Uncategorized

رواية ثمن العروس الفصل الثامن 8 بقلم اماني السيد

رواية ثمن العروس الفصل الثامن 8 بقلم اماني السيد


تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر الغرفة، لترسم خطوطًا ذهبية هادئة فوق الجدار المقابل للسرير. كان الصباح ساكنًا على غير عادة البيت الذي عاش بالأمس ليلة صاخبة امتلأت بالضحكات والتهاني وأصوات الموسيقى.
فتحت غزل عينيها ببطء، وظلت لثوانٍ تحدق في السقف، وكأنها تحاول أن تتذكر أين هي.
ثم وقعت عيناها على خاتم الزواج الذي يزين إصبعها.
ارتجف قلبها بخفة.لقد أصبحت زوجة…
تلك الحقيقة التي كانت تحلم بها كل فتاة، جاءت إليها مختلفة تمامًا عما تخيلته يومًا.
أدارت رأسها بحذر نحو الطرف الآخر من السرير.
كان مختار لا يزال نائمًا، يستلقي على ظهره في هدوء، وقد بدت على ملامحه آثار الإرهاق أكثر من آثار ليلة زفاف.تنهدت بصمت، ثم نهضت بحذر شديد حتى لا توقظه.
التقطت ثيابها واتجهت إلى الحمام بخطوات خفيفة، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى أسندت ظهرها إليه وأغمضت عينيها للحظة.
رفعت كفيها إلى وجهها وغسلته بالماء البارد، وكأنها تحاول أن تغسل معه كل التوتر الذي سكن قلبها منذ الأمس.وقفت أمام المرآة طويلًا. تأملت ملامحها.
لم تكن ترى عروسًا استيقظت بعد ليلة زفافها…
بل فتاة تحاول أن تبدأ حياة جديدة، وهي لا تعرف من أين تبدأ.
ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة، ثم همست وكأنها تشجع قلبها:خلاص يا غزل… اللي فات فات.”
خرجت من الحمام بعد دقائق، وقد ارتدت فستانًا منزليًا بسيطًا بلون سماوي هادئ، وصففت شعرها في ضفيرة ناعمة، ثم وضعت حجابها بعناية.
وما إن رفعت رأسها حتى وجدته قد استيقظ.
كان يجلس على حافة السرير، ينظر إليها بصمت.
ارتبكت للحظة، ثم خفضت عينيها سريعًا.
أما مختار، فقد لاحظ للمرة الأولى أنها لا تتكلف في شيء.لا تضع الكثير من الزينة…ولا تحاول لفت الانتباه.
كانت هادئة بصورة تفرض نفسها دون أن تطلب ذلك.
قطع الصمت وهو يقول بصوت هادئ:
“صباح الخير.”
رفعت رأسها قليلًا، وردت بخجل:
“صباح النور.”
ساد الصمت من جديد.لم يكن أيٌّ منهما يعرف كيف يبدأ الحديث، وكأن الكلمات أصبحت أكثر صعوبة بعدما صار بينهما عقد زواج، لا مجرد تعارف.
نهض مختار من مكانه واتجه إلى الخزانة، ثم قال وهو يلتفت إليها:
“أمي بعتت من شوية رسالة… قالت إنهم مستنينا على الفطار.
أومأت غزل برأسها وهي تعقد طرفي حجابها بتوتر.
“حاضر.”
تردد قليلًا قبل أن يقول:متقلقيش… هما أكيد هيهزروا شوية… طبيعي يعني وخصوصاً ساره بتحب الضحك والهزار .
ابتسمت بخجل وهي تحاول إخفاء ارتباكها.
ـ منا عارفه من وقت تجيز الجناح هنا
ابتسم هو الآخر لأول مرة منذ استيقظ.
كانت ابتسامته هادئة، قصيرة… لكنها صادقة.
ـ اينى عشر دقايق وهكون جاهز ننزل سوا
وبالفعل انتهى سريعا من تبظيل ملابسه ليستعد للنزول اقترب منها واشار لها أن تقترب منه
تقدمت بخطوات مترددة حتى أصبحت إلى جواره.
