Uncategorized

رواية انذار بالعشق الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريم غريب

رواية انذار بالعشق الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريم غريب  

 ( 14 )


_ إنتقال ! _

إرتعشت “ساره” حين أمسكت بالهاتف ، إزداد إرتباكها و هي تري إسمه يتوسط الشاشة الصغيرة …

نظرت إلي “هيام” مجفلة ، لتقول الأخيرة بغرابة :

-إيه يابت مالك ؟ ما تردي في إيه ؟!

إزدردت “ساره” لعابها و قالت بتلعثم :

-هـ هارد يا هيام . خليكي مكانك طيب .. ده تليفون من الناس إللي بشتغل عندهم . هشوفهم عايزين إيه و رجعالك ! ..و قامت من السرير علي عجالة

لا زالت تشعر ببعض الإعياء ، مشت بترنح صوب الشرفة الصغيرة .. ألقت نظرة خاطفة نحو صديقتها ، ثم إنزوت خلف الستائر المهترئة و فتحت الخط الذي أوشك علي الإنقطاع …

-نعم ! .. هكذا ردت “ساره” بإقتضاب شديد

ليأتيها صوته الرجولي القوي مدغدغا حاستها السمعية :

-و ده إسمه إيه إن شاء الله ! حد يرد كده علي الصبح ؟ مافيش صباح الخير حتي ؟ إللي أعرفه إنك ذوق يا أنسة ساره !

قست تعابير “ساره”و هي ترد عليه بجفاء :

-أولا أنا ماكنتش ناوية أرد علي حضرتك أصلا .. يا عمر بيه . بس رديت عشان أقولك بعد إللي حصل منك ده أنا خلاص مستغنية عن الوظيفة . يغور الشغل ده إللي يخليني إتهان كده و إحمد ربنا إني مشيت من سكات منغير ما أعملك مشاكل أو حتي أقول لأخويا إللي لو كان عرف كان زماني بترحم عليك دلوقتي

عمر بنبرة معابثة :

-أولا إنتي ماتقدريش تمشي من الوظيفة طالما أنا ماقولتش كده . أنا عينتك و أنا بس إللي بإيدي أستغني عن خدماتك ..

ساره بغيظ ممزوج بالغضب :

-أما إنك بجح . لسا ليك عين تتكبر عليا ؟ بكره تشوف غرورك ده هايوصلك لإيـ آ …

-وفري الكلمتين من فضلك ! .. قاطعها “عمر” بلباقة ، و أكمل بخبث :

-أنا حافظهم . خليني أنا أتكلم شوية و أسألك السؤال إللي كان غايب عني من يوم ما قبلت إنك تشتغلي عندي

عبست “ساره” بإستغراب و لم ترد …

إستشعر “عمر” علامة إستفهامها دون تنطق ، فأحست هي بإبتسامة في صوته و هو يتابع :

-لما حضرتك مطلقة .. سبتيني ليه من أول مرة أقولك يا أنسة ؟ صحيح كان لازم أفهم بديهيا إنك مدام . لما شوفتك أول مرة بفستان الفرح و وصلتك للمستشفي بنفسي .. بس قلت طالما هي ماصححتش الغلط يبقي أنا صح !

ساره بجمود :

-طيب و أدي حضرتك عرفت إني مطلقة ؟ فرقت معاك أوي النقطة دي ؟ .. ثم قالت بحدة :

-و بعدين دي حاجة ماتخصكش أصلا . أنسة . مدام مطلقة مالكش فيه

عمر ضاحكا :

-طيب إنتي إضايقتي كده ليه ؟ خلاص إنتي حرة طبعا و دي خصوصية و أنا بحترمها .. لكن الألقاب مالهاش علاقة بالخصوصية . دي حاجة أي حد بيقدم نفسه لازم يقولها

ساره بنفاذ صبر :

-طيب و أدي حضرتك عرفت و واضح إنك كشفت علي البطاقة زي ما قولتلي . بس خلاص أنا مابقتش محتاجة الشغل ده و بطاقتي هبعت حد من طرفي ياخدها من حضرتك و يا دار ما دخلك شر

صمت “عمر” لبرهة ، ثم قال بهدوء شديد :

-ساره . مش هتسيبي الشغل .. إنتهي النقاش بقي

-إنت أكيد آ ا ..

