روايات شيقة
رواية إيبار الفصل الرابع 4 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل الرابع 4 بقلم رانيا عمارة
كأنما سقط الجميع ضحيةً في هاوية الخداع، بعدما سلّموا أنفسهم لخبرٍ كاذب، حين سُحرت أعينهم ورأوا واقعًا مزيفًا لا وجود له أصلًا. لذلك، حاول الطبيب التأكّد مستخدمًا كل حواسه: يداه تفحصان، وساقاه تجولان في كل ركن من الحجرة، تفتشان الجثث الراقدة، وعيناه تتمعنان في كل وجه… لكن النتيجة؟ لا فائدة، فقط إهدارٌ للوقت.
خرج الطبيب متجهًا إلى مكتب الاتصالات في المستشفى ليُبلغ الشرطة بحقيقة ما حدث. وما إن وصلهم الخبر، حتى كان رجالهم بعد دقائق بين جدران المبنى، يحققون ويستجوبون الأطباء، بل استعانوا بالكاميرات لاسترجاع الساعات الأخيرة قبل اختفاء الجثة. لكن العجيب أن عدد الجثث كان كاملًا، بلا نقصان، ما يوحي أن كل شيء كما هو منذ البداية.
لأول مرة، يتعرض الضباط لحدثٍ جعلهم سجناء عقلٍ بلا مفاتيح. لقد خرجت الأمور عن السيطرة، فما الذي حدث لتتغير الأوضاع فجأة بهذه الصورة غير المألوفة؟
بدأت التحريات تسير في مسارها الطبيعي، إلى أن تفاقمت التوقعات بتعقيدٍ أربك رجال الشرطة. كلما استنتجوا أمرًا، خرجوا منه دون إجابة واضحة أو منطقية، فعادوا إلى قسم الشرطة يؤدون مهمتهم العسيرة، تلك التي قد تستنزف طاقاتهم كلها في سبيل الوصول إلى إجابة لبيبة.
عاد مصعب إلى داره متوقعًا أن يرى چيهان مكبّلة بالسلاسل، وفمها مُرتدع عن التفوّه بحرف، وهناك يقف رمزي قبالتها، يرمقها بكل قسوة، كما لو أنه قد رسم سيناريو يفوق كل احتمالات الطغيان. لكن حين عبر الباب، يحمل على ظهره حقيبته البلاستيكية السوداء، ويلتحف جلبابه الرصاصي المعتاد، دخل ووضع الحقيبة برفق على الأرض، ثم اتجه نحو الغرفة يتفحصها بعينٍ مترقّبة، لعلّه يجد چيهان مغلولة بين ألحان التجاسر، غير أنه لم يجد شيئًا… سوى فراغٍ عمّ كل زاوية من منزله القاتم.
وحين تفوّه بطلاسمه الملعونة، واستحضر خدمته ليعلم آخر التطورات، لم تصله إلا معلومة واحدة: أن رمزي قد هرب بچيهان، لعله ينقذها من شرّه الذي كان يحيق بها. لكن مصعب، حين أراد معرفة المزيد، وجد جدارًا متينًا لا ينكسر يمنعه من التنبؤ بما سيأتي. تسلّل الغيظ إلى نفسه، خاصةً أنه كان قد وعد رجالًا باتفاقٍ على تسليمهم “الأمانة” خلال ليلتين. لكنه الآن يشعر وكأنه مقيّد، رغم وجود من يعينونه على تنفيذ ما يرغب.
سوف تتغير صورته في أذهانهم، من رجلٍ يحمل أمانة التنفيذ على عاتقه، إلى خسيسٍ كاذب، يقول ما لا يستطيع فعله.
كلما حاول الاتصال برمزي، أصابته بُهلة: “الهاتف الذي طلبته غير متاح”. حينها، توعّد لرمزي بشرٍّ ما تضمره نفسه، منذ أن وعى على هذه الأرض، خاصةً أنه لا يُعنيه، بل يعثره عن الوصول إلى هدفه المُحتّم.
جلس “مصعب” على كرسيه، يشعر بدوارٍ حادّ في رأسه، كأن الدماء تجمّعت فيها حتى كادت تنفجر، فتمتم بغيظ:
_خلاص يا رمزي، وراها وراها.. والله لندمك على فعلتك ندم ما بعده ندم، بخليك تزحفلي زحف، تبوس إيدي ورچلي وتترچاني أرحمك إنت وهالكلبة اللي شردت فيها!
بمجرد أن أنهى حديثه متوعّدًا بسحق رمزي وچيهان، ظهرت على شاشة هاتفه البسيط مكالمة من أحد الرجال الذين وعدهم باستخراج الآثار ولو كانت في غور الأرض. رفع الهاتف وقال بسخط:
_هَه يا مسعود، سامعني؟
مسعود ما هو إلا رجل عرباوي ثري، منغمس بين ورقات الغِنى الفاحش، انتعشت أوضاعه وقتما كان في عمر العشرين، وتبسم له الحظ الوافر حينما كان متجهًا نحو دار خاله، فانغمست ساقاه في حفرة غائرة كادت أن تنكسر وقتها، لكن القدر منحه مفاجأة استثنائية حينما تلاقت عيناه بطرف تمثال قاتم كأنما يناديه لينبش عن باقي أجزائه بين التراب.