وللحظة، توقف كلاهما أمام باب الغرفة بادر مختار بالخطوه الاولى وامسك يدها لينزلوا سويا لم تسحب يدها من يده وقررت أن تعيش اللحظه معه
كانت تشعر أن نزولها بجواره أمام العائلة إعلان حقيقي بأنها أصبحت زوجته…
وهو يشعر للمرة الأولى أن وجود فتاة تسير إلى جواره لم يعد مجرد اتفاق تم في ليلة واحدة، بل مسؤولية يحملها معه في كل خطوة.
تبادلا نظرة سريعة، سرعان ما هربت منها غزل خجلًا.
أما مختار فاكتفى بابتسامة خافتة، ثم نزلا السلم معًا… جنبًا إلى جنب، للمرة الأولى كزوجٍ وزوجته
هبطا الدرج بخطوات هادئة، وما إن اقتربا من غرفة الطعام حتى بدأت تصل إليهما رائحة الخبز الساخن والقهوة. كانت المائدة مُعدة بعناية لافتة، تتوسطها باقة صغيرة من الزهور البيضاء، وقد حرصت والدة مختار على أن يبدو أول إفطار للعروسين مختلفًا عن أي صباح آخر.
وما إن دخلا حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها، وقالت وهي تفتح ذراعيها لغزل:
“صباح الخير يا أحلى عروسة.”
احمر وجه غزل على الفور، ، لكن السيدة احتضنتها بحنان ربنا يسعد قلبك يا بنتي… ويجعل أيامك كلها خير.”في تلك اللحظة، نهض والد مختار من مكانه، واتجه نحوهما بخطوات ثابتة. وضع يده على كتف ابنه وربت عليها في محبة، ثم احتضنه احتضانًا قصيرًا وقال بابتسامة يغلب عليها الرضا:
ـ ألف مبروك يا ابني… ربنا يكتبلكم حياة كلها مودة ورحمة ابتسم مختار وهو يبادله العناق.
ـ الله يبارك فيك يا بابا
ثم التفت الرجل إلى غزل، وقال بلطف أبوي:
ـ نورتي بيتك يا بنتي.
خفضت رأسها في حياء وهمست:
ـ ميرسي يا عمي.
ابتسم وهو يصحح لها برفق
ـ من النهارده مفيش عمي… أنا بابا
رفعت غزل عينيها إليه في تأثر، ثم ابتسمت ابتسامة خجولة وهي تومئ برأسها.
جلس الجميع حول المائدة، وبدأت الأحاديث تدور في جو عائلي دافئ. كانت والدة مختار تضع الطعام أمام غزل بنفسها، وترفض أن تتركها تحمل أي شيء، بينما كانت غزل تحاول بين الحين والآخر أن تساعدها، فتقابلها بابتسامة حانية وإصرار أكبر.
ظل والد مختار يتابع المشهد بصمت، حتى انتهى الجميع من الإفطار تقريبًا، ثم مسح يديه بالمنديل، وقال وهو ينظر إلى ابنه:
ـ على فكرة… أنا لسه مديتكش هدية الجواز.
رفع مختار حاجبيه باستغراب.
ـ هدية؟
أخرج الرجل من جيب سترته ظرفًا أنيقًا، ووضعه أمامه على الطاولة.
ـ افتح.
تناوله مختار وهو ينظر إليه في فضول، ثم أخرج ما بداخله.للحظة، اتسعت عيناه في دهشة.
كان الحجز في أحد أفخم الفنادق المطلة على البحر، جناحًا خاصًا لمدة أسبوع كامل، مع تذكرتي سفر وكل التفاصيل مدونة بعناية.
نظر إلى والده غير مصدق.
إيه ده يا بابا؟”
ابتسم الرجل وهو يستند بظهره إلى المقعد.
ـ شهر العسل اللي ملحقتوش تاخدوه أنا عارف مجهودك فى الشركه الفتره اللى فاتت وأنك كنت عمال تضغط نفسك ومابتنمش عشان الشغل
وقبل أن يتكلم مختار، أكمل بابتسامة هادئة:
ـ عارف إنك كنت ناوي تنزل الشركة من بكرة، وعارف كمان إن دماغك عمرها ما بطلت تفكر في الشغل… لكن المرة دي أنا سبقـتك.”
