Uncategorized
رواية إيبار كامله وحصريه بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار كامله وحصريه بقلم رانيا عمارة
الفصل الأول
المال لا يجلب السعادة في كل الأحوال، وحينما يتعلق الأمر بالأفعال الكارثية التي تطغى على الطبيعة البشرية، يتحول من وسيلة للراحة إلى مسلسل لا ينتهي من التنكيل. فالركض خلف تلك القطع الورقية والمعدنية قد يدفع بصاحبها إلى الهاوية، فيظل ينادي مستغيثًا، لكن دون جدوى. أما انتهاج الطرق الملتوية للوصول إلى أهداف مشؤومة تهدد حياة الآخرين، فالعاقبة تكون كسر تلك الساق التي سعت في نشر الشرور بدلًا من أن تحيد عن هذا المسار المظلم.
في جنوب سيناء، أرض العجائب والتناقضات الساحرة، تتلاقى الجبال الشاهقة مع الشواطئ الفيروزية، وتمتزج الصحراء القاحلة بالواحات النابضة بالحياة. تمتد هذه البقعة الفريدة على الطرف الجنوبي لشبه جزيرة سيناء، وتتميز بتضاريسها الوعرة التي تحكي قصص العصور، من جبال الجرانيت الحمراء التي تلتهب تحت أشعة الشمس إلى الوديان العميقة التي تخبئ بين طياتها أسرار البدو الرحّل. هناك، استقرت عائلة رحلت عن بلدة المنصورة بحثًا عن الرزق، فكان منزل العائلة، ذو الطوابق الثلاثة، هو الملاذ. كل أسرة تقطن في شقة مستقلة، أبوابهم مغلقة عليهم، فلا أسرار تتسرب، ولا أحاديث تنساب من أفواههم.
وعلى بُعد ثلاثة كيلومترات، حيث تتلاقى الرياح مع الأشجار الكثيفة، يكتسي المشهد هيبةً تُفزع القلوب ليلًا. ثمة شيء ما يبث الرهبة في نفوس الأطفال صباحًا وهم يلهون أمامها، وكأنهم يستشعرون أطيافًا مجهولة تتراقص للحظات ثم تتلاشى. أما الكبار، فإذا ما وقعت أعينهم صدفةً على عتمة تلك الأشجار ليلًا، اجتاحهم الذعر وهي تصدر أصواتًا مقلقة بفعل العاصفة العاتية.
في منزل عائلة “الدميري”، الذي يضم ثلاث أسر بسيطة، قلوبهم صافية، ونفوسهم تأبى الخصام. يقطن في الطابق الأول الجد والجدة، أما الثاني، فيحتضن والدين يعيشان برفقة ابنتيهما الشابتين، بينما الثالث يسكنه زوجان في سن الكهولة، يضمان بين جناحيهما أربعة أبناء. هناك، شابان تلاقيا بأرواحهما المتوافقة وتزوجا منذ عشرة أعوام، وامرأة لحقت بقطار الزواج قبل خمس سنوات. كلٌّ انشغل في حياته، فأنجب وعاش في عالمه الصغير، المكتظ بمشاغل الحياة.
أما الفتاة الصغرى، فلم تتزوج بعد، ولا تزال تعيش مع والديها تحت سقف واحد. مثال للفتاة التي يتمناها الكثير من الشباب، ويتوقون للارتباط بها، شأنها شأن بنات عمها اللواتي يسبقنها بطابق واحد.
تعيش الفتيات معًا بودٍّ وتآلف، تربطهن رابطة دم قوية، يفضلن الجلوس مع بعضهن أكثر من مرافقة أهاليهن.
وعلى بُعد أميال من ذلك المنزل، في طرق ملتوية بعيدة عن تجمعات البيوت وصخب البلدة، يعيش شاب تجاوز السادسة والعشرين من عمره، منفردًا في منزل غامض، يوحي مظهره بالكآبة، وكأن العيون تأبى التحديق فيه طويلًا. يتحدث بلهجة بدوية أصيلة، وتحمل ملامحه مزيجًا من الجاذبية القوقازية التي ورثها عن والدته، والبشرة الحنطية التي مالت إلى البياض من والده. قامة مشدودة، وهيئة تأسر الأنظار بارتدائه الجلباب العصري الحديث.
