Uncategorized
رواية اشلاء القلوب الفصل السابع عشر 17 بقلم ندي محمود

رواية اشلاء القلوب الفصل السابع عشر 17 بقلم ندي محمود
( أشلاء القلوب ))
_ الفصل السابع عشر _
خرج من الغرفة بصحبة الطبيب ووجهه استحوذ عليه العبوس وهو يقول بضيق :
_ يعني يادكتور لازم العملية تحصل النهردا علطول
_ أيوة لأن كل ما نتأخر كل ماهيبقي في خطر على حياتها أكتر ومع إن أنا قولتلك آخر مرة جيتوا فيها بلاش الزعل والعصبية وواضح إنها زعلت جدًا وده خلى الحالة تتدهور أكتر ، المهم دلوقتي هي تجهز نفسها لأن العملية هنعملها بعد ساعة من الآن
اكتفي بنظرته المخزية وهو يومئ بندم ، أخذ يلوم نفسه على وضعها الحالي فكل هذا بسببه لولا ماحدث الأمس وماصدر منه من قسوة وجفاء تجاهها لمِا كانت الآن هنا وتدخل العمليات أشبه بقسرًا ، كان يجب أن يراعي وضعها ولا يتركها بمفردها لأبد أنها قضت الليل تبكي ولم تنم ! .. زفر بخنق جلي والتفت ليفتح الباب ويدخل يقابلها بوجه سمح وبشوش فتقابله هي بحزن دفين ممزوج ببعض الخوف ، اقترب منها وأشار لها بيده أن تفسح له بعض المساحة ليجلس بجوراها على الفراش ، فأفسحت بامتعاض ؛ أمتعاض وضيق لأنها لم تنجح في إطفاء نيران غضبه منها والآن هي ستدخل العملية وربما تلفظ أنفاسها الأخيرة بها ولم تراه مُجددًا ، شعرت بملمس يده الخشنة على يدها يحتضنها هامسًا برقة :
_ برغم إن إنتي دايمًا اللي بتبقي غلطانة لما اتعصب عليكي بس برغم كدا بتجبريني من غير ماتحسي إن أنا اللي أجي واصالحك مع إن ده المفروض إنتي اللي تعمليه
اعتدلت في جلستها تهمس بأنوثة طاغية وحنان :
_ عارفة إني غلطانة وأنا أسفة ، بس إنت مش عايز تفهمني يا أُسيد ريان أخويا مقدرش أبعد عنه هو دايمًا اللي كان معايا أنا وماما يعني اللي عمله معايا مقدرش اوفهوله
أغمض عينه يحاول السيطرة على نيرانه الداخلية عند ذكرها ريان مُجددًا وهتف بهدوء مزيف :
_ طيب قفلي على الموضوع ده دلوقتي أفضل خلاص
_ يعني مش زعلان مني خلاص ؟
هز بإيجاب في ابتسامة ناعمة فقابلت هي ابتسامته بضيق عندما تذكرت ماقاله الدكتور قائلًا :
_ هو أنا فعلًا هعمل العملية دلوقتي ، أنا خايفة أوي يا أُسيد بجد
مد يده يمرر أصبعه الإبهام على وجنتها بنظرة دافئة قائلًا :
_ متخفيش إن شاء الله هتطلعي زي الفل ادعي ربنا كتير قبل ماتدخلي وأنا مش موديكي عند أي دكتور ده دكتور جاي من برا مصر
غامت عيناها بالعبرات وهي تجيبه بصوت باكي مسلطة نظرها على عينه :
_ أنا خايفة جدًا حاسة إني مش هطلع منها تاني ! ، حـ…..
تذكر قول زوجته في مثل هذا الوضع قبل أن تدخل وتتركه وهي تقول له بخوف ” أنا خايفة أوي يا أُسيد عندي أحساس إني مش هطلع تاني لو مطلعتش خلي بالك على ابننا ” هز رأسه نافيًا يطرد تلك الفكرة من مخيلته لا يمكن أن تتركه هي أيضًا لن يتحمل خسارة أخرى ، قولها هذا جعله يرتجف من داخله خشية من أن تدخل ولم تخرج مثلما حدث مع زوجته ، لا يمكن أن تتركه بعد أن أصبح فراقها لا يطيقه ، بعد أن بدأ قلبه يعشقها فعليًا ! . كتم كلماتها بيده التي أطبقت على شفتيها يهتف بحزم ممتزج بالخوف الدفين :
_ متقوليش كدا ياملاك فاهمة ، هتطلعي بإذن الله زي الفل وهنرجع البيت كمان ، إياكي أسمع منك الكلام ده تاني !
هطلت عبراتها على وجنتيها حارقة فترتمي عليه تلف ذراعيها حول عنقه وتدفن رأسها بين ثنايا عنقه تبكي بحرقة وتنتفض بين يديه فيحاوطها بحبٌ يضمها له أكثر يستنشق رائحتها ويشعر بها بين يديه لعلها تكون الأخيرة ! ، يجهل متى أصبحت تستحوذ على قلبه متى بدأ أساسًا يعشقها حتى وصل به الوضع إلى هذا الحد الذى يجعله لا يطيق ابتعادها عنه ، جعله يتحرق شوقًا لضمها وشم رائحتها التي أشبه برائحة المِسك له ، ابتعدت عنه بحياء بعد أن بدأت تشعر بأنفاسه الحارقة تلفح عنقها ، تقابل نظرات الرغبة والحب بعينه في حنو و استغراب لم ينظر لها هكذا منذ زواجها دائمًا اعتادت أن ترى الحنان والدفء في عينه لكن تلك النظرة جديدة تمامًا ، فضلت الهروب من خجلها واضطرابها بأن تذهب لتتجهز لأجراء العملية ……..
***
ظلت تسير يسارًا ويمينًا في الغرفة تتأفف بقوة وتلعن تلك اللحظة التي جعلتها تتعرف على ذلك الوغد الذي لا يتركها وشأنها ، يلح كطفل صغير كل يوم على هاتفها وفي كل مرة لا تجيب ، سئمت من اتصالاته المستفزة تلك ورسائله ، اصبحت تبغضه حقًا ، ولكن يبدو أنها لن يستسلم إلا عندما تجيب فجذبت الهاتف وأجابت بغضب قائلة :
_ عايز أيه يا أسلام أخلص ؟!