منذ ذلك الوقت وهو يعمل كمفتش مكترث على بقاع الحي وما يجاوره من مناطق أخرى وإن كانت نائية، حتى ازدادت ثرواته وتغيرت معالم حياته لتأخذه إلى وجهة أكثر رفاهية وراحة.
أجاب “مسعود” بينما كان جالسًا في حديقة داره، يرتشف الشاي حيث حباته لا تزال غير ممتزجة بالماء بعد، ينبعث منها عبق الريحان، فقال ببسمة:
_سلِم حالك يا مصعب، أخيرها رچعت لدارك؟
لم يدرِ “مصعب” ما سيقوله له بعدما باءت مهمته بالفشل على يد رمزي، لكنه قرر قول الحقيقة، خاصةً أنها ستنكشف لا محالة، لذلك قال بتردد:
_رچعت… يا خسارة الرچعة، ما كنت داري إن وراها كل هالعذاب، مدري من وين طلعلي!
تلفّظ “مسعود” بقلق، كأنما قلبه استشعر الأمر قبل سماعه، فقال بخوف:
_وضحلي جصدك، لا تلف وتدور!
تنهد “مصعب” ليُخرج أنفاسه بزجر، متضايقًا مما حدث له على يد أخرق أغلق منافذ الثراء في وجهه. كان لعينًا في فعلته، متعجبًا من شجاعته حين انقلب من ابنٍ وصديق إلى مُعارض، فنطق:
_البنية اللي كنت ناوي أقدمها قربان، فلتت وهربت مع رمزي… هو اللي فزعها، وهو اللي طلع بيها. حسابه عندي ثجيل… ثجيل ثجل الچبال، بخليه يندم إنه ما ساندني وراح وجف بوچهي.
كانت صدمة قوية وقعت كصاعقة حارقة على مسعود، لم يجد كلمات يقولها، زفر بسخط، وألقى اللوم على مصعب الذي سمح لرمزي بالفرار منذ البداية، فبثّ حروفه الخناسة في نفس مصعب، معلنًا قدوم حربٍ قوية، أطرافها هما ورمزي، ومن فضّلها على مصالحهما.
بينما فرّ رمزي وچيهان إلى منتصف الجبل، حيث الكهف كان مأمنهما وحصنهما المنيع الذي نحّى عنهما المخاطر المنبعثة من شرور القلوب ومساوئها، تسمرت چيهان عند بوابته تنظر لكل شيء برهبة، يعتريها إحساسٌ بغدر “رمزي” لها في أي لحظة، غير قادرة على تصديقه. لكنه رمقها بنظرة حادة دون أن ينبس بكلمة، يرغب دخولها دون تردّد، بينما تراجعت چيهان إلى الوراء وقلبها ينبض رهبة، كادت أن تسقط بين الصخور، لكن رمزي أنقذها بسرعة قبل أن يصيبها مكروه.
حدّقَت چيهان به بقلق، وانزلقت دموعها، يسكنها شوق ساحق للعودة إلى المنزل، لتنعم بالحياة بين أحضان العائلة كما في السابق، لكنه جذبها نحوه بإصرار حتى لا تتسبب في فشل خطته التي طالما سعى لنجاحها، وقال بصرامة:
_مفيش وقت للدلع ده، هتدخلي معايا ولا هتفضلي واقفة هنا؟ خدي بالك أنا مش مسئول عن اللي هيجرالك، أصل الجبل بالليل بيحوم حواليه الضباع والديابة… وأنا عن نفسي هخش أرتاح وهسيبك هنا خلي أبويا يوصل لمكانك ساعتها هيضحي بيكي من غير ما يماطل وياكي.
تلفظت “چيهان” بخوف، مُظهرة ارتعابها:
_أنا مش هدخل معاك في حتة، أنا عايزة أرجع لأهلي، عايزة أكون وسطهم زي زمان.
خرج “رمزي” عن شعوره، متحدثًا بلهجة حادة، وهو يقول بانفعال:
_افهمي بقى يا بت إنتي، إيه حكايتك مخك ده مقفول بترباس ولا إيه؟ أنا بعمل كل ده عشان أحميكي منه ولو غفلت عنك ثانية، هيطلع بروحك، افهمي بقى!
ردّت “چيهان” وهي تعيده إلى صوابه، لعلها تُحيي الرحمة داخله:
_اتقي الله ده إنت لا تعرفني ولا أعرفك ومعتقدش إن في حد في عيلتي يعرفكم، امشي جنب الحيط بدل ما ربنا ينتقم منك، ولا إنت مش خايف منه؟
ضحك “رمزي” بسخرية، وأجابها بلا مبُالاة:
_لا مش خايف، ووفري محاولاتك البائسة دي بعيد عني عشان مش هتجيب معايا نتيجة… أنا لو ساعدتك فعشان حسيتك بت غلبانة مش أكتر، إنما لو عليا فانتي متعرفيش رمزي الطوخي يا بت أسماء اللي يشقلب الدنيا عاليها واطيها.
