشد قال :
– قدامي ع الجنينة يا ريحان .. يلا ..

استجابت له وخرجت .. تقدمها وسارت خلفه .. جلسا متقابلين .. فبدأ قائلا :
– مالك ..

آن أوان الانفجار .. أليس من حقها أن تثور .. ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تجيب :
– مالي .. انا كويسة .. كويسة جدا .. انا عمري ما كنت كويسة زي دلوقتي .. بس تعبت من شفقتكم .. ومن عطفكم على اليتيمة الغلبانة اللي بتربوها ..

ثم وقفت وهي تقول :
– لسة جاي تقول مالي .. ياااااه متأخر أوي يا دكتور .. انا اقول لك مالي .. انا واحدة كانت بتموت قدامك وحضرتك عايش في دور الاخ الحنين .. انا واحدة كانت بتتمنى حد يعاملها كانها شخص طبيعي .. بس ملقيتش .. كلهم ليه بيعاملوني كدة .. حتى ريم ورنيم .. ليه يعلقوني بيك .. ليه انت تسيبني .. وليه يعرضوني عليك تاني .. هو انا اد كدة معنديش كرامة قدامهم ..

وبدأ بكاؤها وهي تقول :
– انتو لغيتو شخصيتي خالص .. وبعد كدة تيجي حضرتك تحاسبني .. حتى صوتي مسلمش منك .. تقولي خلي عندك شخصية وفي نفس الوقت بتلغيها .. تقولي انتي زي ريم .. وعمرك ما عملت مع ريم زي ما بتعمل معايا .. عمرك ما زعلتها ولا اهنتها .. تقولي اعتمدي على نفسك وعمركم ما اديتوني فرصة اعتمد على نفسي .. شكلتوني على مزاجكم .. وبعد كدة تيجي تتريق عليا وعلى تصرفاتي اللي انتم عملتوها .. عرفت مالي بقى .. طبعا حضرتك شايفني دلوقتي عيلة ومعنديش لا كرامة ولا شخصية .. واحتمال تكون شايفني كائن ملوش لازمة كمان .. عادي انا اتعودت .. مبقتش فارقة يعني ..

ثم بدأت تشهق بشدة وتصرخ صرخات أفزعته .. وهي تجلس أرضا .. تخرج ما بقي منها في هذيان ..

لم يشعر بنفسه وهو يكتف يديها التي بدأت تبحث عن أي شئ تضربه به .. ثم قدميها التي بدأت تحاول فك نفسها وضربه بها .. ولم يشعر بنفسه وهو يصرخ مستنجدا بـ”يوسف” و”ريم” ..

ليكون مصيرها في مشفى “يوسف” …

————————

بدأت حكايتهما بـ”هنا” .. وأكملتها “ريحانة” ..

انتهى عملها مع “هنا” عندما أرسلت تقريرها .. ولكن بقيت حالة إنسانية .. تنتظر”رنيم” موعد زيارتها يوميا لتزورها وتحكي معها .. وتشاركها أحلام دفنت قبل مولدها .. تعيد معها إحياؤها .. أصبح وجودها شئ أساسي في حياتها …

في اليوم الأول اخبرته “هنا” بزيارتها .. فحاول ألا يتأثر .. ولكن انتظر يراها في اليوم الثاني .. تأخرت هي فرحل .. ثم أخبرته “هنا” أنها جاءت متأخرة .. فانتظرها إلى أن جاءت .. فقط رأى طيفها وغادر .. ثم في اليوم التالي أخبرته “هنا” بكم هي سعيدة بها .. وسعيدة بزيارتها ودون شعور منها أصبحت “رنيم” حديثهما .. وأصبحت “رنيم” سبب في شفاء “هنا” ..

وفي يوم دون قصد منه رأته أمامها .. جفل وجفلت .. ولتغطي توترها دخلت المصعد دون قصد منها .. قبل أن تغلق صاح بأول ممرضة مرت به :
– نجلاء .. نجلاء ..

-نعم يا دكتور ..

قال وهو ينظر للمصعد يخشى أن تغلقه .:
– شايفة الآنسة دي .. اركبي معاها الاسانسير بسرعة .. ومتنزليش الا معاها .. وانا مقلتش حاجة .. يلا بسرعة ..

أومأت وهي تهرول لتلحق بها …

حين دخلت “رنيم” المصعد .. أصابها التوتر ذاته .. ولا تدري أي مصيبة حلت بها .. لماذا فعلت ودخلت .. ولكن ماذا إن خرجت .. لم تراه وهو يحدث الممرضة ولم تسمعه .. ولكن شكرت الله كثيرا .. حين دخلت معها تلك الممرضة .. وهي تبتسم محاولة تهدئة نفسها ..

الطابق الثالث وفقط .. ولكنها تعبت .. فلديها سابقة مريرة .. لذلك استندت على الحائط حين خرجت وهي تحاول سحب أكبر قدر من الهواء وتضع يدها على صدرها ..

لم تفعل الممرضة شيئا لأنها وجدت “يوسف” أمامها .. اقترب من “رنيم” قائلا :
– حاسة بايه ..