_ أيه ياحبيبتي مالك داخلة فيا شمال كدا ليه ، إنتي مش قولتي إنك لما تاجي القاهرة هتاجي تقابليني وإنتي في القاهرة دلوقتي
صاحت به باستياء :
_ لا مش هقابلك يا زفت وأبعد عني بقى أنا استاهل كل اللي حصلي أصلًا ومراد كان عنده حق إنت كنت بتتسلي بيا مش أكتر واديتك فرصة تاجي تتقدملي وتثبتلي إنك بتحبني جدًا ومشوفتش وشك
أثارت غيظه حين قالت هذا وأظهر عن وقاحته الحقيقة وشيطانيته قائلًا بمكر :
_ لا ياحبيبتي مهو لو أنتي مجيتش علاقتنا هتوصل لأبوكي وأخوكي بذات وشوفي اللي هيحصل لما يعرف إنك بتكلمي راجل وكنتي بتخرجي تقابليه مش بعيد يقطم رقبتك ياسكر
فغرت شفتيها بدهشة كيف خدعت بهذا الشيطان يبتزها الآن ويجبرها على مقابلته ، ولكنها لن تسمح بهذا فصرخت به بانفعال :
_ إنت واحد قذر وحيوان واللي عايزه مش هيحصل
_ براحتك ياقطة لو ده قرارك الأخير هتصل بريان بيه دلوقتي وأقوله ، بس أنا مش هعنل كدا وهسيبلك فرصة تفكري معاكي لغاية بليل لو متصلتيش في حدود الساعة 9 ، 9:10 ريان هيكون عرف وفي الطريق إليكي
لم يمهلها الفرصة للرد حيث سمعت صوت صفارة إنهاء الأتصال تضرب بأذنها فألقت بالهاتف على الفراش تارة تسبه وتارة تلعن اللحظة التي جمعتها به …
***
تمر السعات كالسنين ينتظر بالخارج خروج الطبيب يبشره بسلامتها ، وكأن الأيام تعيد نفسها تلك هي نفس اللحظة التي كان ينتظر فيها خروج زوجته سالمة وقدوم صغيره للحياة فخسر الأثنان يخشى الآن خسارته . قلبه يطوق تحت الأسى والشجن وكأن قلبه يقسم بأنها إن خرجت سالمة له سيجعلها تعيش أسعد أيام حياتها معه ، أقسم على أن يعوضها عن كل شئ عاشته في غيابه سيتمسك بها كمن يتسمك بحبل النجاة له ، كمن وصل إلى قمة السماء وأحضر معه نجمة نادرة يحفظها داخل غرفة محاطة بزجاج لا يستطيع أختراقه أي شخص سواه ، كمن نجا من الموت للتو وأصبح يحافظ على روحه من أي خدش يمكن أن يضر بها ، ستنسي كل شئ مر بها معه ، سيعُيد لتلك الزهرة التي ذبلت في صحراء الظلم رونقها وجمالها من جديد ، ما كانت تدعيه حنان ودفء ورقة منه ماهو إلا جزء بسيط مما يستطيع تقدميه لها إن امتلكت قلبه وهي الآن تربعت عليه فلن يبخل عليها بتلك المشاعر القوية ، مايتمناه الآن هو خروجها بسلامة ويدعي الله به …
مرت ساعات أخرى وهو ينتظر بمزيد من التوتر والقلق حتى خرج الطبيب ربما يحمل معه بُشرة سارة وربما بُشرة حزينة وأتضحت البُشرة حين قال له بإبتسامة :
_ الحمدلله العملية كانت كويسة جدًا ونجحت جدًا كمان والمدام بخير الحمدلله بس هنحطها في العناية تحت المراقبة لغاية ماتفوق علشان لو حصل أي حاجة محسبولها يعني زيادة أمن على صحتها
عصفت الروح به من جديد ، أعاده للحياة بكلماته تلك ، فقد خرجت سالمة وسعات قليلة وربما دقائق ليس بطويلة ستستعيد وعيها ويطمئن أكثر من سلامتها حين يسمع صوتها ، تهللت أساريره وهتف مبتسمًا بسعادة :
_ الحمدلله اللهم لك الحمد والشكر ، طيب هي هتاخد قد أيه يعني لغاية ماتفوق ؟
_ يعني على حسب ممكن ساعة أو أكتر بس مش هتاخد أكتر من ساعة ونص متقلقش ، وحمدلله على سلامتها تاني
_ الله يسلمك يادكتور
أنصرف وتركه يمسح على وجهه ويزفر بأرتياح يحمد ربه ويشكره أنه لم يرد دعواته وحفظها له سالمة ، كان يخشى أن يعيش نفس اللحظة عندما خرج الطبيب وأخبره بوفاة زوجته وطفله . أخرج هاتفه عندما سمع رنينه وأجاب على المتصل بخشونة قائلة :
_ أيوة ياخالد !
_ معتز تقريبًا كدا قرب يوصل لملاك أخر حاجة قالها إنه هيراقب ريان لإنه متوقع إنها هتكون معاه هو ، هو مبقيش يحكيلي كل حاجة زي الأول معرفش السبب بس ده اللي حاولت أعرفه منه برأي إنك متخليش ريان يقابل ملاك خالص الفترة دي أو ممكن تستدرجوه بطريقتكم بما إنه هيراقبه أكيد إنت فهمتني
لمعت عيناه ببريق الانتقام والتوعد قائلًا بصلابة :
_ تمام ياخالد لو عرفت أي حاجة تاني اتصل بيا وقولي ومش حاجة تخص معتز بس حتى أشجان هتقولي بتخطط معاك على أيه فاهم
همس على مضض وخنق ، لا يستطيع قول ” لا ” له إن قالها ستعني تلك الكلمة نهاية حياته على يد معتز بالأخص عندما يعرف بأنه حاول قتل شقيقته وقتّل والده بالأشتراك مع أشجان :
_ طيب يا أُسيد بيه ، سلام
أنزل الهاتف ووضعه في جيبه مُجددًا لا يريد أحد أن يعكر صفو سعادته الآن ، تعود زوجته لوعيها وتتحسن فقط وسيتفرغ لكل من معتز وأكرم …
***
منتكس أمام الأعمال منذ صباح اليوم أنهى حتى الآن ما يقارب إلى خمس أكواب شاي ! ، كلما يشعر بالتعب يحضر له كوب فيعيد له بعض من نشاطه ، ودخلت ليلى بالكوب السادس وهي تهتف بضجر :
_ كفاية يامراد قوم ياحبيبي ريح شوية إنت من الصبح قاعد كدا
فرك عيناه بإرهاق ومسح على وجهه ، ثُم يعود للأوراق مُجددا هاتفًا بتأفف :
_ هعمل أيه يا أمي لازم أخلص الزفت ده قبل بكرا ، وخصوصًا إن أُسيد اليومين الجايين مش هياجي يعني الشغل كله هيبقى عليا أنا
وضعت الكوب على سطح المكتب أمامه وجلست على الأريكة واضعة ساق فوق الأخرى وتردف بسخرية :
_ مش هياجي ليه ، خايف على المحروسة مش عايزاها تقعد وحديها ولا بيقضي شهر عسل !
أصدر تأفف مسموعًا ويهاف بغضب هادر ونفاذ صبر :
_ هو في أيه معاكم ، ياستي خليه ياخد شهر عسل ويتبسط أيه ملوش نفس ، طلاما هو مرتاح مع مراته عايزة أيه تاني يا أمي أمال بس بتتمنيله السعادة ودايمًا تقولي ربنا يسعدك يابني ولما مبسوط دلوقتي مستخصرة فيه الراحة
صاحت به مندفعة وقد تربع الغضب والحقد على قلبها :
_ عايزاه يبقى مبسوط بس مش مع بنت فرودس دي !
_ مالها بنت فردوس عملتلك أيه هاا ؟ ، غلطت فيكي في مرة ، أذتك في حاجة ، تفترض إن عمتي السبب في موت بابا فعلًا تمام دي عمتي وماتت خلاص أيه ذنبها بقى ملاك ، أمي بلاش اللي بتعمليه ده ومش كل ماتشوفي أُسيد تنكدي عليه عيشته يعني مبيصعبش عليكي خالص
_ أنا بنكد عليه عيشته ؟!! ، ولا هو اللي ساب أمه وأخته وراح يقعد في شقته معاه !
قالتها بدهشة تجيب على ما قاله فيجيبها هو بزمجرة :
_ مهو مشي وسبهالكم من عمايلك إنتي وبنتك ، وكل ما ياجي يطمن عليكم تنكدي عليه ، عايزة الحق هو أحسن إنه عمل كدا وياريت يقعد مع مراته في شقته كدا علطول
ابنائها يقفون في مواجهته من أجل تلك الشمطاء ، لا تصدق متى أصبح أُسيد هكذا ، اعتادت على مراد وأنه لا يخضع لرغبتها ودائمًا ما يتشاجر معها ولكن ما يصدمها تصرفات أُسيد ، ” لا يمكن أن يكون سقط في وحلها وتربعت على عرشه ” تفوهت بها في داخلها فلن تسمح لها بالسيطرة على ابنها وتلحق الأذي به مثلما حدث مع زوجها بسبب أمها .. ولكن ماذا تفعل فهو لا يدع لها فرصة لتفرقيهم حتى !