تفوهت “چيهان” بصياح يرتد صداه بين جوانب الجبال:
_أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، إنت مُدرك بتقول إيه؟ يعني إيه مش بتخاف من ربنا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم… احنا بقينا في آخر الزمان ولا إيه؟
نطق “رمزي” بصراخ، مُظهرًا جنونه في لحظة الانفعال:
_مش فاضيلك أنا، ومش هعيد كلامي تاني، متخلينيش أتكلم وياكي بدوي أصلي، هحرق كلام على الفاضي ولا منه إنتي هتفهميني، لو بالك طويل يا بت أسماء فانا خلقي ضيق، هتدخلي ولا ننهيها؟
بعدما تلاقت عيناهما في نظرات مُسهبة لثوانٍ، زار الضعف قلب “رمزي”، فتراجع عن قسوة حديثه. ثمة شيء ما أفقده توازنه وقتما رمق عيونًا ساحرة أخبلته، يفوق جمالها روعة الجبال من حوله وتنسيقها الرباني. فواصل حديثه بوهن:
_يا خراب دارك يا رمزي، معجول تجع في هالرجعة الشينة دي في كام يوم بس؟ ودي عين بني آدم ولا العين السخنة؟
ردت “چيهان” بصدمة لما سمعته، فقالت بصياح:
_إنت مجنون في عقلك ولا إيه؟ إنت بتتكلم عن مين؟
تلفظ “رمزي” بحدة، متظاهرًا بجمال الجبال من حوله كأن لا شيء قد أثار ذهوله غيرها:
_بتكلم عن الجبال… هو في حاجة بتثير إعجابي غير منظرها؟ ده كفاية لونها بس اللي يشرح القلب الحزين.
ونظر في عينيها بإعجاب نظرة مطولة، حيث أردف بابتسامة:
_أدخلي يا ست البنات، أدخلي!
عبرت چيهان بوابة الكهف، تارة تسير متمعنة النظر في طريقها، وتارة أخرى تلتف للوراء ترمقه باحتدام حتى جلست فوق فرشة قديمة مخططة، تمتزج ألوانها بين الأحمر والأبيض. كان الكهف بسيطًا جدًا، بدايته تتخللها الأنوار، ونهايته بلا خيط نور، حيث يلفه الحلكة المحيقة في المكان.
استراح رمزي قبالتها، مستندًا برأسه على الجدار الخشن، مستشعرًا بروزاته المتسببة في الازعاج. كانت چيهان تلقي عليه نظرات سريعة، متخوفة من أن يتعسفها في أي لحظة، فتعدل ثيابها بأصابعها الرقيقة، تحافظ على ذاتها من هجمات وحوش الإنس، فلم تعطه الأمان بعد. حتى بدأت في تلاوة القرآن، تتلو بدايات سورة طه بقلب خاشع.
كان صوتها العذب يضيء العتمة بنور القرآن الكريم، لكن على الرغم من ذلك، تصدى “رمزي” لهذه التلاوة حين نهض فجأة كأنما تحول إلى شيطان لا يطيق سماع الآيات، مبديًا اعتراضه لتوغل صوتها في آذنه، فقال بصياح:
_ما خلاص! مش عايز أسمع حاجة، متزهقينيش بقى ألا أسلمك لمصعب تسليم أهالي!
ساد السكون المكان، فعاد رمزي إلى موضعه، يصنع أعماله الشيطانية لضحايا جدد. كان يلقي نظرة على تطورات التحصين ليعرف إن كان يسلك الطريق الصحيح أم سيسقط في نهايته، لكن ليس بمفرده. ستقع الكارثة على چيهان أيضًا إن اكتشفهما مصعب.
كان رمزي يعيد النظر أحيانًا في تصرفه، يفكر في المشكلات العويصة التي سيواجهها إن غفوت عينيه لحظة. ضميره يؤلمه إن تخلى عنها. نعم، هي لم تثق فيه حتى الآن، لكن مساعدتها له سترفعه درجة روحانية، فتقربه من الوفير الذي ينقصه.
في منزل عائلة الدميري، كانت “الجدة روحية” تشارك وقتها الممل في شقة ابنها شوقي، تواسي أسماء وكلتاهما تبكيان. حتى ريم، التي كانت في غرفتها تتواصل مع زميلاتها عبر الهاتف المحمول، لم يبقَ لها سوى صديقتين: ديانا وشمس، بعدما خسرت كل من رغبت في معرفتها تحت ظروف غريبة. فدائمًا ما تنتهي العلاقات بشكل عدائي، حتى وإن كانت ريم قد حظيت بتلك الصداقة منذ ليلة واحدة. كل شيء دُمر تمامًا، لن يبقى لها سوى عائلتها وزميلاتها.
غدًا ستكون أول ليلة من ليالي الامتحان، ولم تعتقد ريم أبدًا بأنها ستحضر في ظل المأساة التي عاشتها الأسرة. قررت خسارة ما سعت له طوال العام الدراسي في سبيل ألا تتعامل مع البشر، وأن تكون في كنف غرفتها الباهتة.
لكن شمس رفضت هذا القرار، وأبدت رأيها فيه حتى وإن رفضت ريم. فما زرعته لا بد من حصاده، وإن كان الثمن نفسيًا باهظًا. وبينما كانت شمس واقفة إلى جوار ديانا قبالة سيارة حمراء راسية، شعاع الشمس الحقيقية يلامس وجهها، وينير لون عيونها العسلي مما يجعلها آسرة، وأصوات المارة تمتزج مع مزامير السيارات، حتى الباعة المتجولون الذين يسيرون مناديين الزبائن.