انعقد حاجبا مختار.
يعني إيه؟
ـ اتكلمت مع مجلس الإدارة، ورتبت مع المدير التنفيذي يمشي كل حاجة خلال الأسبوع الجاي وانا هباشر الاجتماعات المهمة يعنى مافيش حاجه هتتاجل وكل يوم بليل هديك ملخص الشغل ، والباقي هيتابعوه من غيرك.”
هز مختار رأسه بعدم اقتناع.
ـ بس يا بابا انت عارف وضع الشركه اسه مبقناش بأمان
قاطعه والده بابتسامة هادئة.
ـ اسمعني للآخر.أنا بنيت الشركة دي يا مختار، وعارف كويس معنى إن الواحد يغرق في الشغل لحد ما ينسى نفسه. وصدقني… أكبر غلطة ممكن يعملها الراجل إنه يفتكر إن النجاح في الشغل يعوض أي تقصير في بيته.”
خفض مختار بصره في صمت.
أما والده، فالتفت إلى غزل، التي كانت تستمع في خجل دون أن تنطق، ثم عاد ينظر إلى ابنه.
ـ البنت دي خرجت من بيت أهلها من كام ساعة، وكل اللي تعرفه عنك لحد دلوقتي إنك راجل مسئول. لكن الجواز مش مسئولية وبس… الجواز عشرة، ووقت، وكلام، وضحكة، وذكريات.”
ثم أشار إلى الظرف أمامه.
ـ وأنا حجزتلكم الأسبوع ده عشان تصنعوا أول ذكرى حلوة ليكم… بعيد عن ضغط الشغل، وبعيد عن دوشة البيت.”
ظل مختار صامتًا لثوانٍ، يقلب الحجز بين يديه.
ثم تسللت إلى ذهنه كلمات غزل في الليلة الماضية.
ـ نفسي أول خطوة بينا تكون وإحنا مرتاحين… لما نبقى عارفين بعض أكتر.”
لأول مرة شعر أن هذا السفر قد يكون ما يحتاجه هو أيضًا.
أسبوع كامل بعيدًا عن الملفات، والاجتماعات، والهواتف التي لا تتوقف عن الرنين.
وأسبوع آخر… يمنحه فرصة ليتعرف إلى المرأة التي أصبحت زوجته، بعيدًا عن كل ما أفسد بداية زواجهما.
رفع رأسه أخيرًا، ثم نظر إلى والده بابتسامة امتنان صادقة.
ـ شكرًا يا بابا.
ثم التفت إلى غزل، فوجدها تنظر إليه في ترقب، كأنها تنتظر قراره أكثر مما تنتظر السفر نفسه.
ابتسم لها ابتسامة هادئة وقال:
ـ واضح إن مفيش حجة أهرب بيها المرة دي ومنكرش انى محتاج سفريه زى دى خلاص هنطلع انا وغزل نجهز شنطنا ونسافر
ضحك والده، بينما ابتسمت والدته في رضا.
أما غزل، فلم تقل شيئًا.
لكن ابتسامتها الهادئة، التي أضاءت ملامحها لأول مرة منذ الزفاف، كانت كافية ليشعر مختار أنه اتخذ القرار الصحيح.وأغلق الظرف وهو يقول بثقة:
ـ هنسافر… وأعتقد إننا إحنا الاتنين محتاجين السفر ده أكتر ما كنا متخيلين.