***
استاعدت وعيها وتم نقلها إلى غُرفة عادية ، كان يقف على مسافة صغيرة منهم يتابع الممرضة وهي تفعل بعض الأجراءات الأخيرة لسلامتها تمامًا تفحصها وتفعل اللازم لصحتها وهي مازالت تغمض عيناها لا تقوي على فتحها من التعب وكأنها تسبح في عالم آخر لم تفق منه إلا عندما شعرت بملمس يده التي عهدتها قبل دخولها غرفة العمليات ، فتحت جزء بسيط من عيناها وهمست بضعف :
_ أُسيد !
سمعت نبرته الحانية وهو يقول بشلال من الحب :
_ حمدلله على السلامة ياملاكي !!
لم تدرك ولم تسمع ماقاله جيدًا لسوء الحظ ولكنها لمست في نبرته الدفء التي اعتادت عليه فتمتمت بخفوت وهي تبتسم بمزاح لم يكن نكتة مضحكة بالنسبة له أبدًا :
_ ده أنا قولت هدخل ومش هطلع منها تاني بس واضح إني لسا ليا عمر في المرار ده !
تضايق بشدة ولكن رسم ببراعة ابتسامته الجذابة بل الساحرة فأي امرأة تراها تفتن به وهو يقول :
_ وبتقوليها في وشي كدا مرار يعني عيشتك معايا مرار ! ماشي ياملاك ، قومي إنتي كدا بس وشدي حيلك وأنا محضرلك مفاجأة حلوة !
شدت وضغضت على يده بضعف بابتسامة عاشقة ، إن سيقبض الله روحها فيقبضها الآن فلا تريد شئ آخر ماتمنته يتحقق شيئًا فشيئًا ، إن كان باستطاعتها لكانت قفزت داخل أحضانه وإن حاول إبعادها عنه لعنفته مثلما تعنف الأم طفلها حين يخطأ ، عانقته وبثت بذلك العناق كل شوقها وعشقها له ، تود قول ” أنا أحبك ” ولكن لا تأمن ردة فعله لربما يكون لم يحبها بعد وماهذا إلا بشائر لحبه فتخطأ في الإعتراف له . أغمضت عيناها بتلذذ حين شعرت بملمس شفتيه على جبينها يقبله بحنان كأنه يرد على عقلها الساذج قائلًا ” لقد تخطيت مرحلة البشائر وأصبحت هائم بكِ ، أنا الآن عاشق لكل تفصيلة بكِ ! ) انتصب في وقفته وهم بالرحيل فاستوقفه صوتها قائلة بضعف لا تقوي على الحديث :
_ رايح فين ؟
_ هعمل مكالمة برا قدام الباب وراجع متخافيش ، وارتاحي متتكلميش كتير علشان متتعبيش مفهووم
قال آخر كلماته مبتسمًا فأغمضت جفني عيناها وفتحتهما بمعني ” حاضر ” فخرج وتركها تغمض عيناها تريح جسدها وعيناها …
***
دخلت ذلك المقهي التي أتفقا على المقابلة به ، بحثت بنظرها عنه بين الجالسين فرأته يجلس علي منضدة تتكون من مقعدين شاردًا كمن يحمل فوق أكتفاه أمور الدولة ، لأبد أن زواج ملاك هو من فعل به هكذا برغم مافعله معها ولكنها شفقت عليه فهي مدركة تمامًا مدى حبه لها .. تقدمت نحوه وجلست أمامه متمتمة برزانة :
_ خير ياريان ملاك مالها ؟!
أطال النظر في وجهها قلبه يلومه على ماقاله في حقها وتلك المعاملة القاسية التي عاملها بها ، كيف له أن يعامل تلك الرقيقة بهذا الجفاء وفوق كل شئ هي ابنة عمه . أخرج من جيبه بطاقتها ووضعها أمامها بصمت يراقب تعبيرات وجهها التي تحولت إلى الصدمة تارة تنظر له وتارة للبطاقة فقد كشف أمرها ، انتظرت مزيد من الاحتقار منه لها ومزيد من القسوة ولكنه دهشها باعتذاره لها في نظرة كلها ندم :
_ بعتذر منك يازمردة على اللى صدر مني سامحيني ، شكيت فيكي لما لقيتك بتتعاملي معايا بتلقائية وكأنك تعرفيني من بدري وقولت إنك وحدة مش كويسة وبتحاولي تقربي مني وده كان السبب لمعاملتي معاكي وأنا دلوقتي بعتذر منك ، في الحقيقة أنا أخدت موضوع ملاك حجة علشان أخليكي توافقي تقابليني ، اتمني إنك متزعليش مني
قالت متغطرسة في ابتسامة :
_ أه وأنا كان مقابل إني بعاملك كويس وباحترام إنك تقول عني إني عايزة أقرب منك ، وأقرب منك ليه هاا مين إنت أصلًا لتكون الرجالة خلصت في البلد علشان اختارك إنت .. لسا منسيتش كلامك الجارح ياريان ومش هنساه ، منسيتش مسكتك من دراعي وكأني خدامة عندك وإنت بتهددني إني لو طلعت بكدب في موضوع جواز أُسيد وملاك هتندمني على اليوم اللي شوفتك فيه ، في الحقيقة أنا ندمت أصلًا من وقت ماعملت كدا !
خرج صوته متضايقًا يقول لها برجاء ، لا يريدها أن تكهرهه إن لم تسامحه فلن يسامح نفسه ولن يهدأ صوت ضميره الذى يلومه :
_ صدقيني أنا مش عايزك تكرهيني يازمردة ، واللي حصل مني كان غباء وعندك حق تدايقي مني بس اديني فرصة أثبتلك إني ندمان على اللي عملته معاكي
_ ميهمنيش أصلًا إنك تثبتلي ياريان ! ، كفاية أوي اللي عملته معايا
هم بأن يجيبها بحزن فهبت واقفة تقاطعه قائلة :
_ أنا خلصت كلامي وأظن إن إنت كمان خلصت ودلوقتي أنا همشي لأني قولت لمروان إني مش هتأخر ومش عايزة تحصل مشكلة لو اتأخرت
عبرت عن رفضها التام لأي حديث منه يحاول به جعلها تسامحه فتأفف بخنق ووقف يقول بصوت رجولي حازم :
_ مدام مش هتسمعيني للأخر يبقى هتوافقي إني اوصلك من غير جدال
رأت النظرة القاتلة حقًا في وجهه فصرت على أسنانها بغيظ ولم يكن عساها سوى الموافقة ، لا تعرف كيف يكون هذا ابن أشجان وثروت ، فهو عصبي بعض الشئ ولكن هذا لا يمنع حنانه وشهامته ورجولته في بعض الأحيان تقدمت أمامه ففهم من نظرته أنها قبلت بالأمر الواقع فتبعها إلى الخارج …. !!
***
أستر الليل ستائره وليظلم كُل مكان كان يومًا جميلًا للبعض ويومًا تعيسًا للأغلبية منهم ، كان طوال النهار بجوراها إن احتاجت لشى تجده مُلبي فورًا ، لم ينم مطلقًا ، كان يباشر أعماله من خلال الهاتف ، طلبت منه مرارًا وتكرارًا أن يريح جسده قليلًا ولكن كان الرد القاطع منه بالرفض ، كطفلة صغيرة كان يطعمها طعامها بيده ، لم يسبق لها ذلك الاهتمام منذ وفاة والدتها حرمت من الحنان والاهتمام والآن عاد من يعوضها عنه ، زوجها وحبيبها ومن ستتمناه يهتم بها هكذا المرأة سوى زوجها .. تتأمل وجهه وجماله الرجولي الفاتن وهو يرتدي نظارته الطبية الخاصة بالقراءة ويقرأ في أحد الكتب الثقافية ، انتبه لها فضحك على منظرها الذي أشبه بفتاة بلهاء حين تندهش بجمال رجل وهو يقول من بين ضحكاته :
_ في أيه يا ملاك ؟!