قالت “شمس” وهي ترجعها عن قرارها الخاطئ:
_مش هينفع متحضريش يا ريم، لازم تحضري يا حبيبتي عشان متشيليش المادة!
ردت “ريم” بلا اكتراث، وهي تحرك يدها على رأسها حركة حانية:
_مش عايزة أحضر يا شمس، نفسيًا متدمرة مش قادرة أخرج وأواجه العالم، عايزة أفضل قاعدة في أوضتي.
تلفظت “شمس” بدهشة:
_هو إيه اللي مش عايزة تحضري؟ هي دي محاضرة لما هناخد رأيك فيها؟ ده امتحان يا ماما امتحان يعني مفيهوش أه أو لا!
ردت “ريم” بعناد، كأنما كل ما يعتمل داخلها مكشوف بلا ساتر:
_أنا تعبانة أوي، حاسة الدنيا كلها جاية عليا يا شمس، فيا حاجات كتير مكسورة واجعالي قلبي، كل ما أحاول أطلع منها بنزل فيها أكتر من الأول… عارفة؟ كل ما أبقى ناوية مثلًا أقوم أفتح كتاب ألاقي مزاجي بقى في الأرض وماليش نفس، حتى لو قررت أعمل أكلة وأروق على نفسي قدام التليفزيون ألاقي خناقة كبيرة دبت في البيت سواء بيني أنا وماما أو أنا وبابا وساعات هما الاتنين مع بعض، تحسي الدنيا حالفة ما تسيبني أرتاح ولو ثانية.
ضحكت “شمس” بعفوية، مقصدها أن تخرجها من دائرة العذاب التي تلفها، أن تتلاشى الأحزان وتفك قيودها لتنتقل إلى عالم أكثر انفتاحًا:
_ما هو لو تبطلي يا دراما كوين إنتي كانت كل حاجة اتحلت، كام مرة أقولك نخرج سوا وإنتي مترضيش؟ ده احنا ياما اتحايلنا عليكي، كأنك بتسمعي الكلام من هنا بيخرج من الناحية التانية.
ردت “ريم” بإحباط يلتمس قلوب كل من يتعامل معها، فقالت بتنهيدة:
_إنتي عارفة إنهم في البيت مبيخلونيش أخرج لواحدي، الموضوع ده بقى خانقني أوي مخليني مش عارفة أعمل حاجة ولا حتى…..
انقطع حديثها على صراخ أسماء في الصالة، فرفعت “ريم” هاتفها بعيدًا لتعطي نفسها فرصة للاستماع. وحينما ازداد الأمر سوءًا، واصلت مكالمتها، وهي تقول بقلق عارم:
_طب هكلمك بعدين.
غادرت ريم حجرتها بخطوات مسرعة، متجهة نحو مصدر النواح بفزع جلي على معالم وجهها. فإذا بها تجد جميع أفراد العائلة مجتمعين في دارهم، عدا الجد شعيب الذي امتنع عن المشاركة نظرًا لجسده الكهل، فهو لم يعد يحتمل الحركة دون مُعين.
كان المشهد مفزعًا يثير الرعب في الأنفس، حينما صرخت أسماء وبكت، متسائلة عن كيفية تغير الجثمان في ليلة وضحاها. ضمت ذراعيها إلى صدرها، والحمرة تنير وجنتيها، والدموع تتساقط بحرارة، فقالت بنحيب:
_ازاي بنتي ملاقوش جثتها واتبدلت بجثة واحدة تانية يا ناس؟!
أجابتها “علياء” بتفسيرها المنطقي، قائلة بشفقة:
_يمكن چيهان مماتتش، تلاقيها جثة تانية، لو كان في حاجة كانت الحكومة بلغتكم في ساعتها.
صفعت “أسماء” وجهها بكفيها حتى تورما، غير قادرة على استيعاب ما حدث، ثم استدارت نحو زوجها وقالت بنشيج:
_ازاي واحنا شايفينها بعيونا اللي ياكلها الدود؟ إيه اللي بيحصل من ورانا؟ إيه اللي بيجرالنا ده بس؟!
عانقت “منى” زوجة عمها بحنانها المعتاد، مواسية إياها بكل حب وشفقة، ثم قالت بتأثر في صوتها:
_هدي نفسك يا مرات عمي، أنا قلبي هينفجر عليكم وعلى اللي بيحصلكم، وحياة حبيبك النبي تهدي لا يجرالك حاجة، واحنا محدش فينا يقدر على بُعدك!
مررت يدها برفق على ظهرها، وقبلت رأسها حيث كانت الدموع تتدفق من أعين الجميع عدا الرجال الذين، رغم تأثرهم، لم يظهر منهم سوى الثبات. التف “عصام” نحو شوقي وهو غارق في تفكيره، وقال:
_الغريب إن احنا كلنا شوفناها بعينينا وهي في كفنها، ولا تكونش الحكومة داريتها مننا عشان في حاجة مش عايزينا نعرفها؟
أجابه “شوقي” بصدمة، فقال بحيرة:
_مابقتش عارف حاجة، دماغي مش قادرة تفكر، حاسس إن في لعبة كبيرة أوي بتتلعب علينا.