عن نوال
في بيت فؤاد، لم يكن الصباح مختلفًا عن أي صباح آخر، لكن نوال لم تستطع أن تشعر بهدوئه. كانت تجلس في شرفة غرفتها تحتسي قهوتها، إلا أن فنجانها ظل كما هو، فقد كانت غارقة في أفكارها منذ استيقظت. كلما حاولت أن تشغل نفسها بأي شيء، عاد إليها مشهد ليلى في حفل الزفاف؛ دخولها المفاجئ، نظراتها الواثقة، ابتسامتها المستفزة، ثم خروج مختار خلفها أمام الجميع. لم يكن ما حدث طبيعيًا، والأكثر إزعاجًا بالنسبة لها أنها شعرت بأن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
خرج فؤاد من غرفته بعدما انتهى من ارتداء ملابسه، فتوقف لحظة وهو يراها شاردة إلى هذا الحد. اقترب منها في هدوء، ثم جلس إلى جوارها وهو يبتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ واضح إن فيه حاجة واخدة كل تفكيرك من أول ما صحيتي.
انتبهت نوال إلى وجوده، فتنهدت وهي تحاول أن تبتسم، لكنها فشلت،:
ـ مش عارفة ليه… بس قلبي مش مرتاح.
نظر إليها باهتمام وسألها:
ـ في إيه ؟
ـ ليلى
لم يتفاجأ فؤاد بالإجابة، بل هز رأسه بهدوء
ـ كنت حاسس إنك هتتكلمي عنها.
ـ أنا مش قادرة أنسى اللي عملته في الفرح. تصرفاتها كانت كلها تحدي، وكأنها داخلة تثبت إنها لسه موجودة في حياة مختار، وإن غزل مجرد ضيفة مؤقتة.
ـ بالعكس… اللي حصل طمني.
ـ طمنك؟ وإزاي؟»
ـ أنا كنت مركز مع مختار طول الفرح. أول ما خرج وراها قلقت، لكن لما رجع، عرفت إن الموضوع انتهى بالنسبة له. كان متضايق من اللي عملته، ومتجنب يبصلها بعد كده، وكل اهتمامه كان إنه يعدي الليلة من غير مشاكل. لو كان لسه متعلق بيها، كانت هتعرف تهزه بسهولة، لكن ده محصلش.
ظلت نوال صامتة للحظات، ثم هزت رأسها ببطء
ـ أنا أصلًا مش قلقانه من مختار.
رفع فؤاد حاجبيه متسائلًا، فأكملت:
ـ أنا قلقانه من ليلى نفسها. البنت دي مش هتسكت، وأنا متأكدة من كده. اللي شوفته في عينيها امبارح مكنش غيرة وبس… كان إحساس بالهزيمة، وليلى من النوع اللي عمره ما بيتقبل إنه يخسر.
سكتت لحظة، ثم أردفت وهي تتأمل فنجان القهوة بين يديها:
ـ هي كانت فاكرة إنها لما سابت مختار بتاخد القرار الصح. وقتها شركته كانت بتخسر، ومستقبله كان غامض، وكانت متأكدة إنها تستحق حد أحسن. لكن فجأة الدنيا اتغيرت، والشركة رجعت تقف على رجلها، والاستثمارات دخلت، واسمه بقى يتقال في السوق بشكل مختلف. طبيعي جدًا إنها دلوقتي تحس إنها اتسرعت، وإنها ضيعت بإيديها الراجل اللي كان المفروض يبقى جوزها.
ابتسم فؤاد ابتسامة خافتة،
ـ حتى لو ده صحيح، خلاص… مختار بقى متجوز.»
ـ ما هو ده اللي مخوفني. ليلى مش شايفة إنه راجل متجوز، هي شايفة إنه كان بتاعها، وإن واحدة تانية أخدته منها. بالنسبة لها، دي مش قصة حب انتهت… دي حرب كرامة. ولما الكرامة تدخل في الموضوع، الإنسان ممكن يعمل حاجات عمره ما كان يتخيل إنه يعملها.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يتنهد فؤاد قائلًا: ـ يبقى ندعي ربنا إن مختار يكون قفل الباب ده من غير رجعة.
نظرت نوال إلى الأفق البعيد، وهمست وكأنها تحدث نفسها:
ـ أنا نفسي يكون قفله… لكن إحساسي بيقول إن ليلى لسه ما بدأتش، وإن اللي حصل في الفرح كان مجرد أول خطوة.