هتفت بتلقائية وعفوية تشاركه الضحك :
_ لا أصل الحقيقة شكلك حلو وإنت لابس النضارة كدا وبتقرأ الكتاب يعني لوهلة حسيت إني متجوزة نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس الناس دي يعني ، ناس مثقفة كدا يعني !
قهقه بقوة يتشدق بمرح ومشاكسة :
_ أيه هو أنا مش باين عليا إني شخص مثقف يعني ولا أيه ؟!
_ لا طبعًا باين بعد النضارة دي باين ، أنا بعشق القراءة جدًا بس من وفاة ماما توقفت عنها
غمز لها بطرف عينه في مكر مثبتًا نظره على عيناها :
_ بتعشقي القراءة بس !!
صمتت قليلًا تفكر في سؤاله بعفوية ، يبدو أنها لم تفهم مايرمي إليه بعد .. ياله من خبيث يجرها شيئًا فيشئًا لتعترف من دون أن تشعر ، أجابت فورًا في حماس :
_ لا طبعًا يعني بعشق حجات كتير تاني أولهم القراءة طبعًا وبعدين البحر والنجوم و السفر أه وأهم حاجة الأكل يعني مشتركين في حاجة بنعشق الأكل زي بعض ، هي حجات تافهة عارفة بس فعلًا بحبها جدًا !
ازداد ضحكه أكثر ليجيبها بنبرة تحمل الكثير من الخبث والمكر وهو يقرب المقعد منها ويقول بترقب :
_ ماشي ياملاك دي حجات معنوية أنا عايز حجات مادية يعني محسوسة حجات بتتحرك فيها الروح يعني !
ماذا يجري لها اليوم فعادتها تفهم تلمحياته فورًا اليوم وكأنها فقدت عقلها فقالت بتشويق :
_ كائنات حية يعني !
تهجم وجهه وهو يجيبها بإمتعاض :
_ كائنات حية !! ، أه كائنات حية ياملاك
حكت ذقنها وضمت شفتيها بتفكير ثُم قالت مبتسمة :
_ أيوة بحب القطط جدًا
ظهر الخنق والضيق على وجهه وهو يقول باستنكار ، يالها من حمقاء لم تفهم مايرمي إليه حتى الآن :
_ قطط ، ماشي ياملاك !
_ وأنت بتحب أيه ؟
رمقها مغتاظًا ليقول بغطرسة ووجه مستاء :
_ لا أنا بعشق صنف كدا من الحيونات اسمه الحمير تعرفيه !
ضحكت بقوة كأن تشبيها كان صحيحًا وهي تقول بدهشة :
_ أيه ده أول مرة أشوف واحد بيحب الحمير !!
حجب ضحكته التي إن أنطلقت ستجلجل المكان ، صفاء نيتها لا يعقل ، قلبها الصافي يجعله يعشقها أكثر ، إن عرفت أن الحمير الذي يعشقها تكون هي لخاصمته لأسابيع ضرب قبضة يد بيد وهو يقول بتصنع قيلة الحيلة :
_ أه شوفتي ، تخلف تقولي أيه بقي مهو أنا حمار زيهم علشان كده بحب الحمير زي !!!
قهقهت بشدة تجيبه مازحة في شئ من الجدية :
_ لا أخص عليك متقولش على نفسك كدا هما حمير ماشي فعلًا لكن إنت لا
لم يتمكن من حجب ضحكته أكثر فانفجر ضاحكًا ويزداد ضحكه كلما يتخيل منظرها حين تعرف فيما بعد أنها الحمير المقصودة ، سيفعل المستحيل حتى لا يجعلها تعرف فإن عرفت سينتهي هو …! ، هب واقفًا وهو يقول مبتسمًا :
_ على أي حال أنا هنام لإني تعبت جدًا لو احتجي حاجة صحيني
قبضت على يده تطالعه برقة ونظرة راجية ، لتقابل عيناه الزرقاوتين مبتسمتان تقول له بهمس :
_ خليك جمبي يا أُسيد !
لم يصمد أمام دعوتها الصريحة فاقترب منها مُجددًا وأفسحت له بحيث يكون له مكان يتسطح به على ذلك الفراش الصغير بجانبها ، تسطح ورمقها في عشق وحنان ثُم حرك رأسها لتنام على صدره ويمرر يده على شعرها الكسنتائي برقة ، أغمضت عيناها براحة تستمتع بلمساته الساحرة وصدره الدافئ ، لم تخطئ عندما عشقته فمن تلك التي تقابله ولم تقع في براثين عشقه ، من تلك المرأة القاسية التي تستطيع الصمود أمام هذا السيل الجارف من الرقة والحنان والرجولة أمام سيل يعيد لنباتات الصحراء حياتها ويقتل حيواناتها المفترسة ، قطعا الطريق على أي فكرة سوداء في حياتهم يمكنها أن تفسد تلك اللحظة ، بينما هي تنام على صدره بين يديه كان هو يدفن وجهه بين خصلات شعرها يشم رائحته ويلثمه ببعض القبلات الرقيقة التي أشبه بقطرات ندي يوزعها على أوراق الشجر . غاصت هي في نوم عميق وبعدها بدقائق تبعها هو بالنوم … !!
***
خرجت من المنزل تسير على أطراف أصابعها حتى لا يشعر بها أحد وهي تخرج في ذلك الوقت المتأخر ، تتمني أن لا ترى مراد فهو يعود في ذلك الوقت ، تسربت من دون أن يشعروا الحراس وغادرت البوابة فأخرجت هاتفها لتجيب عليه في غيظ قائلة :
_ في أيه قولتلك جاية في الطريق أهو متقعدش تتصل بيا لغاية ما أجيلك ونخلص نشوف عايز تتكلم في أيه علشان أرجع
ابتسم بمكر قائلًا في نبرة شيطانية :
_ طبعًا هنتكلم ياقلبي يلا بس متتأخريش عليا
أنزلت الهاتف من على أذنها وأردفت مزمجرة :
_ ألهي قلبك يوقف يابعيد !
لم تكن مطمئنة له ولكنها مضطرة للموافقة حتى لا يعرف أخيها ، هي من وضعت نفسها في ذلك الموقف حين تعرفت عليه ووثقت بإنسان قذر مثله ، حمدت ربها أنه لم يراها أحد … دقائق عديدة وكانت تطرق باب منزله فيفتح لها بابتسامة ماكرة ويطلب منها الدخول ، فترددت كثيرًا وهي تنظر له وللمنزل فكيف تدخل معه المنزل بمفردهم ، لا تثق بحيوان عديم الشفقة ، قالت بصرامة :
_ خلينا ننزل نتكلم في الشارع أفضل
بنظرة محذرة فهمت تحذيره من ماذا وماذا سيفعل إن لم تدخل وهو يقول بقوة :
_ ادخلي ياسارة مش هنتكلم في الشارع يعني يلا
أخذت نفسًا عميقًا وشعرت بالخوف قليلًا ودخل الفأر إلي المصيدة برغبته منصاعًا تحت رغبته في الطعام وهو لا يعلم ماينتظره بالداخل وبمجرد دخولها وجدته يغلق الباب بالمفتاح جيدًا ويلتفت لها بنظراته الوقحة والوضيعة بل لم تكن وقحة فقط بل كانت نظرات قط جائع …!!