تفوهت “علياء” بحسرة:
_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم أجرهم في مصيبتهم وأخلفهم خيرًا منها.
وقتما كانت الأصوات تعج في دار العائلة، وكلٌ منشغل في حواره مع الآخرين، بدأت ريم تفقد توازنها، فتشبثت بالجدران. ورؤيتها تميل ببطء إلى الضبابية، وتلاشت الأصوات من حولها، وبدأت تختفي شيئًا فشيئًا. لكنها، حينما دخلت بهدوء إلى غرفتها، لمحت بطرف عينيها ظلالًا تسير بسرعة نحو غرفة الوالدين، حتى أن صوت ارتداد الباب أفزعها في مكانها.
تسارعت أنفاسها، وكاد الدوار أن يفتك برأسها. فسارت مُسرعة نحو الباب، مستجمعة شجاعتها لتفتحه، فنظرت إلى المقبض بتردد، خشية أن يفاجئها المجهول. ولكن بعدما فتحته بسرعة، لم تجد ما توقعته.
خرجت من الغرفة أكثر هدوءًا من السابق. عاد إليها الأمان بعدما رأت الرعب في تفاصيله. ثم توجهت نحو المرحاض ببطء وأوصدت الباب، فجلست تقضي حاجتها، وعقلها شارد في أمور حياتها المتعثرة. فكل ما يحدث من المؤكد أن وراءه لعنة جارفة.
بينما كانت تفكر، شعرت برغبة ملحة في التقيؤ. سرعان ما عدلت ثيابها واستقامت موازية للحوض، محاولة أن تتقيأ لعلها ترتاح. وبعد دقيقة من المحاولة التي مرت عليها كأنها أعوام، استفرغت الدماء من فمها، حيث تلوثت حجرة المرحاض بالدماء التي انتشرت على الجدران والأرض وكل بقعة منها.
كان نزيفًا حادًا، لكن الأقوى منه كان التعطيل الذي لاحقها في كل مكان دون تفسير منطقي. فسقطت مغشيًا عليها، تاركة اليقظة بكل ما فيها.
اندست في حلم شنيع، إذ بأحدهم ربط السلاسل في أسنانها. سلاسل طويلة وكثيرة، مطلية بالصدأ. هناك، في حي مظلم تعرفه، وقف شيخ مرتديًا جلبابًا فضفاضًا، لحيته طويلة تصل إلى صدره، وقبالته فتيات أخريات أصابهن ما أصابها. كان الشيخ يجذب السلاسل بعنف، فيقتلع أسنانهن بلا رحمة. لكن حينما حان دورها، فرت هاربة، فسقطت على الأرض دون وعي.
استيقظت ريم لتجد نفسها على سريرها في المستشفى، وإلى جوارها والدتها أسماء، وعلياء زوجة عمها، وقبالهما “منى” تقف متأثرة، حزينة لما حدث، حيث تقدمت نحوها وقالت بملامح تعيسة:
_حمد الله على السلامة يا غالية، متخافيش احنا جنبك!
استفسرت “ريم” عما حدث لها، فسألت بارتجاف:
_أنا حصلي إيه؟
أجابتها والدتها “أسماء” بدموع غزيرة:
_محصلش حاجة، الدكتور طمنا إنك بخير، كان عندك شوية التهابات في جدار المعدة هي اللي عملت كل ده.
لم يتركها أحد من العائلة، بل كان الجميع يطمئنونها أن الوضع بسيط ولا يحتمل تفاقمه. قد كتب الطبيب بعض الأدوية لعلاج حالة ريم، لكنها لم تخطر لها فكرة التهاب المعدة، فالأمر غلب العقل والمنطق بصورة مريعة.
بعد أسبوعين، كانت الاتفاقية بين رامز وچيهان واضحة. لقد وُضعت الاستراتيجيات للهرب من ضغينة مصعب الذي توعد لهما بأن يُطبق السماء على الأرض، وينفث النيران في أركان حياتهما بعدما تخلى عنه رامز، وتركه أنيس الإملاق.
بينما كانت ريم متجهة لأداء امتحانات آخر العام في الجامعة، أشارت إلى سيارة الأجرة، وركبت مستعدة، متوكلة على الله في كل خطوة. أخبرت السائق عن وجهتها فانطلقت السيارة في طريقها، محمولة على الآيات القرآنية التي نشرت السكينة في الأجواء.
كان الطريق للوصول إلى الجامعة يستغرق نصف ساعة، لكن بعد العشر دقائق الأولى، إذا بمحرك السيارة يتوقف تمامًا. فألقى السائق نظرة سريعة على التُرَابَة، يتخبطها ويحاول تشغيل المحرك من جديد دون فائدة. وضع الاثنان في خانة صعبة لا تحتمل التأخير، حيث نزل “السائق” من السيارة ليتفحصها، ويحرك الأسلاك علّه يجد ما يُنقذ رحلتهم. أخبره حدسه الداخلي بضرورة مغادرة ريم، حيث كان وجهها يوحي بأنها طالبة جامعية. أمال برأسه من النافذة المفتوحة وقال ببؤس:
_موضوع العربية ده هيطول يا آنسة، تقدري تركبي عربية تانية عشان متتعطليش.