بينما كان جالسًا وحده، وسط أضواء برتقالية خافتة في صالة ضيقة، عيناه مثبتتان على نقشة نجمة حمراء، كأنما يحدّثها بصمته العميق. وفي تلك اللحظة، دوّى رنين الهاتف، مرتدًا صداه بين جدران المنزل الصغير. التقط هاتفه، وردّ بصوت خشن يفيض برجولة طاغية، يحمل بين نبراته ما يشي بالكثير.
مستعد للإنصات إلى كل ما سيقوله الوالد، حيث الأخير، وعلى نحو آخر، يخاطبه من موقع بعيد عن حركة البشر، مستترًا داخل سيارة نقل مثقلة بالأخشاب القاسية، التي إن اختل توازنها ولو قليلًا، كان المصير محتمًا، فتسقط الضحية، وتُسلَّم الأمانة إلى بارئها بطريقة موجعة، تقهر القلوب المُحبة.
كلما تقلّبت الأصابع بين صفحات كتاب الوالد، بلونه الأحمر القاتم، بدا أن هناك أمرًا مريبًا يختبئ بين السطور، أو ربما هو شيء لا يُفهم بوضوح.
“الأب”، ذو البشرة الحنطية، والبالغ من العمر ستين عامًا، وُلد وعاش على ما تهواه نفسه، كأنما شيطانه يقوده كيفما شاء، كدمية للهو لا أكثر. رفع بصره، يراقب التحركات على الطريق بجواره، بعينين ثابتتين لا تنبعث منهما سوى نذر الشر. تخرج كلماته ببطء غريب، وهدوء أكثر عجبًا، إذ قال:
_تچلّعهالي من تحت الأرض! تچيبها وتچعدها سبع ليالي، وقبل الليلة الأخيرة آني راچع للدار. كل التفاصيل جدامك يا وِلد، لا تچيب غيرها! أبغاها بيضا، وشعرها أسود، وطولها حَدود مية وخمسة وستين. والأهم من ده كلّه، تچون عذرا، وبرچها ناري! فهمت ولا أعيد؟
تمتم “الشاب” لوهلة، مستعيدًا في ذهنه مطلب والده، الذي بدا عسيرًا في مضمونه، محاذرًا من الإقدام على خطوة قد تهدد سلامتهم وأمانهم. راح يمرر يديه على سطح الكتاب، تتنقل عيناه بين صفحاته بتوتر، قبل أن ينطق بارتباك:
_يابَه، ما تعفيني من هالشغلانة وتدور لك على غيري؟ ما هو لو صار شي، أنا اللي هشيل اللّيلة فوج راسي.
احتدت ملامح الوالد، وتفاقم سخطه، خاصة أنه يكره تكرار الجدالات أو حتى الخوض فيها من الأساس. ضاق ذرعًا بهذا الوضع المزعج، فهدر بصوت نافد الصبر، قائلًا بانفعال جلي:
_مآني بغا حد يجادلني، تسمع اللي أقولك عليه بالحرف، لا تزيد كلمة ولا تنقص، وإلا بخربها فوق راسك، فاهم يا رمزي ولا بعدك ما استوعبت؟
صمت “رمزي” لبرهة، يشعر وكأنه مكبّل بتحكمات والده التي تزداد وطأتها يومًا بعد يوم، لكنه مضطر للمضي قُدمًا دون صدام، فقط ليعبر بسلام. تنهد بوجه عابس، ثم قال:
_خلاص يابا، اللي تبيه بصير، بطلّعها لك من تحت الأرض وبسوي اللي قلت عليه، يا رب ألاقيها بس.
كان الوالد “مصعب” على يقين تام بأنه سيجدها. وبعدما خمدت نوبة غضبه، راح يراقب الطريق بعينين متفحصتين، ثم نطق بتمعن:
_بتلاقيها، صورتها معك، بس لف شويّة في البلد وركز، وآني واثق إنك بتلاقيها.