_ يتبع ………ط
_ الفصل السابع عشر _
خرج من الغرفة بصحبة الطبيب ووجهه استحوذ عليه العبوس وهو يقول بضيق :
_ يعني يادكتور لازم العملية تحصل النهردا علطول
_ أيوة لأن كل ما نتأخر كل ماهيبقي في خطر على حياتها أكتر ومع إن أنا قولتلك آخر مرة جيتوا فيها بلاش الزعل والعصبية وواضح إنها زعلت جدًا وده خلى الحالة تتدهور أكتر ، المهم دلوقتي هي تجهز نفسها لأن العملية هنعملها بعد ساعة من الآن
اكتفي بنظرته المخزية وهو يومئ بندم ، أخذ يلوم نفسه على وضعها الحالي فكل هذا بسببه لولا ماحدث الأمس وماصدر منه من قسوة وجفاء تجاهها لمِا كانت الآن هنا وتدخل العمليات أشبه بقسرًا ، كان يجب أن يراعي وضعها ولا يتركها بمفردها لأبد أنها قضت الليل تبكي ولم تنم ! .. زفر بخنق جلي والتفت ليفتح الباب ويدخل يقابلها بوجه سمح وبشوش فتقابله هي بحزن دفين ممزوج ببعض الخوف ، اقترب منها وأشار لها بيده أن تفسح له بعض المساحة ليجلس بجوراها على الفراش ، فأفسحت بامتعاض ؛ أمتعاض وضيق لأنها لم تنجح في إطفاء نيران غضبه منها والآن هي ستدخل العملية وربما تلفظ أنفاسها الأخيرة بها ولم تراه مُجددًا ، شعرت بملمس يده الخشنة على يدها يحتضنها هامسًا برقة :
_ برغم إن إنتي دايمًا اللي بتبقي غلطانة لما اتعصب عليكي بس برغم كدا بتجبريني من غير ماتحسي إن أنا اللي أجي واصالحك مع إن ده المفروض إنتي اللي تعمليه
اعتدلت في جلستها تهمس بأنوثة طاغية وحنان :
_ عارفة إني غلطانة وأنا أسفة ، بس إنت مش عايز تفهمني يا أُسيد ريان أخويا مقدرش أبعد عنه هو دايمًا اللي كان معايا أنا وماما يعني اللي عمله معايا مقدرش اوفهوله
أغمض عينه يحاول السيطرة على نيرانه الداخلية عند ذكرها ريان مُجددًا وهتف بهدوء مزيف :
_ طيب قفلي على الموضوع ده دلوقتي أفضل خلاص
_ يعني مش زعلان مني خلاص ؟
هز بإيجاب في ابتسامة ناعمة فقابلت هي ابتسامته بضيق عندما تذكرت ماقاله الدكتور قائلًا :
_ هو أنا فعلًا هعمل العملية دلوقتي ، أنا خايفة أوي يا أُسيد بجد
مد يده يمرر أصبعه الإبهام على وجنتها بنظرة دافئة قائلًا :
_ متخفيش إن شاء الله هتطلعي زي الفل ادعي ربنا كتير قبل ماتدخلي وأنا مش موديكي عند أي دكتور ده دكتور جاي من برا مصر
غامت عيناها بالعبرات وهي تجيبه بصوت باكي مسلطة نظرها على عينه :
_ أنا خايفة جدًا حاسة إني مش هطلع منها تاني ! ، حـ…..
تذكر قول زوجته في مثل هذا الوضع قبل أن تدخل وتتركه وهي تقول له بخوف ” أنا خايفة أوي يا أُسيد عندي أحساس إني مش هطلع تاني لو مطلعتش خلي بالك على ابننا ” هز رأسه نافيًا يطرد تلك الفكرة من مخيلته لا يمكن أن تتركه هي أيضًا لن يتحمل خسارة أخرى ، قولها هذا جعله يرتجف من داخله خشية من أن تدخل ولم تخرج مثلما حدث مع زوجته ، لا يمكن أن تتركه بعد أن أصبح فراقها لا يطيقه ، بعد أن بدأ قلبه يعشقها فعليًا ! . كتم كلماتها بيده التي أطبقت على شفتيها يهتف بحزم ممتزج بالخوف الدفين :
_ متقوليش كدا ياملاك فاهمة ، هتطلعي بإذن الله زي الفل وهنرجع البيت كمان ، إياكي أسمع منك الكلام ده تاني !
هطلت عبراتها على وجنتيها حارقة فترتمي عليه تلف ذراعيها حول عنقه وتدفن رأسها بين ثنايا عنقه تبكي بحرقة وتنتفض بين يديه فيحاوطها بحبٌ يضمها له أكثر يستنشق رائحتها ويشعر بها بين يديه لعلها تكون الأخيرة ! ، يجهل متى أصبحت تستحوذ على قلبه متى بدأ أساسًا يعشقها حتى وصل به الوضع إلى هذا الحد الذى يجعله لا يطيق ابتعادها عنه ، جعله يتحرق شوقًا لضمها وشم رائحتها التي أشبه برائحة المِسك له ، ابتعدت عنه بحياء بعد أن بدأت تشعر بأنفاسه الحارقة تلفح عنقها ، تقابل نظرات الرغبة والحب بعينه في حنو و استغراب لم ينظر لها هكذا منذ زواجها دائمًا اعتادت أن ترى الحنان والدفء في عينه لكن تلك النظرة جديدة تمامًا ، فضلت الهروب من خجلها واضطرابها بأن تذهب لتتجهز لأجراء العملية ……..
***
ظلت تسير يسارًا ويمينًا في الغرفة تتأفف بقوة وتلعن تلك اللحظة التي جعلتها تتعرف على ذلك الوغد الذي لا يتركها وشأنها ، يلح كطفل صغير كل يوم على هاتفها وفي كل مرة لا تجيب ، سئمت من اتصالاته المستفزة تلك ورسائله ، اصبحت تبغضه حقًا ، ولكن يبدو أنها لن يستسلم إلا عندما تجيب فجذبت الهاتف وأجابت بغضب قائلة :
_ عايز أيه يا أسلام أخلص ؟!