لم ترد فكرر :
– يا بنتي ردي .. حاسة بايه .. انتي كويسة ..

كيف ترد عليه .. لماذا لا يقدر خجلها .. ألأنها قوية لا تخجل .. أم لأنه عرف مرضها ظنها ستتحدث معه بأريحية ..
رفعت رأسها وهي تحاول التحدث قائلة :
– اه الحمد لله ..

ثم تجاوزته قائلة :
– بعد اذنك …

ومنذ وصول “ريحانة” للمشفى وهي لا تفارقها .. رغم أنه علم من “ريم” أن مناقشة رسالتها اقتربت .. تنهي عملها ثم تأتي .. ولا تغادر إلا حين ينتهي موعد زيارتها ..

أصبحت تتحدث معه باعتباره الطبيب المعالج لـ”ريحانة” .. نظرا لإصابتها بانهيار عصبي تبعه اكتئاب حاد .. كل يوم تسأل هل من جديد ؟! .. ثم تسأله ماذا عليها أن تفعل لأجلها .. ثم تعود لطبيعتها الحادة حين تتهمه أنه إن لم يستطع علاجها فليتركها لطبيب آخر .. ثم تعتذر حين تهدأ ..

حالة “ريحانة” أصابت الجميع بالتوتر .. فطبيعي أن تضطرب “رنيم” كذلك .. وهو كان مقدر لحالتها .. هو نفسه مضطرب .. “ريحانة” لا تتحدث .. فإن كان صوتها يغضبهم فلتسكت أفضل ..

———————-

ريم .. أصابها التوتر منذ انهارت “ريحانة” أمامها .. ولكنها اطمأنت لما أخبرها “باسل” أنه لم يفعل شئ .. انطواء “ريحانة” فيم بعد عرفت نهايته .. ساعدتها على ذلك .. فهي ترى أخاها لا فائدة منه .. وتخشى على “ريحانة” إن استمرت على ذلك .. حاولت أن تخرجها من سجنها ..لم تستطع .. أو لم تسمح “ريحانة” بذلك .. فهي قررت أخيرا أن تتحكم في حياتها بنفسها .. إن ماتت لن تتهم أحدا بقتلها .. فقط اتركوها وحدها ..

حين رأتها تنهار وتصرخ وتهذي أمامها لم تحتمل .. أصبحت تصرخ هي الأخرى بـ”يوسف” أن ينقذها .. فهي ترى أن “ريحانة” تموت أمامها .. وفي طريقهم للمشفى .. كانت “ريحانة” بين ذراعيها .. تخشى أن تضيع منها .. لتنهار هي الأخرى حين تعرف ما بها .. وتوالت أحزانها يوما بعد يوم .. لتصل للذروة حين تمتنع “ريحانة” عن الحديث .. نعم امتنعت عن الحديث بإرادتها ..

افتقدت “ريحانة” بشدة .. فبحثت عن أماكن تجمعهم .. ذهبت لأكثر مكان تحبه “ريحانة” فهناك ستجد روحها .. قد يكون ذهابها خير .. فهي بحاجة لأي أمل .. “ريحانة” رغم ما فيها إلا أنها كانت من تدخل الأمل والسرور لحياتهم ..

لأول مرة يأتي “طارق” لهذا المكان .. كذلك أماكن كثيرة .. فهو يعيش حياته كرحالة يتنقل من بلد لبلد .. ولا يستقر في أي بلد .. فترة قصيرة ويعود .. ثم يسافر لمكان آخر ..

وهو يتجول رآها .. لفت نظره حزنها .. كانت سعيدة مرحة المرة السابقة .. لم يتردد في الذهاب نحوها ..
“طارق” لا يتردد .. جلس أمامها وهو يبتسم قائلا :
– هونها تهون .. take it easy ..

نظرت له بفزع .. وهي تعود بمقعدها للخلف ثم تقف مضطربة .. وقف قائلا :
– انا اسف .. مقصدتش ازعجك ..

نظرت للطاولة أمامها وهي تلملم أشياءها لتضعها فيها بتوتر .. ثم تتركه وتمشي بسرعة .. سار خلفها قائلا :
– ريم استني ..

وقفت بصدمة .. كيف عرف اسمها .. لماذا يحدثها ويترك زوجته .. ذهب نحوها والتف قائلا :
– طارق صبري .. مهندس معماري .. 29 سنة .. مش متجوز بس بفكر .. بسافر كتير بس ممكن استقر .. بس كدة .. انتي زعلانة ليه بقى ..

سيقتلها هذا الرجل .. مؤكد سيقتلها .. انعطفت لتتجاوزه .. فقد أخرسها .. ولكنه لم يتركها .. وقف أمامها ثانية وهو يقول :
– طيب قولي ساكنة فين .. بتشتغلي ايه .. اي حاجة …

حركت رأسها كأنها تنفض عنها أفكارها .. ثم تركته وابتعدت .. وهي مازالت تشعر أنها تعيش أحد أحلامها …

بينما سار هو خلفها ..

فهناك أشخاص إن وجدوا في حياتك ستندم إن تركتهم يرحلون ..

وجدها .


زر الذهاب إلى الأعلى