ابتسم “رمزي” ابتسامة هادئة، ونطق:
_ماشي، من عيوني الثنتين، إذا خلصت بكلمك.
رد عليه “مصعب” بانشغال واضح:
_طيب، سلمت، دير بالك الحين.
بمجرد انتهاء المكالمة، شعر “رمزي” وكأن المهمة أثقلت كاهله أكثر من ذي قبل. ربما لم يكن مؤهلًا لتنفيذها، وكان الأجدر بوالده أن يُوكلها لمن هو أكثر جدارة بها.
أبعد الكتاب عن ساقيه، وحوّل بصره إلى الجدران، يتأمل في سكون لم يعكره أي صوت خارجي، كأنه في عالم منعزل عن البشر، عالم هادئ، يعجّ بالأفكار المتشابكة في رأسه.
لكن فجأة، نهض، فبرزت قامته، وتجلى جسده المشدود، وهو يخاطب نفسه كمن سقط في بئر الحيرة:
_طب وأنا هجيبها منين دي؟ يفرض ملقيتهاش هعمل إيه؟ هعمل اللي عليا وخلاص… ده أنا أطلعها من تحت سابع أرض، ده أنا أبويا مصعب راجل شديد أوي أوي وميقدرش عليه غير اللي خلقه.
وأردف، وقد انعقد العزم في نبرته واستقرت الجدية في ملامحه، مستعدًا:
_استعنى على الشقى بالله.
تحرك بخطواته القاسية نحو المرحاض قبل تنفيذ مهمة والده، يقضي حاجته، يدندن بكلمات تثير الدهشة والغرابة، وكأن قوة خفية اجتاحته، تدفعه لإثبات ذاته أمام والده، ليبرهن له أنه كان جديرًا بالثقة منذ البداية، وأنه لن يفشل في المهمة المكلف بها.
النتيجة حين تأتي بالفوز، ستعود بالنفع على كليهما، فيتحقق المراد، وينبض القلب بالرضا. وقبل أن يخرج من المنزل، مترنحًا في خطواته، ألقى نظرة على صورة والدته المعلقة على الجدار، تلك الصورة التي لا تغيب عن ناظريه، تمنحه جرعة أمان حتى في غيابها.
خرج متفحصًا كل ما حوله، ينظر إلى كل فتاة وكأنه موظف يسجل ملامحها في بطاقة هوية. لم يكن يتحرك خطوة دون أن يتأمل الصغيرة قبل الكبيرة، حتى تساءل في نفسه: لماذا اختار والده هذه المواصفات تحديدًا دون غيرها؟ هل كان عليه أن يجعل المهمة بهذه الصعوبة؟ لكن سرعان ما اجتاحته عواصف من الأمل، تملؤه بالحماس من جديد.
في منزل عائلة “الدميري”، دوّى صراخ فتاة من الطابق الثاني، شقَّ سكون المكان واخترق الآذان بقوة، حتى انخلعت القلوب من شدته. فتاة عشرينية تعول مستغيثة، تدعى ريم، بيضاء البشرة، ذات ملامح عذبة كصوتها الذي منعه الألم من إظهار نعومته.
شيء ما كان يقيد جسدها على سريرها في غرفة حالكة. أخبرها المختصون منذ ثلاثة أعوام أنه “الجاثوم”، ذاك الكابوس الثقيل الذي يزحف فوق الصدر كصخرة باردة، يُطبق على الجسد حتى يعجز عن الحركة، ويُحاصر الروح بين النوم واليقظة، كأنه ظلٌّ خفيٌّ يطوقها. نصحتها إحدى الاستشاريات النفسيات بالعلاج، مؤكدة أن الأمر قد يكون نابعًا من مشكلات نفسية تراكمت دون أن تجد ترياقًا.
انصب العرق على جبينها، واشتدت دقات قلبها، حتى استفاقت بعد معافرة شاقة، كأنها انتزعت نفسها من قيد ثقيل. لكن الأمر تطور، فقد باتت تستشعر هجمات خفية، تترصدها دون أن تترك أثرًا.