في غرفة مختار…
أغلق مختار حقيبة السفر بعد أن تأكد للمرة الثالثة أنه لم ينسَ شيئًا، ثم وضعها إلى جوار الباب، قبل أن يلتفت إلى المرآة يعدل ياقة قميصه. لم يكن يتذكر آخر مرة ابتعد فيها عن الشركة لأكثر من يومين، لذلك كان يشعر بغرابة القرار، لكنه في الوقت نفسه كان يشعر براحة لم يعرفها منذ شهور طويلة.
التفت إلى غزل، فوجدها تقف أمام حقيبتها الصغيرة، ترتب ملابسها بعناية شديدة، ثم تعود لتفتحها من جديد كل بضع دقائق، وكأنها تخشى أن تكون قد نسيت شيئًا. ابتسم في هدوء، وقال مازحًا:
ـ لو فضلتي تراجعي الشنطة كده مش هنسافر .
احمر وجهها، وأغلقت الحقيبة بسرعة وهي تبتسم في خجل.
ـ أصل دي أول مرة أسافر بدون ما اكون مجهزه قبلها بوقت كافى … فخايفة أكون ناسية حاجة.”
هز رأسه مبتسمًا.
ـ اطمني… لو نسينا أي حاجة هنجيبها من هناك.
وقبل أن ترد، اهتز هاتفه معلنًا عن مكالمة جديدة.
نظر إلى الشاشة، فوجد اسم صديقه المقرب حسام.
ضغط زر الإجابة، وما إن فتح الخط حتى جاءه صوت حسام الصاخب:
ـ ألف ألف مبروك يا عريس… أخيرًا وقعت!
ضحك مختار لأول مرة من قلبه منذ أيام.
“الله يبارك فيك.”
ولم تمضِ لحظات حتى انضم إلى المكالمة أكثر من صديق، بعدما حولوها إلى مكالمة جماعية، وبدأت عبارات التهاني والمزاح تتوالى
ـ إيه يا عم… نسيت أصحابك أول ما اتجوزت؟
ـ خلاص بقى… لازم تعزمنا.
“إحنا متفقين، أول عزومة بعد الجواز عندك.
ابتسم مختار وهو يهز رأسه.
ـ من عنيا… أول ما أرجع.”
سأله أحدهم باستغراب:
ـ ترجع منين؟”
أجاب بعفوية تامة، دون أن يفكر:
إحنا مسافرين أسبوع… والدي عاملنا مفاجأة وحاجز لنا في فندق نقضي فيه شهر العسل.”
تعالت أصوات التهاني والصفير من الطرف الآخر.
أهو كده… أخيرًا هتعرف يعني إيه إجازة.”
ـ بلاش تفتح اللاب توب هناك.”
“ولو رن عليك حد من الشركة اقفل في وشه.”
ضحك مختار وهو يقول:
ـ متقلقوش… الأسبوع ده مفيش شغل.
أنهى المكالمة بعد دقائق، وهو لا يزال يبتسم، ثم وضع الهاتف في جيبه.
لم ينتبه إلى أن غزل كانت تتابعه بصمت.
كانت المرة الأولى التي تراه فيها يضحك بهذه الأريحية.
اقترب منها وهو يحمل حقيبته، ثم تناول حقيبتها الأخرى قبل أن تسبق إليه.
ـ سيبيها… أنا هشيلها.قالتها بسرعة
ـ لا، خفيفة.
ابتسم وهو يفتح باب الغرفة.
ـ.حتى لو فاضية… مينفعش أشوفك شايلة حاجة وأنا موجود.
تعلقت عيناها به للحظة، ثم خفضتهما في حياء، بينما شعرت بدفء غريب يسري في قلبها.
بعد قليل، كانا يجلسان في السيارة، وقد بدأت المدينة تبتعد عنهما شيئًا فشيئًا.
ساد الصمت في البداية، لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا كما كان في الليلة الأولى.
كان صمت شخصين لا يزال كل منهما يتعرف إلى الآخر.
كسر مختار الصمت وهو يثبت نظره على الطريق.
ـ عارفة… أنا آخر واحد كان ممكن يتخيل إنه يسافر أسبوع كامل ويسيب شغله.”
التفتت إليه باهتمام.
