Uncategorized

رواية انذار بالعشق الفصل الثلاثون 30 بقلم مريم غريب

رواية انذار بالعشق الفصل الثلاثون 30 بقلم مريم غريب  

 ( 30 )


_ بلا إنذار ! _

ظاهريا … كانت متشحة بتعبير بارد متصلب ، تأبي الخضوع لنوبة الإنهيار السالفة ، علي الأقل الآن

داخليا … صدرها متآجج بالفعل ، و قلبها الذي طعن في الصميم قبل قليل لا يزال ينزف بحرقة ، داخليا كانت تذرف ملايين الدمعات ، داخليا كانت تصرخ بألم رافضة ما إكتشفته صباح اليوم

رباه ! لو ألقيت بالجحيم لربما كان أهون من هذا الإكتشاف الذي أودي بها كليا ، ذلك الشعور مختلف تماما ..

فهي فقدت براءتها ، فقدت سعادتها ، فقدت حقوقها الإنسانية كاملة و منذ أمد بعيد

إلا إنها اليوم فقدت أعز ما تملك بحق … فقدت قلبها ، فقدت هويتها الحقيقية ، فقدت “صلاح” !!

-هتفضلي ساكتة كتير ؟! .. قالها “عمر” بتساؤل و هو يلقي نحو “ساره” نظرة عابرة

كان مركزا علي القيادة ، بينما تسند رأسها إلي نافذة السيارة و هي ترد بصوت لا حياة فيه :

-لو سمحت يا عمر .. لو سمحت مش عايزة أتكلم دلوقتي . وديني أي مكان هادي . مش طايقة أسمع الدوشة

عقد حاجبيه و هو يوزع نظراته بينها و بين الطريق قائلا :

-إنتي مالك يا ساره ؟ أنا مش فاهمك . من شوية كنتي بتكلميني و كنتي آآ …

-خلاص بقي يا عمر ! .. هتفت مقاطعة بصوت كالأنين

ليجفل “عمر” حين لمس نبرة البكاء في صوتها ، بالكاد سيطرت “ساره” علي نفسها و هي تقول بصوت أجش :

-إنسي كل حاجة قولتها . ماتتكلمش معايا في أي حاجة أرجوك .. و لو مش هتقدر تعمل كده نزلني هنا . نزلني و أنا هلف و أروح لوحدي

عمر بخشونة :

-لأ طبعا مش هنزلك في حتة . و خلاص مش عايزة تتكلمي براحتك أما نشوف أخرتها .. و تابع طريقه و فعليا كانت أعصابه علي المحك

توقف بعد دقائق قليلة هنا .. علي قارعة طريق مقفر ، لا يبدو أن أحدا يسلكه بكثرة ، بل أنه لم يكن هناك ثمة دليل علي وجود أناس أو حتي حيوانات متجولة كالتي تغص بها الشوارع و الأحياء ، ربما هذا المكان ضمن قائمة خلواته السرية ، ربما هو من إستكشفه

إلا أنها لم تهتم أبدا ، و كأنها وصلت لنقطة السأم من مشاعر الخوف و الحماية ، و كأن عقلها توقف عن التفكير السليم

كان خاطرها عشوائي و فوضوي ، فنزلت من السيارة و سارت غير مبالية بمطلق شئ و لا حتي بـ”عمر” الذي بقي يرمقها بنظرات مدهوشة …

و بلا إنذار ، تداعت ساقيها فإنهارت باكية فوق الحصي و الرمال .. إرتبك “عمر” الجالس خلف المقود ، و فورا لحق بها

جثي علي ركبتيه أمامها و قال محاولا رفع وجهها الغارق بالدموع :

-سـاره ! ساره مالك في إيـه ؟ مالك يا ساره ؟!!!

لكنها أبت الرد عليه و أجهشت بالبكاء أكثر ، إزداد نحيبها حرارة حتي تحول إلي نواح حاد أثار أعصابه المثارة أصلا ، لينفجر بها منفعلا :

-سـاره كفاية كده بقولك . كـفاآآية إرفعي وشك و كلميني .. مالك ؟ إتكلمي يا ساره في إيــه ؟؟؟؟

رفعت وجهها أخيرا ، ليحبس أنفاسه لمرآي الدمار الذي كسا عيناها ، إرتجافة فمها ، إحمرار خديها و أنفها ، تلك الدموع التي تنهمر بلا إنقطاع .. لم تكن “ساره” بنظره في هذا الحين سوي أيقونة طفولية محضة ، ببكائها و تقويسة فمها و شهقاتها المتفاوتة

لم يستطع إلا أن يمد يداه مزيلا دموعها براحته الغليظة و هو يتمتم مأخوذا رغما عنه بهذا الجمال الأثير :

-ليه يا ساره ؟ ليه الدموع دي كلها ؟!