نهضت تلاحق أنفاسها وكأنها خرجت من سباق طويل، لتجد والدتها وأختها الصغرى إلى جوارها، كلتاهما حضرت مليئة اليدين. الأم تحمل كوب ماء علّه يهدئ من روع ابنتها، والأخت تمد إليها مناديل تجفف بها وجهها المتصبب عرقًا.
مررت “الأم” يدها على كتف ابنتها وربّتت عليها بحنو، تسقيها الماء بلطف، ثم قالت بقلق عارم على حالتها:
_مالك يا ريم، حصلك إيه تاني؟!
كأن دموع “ريم” انهمرت كشلال لا يجف منبعه، غارقة في هاوية حالكة بلا سُلّم يمدها للنجاة. اشتد نحيبها، وانغمست في أحضان والدتها، تنشد الأمان الذي يتلاشى من بين يديها.
تحدثت بصوت مرتجف، وجسد يرتعش تحت وطأة الخوف، قائلة:
_مش عارفة يا ماما، دي مش أول ولا آخر مرة يحصل معايا كده… أنا مابقتش عارفة أنام ولا أحط راسي على المخدة زي بقية الناس… اشمعنا أنا اللي بيحصلي كده كل ما أنام؟ وليه يحصل كده أصلًا؟
فكرت “أسماء” لوهلة، تبحث عن إجابة تطمئن بها قلب ابنتها دون أن تزيد من مخاوفها، ثم قالت بقناعة هادئة:
_ماحنا روحنا لدكاترة كتير وكلهم نفس الكلام “اضطراب ما بعد الصدمة”، يمكن من بعد ما محمد سابك وإنتي علشان نفسيتك تعبانة ابتديتي تحلمي بكوابيس، ما هو إنتي عالطول بتفكري في الموضوع ده، ومبيخرجش من دماغك خالص… بس لو تسمعي نصيحتي أخرجي اشتغلي جنب الدراسة، وشوفي الدنيا، واتعاملي مع كل الناس يمكن ده ينسيكي اللي حصل.
أجابت “ريم” مُستنكرة ما قالته لها والدتها:
_يا ماما أنا قولتلك مليون مرة إن بيحصل فيا كده من قبل ما أعرف محمد أصلًا، إنتي مش واخدة بالك إن كل ده بيحصل معايا من خمس سنين، ومفيش أي نتيجة؟ مانا خدت أدوية وعلاجات قد كده وبرضه النتيجة واحدة.
تلفظت “أسماء” متحدثة برصانة، مظهرة حكمة الأمومة التي صقلتها سنوات من التجارب والخبرة الحياتية، ثم قالت بنبرة مطمئنة:
_يبقى بسبب علاقتك بأبوكي، يمكن عشان هو مركز في مشاكل الشغل ومش بيديكم من وقته فـ….
بترت “ريم” حديثها في الحال، وقالت باعتراض:
_ماما لو سمحتي بطلي تغيري الحقايق! أنا وإنتي عارفين اللي فيها كويس فبلاش تدافعي أو حتى تحسني منظره! أنا عمري ما لقيت الحب فيكم، ولا حسيت إن ليا سند وضهر… أنا طول عمري لواحدي، محدش حاسس بيا!
اندهشت “أسماء” مما تقوله ابنتها، فقالت بصدمة:
_هو إنتي هتفضلي ماسكاهالنا ذلة ولا إيه يا ريم؟ ماحنا كلنا اتربينا بنفس طريقتك ويمكن أشد كمان ومحدش فينا كان بيقول كلامك ده… ولا احنا الشماعة اللي هتعلقي عليها أخطائك؟
نهضت “ريم” من مكانها، وقد اجتاح كيانها ثوران مفاجئ، اتسعت عيناها، واحمرّ وجهها، وبرزت عروقها المتشنجة. احتد صوتها، وانطلقت كلماتها بحدة، قائلة:
_وليه متكونش دي الحقيقة؟ وإنتوا من إمتى حد فيكم إداني احتياجاتي؟ ده إنتوا التربية عندكم تتلخص في الأكل والشرب ومصاريف الجامعة وبس، إنما إني أزعل مرة وألاقي اللي يطبطب عليا انشالله لو بكلمة مبلاقيش غير تقطيم ووجع قلب.