-لو سمحتي ! .. قاطعها بإلحاح ، و أكمل بصوت متردد :

-أنا آسف . و الله ماكنش قصدي أمد إيدي عليكي .. أنا عمري ما عملتها مع أي حد . إنتي بس جيتي في توقيت غلط . أنا ماكنتش شايف قدامي و كنت متعصب أوي . من فضلك يا ساره إقبلي إعتذاري المرة دي . أنا مش سهل عليا إتأسف و أبرر بالشكل ده . لولا بس حسيت إني غلط فيكي جامد !

أجفلت “ساره” و هي تفكر في كلماته الملبكة ، لا تنكر أن إعتذاره مس شيئا من دفاعتها .. جعلها تتقهقر دون شعور عن موقفها العدائي إزائه …

أطلقت زفرة متقطعة و تمتمت :

-عمر بيه .. إعتذارك مقبول . بس أنا آ ا …

-مش عايزك تردي بسرعة يا ساره ! .. قاطعها للمرة الثانية

-معاكي يومين . أنا مش طالب منك ترجعي من بكره .. ريحي في بيتك شوية و أنا مستنيكي . قصدي جلنار هانم مستنياكي . إنتي بقيتي عزيزة عليها أوي و في وقت قصير جدا

ساره بجدية :

-و أنا كمان حبيتها و الله .. ربنا يعلم !

-طيب خلاص . يبقي ماينفعش تزعليها بقي .. و تابع متنهدا :

-مش هطول عليكي أكتر من كده . و مرة تانية أنا آسف .. سلام ! … و أقفل الخط

تمتمت “ساره” و هي تبعد الهاتف ناظرة للخط المقطوع :

-سلام !

كانت ” هيام” هناك ، ما زالت قابعة فوق السرير بإنتظارها …

إلتفتت “ساره” لها ، رأتها ترمقها بنظرات شك ، فإفتعلت إبتسامة و هي تمشي نحوها قائلة :

-ده عمر بيه ياستي .. كان بيسأل أنا ماروحتش الشغل ليه إنهاردة

أومأت “هيام” و قالت بنبرتها الكسولة :

-و ماله ياختي . مش عيب .. طالما عمر بيه !

ساره بحدة :

-إيه ده ! قصدك إيه يعني ؟!

إبتسمت “هيام” و هي تقول بمكر :

-مش قصدي حاجة يا سوسو . ماتخديش في بالك .. أنا بتكلم و خلاص و لا كلامي زعلك لا سمح الله ؟

حدجتها “ساره” بنظرات محتقنة و قالت مزمجرة :

-طيب طالما ماتقصديش حاجة ياريت تسكتي . عشان مازعلش و أزعل منك حبيب القلب ! .. كانت إشارة صريحة لـ”صلاح”

برقت أعين “هيام” و هي تقبض علي يديها قائلة بتلهف :

-لأ ونبي . كله إلا حبيب القلب .. أنا آسفة يا سوسو

ساره مبتسمة بإلتواء :

-أيوه كده .. ناس ماتجيش إلا بالعين الحمرا !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

في قصر عائلة “الرواي” …

تعود أفراد الأسرة عند إنتصاف النهار ، جميعهم عادوا .. حتي “زياد لم يمكث بالمشفي كما توقع البعض قبل الإطلاع علي حالته

علي كل لم تكن أصابته بليغة ، مجرد كسر بالساق اليمني و بعض الخدوش و السجحات التي سببها له الإحتكاك العنيف بالأسلفت …

كانت “جلنار” في إستقبالهم عند المدخل ، خلفها “عمر” وقف ممسكا بمقعدها المتحرك ، كان “سليم” واقفا بجواره أيضا .. فور أن رأي والده إنطلق راكضا صوبه ، ليفتح الأخير ذراعاه متلقيا إياه برحابة كبيرة …

-حمدلله علي السلامة يا زياد . سلامتك يا حبيبي ألف سلامة ! .. هكذا إحتفت “جلنار” بعودة حفيدها سالما ، كان القلق عليه يجلل وجهها فعلا

رماها “زياد” بنظرة ذاهلة ، كان يمشي بين أمه و أخيه “آسر” كلاهما يسنداه … رد عليها بعدم ثقة :

-الله يسلمك يا تيتة . معقول قاعدة هنا مستنياني ؟!

جلنار بتعجب :

-آيوه طبعا قاعدة مستنياك . هكون قاعدة لمين يعني ؟

-سلامتك يا زياد ! .. قالها “عمر” بإبتسامة فاترة

نظر له “زياد” و قال متنفرا :

-آه علي أساس إنها من قلبك يعني ؟ عموما الله لا يسلمك يا سيدي

-لأ ده إنت كمان عايز تتربي ! .. كان هذا صوت “نصر الدين”

بلحظة أنزل “سليم”علي قدميه و توجه نحو “زياد” مجتذيا إياه من تلابيبه و هو يصيح بعنف :

-يعني مش كفاية صايع و مستهتر لأ و زودت عليهم سافل و قليل الأدب ! و حياة أمي لأعلمك تتكلم كويس إزاي يا تربية و×× . و بالذات مع أخوك الكبير

تمسكت “يسرا” بذراع زوجها و هي تقول بتوتر ممزوج بالحدة :

-سيب الولد يا نصر إنت مش شايف هو عامل إزاي ؟!