خرجت ريم مترددة من السيارة، وفتحت حقيبتها لتدفع له ثمن الرحلة، لكنه منعها بلُطف، بقلب أبوي صادق. ثم أردف برفق:
_لا لا خلي، أنا كده كده موصلتكيش يبقى مش لازم.
ردت “ريم” بخجل، ورأسها مصوبة نحو الأرض:
_معلش يا عمو أنا متأسفة ليك.
قال “السائق” بدهشة:
_وإنتي عملتي إيه بس؟! روحي يلا ربنا معاكي.
تحركت ريم بإحراج من موضعها، واستقرت على بُعد أمتار من السائق الذي انشغل في فحص سيارته بدقة. كان يتحدث في هاتفه، وكأنّه ينبش وراء الأمل الذي سيُنقذه من قسوة الظروف. في حين كانت ريم تراقبه في صمت، لكن سرعان ما تذكرت أن الوقت يداهمها بشدة، فلم يتبقَ سوى بضع دقائق قبل أن تبدأ لجان الامتحانات. نظرت إلى هاتفها، وتأكدت مما يدور في ذهنها، فازدادت الهواجس في قلبها.
لكن في تلك اللحظة، ظهر نور خافت من بين الظلام، وتوقفت سيارة ملاكي قبالتها. نزل منها “عمرو”، الشاب الذي قابلته معهم ليلة الحادث، كأن القدر قد شاء أن يلتقي بها من جديد.
كان يرتدي نظارته الشمسية، وساعة يده تزين معصمه بأناقة. بدا وكأنه يعرفها، حين تقدم نحوها مبتسمًا ابتسامة واسعة وقال بتبجيل:
_أنا علفكرة كنت رايح مشوار قريب من هنا، لو مفيش أي إحراج يعني تتفضلي معايا في طريقي بدل وقفتك هنا لأن الموقف ده مش حلو خالص.
ترددت “ريم”، وتظاهرت بجهلها له، وقالت بخجل:
_حضرتك مين؟
أجاب “عمرو” بابتسامة خافتة تحمل كل الإحترام:
_أنا عمرو النحاس اللي كنت واقف معاكم ليلة الحادثة، بصراحة أنا حزين أوي على الظروف اللي إنتوا اتحطيتوا فيها، وكنت أتمنى إننا نسمع أخبار كويسة عن الآنسة چيهان….
صمت الاثنان لبرهة فلا ريم أجابت ولا عمرو نطق، فحاول تغيير مجرى الحديث، وهو يواصل حديثه قائلًا:
_هي الآنسة چيهان كانت تقربلك إيه؟
جلأت الحروف بعجز من شفتي “ريم”، وهي تقول باستياء كاد أن يُسقط الدمع من عينيها:
_أختي.
رد “عمرو” بإحراج، مقدمًا اعتذاره كما لو كان على طبق من ذهب:
_أنا آسف جدًا مش قصدي أقلب عليكي المواجع… صدقيني مصيرها هترجع لحضنكم من تاني….
وتابع بابتسامة ذهبية كالشمس وقت شروقها:
_اتفضلي.
تحرك عمرو في المقدمة كدليل بين الضباب، تتبعه ريم بحيرة، خشية أن تنقلب الأمور ضدها إذا رآها أحد برفقته. لذلك، ركبت في المقعد الخلفي، أما هو فشغل نفسه بدور السائق المحترف، الذي يمتلك القدرة على تفادي الطرق الوعرة والمنحنيات. مد ذراعه نحو جهاز الكاست، شغّل الألحان التي كان لها تأثير قوي على طاقته. تعجبت ريم من هذا التناقض الذي شاهدته في سيارتي: الأجرة، وعمرو الشاب.
كان يستمع للكلمات ويردد معها، ورمقها عبر المرآة بنظرات صريحة، دالة على الإعجاب. لكن كل ما شغل “ريم” في تلك اللحظات كان خوفها من أن تتأخر عن موعد الامتحان. فصبت تركيزها على قراءة آيات القرآن، لكن كما يقال في القاموس المصري: “أبو بالين كاذب”. شعرت بأن الألحان تعطلها عن ترديد الآيات، فحدّقت بعمرو بتضايق وحيرة، متسائلة إن كانت ستظل صامتة دون آيات تحيط بها بهالة متينة كالحديد، أم أنها ستتدخل في شيء لا يعنيها. فلم يكن لها حق التدخل في سيارته بأي شكل. وبعد تفكير طويل، أخذت نفسًا عميقًا، ثم اختارت أن تتصرف بطريقة تمتثل للروح المهذبة صاحبة الذوق، وقالت:
_أنا آسفة لو بتدخل في حاجات متخصنيش، أنا بس عندي امتحان كمان دقايق ومحتاجة أقرأ شوية أذكار.
ضحك “عمرو” باستجابة، وقال برضى:
_يا خبر! ده أنا اللي آسف إني تسببتلك في الإزعاج…
ثم أغلق الأغان، وواصل بتبجيل:
_كملي عادي، ربنا يوفقك.
ردت “ريم” بخجل:
_يارب.