كأنما نزاع حاد اقتحم حياة الأسرة، فبات المشهد مشحونًا بالتوتر. لم تكن چيهان تجرؤ على تثبيت نظرها على إحداهما دون الأخرى. تارة تلتفت إلى والدتها، وتارة تحدق في ريم التي كانت تصرخ، تصب كل أوجاع الماضي صبًّا فوق رأس والدتها، حتى شعرت چيهان بأن الأجواء توشك على الانفجار، فتحدثت قائلة:
_هو إنتي صاحية بتقولي يا خناق؟ وبعدين توطي صوتك وإنتي بتتكلمي، إياكي تردي عليا بالطريقة دي تاني! فاهمة يا ريم ولا تحبي أفهمك؟
ثم خرجت من الغرفة، تخطّ على أرضية المنزل نقشات من الاحتدام، وخطواتها تُنذر بعاصفة لا تهدأ. كانت تصيح بصوت مرتفع، قائلة:
_حرام عليكم، ارحموني! أنا هلاقيها منكم ولا من أبوكم اللي ممرر عيشتي؟ هتموتوني في مرة من القهر، بقى ده جزائي بعد كل اللي بعمله عشانها وبدل ما يتقالي كلمة شُكر، بتعلق علينا غلطاتها هي… هو إنتي في حد يطيقك يا ريم؟ ده احنا أهلك وطايقينك بالعافية وبعد ده كله مش عاجب.
أوصدت الوالدة الباب بعنف، فارتدت نوافذ المنزل اهتزازًا، وسقطت الزهرية على الأرض متناثرة كأنها انعكاس لما يعتمل في صدرها. من الداخل، لم تهدأ صيحاتها، كانت تعترض على أسلوب ابنتها في الحديث، تتمنى لو تحدثت معها بهدوء مرةً واحدة، مرةً تشعرها أن حملها بها تسعة أشهر لم يذهب هباءً.
جلست چيهان إلى جوار ريم، تعانقها بلطف، تمنحها دفئًا يعوض برودة المشاعر التي تعصف بقلبها. كانت تدرك أن شيئًا خاطئًا يجري في مجرى حياة أختها، وكأنها تستشعر صدى أحاسيسها المتضاربة. تذكرت حكايات ريم المتكررة عن أحلامها، تلك الأحلام التي لا تتغير، حيث ترى عربات القطار تنطلق بجنون على القضبان، ثم تخرج عن مسارها. دائمًا ما ترى نفسها تسير وحيدة على تلك القضبان ليلًا، تلتفت في كل صوب، تخشى أن يدهسها القطار وهي تعبر.
حتى أحلامها الأخرى، حينما تتجول داخل متجر فساتين الزفاف، تبحث، لكنها لا تجد فستانًا يلائمها، فتخرج خائبةً، محبطةً كأنها ليست من العرائس، بل مجرد عابرة وسطهن.
قبل خمسة أعوام، كانت ريم تتلألأ بجسدها المرسوم وملامحها الوردية الناعمة، لكنها اليوم، فقدت وزنها، وانكمشت روحها، بات الانطواء يحاصرها من كل زاوية. لم تعد تخرج للتسوق أو التنزه، حياتها باتت محصورة بين الجامعة والمنزل، حتى الحب الذي عاشته، تخلى عنها صاحبه بلا سبب مقنع.
في ليلة قاتمة، مختلفة عن كل الليالي التي تنتهي فيها العلاقات العاطفية بالفراق، عرفت ريم معنى القهر الحقيقي، ذاك الذي يتسلل إلى روحك وينهشها ككلب ساغب. التقت بذلك الشاب الذي ظنت يومًا أنه يختصر أحلامها، لكنه كان غائبًا حتى وهو حاضر، لم يشعر بوجودها قط. وعندما واجهته، أسمعها كلمات عشق بلا حدود، أوهمها أنه قد يهبها نجمة من السماء، لكن حينما حان وقت الفعل، لم يكن هناك شيء سوى الفراغ.