-كان عندك حق ! .. غمغمت بصوت كالأنين

فقطب حاجباه مستوضحا :

-إيـه !!

مزق النشيج صوتها و هي تصيح من قلب مفطور :

-ماطلعش أخويا .. صلاح . صلاح مش أخويا … مش أخويـآآآآآ

جمد “عمر” فجأة و هو يحملق فيها بعينان متسعتين ، لم يسعه الكلام بعد هذا .. كان مصدوما ، لابد له من بعض الوقت ليتمكن من الرد علي تصريحها و فهم ما إذا كانت تقصد ما قالته أم أنه أساء فهمها

هنا تحت وطأة الصمت المطبق ، و حرارة الشمس الحارقة …

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

منذ ليلة أمس كان يحاول “نصر الدين” عبثا تهدئة أمه ، إنما الأخيرة ظلت علي حالتها التي أخذت تزداد سوءاً

لم تكف عن إلحاحها الذي غلفته دموع الحزن و هي ترجوه :

-كلملي الواد يا نصر . عشان خاطري كلمه خليه يرجع .. أنا هتجنن عليه من إمبارح يا تري راح فين بس !!

ربت “نصر” علي كتف أمه و طبع قبلة حانية علي جبينها و قال :

-حاضر و الله يا أمي . أنا مش مقصر و كل شوية بكلمه . أول ما يرد عليا هخليكي إنتي ينفسك تكلميه

جلنار بحزن شديد :

-حبيبي يا عمر . مش مكتوبلك ترتاح أبدا .. ليه زعلته يا نصر ؟ عملت فيه إيه خليته يمشي و يسبنا ؟

نصر بدهشة :

-هكون عملت إيه بس يا ماما ؟ ما كله كان قدامك

جلنار بنظرة إتهام :

-إنت وقفت قصاده . كنت بتهدده يا نصر .. أهو سابلك كل حاجة و مشي . أنا قلبي حاسس إني مش هشوفه تاني … و خنقت الدموع صوتها

ليقوم “نصر الدين” من مكانه هادرا بعصبية :

-يعني إنتي يعجبك لو إتجوز خدامة ؟ هتبقي فرحانة يا أمي لو شوفتي حفيدك مدبس في جوازة زي دي ؟؟!!

هزت “جلنار” رأسها و إستمرت بإلقاء اللوم عليه وحده :

-كان في طرق كتير للتفاهم . لكن إنت كالعادة إستخدمت الترهيب و كنت عاوز تفرض سيطرتك عليه . عمر حس إنك بتهمل إرادته و بتمسكه من رقبته عشان ما يعملش إللي نفسه فيه .. تمام زي ما عملت المرة إللي فاتت . و إللي قبلها و إللي قبلها

إلتهبت عيناه بالغضب و هو يرد من بين أسنانه :

-عمر مش مظبوط نفسيا .. و إنتي عارفة ده كويس يا جلنار هانم . كنتي عايزاني أقف أصقفله لما ياخد قرار زي ده و لا أروح معاه و أخطبله بنت الـ××× دي إللي ضحكت عليه عشان يتجوزها ؟!

جادلته قائلة بإستياء :

-إبنك مش صغير و هو حر علي فكرة . سيبه يجرب و يـ آآ ..

-لأ طبعا مش هسيبه ! .. صاح “نصر” مقاطعا بغضب جم ، و أكمل بخشونة :

-هو مش حر و أنا مش هسيبه يا أمي . ممكن أسيبه يبعد شوية .. لكن أسيبه يتجوز الصايعة دي ؟ علي جثتي . إبني مش هيتجوز خدامـة سامعة يا جلنار هانم !!

-مين ده إللي هيتجوز يا نصر ؟! .. كان هذا صوت “يسرا” التي إقتحمت الغرفة دون سابق إنذار

كانت تقف علي عتبة الباب ، مبتسمة بجذل و هي تري شحوب الأم و وجه إبنها الثائر كبركان حان وقت إنفجاره .. لقد إستمعت جيدا إلي حديثهما ، من خلف الباب المغلق

و كانت علي دراية تامة بهوية الشخص المقصود ، لكنها وجدت متعة كبيرة في تكرار الخبر علي مسامعها مرة أخري ، في الواقع لو تكرر الأمر مئة مرة .. لن تمل “يسرا” أبدا ….