أخفضت ريم صوتها وهي تتمتم بالأذكار، خاصةً أنها لا تستطيع المشاركة في أي شيء قبل أن تجترع الأمان الذي يمنحه لها الذكر، فيباعد عنها الشر والأذى.
بينما كانت تقرأ، كان عمرو يحدق بها في المرآة لثوانٍ، ثم يعود ليواصل قيادة السيارة بتمعن. ظلا على هذا الحال حتى وصلا قبالة الجامعة. استخرجت “ريم” المال من حقيبتها لتسلمه للسائق، لكن عمرو أدرك بسذاجة الموقف فأظهر اعتراضه، قائلًا:
_إنتي بتعملي إيه؟!
أجابت “ريم” بوضوح:
_حساب التوصيلة.
نطق “عمرو” بصدمة جلية، توحي بمدى اندهاشه منها:
_توصيلة إيه بس؟ حد قالك إني أوبر؟ أنا عامل كده جدعنة مني، يا ستي متضيعيش علينا الثواب احنا عندنا أخوات بنات وعايزين ربنا يكرمنا.
تلفظت “ريم” بإلحاح، مُصرة على ألا يكسب أحدهم نقاط الشهامة على حسابها، معتقدة أن ذلك سيكسرها. لذلك قالت:
_صدقني مش هينفع، لازم تاخد حق التوصيلة!
لكن في تلك اللحظة دق ناقوس الخطر، إذ نادى “عامل الأمن” على الطلاب المتجمعين قبالة بوابة الجامعة بأعلى صوته، محذرًا إياهم من ضرورة الإسراع إلى لجان الامتحانات. فقال بنبرة مسموعة وهو يتجول بينهم:
_يلا يا شباب أدخلوا، لو حد عنده امتحان دلوقتي يتكل على الله عشان ميرجعش يندم بعدين لو المراقبين منعوه من الدخول….
وتابع سيره نحو ثلاث فتيات وشاب كانوا ينظرون في أوراق المراجعة، قائلًا بتنبيه عالٍ:
_يلا يا أبلة، يلا يا أستاذ خلصوا مفيش وقت!
كأنما قلبها أوشك على الانفجار بعد أن أصغت أذناها لندائه الذي أثار الذعر في نفسها. فخرجت مسرعة من السيارة، وقبل أن تدخل البوابة، نظرت إلى عمرو بتردد. هز رأسه لها ببطء في حركة تحمل طمأنينة، ثم توارت عن الأنظار.
هناك، في لجنة الامتحان، حيث يجلس كل طالب على مقعده، يستخرج أدواته قبل أن يسير كل شيء بنظام. كانت القاعة واسعة كالملاعب، يقف فيها سبعة مراقبين، كل منهم يتوسط لجنته. دخل الشباب واحدًا تلو الآخر، يسيرون نحو مقاعدهم. أما الفتيات، فبعضهن كانت تميل برأسها نحو صديقتها، يتشاورن في أمور حياتهن ويضحكن. كانت ثرثرتهن كطنين النحل وسط الرحيق. فالنحل على الأقل يأتي بالنفع وهو العسل، أما هن، فلا يأتي من ورائهن سوى ألم الرأس.
بدأت المراقبات تسيرن نحو كل فتاة، تطالبها باستخراج الكارنيه الخاص بها لتتأكد من هويتها. لكن حين جاء دور “ريم”، وطالبتها المراقبة باستخراج الكارنيه، بدأت يديها تتوغلان في حقيبتها بجنون، وأصابعها ترتجف بخوف. ازدادت ضربات قلبها، وشعرت بحرارة تتسلل إليها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم نطقت بخوف:
_الكارنيه شكلي نسيته في البيت.
ردت “المراقبة” بحدة، بلا تعاطف، ولا رحمة:
_وهو في البيت بيعمل إيه؟ إنتي ازاي دخلوكي الجامعة أصلًا من غير الكارنيه؟!
أجابت “ريم” بتضايُّق، فقالت برجفة في صوتها:
_عادي نسيته، دي أول مرة تحصل.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يفحص فيها المراقبون كروت الطلاب، وهي نفس المرة الوحيدة التي نسيت فيها ريم الكارنيه الذي يثبت أنها طالبة جامعية.
لم تكن طريقة المراقبة تنال إعجاب ريم، فتغاضت عن أسلوبها المهين في الحديث، وحاولت تمالك أعصابها، فهي لم تعد تحتمل تعديات البشر عليها أكثر من ذلك. كأن الجميع تآمر عليها، واجتمعوا سويًا لاستفزازها واستثارة مشاعرها الرقيقة.
نادت “المراقبة” رئيس اللجنة، الذي كان في مقام أستاذ دكتور، مرتديًا بدلته المعتادة، ونعله الأسود يبرز مدى أناقته واهتمامه بذاته. ثم وقف قبالتها برفقة دكتور جامعي آخر، منصتين لما ستقوله المراقبة، التي قالت بانزعاج:
_يا دكتور سمير، الطالبة دي دخلت الجامعة بدون الكارنيه، وكمان بتطالب إنها تمتحن بدونه، احنا محتاجين ما يثبت إنها طالبة عندنا مش جاية من مكان تاني.