كل البدايات تنطلق على نغمات الفرح، بعضها ينتهي بقلوب منكوبة بالحسرة، والبعض الآخر يحظى بنهاية سعيدة، حيث تلتقط الكاميرات صور العشاق ليلة زفافهم وسط صخب الموسيقى وزغاريد النساء. لكن ريم لم تكن من بين هؤلاء، كانت المشاهدة التعيسة، تراقب كل شيء من بعيد، يتردد في ذهنها السؤال ذاته: لماذا أنا وحدي من أُصاب بلعنة الفقد في كل مرة؟
في لقائها الأخير مع محمد، أعادته أمانته في صمت. فحص علبة الذهب، تأكد أن كل شيء كما كان، حتى النظر إليها للمرة الأخيرة لم يكن يعنيه، كل ما شغله أن لا تنقص قطعة واحدة، كي يتمكن من بيعها أو تقديمها لعروسه الجديدة دون خسارة.
غادر، وترك في صدرها سكينًا حادًا يقطع بلا رحمة.
مرت الشهور، و”ريم” لم تنسَ، ظل الماضي يلاحقها منذ ميلادها حتى صارت فتاة ناضجة. مسحت دموعها، وتحدثت بثبات مصطنع أمام أختها، مظهرة تماسكًا زائفًا وهي تقول:
_عادي، أنا مبقاش فارقلي حاجة… هو أكيد ابتلاء وربنا هيجازيني عليه خير… أنا مش زعلانة، أنا مبسوطة إن ربنا بيكشفلي حقيقة كل حاجة قصادي بدري، أنا بس نفسي أفرح يا چيهان… نفسي أحس إني عايشة زي بقية الناس اللي حواليا، أنا ميتة بالحياة ومش حاسة بأي حاجة حواليا… حاسة إني غرقانة!
اقتربت “چيهان” من أختها، تتشبث بكفها الأيمن كأنها تخشى أن تنزلق من بين يديها كما انزلقت أحلامها. ربتت عليه برفق، وعيناها تفيض بالحنان، ثم قالت بصوت دافئ:
_ربنا هيعوض عليكي والله بس كل حاجة في وقتها المناسب، ربنا كاتب تفاصيلنا حياتنا بدقة من قبل ما نيجي الدنيا… إنتي بس ادعي واعملي اللي عليكي، ده كل ليل له نهار!
ضحكت “ريم” مستهزئة، وقالت بحسرة:
_أمال أنا ليه نهاري مبيطلعش؟ ليه كل حياتي ليل؟
أجابتها “جيهان” برصانة:
_يمكن ليلك كان طويل شوية، بس نهارك هيكون أطول بكتير، ومن بعده مش هيبقى في ليل تاني… حياتك هتبقى نور وفرح وسرور إن شاء الله… المهم بس أنا هعدي على الصيدلية أجيب لتيتة العلاج بتاعها عشان بابا وعمو عصام هيتأخروا النهارده شوية وهي محتاجاه ضروري.
ثم نهضت بخفة، وقبلت رأس أختها بحنانها اللا محدود، وقالت بابتسامة:
_أدخلي الحمام اغسلي وشك وروقي كده، وأنا مش هتأخر، هجيب الحاجة بسرعة إن شاء الله وهرجع نشوف هنعمل إيه.
جففت “ريم” دموعها بكمّ ثيابها، تحاول أن تلملم شتات أعصابها المرتجفة. تنفست بعمق، ثم قالت بشجن يثقل صوتها:
_ماشي.
استقامت كلتاهما لقضاء حاجتهما، فدخلت ريم المرحاض، وفتحت صنبور المياه، فاندفعت المياه بانسيابية، متدفقة بصخب يملأ الأجواء. راحت ريم تكبش الماء بيديها، تنضح به وجهها، علّها تغسل آثار الحزن العالقة على ملامحها.