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كسا الوجوم وجه “عمر” الآن ، بعد أن أخذها إلي السيارة و إنتزع منها بقية التفاصيل إنتزاعا …

كان هذا ضربا من الجنون ، كل كلمة قالتها تحتاج لمنطق خاص لتفسر ، لكنه لم يشك بصدقها .. رغم إستحالة ما قالته ، لم يخالجه الشك بها .. رغم أنه لطالما فعل

دموعها التي كذبها في الماضي ، الآن يصدقها تماما ، الطريقة التي تحدثت بها و الأحرف التي تعثرت علي شفتها وصولا إلي إلقائها بنفسها بين ذراعيه مجهشة ببكاء مرير بين طيات قميصه

أشعرته بالمسؤولية تجاهها ، أجبرته علي ذلك و إستحوذت علي جانبه الإنساني ، أخرجت شخصه المفقود بغتة .. ليتعامل معها بجدية لم تجد طريقا له منذ وقت بعيد …

-ساره كفاية عياط من فضلك ! .. قالها “عمر” بحزم و هي لا تزال بأحضانه في حالة غياب جزئي عن الوعي

لم يخمد بكائها بعد ، فأمسك بكتفها و رفع وجهها بيده ليجبرها علي النظر إليه قائلا بصرامة :

-ساره بطلي عياط . سامعاني ؟ بطلي عياط .. لازم نتكلم

ساره بإنهيار تام :

-نتكلم ؟ نتكلم في إيه ؟!
ما كل حاجة إتكشفت خلاص . ماعادش في كلام تاني يتقال .. كل حاجة طلعت وهم . حتي الحقيقة الوحيدة إللي في حياتي طلعت كدبة . صلاح .. صلاح مش بيبصلي بصة أخ . صلاح ماطلعش أخويا . هو كمان بيخدعني . طول الوقت ده بيخدعني و ماكنتش حاسة . ماينفعش أحس كده أصلا عشان هو أخويا .. بس إنهاردة ماحستش بالأخ . كان واحد تاني . صوته . نفسه . طريقة كلامه . لمسة إيده عليا . كل ده فكرني بذكريات كتير أوووي . و فهمت . فهمت و مابقاش عندي شك في الحقيقة إللي عرفتها بالصدفة

زم “عمر” فمه و مسد علي وجنتها بظاهر يده و هو يقول بصلابة :

-ليه أنا ؟ ليه إختارتي تقوليلي أنا الكلام ده كله ؟؟

نظرت له من خلال دموعها ، صمتت لوهلة ، ثم قالت بصوتها المتحشرج :

-ماعرفش . أنا كنت طالبة أقابلك آه .. بس ماكنتش مخططة إني أحكيلك أي حاجة . ماكنتش لسا إتأكدت من شكوكي أصلا . أيوه كنت تايهة و مش مركزة . بس أخر حاجة كنت عايزاها هي إني أحكيلك … و تهدل كتفاها و هي تستطرد بلوعة و قد هطلت دموعا أخري من عينيها :

-كل إللي أعرفه إني كنت محتاجة ضغطة كمان . ضغطة صغيرة هي إللي ممكن تخليني أنهار و أنفجر .. إنت كنت الضغطة دي . و فجأة لاقيت نفسي بخرج كل إللي جوايا قدامك

تنهد “عمر” و هو يومئ برأسه متمتما :

-طيب خلاص . خلاص إهدي يا ساره .. و ربت علي رأسها بلطف ، ثم أضاف بجدية :

-المهم دلوقتي لازم نشوف حل . طالما بقيتي متأكدة من حاجة زي دي لازم نرتب إللي هنعمله

توتر فمها و هي تسأله :

-و إحنا هنعمل إيه ؟!

-مبدئيا لازم تبعدي عنه نهائي . إيه رأيك تيجي معايا ؟

ساره بدهشة :

-أجي معاك فين ؟

طمأنها قائلا :

-ماتخافيش يا ساره أنا هاوديكي مكان تقعدي فيه لوحدك . أنا مش هكون معاكي . كل إللي أنا عايزه بس إنك تبعدي عن البني آدم ده لحد ما نشوف طريقة بيها نعرف تفاصيل أكتر عن حكايتك . لإن علي حسب ما سمعت منك إنك كبرتي في وسط مجرمين و حرامية . جايز جدا تكوني إتخطفتي و إنتي طفلة . علي أقل تقدير يعني

ساره بصدمة :

-إتخطفت !!

عمر ماطا شفتاه بأسف :

-ده وارد جدا . و لازم نتأكد من النقطة دي قبل ما ناخد أي خطوة

لهثت و هي تقول بتلعثم :

-طيب و إحنا هنتأكد إزاي ؟ كل حاجة بتقول إن أنا ساره وصفي . مافيش دليل علي الحقيقة !