نصر الدين بشراسة :

-يتأسف لأخوه الكبير دلوقتي يا إما مش هيحصل طيب

نخر “زياد” و هو يرد علي أبيه برعونة :

-أخويا الكبير واقف جمبي أهو . إبنك ده خليه ليك إنت شبعنا بقي كلام فارغ لا بيودي و لا بيجيب . إنت محموء عليه أوي براحتك عايز تبهدلني و تمد إيدك عليا و أنا شحط كده عشانه بردو براحتك بس حوار أتأسف ده تنساه . أنا مش بعتبره أخويا أصلا و كلمة سلامتك إللي قالها دي مش قابلها هي كمان شغل برو العتب ده ما يلزمنيـ آ …

بتر عبارته فجأة ، بسبب ذلك الكف الذي نزل علي وجهه من يد أبيه …

-إلحقهم يا آسر ! .. قالتها “آصال” و هي تشهق مذعورة ، بينما ظل “آسر” كما هو ، واقفا يراقب ما يجري بمنتهي البرود

لكن نظراته الموجهة إلي “عمر” لم تفلح كثيرا في إخفاء شرارات الحقد المستعرة … هزته “آصال” مغمغمة بإنفعال :

-ما تتحرك يا آسر مــالك ؟؟؟

-سيبه يا نصر ! .. هتفت “جلنار” بلهجة صارمة

إلتفت “نصر” نحوها و قال بعصبية :

-أسيب مين يا ماما ده أنا هكسر عضمه الليلة دي . يانا يا هو الكلب ده .. و كاد يتوجه إليه ثانيةً ليصب عليه جام غضبه

-قلت سيبه يا نصر ! .. كررت “جلنار” بحزم أشد ، و أكملت مقوسة شفتاها بتعبير مشمئز :

-كفاية كده . مش هتقدر تخلي زياد يحب أخوه غصب عنه .. و عموما يا زياد بيه . عمر كمان مش محتاجلك إنت لا هتزوده و لا هتنقصه . خليك فاهم كده كويس .. ثم أدارت وجهها نحو “عمر” و قالت :

-عمر . دخلني أوضتي يا حبيبي من فضلك !

إبتسم “عمر” و هو يومئ لها برأسه ، شمل إخوته بنظرة تهكمية أخيرة ، ثم أمسك بمقبضي الكرسي المتحرك و أخذ يدفعه بإتجاه غرفة جدته ….

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

في المساء … يخرج “صلاح” من المنزل حاملا في كلتا يداه حقيبتين كبرتين ، كانت سيارة أجرة في إنتظاره أمام الباب الخارجي مباشرةً

كانت أمه تملأ البيت صياحا الآن ، حين فاجأها بأخذ “ساره” معه لينتقلا معا في منزل أخر ، تجاهل إحتجاجاتها كلها و هو يضع الحقائب بجيب السيارة الخلفي ، إنتظر حتي خرجت “ساره” و هي تحمل حقيبة يد متوسطة

قبض علي ذراعها و فتح لها باب السيارة ، أجلسها بالمقعد الخلفي .. ثم جلس هو بجوار السائق ، لمح “زهرة” تقف علي عتبة البيت ، تبكي بحرارة و هي ترمق “ساره” بحزن شديد

ضخم نبرة صوته و هو يصيح بها موبخا :

-زهرة . خشي جوا 100 مرة أقولك ماشوفكيش في الشارع . علي جوا يابت !

أذعنت “زهرة” لرغبته في الحال و إستدارت عائدة للداخل و عيناها ملؤهما الدموع …

-أطلع ياسطي ! .. قالها “صلاح” و هو يلتفت للسائق

بضعة دقائق و توقفت السيارة أمام بناية عتيقة مؤلفة من طابق واحد ، نزلت “ساره” بأمر من “صلاح” .. راحت تنظر حولها مستكشفة ، الموقع لا يقل قذارة عن محل إقامتها الأول

فهذه حارة ، تشابه إلي حد كبير حارتها التي خلفتها ورائها منذ مدة قليلة … ربما الفرق هنا يكمن في هندسة البيوت ، فقد لاحظت بسهولة أن كل بيت مستقل بذاته .. حيث الطابق الواحد هو نفسه يتكرر من بناية لأخري و كأنها منطقة سكنية كتلك التي يطلق عليها ( Compound ) .. لكنه في الحقيقة لا يعدو كونه Compound عشوائي ، تحت البسيط …

و غادرت سيارة الأجرة ..