لكن الدموع أبت أن تغادر، ازدادت انهمارًا أمام الحوض، فرفعت بصرها نحو المرآة، تراقب انعكاس وجهها الشاحب، خديها المتوردين، أنفها المحمر، وجفنيها المتورمين. حاولت أن تخدع ذاتها، أن تواسي نفسها بتلك النظرات، تخبرها أن لا أحد يستحق أن يُوصلها إلى هذا القهر، لكن ما رأته زاد من بكائها. شعرت بشفقة جارحة على نفسها، إلا أن حديث أختها عاد يتردد في ذهنها، فحاولت أن تهدأ، منصتة فقط لصرير المياه، كأنها تبحث فيه عن السكون.
في تلك الأثناء، وبينما كانت چيهان تهمّ بعبور بوابة المنزل، تقابلت مع مُنى، ابنة عمها. كانت في ريعان شبابها، في العشرين من عمرها، فتية كزهرة متفتحة. بيضاء البشرة، بطول متوسط، وعينين واسعتين كعيون الغزال. كان فمها المتسع سمة مميزة في ملامحها، لكنه أحيانًا كان مصدر ضيق لها، فكلما نظرت إلى نفسها في المرآة، شعرت بعدم الرضا، رغم أنها لم تكن بشعة أبدًا، بل على العكس، كانت الغمازات التي تزين وجنتيها تمنحها مظهرًا جذابًا. كانت تشبه والدتها وأختها كثيرًا، وكأن الثلاثة صورة واحدة بأعمار ودرجات لون مختلفة.
بدت “منى” فتاة طيبة القلب، حنونة، واجتماعية تعشق التجمعات العائلية. وما إن وقعت عيناها على چيهان، حتى أسرعت نحوها، تعانقها بعناق أخوي دافئ، ثم قالت بابتسامة مشرقة:
_إيه يا قمر رايحة فين الساعة دي؟ أوعي تكوني رايحة تقابلي.
ضحكت “چيهان”، وهزّت رأسها نافية ما وجّهته منى إليها من تُهم هزلية، ثم قالت بمزاح، وابتسامة ساخرة تلوح على شفتيها:
_واحنا بتوع الكلام ده برضه يا مُنى؟ أنا رايحة أجيب لتيتة الدوا، الظاهر إن بابا وعمو مش هيجوا بدري النهارده عشان الشغل اللي جالهم فجأة.
ردت “منى” بضحك:
_أحسن يريحونا منهم شوية، ده بابا طول اليوم عمال يزعق، مبناخدش منه إلا الصوت العالي وبس.
نطقت “چيهان” بتوبيخ خفيف:
_ماشي بس مهما كان دول أبهاتنا برضه، منقدرش نتكلم… بُصي أنا مستعجلة هروح أجيب الدوا وراجعة أكلمك في موضوع مهم أوي!
خرجت چيهان من بوابة المنزل، متجهة نحو الأجزخانة، تخطو بخفة كأنها تحلق بجناحين في سماء البهجة، رغم كل ما حدث. في داخلها يقين بأن الأبواب الموصدة ستُفتح يومًا، وأن الأيام مهما قست، فلا بد أن تحمل في طياتها انفراجة.
كان الطريق أمامها طويلًا، خاليًا من البشر، كأنه مشهد من فيلم غامض بلا ملامح واضحة. سارت وحدها، تدندن بنغمة حالمة، تتراقص الكلمات على لسانها بخفة، تنشد بصوتها العذب كلمات تلامس الأرواح. حتى الطيور على الأشجار بدت كأنها توقفت عن الزقزقة، تنصت لصوتها بإعجاب.
لكن فجأة، ظهر لها شاب من بعيد. كان يرتدي جلبابًا مفصلًا بإتقان، كأنه صُنع خصيصًا له. شارب خفيف، ولحية سوداء زادت من غموض ملامحه. كان ينظر إليها نظرات متحيرة، يفكر بعمق كيف يبدأ الحديث معها.
وأخيرًا وجدها. أخرج هاتفه من جيبه، حدّق في الصورة أمامه بتمعن حاد. الملامح ذاتها، بلا شك. ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة، ثم ضحك ضحكة تنبع من أغوار الظلام، كأن الشيطان نفسه يصفق له إعجابًا. تقدم نحوها قبل أن تختفي عن نظره، وداخل عقله فكرة واحدة: هو الأنسب لهذه المهمة، لم يكن مخطئًا حينما جازف وبحث عنها.