تفوهت “ريم” بانفعال، قائلة:
_وأنا لو جاية من مكان تاني هاجي أعمل إيه هنا؟
وواصلت لرئيس اللجنة بتوتر:
_يا دكتور أنا عالطول بجيب الكارنيه معايا، أول مرة أنساه النهارده والله.
على بُعد أمتار قليلة من ريم، كانت صديقتها شمس في اللجنة المجاورة. رفعت ذراعها بشجاعة لتتحدث بالنيابة عنها، فمنحها رئيس اللجنة الإذن للتعبير عما يجول في خاطرها. نهضت “شمس” وقالت:
_ريم زميلتنا يا دكتور وبتحضر معانا كل المحاضرات، وهو أصلًا من بداية الامتحانات ومحدش بص في الكارنيه غير النهارده.
قال “رئيس اللجنة” بصياح كالأمواج العاتية:
_وإنتي بقى اللي هتقوليلنا نبص إمتى ومنبصش إمتى؟
ثم وجه حديثه للجميع بفظاظة حازمة:
_اسمعوا كويس، اللي مش هيجي بالكارنيه بتاعه مش هيحضر لجنة الامتحان، أظن أنا مش بكلم عيال صغيرة، أنا بكلم ناس كبيرة فاهمة وعاقلة، فعيب أوي لما أقولكم الكلام ده يا كبار يا مُتعلمين….
وتابع للمراقبين بشدة:
_أي طالب بعد كده هيدخل اللجنة من غير الكارنيه يتعمله محضر غياب، ويتمنع عن حضور الإمتحان، ويشيل المادة، مفهوم ولا لا؟
أجابته “المراقبة” بخوف:
_مفهوم يا دكتور.
غادر رئيس اللجنة برفقة الدكتور الجامعي، وكأنهما يسيران على جمر تحت أقدامهما. صياح المراقبة أثار الرهبة في نفوس الطلاب. لم تقتنع “شمس” بهذه الطريقة المسيئة لحقها وحق زميلتها، فجلست وقالت باستهزاء بارد:
_أنا مش فاهمة إيه المعاملة دي؟
قبل أن تواصل “المراقبة” متابعة التعليمات وتنفيذها مع باقي الطلاب، قالت بنبرة جافة:
_بعد كده تدخلي بالكارنيه، أديكي سمعتي بودانك.
ساد الحزن قلب ريم بعدما أصبحت محط أنظار الجميع، فوجدت نفسها في زاوية ضيقة جعلتها لامعة وسط زملائها، لكن بشكل سلبي. تأثرت بشدة، وشعرت بالخجل والألم النفسي في آن واحد، حيث كانت تصارع ذاتها بين أن تبقى صلبة أو أن تخرج عن شعورها، مما قد يفاقم المشكلة من مجرد ذرة هواء.
أما المراقبة، فقد عادت إلى مهامها متناسية ما زرعته من استياء في قلب ريم.
استدارت شمس برأسها نحو ريم، وهزت رأسها بحركة تعبر عن المواساة، ثم اندمجت في الحديث مع صديقاتها الجالسات بجوارها.
وفي الكهف حيث كانت البوابة مفتوحة، والهواء يتسلل محملًا بالغبار إلى الداخل، مرَّ “رمزي” بجوار الفخار الذي كان يرتشف منه الماء. انزلقت المياه إلى داخله، فبردت حرارة الأجواء. شعور بالراحة غمره، فالمياه حينما تسكن الفخار تكتسب طعمًا فريدًا، باردة كشرب الماء بعد أكل النعناع.
سار إلى جانب چيهان فوجدها تتلو القرآن، وكأنما هو عدوه اللدود، يصنع حروبًا داخلية لا يستطيع مقاومتها. ولكي يتخلص من جرعة الغيظ التي امتلأ بها، قال لها بلا مبالاة:
_لو عاوزة يا بت الناس تهربي من أبويا وشره أنا معنديش إلا حل واحد.
توقفت “چيهان” عن قراءة القرآن، وسألته باهتمام، قائلة:
_إيه هو؟!
تلفظ “رمزي” بحدة في صوته:
_تتجوزي، ما هو طول مانتي بطولك هيفضل يدور عليكي.
نطقت “چيهان” بتعجب، قائلة باستغراب:
_إيه علاقة الجواز باللي بيحصل؟ مش فاهمة، تقصد إيه؟
أجابها “رمزي” بوضوح دون تزييف للأمور:
_يعني طول مانتي بكر، أبويا هيفضل يدور عليكي لحد ما يدبحك و….
انقضت چيهان نحوه عندما لامست نظراته الخسيسة تجاهها، كان ينظر إليها بعين الذئب المفترس، أما هي فكانت على استعداد للدفاع عن نفسها مهما كانت الضريبة، حتى وإن كانت الموت.
صفعته صفعة قوية على وجهه، انتشر صوتها في أرجاء الكهف، ثم حدقته ببسالة غير عادية، إذ كانت تقف ثابتة، غير مبالية بالعواقب. كان كل ما يهمها أن تكون حصنًا لذاتها قبل أن يفتك بها معدومو الدين والرحمة.
لامس رمزي وجهه، فهو لم يكن قد استفاق بعد من آثارها. بدا أن الصفعة قد جذبت أول خيط من جبروته، والعواقب ستكون فادحة.
يتبع….