عمر بثقة :

-لأ في .. زهرة !

-زهرة ! .. رددت “ساره” مذهولة ، ليقول مؤكدا :

-أيوه . لو قدرنا نسمع منها أكتر .. أكيد هنوصل للي إحنا عازينه . بس المهم دلوقتي نشوفلك مكان تقعدي فيه . و أعتقد إن عندي مكان ليكي … ثم أستدار ممسكا بالمقود و كاد يشغل المحرك

لتستوقفه “ساره” :

-إستني يا عمر !

إلتفت لها :

-في إيه ؟

إزدردت ريقها بصعوبة و ردت عليه :

-مش هينفع أسيب صلاح !

-نعم !! .. هتف بحدة

ساره بنبرة معذبة :

-إفهمني . لو سيبته هو مش هيسكت .. هيدور عليا في كل مكان . هياخد باله و هيعرف إني كشفته و ممكن يلاقيني إنت ماتعرفوش . ساعتها مش هقدر أعمل أي حاجة . و مش هقدر أعيش معاه لو كل حاجة وضحت للكل . مش هيخبي نظراته زي الأول و مش هيعاملني زي أخته أصلا

عمر بجمود :

-يبقي أنا صح . ماينفعش تقعدي معاه أصلا

ساره بإصرار :

-لأ هقعد .. لحد ما أعرف راسي من رجلي . علي الأقل دلوقتي أنا فاهمة كل حاجة و مابقتش مغفلة زي زمان . يعني هقدر أخد بالي مني و منه كويس أوي

عقد حاجبيه و هو يقول غاضبا :

-أنا مش موافقك علي كده . لو كنتي خايفة منه أنا أقدر أحميكي . ساره أنا عايز أساعدك في المقام الأول . بعد إللي قولتيه مابقتش بفكر غير فيكي إنتي .. الناس دول . و البني آدم ده بالذات إستغلك أبشع إستغلال . عيشك معاه السنين دي كلها و هو عارف حقيقتك و مع ذلك خبي عليكي . و قبله أبوه و أمه رموكي لراجل عجوز عشان فلوسه و الإسم جواز . الناس دول لازم يتعاقبوا . دول إرتكبوا أكتر من جريمة و الموت مش كفاية ليهم أصلا

شحب وجهها و هي ترمقه بنظرات مذهولة ، و فكرت … الموت لـ”صلاح” ؟ .. لا ، لا يمكن ، صحيح أنه لم يخطئ و لم يقل سوي الحقيقة

لكنها أبدا لن تسمح بأن يصيب “صلاح” أي مكروه ، بل إنها لن تتواني عن الدفاع عنه إن إستوجب الأمر

ستقف أمام الجميع من أجله ، و ربما تتنازل عن حقها كرمة له و لسنوات قضاها ساهرا علي رعايتها و حمايتها سواء من بطش أمه و أبيه ، أو من رعاع وسطهم الطامعين بها دائما

إن كان لديها حق عنده ، فهو له مثله و أكثر عندها .. و هي لن تنكر أفضاله عليها ، ستؤازره حتي لو كلفها ذلك حياتها …

-صلاح برا الموضوع يا عمر ! .. قالتها “ساره” بتصميم ، ليسألها مستنكرا :

-نعم قولتي إيه ؟!

ساره بهدوء :

-سمعتني . أنا إستحالة آذي صلاح أو أكون سبب في حاجة وحشة تحصله

عمر بإستهجان :

-لا و الله ! علي أساس إنه حافظ عليكي و ماتسببش في آذيتك و آآ …

-خلاص يا عمر من فضلك ! .. قاطعته بإشارة من يدها. و تابعت :

-صلاح له أفضال عليا . تستحق إني أعفيه من الذنب ده .. ممكن مقدرش أسامحه . لكن عمري ما هقف ضده و آذيه

صمت قصير .. ثم قال “عمر” بغلظة :

-إنتي حرة . إعملي إللي إنتي شايفاه . بس أتمني تكوني صح

ساره و هي تمسح دموعها بيدين مرتعشتين :

-إن شاء الله هعرف أتصرف . و دلوقتي يلا بقي .. وصلني مطرح ما ختني

زفر “عمر” حانقا و قال :

-بردو مصممة ؟ هتروحيله تاني برجلك ؟!

إبتسمت بمرارة و هي تقول بلهجة واثقة :

-إطمن .. أنا لحد دلوقتي في أمان . صلاح مايعرفش حاجة . و أنا لسا أخته . …… !!!!!!!!!!!

التفاعل ورايكم
يتبــــع ..



زر الذهاب إلى الأعلى