_ أيه ياحبيبتي مالك داخلة فيا شمال كدا ليه ، إنتي مش قولتي إنك لما تاجي القاهرة هتاجي تقابليني وإنتي في القاهرة دلوقتي
صاحت به باستياء :
_ لا مش هقابلك يا زفت وأبعد عني بقى أنا استاهل كل اللي حصلي أصلًا ومراد كان عنده حق إنت كنت بتتسلي بيا مش أكتر واديتك فرصة تاجي تتقدملي وتثبتلي إنك بتحبني جدًا ومشوفتش وشك
أثارت غيظه حين قالت هذا وأظهر عن وقاحته الحقيقة وشيطانيته قائلًا بمكر :
_ لا ياحبيبتي مهو لو أنتي مجيتش علاقتنا هتوصل لأبوكي وأخوكي بذات وشوفي اللي هيحصل لما يعرف إنك بتكلمي راجل وكنتي بتخرجي تقابليه مش بعيد يقطم رقبتك ياسكر
فغرت شفتيها بدهشة كيف خدعت بهذا الشيطان يبتزها الآن ويجبرها على مقابلته ، ولكنها لن تسمح بهذا فصرخت به بانفعال :
_ إنت واحد قذر وحيوان واللي عايزه مش هيحصل
_ براحتك ياقطة لو ده قرارك الأخير هتصل بريان بيه دلوقتي وأقوله ، بس أنا مش هعنل كدا وهسيبلك فرصة تفكري معاكي لغاية بليل لو متصلتيش في حدود الساعة 9 ، 9:10 ريان هيكون عرف وفي الطريق إليكي
لم يمهلها الفرصة للرد حيث سمعت صوت صفارة إنهاء الأتصال تضرب بأذنها فألقت بالهاتف على الفراش تارة تسبه وتارة تلعن اللحظة التي جمعتها به …
***
تمر السعات كالسنين ينتظر بالخارج خروج الطبيب يبشره بسلامتها ، وكأن الأيام تعيد نفسها تلك هي نفس اللحظة التي كان ينتظر فيها خروج زوجته سالمة وقدوم صغيره للحياة فخسر الأثنان يخشى الآن خسارته . قلبه يطوق تحت الأسى والشجن وكأن قلبه يقسم بأنها إن خرجت سالمة له سيجعلها تعيش أسعد أيام حياتها معه ، أقسم على أن يعوضها عن كل شئ عاشته في غيابه سيتمسك بها كمن يتسمك بحبل النجاة له ، كمن وصل إلى قمة السماء وأحضر معه نجمة نادرة يحفظها داخل غرفة محاطة بزجاج لا يستطيع أختراقه أي شخص سواه ، كمن نجا من الموت للتو وأصبح يحافظ على روحه من أي خدش يمكن أن يضر بها ، ستنسي كل شئ مر بها معه ، سيعُيد لتلك الزهرة التي ذبلت في صحراء الظلم رونقها وجمالها من جديد ، ما كانت تدعيه حنان ودفء ورقة منه ماهو إلا جزء بسيط مما يستطيع تقدميه لها إن امتلكت قلبه وهي الآن تربعت عليه فلن يبخل عليها بتلك المشاعر القوية ، مايتمناه الآن هو خروجها بسلامة ويدعي الله به …
مرت ساعات أخرى وهو ينتظر بمزيد من التوتر والقلق حتى خرج الطبيب ربما يحمل معه بُشرة سارة وربما بُشرة حزينة وأتضحت البُشرة حين قال له بإبتسامة :
_ الحمدلله العملية كانت كويسة جدًا ونجحت جدًا كمان والمدام بخير الحمدلله بس هنحطها في العناية تحت المراقبة لغاية ماتفوق علشان لو حصل أي حاجة محسبولها يعني زيادة أمن على صحتها
عصفت الروح به من جديد ، أعاده للحياة بكلماته تلك ، فقد خرجت سالمة وسعات قليلة وربما دقائق ليس بطويلة ستستعيد وعيها ويطمئن أكثر من سلامتها حين يسمع صوتها ، تهللت أساريره وهتف مبتسمًا بسعادة :
_ الحمدلله اللهم لك الحمد والشكر ، طيب هي هتاخد قد أيه يعني لغاية ماتفوق ؟
_ يعني على حسب ممكن ساعة أو أكتر بس مش هتاخد أكتر من ساعة ونص متقلقش ، وحمدلله على سلامتها تاني
_ الله يسلمك يادكتور
أنصرف وتركه يمسح على وجهه ويزفر بأرتياح يحمد ربه ويشكره أنه لم يرد دعواته وحفظها له سالمة ، كان يخشى أن يعيش نفس اللحظة عندما خرج الطبيب وأخبره بوفاة زوجته وطفله . أخرج هاتفه عندما سمع رنينه وأجاب على المتصل بخشونة قائلة :
_ أيوة ياخالد !
_ معتز تقريبًا كدا قرب يوصل لملاك أخر حاجة قالها إنه هيراقب ريان لإنه متوقع إنها هتكون معاه هو ، هو مبقيش يحكيلي كل حاجة زي الأول معرفش السبب بس ده اللي حاولت أعرفه منه برأي إنك متخليش ريان يقابل ملاك خالص الفترة دي أو ممكن تستدرجوه بطريقتكم بما إنه هيراقبه أكيد إنت فهمتني
لمعت عيناه ببريق الانتقام والتوعد قائلًا بصلابة :
_ تمام ياخالد لو عرفت أي حاجة تاني اتصل بيا وقولي ومش حاجة تخص معتز بس حتى أشجان هتقولي بتخطط معاك على أيه فاهم
همس على مضض وخنق ، لا يستطيع قول ” لا ” له إن قالها ستعني تلك الكلمة نهاية حياته على يد معتز بالأخص عندما يعرف بأنه حاول قتل شقيقته وقتّل والده بالأشتراك مع أشجان :
_ طيب يا أُسيد بيه ، سلام
أنزل الهاتف ووضعه في جيبه مُجددًا لا يريد أحد أن يعكر صفو سعادته الآن ، تعود زوجته لوعيها وتتحسن فقط وسيتفرغ لكل من معتز وأكرم …
***
منتكس أمام الأعمال منذ صباح اليوم أنهى حتى الآن ما يقارب إلى خمس أكواب شاي ! ، كلما يشعر بالتعب يحضر له كوب فيعيد له بعض من نشاطه ، ودخلت ليلى بالكوب السادس وهي تهتف بضجر :
_ كفاية يامراد قوم ياحبيبي ريح شوية إنت من الصبح قاعد كدا
فرك عيناه بإرهاق ومسح على وجهه ، ثُم يعود للأوراق مُجددا هاتفًا بتأفف :
_ هعمل أيه يا أمي لازم أخلص الزفت ده قبل بكرا ، وخصوصًا إن أُسيد اليومين الجايين مش هياجي يعني الشغل كله هيبقى عليا أنا
وضعت الكوب على سطح المكتب أمامه وجلست على الأريكة واضعة ساق فوق الأخرى وتردف بسخرية :
_ مش هياجي ليه ، خايف على المحروسة مش عايزاها تقعد وحديها ولا بيقضي شهر عسل !
أصدر تأفف مسموعًا ويهاف بغضب هادر ونفاذ صبر :
_ هو في أيه معاكم ، ياستي خليه ياخد شهر عسل ويتبسط أيه ملوش نفس ، طلاما هو مرتاح مع مراته عايزة أيه تاني يا أمي أمال بس بتتمنيله السعادة ودايمًا تقولي ربنا يسعدك يابني ولما مبسوط دلوقتي مستخصرة فيه الراحة
صاحت به مندفعة وقد تربع الغضب والحقد على قلبها :
_ عايزاه يبقى مبسوط بس مش مع بنت فرودس دي !
_ مالها بنت فردوس عملتلك أيه هاا ؟ ، غلطت فيكي في مرة ، أذتك في حاجة ، تفترض إن عمتي السبب في موت بابا فعلًا تمام دي عمتي وماتت خلاص أيه ذنبها بقى ملاك ، أمي بلاش اللي بتعمليه ده ومش كل ماتشوفي أُسيد تنكدي عليه عيشته يعني مبيصعبش عليكي خالص
_ أنا بنكد عليه عيشته ؟!! ، ولا هو اللي ساب أمه وأخته وراح يقعد في شقته معاه !
قالتها بدهشة تجيب على ما قاله فيجيبها هو بزمجرة :
_ مهو مشي وسبهالكم من عمايلك إنتي وبنتك ، وكل ما ياجي يطمن عليكم تنكدي عليه ، عايزة الحق هو أحسن إنه عمل كدا وياريت يقعد مع مراته في شقته كدا علطول
ابنائها يقفون في مواجهته من أجل تلك الشمطاء ، لا تصدق متى أصبح أُسيد هكذا ، اعتادت على مراد وأنه لا يخضع لرغبتها ودائمًا ما يتشاجر معها ولكن ما يصدمها تصرفات أُسيد ، ” لا يمكن أن يكون سقط في وحلها وتربعت على عرشه ” تفوهت بها في داخلها فلن تسمح لها بالسيطرة على ابنها وتلحق الأذي به مثلما حدث مع زوجها بسبب أمها .. ولكن ماذا تفعل فهو لا يدع لها فرصة لتفرقيهم حتى !