ـ واضح إنك بتحب شغلك جدًا.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ـ مش بحبه بس… أنا كبرت معاه.
سكت لحظة، كأنه يعود بذاكرته سنوات إلى الوراء، ثم أكمل:
ـ من وأنا في الجامعة وأنا بشتغل. كنت بحضر المحاضرات الصبح، وبعدها أجري على الشركة. ساعات كنت برجع البيت آخر الليل وأنا مش قادر أقف على رجلي.”
استمعت إليه باهتمام، دون أن تقاطعه.
ـ أصحابي كانوا بعد الامتحانات يخططوا للفسح والسهر والخروجات… وأنا كنت أول ما أخلص امتحان أروح أقعد في المكتب. يمكن كنت أصغر واحد وسط الموظفين، لكن كنت حاسس إن كل يوم بتعلم فيه حاجة هيقربني من حلمي.”
ابتسم وهو يتذكر تلك الأيام.
ـ حتى في الكلية، الشباب كانوا طول الوقت بيتكلموا عن البنات، مين معجب بمين، ومين ارتبط بمين. وأنا بصراحة… عمري ما كان عندي وقت للكلام ده.”
التفت إليها للحظة، ثم عاد بعينيه إلى الطريق.
ـ مكنتش شايف إن فيه بنت تستحق إني أضيع وقتي معاها وأنا لسه ببني نفسي. كنت مقتنع إن الراجل الأول يبني مستقبله، وبعدها يفكر في الجواز.”
سكت قليلًا، ثم قال ضاحكًا:
ـ عشان كده كانوا فاكريني مغرور.
ابتسمت غزل لأول مرة منذ تحركت السيارة.
“وكنت مغرور؟”
نظر إليها بطرف عينه، وظهرت ابتسامة واسعة على وجهه.
“لأ… كنت بس مشغول.
وصلت السيارة إلى الفندق مع اقتراب غروب الشمس، وكانت السماء قد ارتدت لونًا برتقاليًا هادئًا انعكس فوق صفحة البحر، ليمنح المكان سكينة لم تعهدها غزل من قبل.
توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي، فتقدم أحد العاملين لاستقبال حقائبهما، بينما وقف مختار إلى جوارها ينتظر انتهاء إجراءات الدخول.
كانت غزل تنظر حولها في انبهار وهى معجبه بالمكان الأشجار المصطفة على جانبي الممر، أصوات النوافير، والنسيم القادم من البحر، كلها كانت كافية لتنتزع منها ابتسامة عفوية.
التفت إليها مختار، ولاحظ نظراتها المتنقلة في كل اتجاه، فابتسم دون أن يشعر.
ـ أول مرة تيجي هنا ؟
أومأت برأسها وهي لا تزال تنظر حولها.
ـ أيوه.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
ـ إن شاء الله يعجبك.
لم يكن الحوار طويلًا، لكنه كان كافيًا ليشعر كلٌ منهما أن المسافة بينهما بدأت تضيق خطوة صغيرة.
ما إن دخلا الجناح حتى ألقت غزل نظرة سريعة على المكان، ثم وقفت أمام الشرفة الواسعة التي تطل مباشرة على البحر.
ظلت تنظر إلى الأمواج في صمت، بينما كان مختار يخلع ساعته ويضع هاتفه فوق الطاولة.
ألقى بنفسه على الأريكة وهو يزفر بتعب.
ـ واضح إن الطريق خد مننا أكتر مما توقعت.”
التفتت إليه.
ـ تحب أطلب الأكل يطلع هنا؟”
هز رأسه موافقًا.
ـ أحسن… أنا حاسس إني مش قادر أنزل.”
تناولا العشاء في هدوء، تبادلا خلاله أحاديث بسيطة عن الفندق والطريق، ثم غلبهما الإرهاق سريعًا.
ولأول مرة منذ زواجهما…
نام كلٌ منهما وهو يشعر أن الغد قد يحمل بداية مختلقه
في صباح اليوم التالي، استيقظا على صوت الأمواج.
فتح مختار باب الشرفة، فاندفع الهواء البارد إلى الداخل، بينما كانت غزل تقف تستمتع بالمشهد في هدوء.