-البيت أهو . إمشي قدامي ! .. قالها “صلاح” و هو يدفع “ساره” بكتفه للإمام

-آه ! .. تأوهت “ساره” و هي تدرك نفسها بأخر لحظة قبل أن تسقط علي وجهها

إلتفتت نحو “صلاح” و نهرته :

-إيه الغباوة دي يا صلاح بالراحة كنت هتوقعني علي وشي !

صلاح بسخرية :

-لأ و وشك مش ناقص ياختي . ما شاء الله الزرقان منور و عامل شغل .. أموت و أشوف الأسفلت إللي سلم علي خدك

زمت “ساره” شفتاها و هي ترد بحنق :

-ماكنش أسفلت يا صلاح . قولتلك وقعت من فوق السلم .. الله !

-طب خلاص ماتتعصبيش أوي كده . سلم سلم . تعالي ورايا .. و تجاوزها ماضيا نحو البناية المتواضعة جدا

تبعته بخطوات متمهلة ، وضع الحقائب فوق الأرض ليخرج شيئا من جيبه ، كان مفتاح معدني متوسط .. أمسك به بين أصابعه و دفعه بالقفل الصدئ ، إستخدم قوته قليلا و هو يقوم بعدة محاولات لفتح الباب .. نجحت إحداهم فتنحي جانبا داعيا “ساره” للدخول :

-خشي !

تنفست “ساره” بعمق ، نظرت له لبرهة ، ثم مدت ساقها اليمني و دخلت و هي تهمس :

-بسم الله الرحمن الرحيم !

كانت العتمة تلف المكان ، إلي أن ضغط “صلاح” زر الإنارة .. سبحت الغرفة بالضوء ، نعم ، فقد كانت غرفة واسعة بعض الشئ … حوت بداخلها سريران متباعدان تفصلهما ستارة خفيفة

و في الواجهة المقابلة صالون صغير ، صحيح أنه بالي و لا ينفع بشئ .. لكنه موجود عند الحاجة

كانت “ساره” مستغرقة في تآملاتها ، إلي أن قفز “صلاح” أمامها فجأة و قد بدأ يشير بيده مرشدا إياها :

-بصي بقي . البيت بسيط زي ما أنتي شايفة .. هو ضيق آه بس يساعنا إحنا الإتنين . ده المطبخ … و أشار إلي رقعة ضئيلة جدا خلفها

-و ده الحمام و دي الصالة . سريرك ده إللي هناك علي الشمال جمب الحمام علطول . إصبري عليا يومين كده و هكون جايبلك تلفزيون عشان يسليكي و إنتي قاعدة لوحدك

-إنت عملت ده كله ليه يا صلاح ؟ .. قالتها “ساره” بتساؤل

صلاح بجدية :

-عشان أحميكي

-تحميني من مين ؟

-من وصفي و مجيدة .. أمي بالذات

ساره بإبتسامة :

-يعني إنت ماكنتش تقدر تحميني و أنا وسطهم ؟!

زفر “صلاح” و أجابها مطرقا :

-كنت قدرت في أول مرة . لما أستغلوا بعدي عنك و راحوا جوزوكي من ورايا .. ثم نظر لها و أكمل بثقة :

-بس خلاص . من دلوقتي محدش فيهم هيقدر يهوب ناحيتك .. إحنا هنا في منطقة الريس هاشم . و إنتي هنا تحت حميته طول ما أنا بعيد عنك

ساره بإستغراب :

-مين الريس هاشم ده ؟

-ده راجل بيني و بينه شغل كبير شوية . تقدري تقولي شركا و هو مستعد يخدمني برقبته

ساره بقلق :

-شركا في إيه بالظبط يا صلاح ؟ أوعي تكون شغال في حاجة شمال !

صلاح مستنكرا :

-شمال إيه يا هبلة إنتي ؟ أنا بتاع الكلام ده بردو ؟ ده شغل إنتي ماتفهميش فيه

تنفست “ساره” الصعداء و قالت :

-طيب الله يكرمك . ريحت قلبي !

و هنا سمعا قرعا علي باب البيت ………….. !!!!!!!!!!!

يتبــــع …


زر الذهاب إلى الأعلى