***
استاعدت وعيها وتم نقلها إلى غُرفة عادية ، كان يقف على مسافة صغيرة منهم يتابع الممرضة وهي تفعل بعض الأجراءات الأخيرة لسلامتها تمامًا تفحصها وتفعل اللازم لصحتها وهي مازالت تغمض عيناها لا تقوي على فتحها من التعب وكأنها تسبح في عالم آخر لم تفق منه إلا عندما شعرت بملمس يده التي عهدتها قبل دخولها غرفة العمليات ، فتحت جزء بسيط من عيناها وهمست بضعف :
_ أُسيد !
سمعت نبرته الحانية وهو يقول بشلال من الحب :
_ حمدلله على السلامة ياملاكي !!
لم تدرك ولم تسمع ماقاله جيدًا لسوء الحظ ولكنها لمست في نبرته الدفء التي اعتادت عليه فتمتمت بخفوت وهي تبتسم بمزاح لم يكن نكتة مضحكة بالنسبة له أبدًا :
_ ده أنا قولت هدخل ومش هطلع منها تاني بس واضح إني لسا ليا عمر في المرار ده !
تضايق بشدة ولكن رسم ببراعة ابتسامته الجذابة بل الساحرة فأي امرأة تراها تفتن به وهو يقول :
_ وبتقوليها في وشي كدا مرار يعني عيشتك معايا مرار ! ماشي ياملاك ، قومي إنتي كدا بس وشدي حيلك وأنا محضرلك مفاجأة حلوة !
شدت وضغضت على يده بضعف بابتسامة عاشقة ، إن سيقبض الله روحها فيقبضها الآن فلا تريد شئ آخر ماتمنته يتحقق شيئًا فشيئًا ، إن كان باستطاعتها لكانت قفزت داخل أحضانه وإن حاول إبعادها عنه لعنفته مثلما تعنف الأم طفلها حين يخطأ ، عانقته وبثت بذلك العناق كل شوقها وعشقها له ، تود قول ” أنا أحبك ” ولكن لا تأمن ردة فعله لربما يكون لم يحبها بعد وماهذا إلا بشائر لحبه فتخطأ في الإعتراف له . أغمضت عيناها بتلذذ حين شعرت بملمس شفتيه على جبينها يقبله بحنان كأنه يرد على عقلها الساذج قائلًا ” لقد تخطيت مرحلة البشائر وأصبحت هائم بكِ ، أنا الآن عاشق لكل تفصيلة بكِ ! ) انتصب في وقفته وهم بالرحيل فاستوقفه صوتها قائلة بضعف لا تقوي على الحديث :
_ رايح فين ؟
_ هعمل مكالمة برا قدام الباب وراجع متخافيش ، وارتاحي متتكلميش كتير علشان متتعبيش مفهووم
قال آخر كلماته مبتسمًا فأغمضت جفني عيناها وفتحتهما بمعني ” حاضر ” فخرج وتركها تغمض عيناها تريح جسدها وعيناها …
***
دخلت ذلك المقهي التي أتفقا على المقابلة به ، بحثت بنظرها عنه بين الجالسين فرأته يجلس علي منضدة تتكون من مقعدين شاردًا كمن يحمل فوق أكتفاه أمور الدولة ، لأبد أن زواج ملاك هو من فعل به هكذا برغم مافعله معها ولكنها شفقت عليه فهي مدركة تمامًا مدى حبه لها .. تقدمت نحوه وجلست أمامه متمتمة برزانة :
_ خير ياريان ملاك مالها ؟!
أطال النظر في وجهها قلبه يلومه على ماقاله في حقها وتلك المعاملة القاسية التي عاملها بها ، كيف له أن يعامل تلك الرقيقة بهذا الجفاء وفوق كل شئ هي ابنة عمه . أخرج من جيبه بطاقتها ووضعها أمامها بصمت يراقب تعبيرات وجهها التي تحولت إلى الصدمة تارة تنظر له وتارة للبطاقة فقد كشف أمرها ، انتظرت مزيد من الاحتقار منه لها ومزيد من القسوة ولكنه دهشها باعتذاره لها في نظرة كلها ندم :
_ بعتذر منك يازمردة على اللى صدر مني سامحيني ، شكيت فيكي لما لقيتك بتتعاملي معايا بتلقائية وكأنك تعرفيني من بدري وقولت إنك وحدة مش كويسة وبتحاولي تقربي مني وده كان السبب لمعاملتي معاكي وأنا دلوقتي بعتذر منك ، في الحقيقة أنا أخدت موضوع ملاك حجة علشان أخليكي توافقي تقابليني ، اتمني إنك متزعليش مني
قالت متغطرسة في ابتسامة :
_ أه وأنا كان مقابل إني بعاملك كويس وباحترام إنك تقول عني إني عايزة أقرب منك ، وأقرب منك ليه هاا مين إنت أصلًا لتكون الرجالة خلصت في البلد علشان اختارك إنت .. لسا منسيتش كلامك الجارح ياريان ومش هنساه ، منسيتش مسكتك من دراعي وكأني خدامة عندك وإنت بتهددني إني لو طلعت بكدب في موضوع جواز أُسيد وملاك هتندمني على اليوم اللي شوفتك فيه ، في الحقيقة أنا ندمت أصلًا من وقت ماعملت كدا !
خرج صوته متضايقًا يقول لها برجاء ، لا يريدها أن تكهرهه إن لم تسامحه فلن يسامح نفسه ولن يهدأ صوت ضميره الذى يلومه :
_ صدقيني أنا مش عايزك تكرهيني يازمردة ، واللي حصل مني كان غباء وعندك حق تدايقي مني بس اديني فرصة أثبتلك إني ندمان على اللي عملته معاكي
_ ميهمنيش أصلًا إنك تثبتلي ياريان ! ، كفاية أوي اللي عملته معايا
هم بأن يجيبها بحزن فهبت واقفة تقاطعه قائلة :
_ أنا خلصت كلامي وأظن إن إنت كمان خلصت ودلوقتي أنا همشي لأني قولت لمروان إني مش هتأخر ومش عايزة تحصل مشكلة لو اتأخرت
عبرت عن رفضها التام لأي حديث منه يحاول به جعلها تسامحه فتأفف بخنق ووقف يقول بصوت رجولي حازم :
_ مدام مش هتسمعيني للأخر يبقى هتوافقي إني اوصلك من غير جدال
رأت النظرة القاتلة حقًا في وجهه فصرت على أسنانها بغيظ ولم يكن عساها سوى الموافقة ، لا تعرف كيف يكون هذا ابن أشجان وثروت ، فهو عصبي بعض الشئ ولكن هذا لا يمنع حنانه وشهامته ورجولته في بعض الأحيان تقدمت أمامه ففهم من نظرته أنها قبلت بالأمر الواقع فتبعها إلى الخارج …. !!
***
أستر الليل ستائره وليظلم كُل مكان كان يومًا جميلًا للبعض ويومًا تعيسًا للأغلبية منهم ، كان طوال النهار بجوراها إن احتاجت لشى تجده مُلبي فورًا ، لم ينم مطلقًا ، كان يباشر أعماله من خلال الهاتف ، طلبت منه مرارًا وتكرارًا أن يريح جسده قليلًا ولكن كان الرد القاطع منه بالرفض ، كطفلة صغيرة كان يطعمها طعامها بيده ، لم يسبق لها ذلك الاهتمام منذ وفاة والدتها حرمت من الحنان والاهتمام والآن عاد من يعوضها عنه ، زوجها وحبيبها ومن ستتمناه يهتم بها هكذا المرأة سوى زوجها .. تتأمل وجهه وجماله الرجولي الفاتن وهو يرتدي نظارته الطبية الخاصة بالقراءة ويقرأ في أحد الكتب الثقافية ، انتبه لها فضحك على منظرها الذي أشبه بفتاة بلهاء حين تندهش بجمال رجل وهو يقول من بين ضحكاته :
_ في أيه يا ملاك ؟!