بعد الإفطار، خرجا يتمشيان على الشاطئ.
خلعت غزل حذاءها، وسارت فوق الرمال الناعمة، بينما كان البحر يلامس أطراف قدميها فتضحك كلما تقدمت موجة ثم عادت.
وقف مختار يراقبها من بعيد.
كانت تلك أول مرة يراها تضحك بهذه العفوية.
لا خجل…ولا توتر…ولا خوف من أن تخطئ في كلمة.
مجرد فتاة تستمتع بلحظة بسيطة.اقترب منها دون أن يشعر.
ـ واضح إن البحر عجبك.
التفتت إليه بابتسامة واسعة
ـ أكتر مما كنت متخيلة.
ثم انحنت فجأة تلتقط صدفة صغيرة، ورفعتها أمامه كطفلة اكتشفت كنزًا.
ـ بص… جميلة أوي.”
نظر إلى الصدفة، ثم إلى الفرحة المرتسمة على وجهها.
وللمرة الأولى..لم يلفت انتباهه جمال الصدفة…بل جمال تلك الابتسامة.
ابتسم دون أن يشعر.
ولم تعرف غزل أن ابتسامتها تلك نجحت في كسر جزء آخر من الجدار الذي بناه مختار حول قلبه منذ سنوات
مر اليوم سريعًا بين نزهة على الشاطئ، وغداء في أحد المطاعم المطلة على البحر، ثم جولة داخل المدينة الساحلية.
وفي المساء…
وبعد أن عادا إلى الجناح ليستريحا قليلًا، اقترح مختار أن ينزلا إلى الحديقة المفتوحة المطلة على البحر.
ـ بيقولوا فيه حفلة موسيقية صغيرة كل خميس… تعالي نشوفها.”
وافقت غزل في هدوء.
نزلت إلى جانبه وهي ترتدي فستانًا بسيطًا بلون أزرق سماوي، بينما اكتفى هو بقميص أبيض وبنطال كحلي.
وما إن اقتربا من الحديقة حتى لاحظ مختار أن الأضواء مطفأة على غير المعتاد.
نظر حوله باستغراب.
ـ غريبة…”
وقبل أن يكمل جملته…أضاءت الأنوار دفعة واحدة.
وتعالت أصوات التصفيق والهتاف.
ـ.مبرووووك يا عريس!”
تجمد مختار مكانه.
ثم انفجر ضاحكًا وهو يرى مجموعة من أصدقائه يتقدمون نحوه حاملين قالبًا كبيرًا من الحلوى، بينما ارتفعت الموسيقى في المكان.
أسرع حسام نحوه واحتضنه بقوة.
ـ فاكر إنك هتهرب مننا؟”
ضحك مختار وهو يربت على ظهره.
ـ إنتوا مجانين… عرفتوا المكان منين؟”
ضحك حسام وهو يشير إلى هاتفه.
ـ إنت اللي قولتلي اسم الفندق، والباقي علينا.”
التفت الجميع نحو غزل يباركون لها، فازدادت خجلًا، بينما رحبت بها زوجات بعض الأصدقاء بحفاوة، وسحبنها معهن إلى الداخل.
وبينما كانت الأجواء تمتلئ بالضحكات…
وقع بصر مختار على وجهٍ لم يكن يتوقع أن يراه هنا.
توقفت الابتسامة فوق شفتيه.
واتسعت عيناه في دهشة.
كانت ليلى…
تقف على بعد خطوات، ترتدي فستانًا أسود أنيقًا، وعلى شفتيها تلك الابتسامة الواثقة التي يعرفها جيدًا.
رفعت كأس العصير في هدوء، وقالت وهي تنظر إليه مباشرة:
ـ مبروك يا مختار…”
ثم حولت نظراتها إلى غزل، التي لم تكن قد انتبهت إليها بعد، وهمست لنفسها بابتسامة باردة…
ـ خلينا نشوف… شهر العسل ده هيكمل للنهاية… ولا دي مجرد البداية.”
زر الذهاب إلى الأعلى