هتفت بتلقائية وعفوية تشاركه الضحك :
_ لا أصل الحقيقة شكلك حلو وإنت لابس النضارة كدا وبتقرأ الكتاب يعني لوهلة حسيت إني متجوزة نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس الناس دي يعني ، ناس مثقفة كدا يعني !
قهقه بقوة يتشدق بمرح ومشاكسة :
_ أيه هو أنا مش باين عليا إني شخص مثقف يعني ولا أيه ؟!
_ لا طبعًا باين بعد النضارة دي باين ، أنا بعشق القراءة جدًا بس من وفاة ماما توقفت عنها
غمز لها بطرف عينه في مكر مثبتًا نظره على عيناها :
_ بتعشقي القراءة بس !!
صمتت قليلًا تفكر في سؤاله بعفوية ، يبدو أنها لم تفهم مايرمي إليه بعد .. ياله من خبيث يجرها شيئًا فيشئًا لتعترف من دون أن تشعر ، أجابت فورًا في حماس :
_ لا طبعًا يعني بعشق حجات كتير تاني أولهم القراءة طبعًا وبعدين البحر والنجوم و السفر أه وأهم حاجة الأكل يعني مشتركين في حاجة بنعشق الأكل زي بعض ، هي حجات تافهة عارفة بس فعلًا بحبها جدًا !
ازداد ضحكه أكثر ليجيبها بنبرة تحمل الكثير من الخبث والمكر وهو يقرب المقعد منها ويقول بترقب :
_ ماشي ياملاك دي حجات معنوية أنا عايز حجات مادية يعني محسوسة حجات بتتحرك فيها الروح يعني !
ماذا يجري لها اليوم فعادتها تفهم تلمحياته فورًا اليوم وكأنها فقدت عقلها فقالت بتشويق :
_ كائنات حية يعني !
تهجم وجهه وهو يجيبها بإمتعاض :
_ كائنات حية !! ، أه كائنات حية ياملاك
حكت ذقنها وضمت شفتيها بتفكير ثُم قالت مبتسمة :
_ أيوة بحب القطط جدًا
ظهر الخنق والضيق على وجهه وهو يقول باستنكار ، يالها من حمقاء لم تفهم مايرمي إليه حتى الآن :
_ قطط ، ماشي ياملاك !
_ وأنت بتحب أيه ؟
رمقها مغتاظًا ليقول بغطرسة ووجه مستاء :
_ لا أنا بعشق صنف كدا من الحيونات اسمه الحمير تعرفيه !
ضحكت بقوة كأن تشبيها كان صحيحًا وهي تقول بدهشة :
_ أيه ده أول مرة أشوف واحد بيحب الحمير !!
حجب ضحكته التي إن أنطلقت ستجلجل المكان ، صفاء نيتها لا يعقل ، قلبها الصافي يجعله يعشقها أكثر ، إن عرفت أن الحمير الذي يعشقها تكون هي لخاصمته لأسابيع ضرب قبضة يد بيد وهو يقول بتصنع قيلة الحيلة :
_ أه شوفتي ، تخلف تقولي أيه بقي مهو أنا حمار زيهم علشان كده بحب الحمير زي !!!
قهقهت بشدة تجيبه مازحة في شئ من الجدية :
_ لا أخص عليك متقولش على نفسك كدا هما حمير ماشي فعلًا لكن إنت لا
لم يتمكن من حجب ضحكته أكثر فانفجر ضاحكًا ويزداد ضحكه كلما يتخيل منظرها حين تعرف فيما بعد أنها الحمير المقصودة ، سيفعل المستحيل حتى لا يجعلها تعرف فإن عرفت سينتهي هو …! ، هب واقفًا وهو يقول مبتسمًا :
_ على أي حال أنا هنام لإني تعبت جدًا لو احتجي حاجة صحيني
قبضت على يده تطالعه برقة ونظرة راجية ، لتقابل عيناه الزرقاوتين مبتسمتان تقول له بهمس :
_ خليك جمبي يا أُسيد !
لم يصمد أمام دعوتها الصريحة فاقترب منها مُجددًا وأفسحت له بحيث يكون له مكان يتسطح به على ذلك الفراش الصغير بجانبها ، تسطح ورمقها في عشق وحنان ثُم حرك رأسها لتنام على صدره ويمرر يده على شعرها الكسنتائي برقة ، أغمضت عيناها براحة تستمتع بلمساته الساحرة وصدره الدافئ ، لم تخطئ عندما عشقته فمن تلك التي تقابله ولم تقع في براثين عشقه ، من تلك المرأة القاسية التي تستطيع الصمود أمام هذا السيل الجارف من الرقة والحنان والرجولة أمام سيل يعيد لنباتات الصحراء حياتها ويقتل حيواناتها المفترسة ، قطعا الطريق على أي فكرة سوداء في حياتهم يمكنها أن تفسد تلك اللحظة ، بينما هي تنام على صدره بين يديه كان هو يدفن وجهه بين خصلات شعرها يشم رائحته ويلثمه ببعض القبلات الرقيقة التي أشبه بقطرات ندي يوزعها على أوراق الشجر . غاصت هي في نوم عميق وبعدها بدقائق تبعها هو بالنوم … !!
***
خرجت من المنزل تسير على أطراف أصابعها حتى لا يشعر بها أحد وهي تخرج في ذلك الوقت المتأخر ، تتمني أن لا ترى مراد فهو يعود في ذلك الوقت ، تسربت من دون أن يشعروا الحراس وغادرت البوابة فأخرجت هاتفها لتجيب عليه في غيظ قائلة :
_ في أيه قولتلك جاية في الطريق أهو متقعدش تتصل بيا لغاية ما أجيلك ونخلص نشوف عايز تتكلم في أيه علشان أرجع
ابتسم بمكر قائلًا في نبرة شيطانية :
_ طبعًا هنتكلم ياقلبي يلا بس متتأخريش عليا
أنزلت الهاتف من على أذنها وأردفت مزمجرة :
_ ألهي قلبك يوقف يابعيد !
لم تكن مطمئنة له ولكنها مضطرة للموافقة حتى لا يعرف أخيها ، هي من وضعت نفسها في ذلك الموقف حين تعرفت عليه ووثقت بإنسان قذر مثله ، حمدت ربها أنه لم يراها أحد … دقائق عديدة وكانت تطرق باب منزله فيفتح لها بابتسامة ماكرة ويطلب منها الدخول ، فترددت كثيرًا وهي تنظر له وللمنزل فكيف تدخل معه المنزل بمفردهم ، لا تثق بحيوان عديم الشفقة ، قالت بصرامة :
_ خلينا ننزل نتكلم في الشارع أفضل
بنظرة محذرة فهمت تحذيره من ماذا وماذا سيفعل إن لم تدخل وهو يقول بقوة :
_ ادخلي ياسارة مش هنتكلم في الشارع يعني يلا
أخذت نفسًا عميقًا وشعرت بالخوف قليلًا ودخل الفأر إلي المصيدة برغبته منصاعًا تحت رغبته في الطعام وهو لا يعلم ماينتظره بالداخل وبمجرد دخولها وجدته يغلق الباب بالمفتاح جيدًا ويلتفت لها بنظراته الوقحة والوضيعة بل لم تكن وقحة فقط بل كانت نظرات قط جائع …!!
_ يتبع ………ط