ظل يسير خلفها لدقائق، يفكر: هل يلقي القبض عليها فورًا، أم يضع خطة محكمة لتقييدها فلا تجد فرصة للفرار؟
حينما شعرت “چيهان” بأن هناك من يتبعها، زادت من سرعتها، بينما قلبها يقرع داخل صدرها كطبول حرب.
لكن فجأة، استجمعت شجاعتها، توقفت، ثم استدارت نحوه. نظرت في عينيه بقسوة غير مألوفة على ملامحها البريئة، وقالت بحدة:
_في حاجة؟ أصل شايفاك ماشي ورايا من ساعتها.
تلعثم “رمزي” في البداية، فقد شُلّت حركته تحت تأثير نظراتها الساحرة، كأن عينيها تحملان قوة لا يستطيع مقاومتها. لكنه سرعان ما تمالك نفسه، وقال بنبرة تميل لكسب التعاطف:
_أنا آسف يا أبلة مش قصدي لو إنتي فهمتي أي حاجة غلط، أنا بس كنت معزوم عند واحد صاحبي من المنطقة هنا، وجينا بالقرب منكم، وفجأة اختفى وأنا ممعايش تليفون أتصل بيه، ولا حتى عارف أوصل لداره…..
وحول نظره في عينيها ثم أردف بخجل مُصطنع:
_صحيح الغريب أعمى ولو كان بصير.
ردت “چيهان” بدهشة:
_وأنا المطلوب مني إيه أعمله؟!
أجابها “رمزي” بتردد يغلف حروفه:
_ولا أي حاجة، أنا بس عايزك….
انقضّ عليها فجأة كجريح شموس، كأنه وحش وجد فريسته بعد طول انتظار. بيدٍ قوية، كمّ فمها حتى يخمد صراخها قبل أن يرتفع، بينما كانت ذراعيها تُلوى للخلف باحترافية لم تمنحها فرصة للمقاومة. تراجع بها إلى أرض فارغة، أنفاسه متسارعة، ثم أردف بارتباك:
_متصوتيش لا الناس تفهم غلط ويتلموا عليا! أنا عايز كل ده يعدي في أمان، ولا إنتي عايزاني بعد ما لقيتك أسيبك تهربي؟
كان صراخها يتلاشى كلما اصطدم بقبضته، الكلمات تخرج عالية ومسموعة، لكنها مبعثرة، كأنها صدى صوت يضيع في أعماق كهف معزول في آخر بقاع الأرض. حاولت التملص من قبضته، قلبها يخفق بعنف، بينما تساءلت بخوف كبير، قائلة:
_إنت مين، وعايز مني إيه؟ أنا عملتلك إيه لكل ده؟!
كانت تلك آخر كلماتها قبل أن يسود السكون، قبل أن ينهار عالمها في ظلام دامس أفقدها وعيها وانتزعها من واقعها. وحين استيقظت، وجدت نفسها مقيدة بأحبال متينة، مستلقية على أرضية صلبة لا فراش يحميها من قسوة البرد ولا رحمة ترفق بجسدها الواهن.
حولها، أضواء خافتة تلقي بوهجها الشاحب، تمنح المكان مظهرًا ضبابيًا يزيد من غموض مصيرها. جدران عالية تحاصرها، كأنها على وشك الانقضاض عليها، تكسر عظامها، وتفتت ما تبقى من شتات روحها.
رفعت بصرها بذهول، ترمق ذلك الشاب الذي اختطفها، تتوجس منه خشية أن يُقدم على شيء يمحو اسمها من سجل الأحياء. أما هو، فكان ينظر إليها بحيرة، متوجسًا من جرأته التي بدأت تثقل كاهله، مدركًا أنه اجتاز نقطة اللاعودة، وأن ما فعله سيلتصق به إلى الأبد.
لم يترك مجالًا للشك بعد الآن. ألقى عليها نظرة أخيرة، متفحصًا ملامحها بدقة، وكأنه يريد أن يحفرها في ذاكرته، ثم رفع هاتفه إلى الأعلى، طلب رقم والده، وحين جاءه الرد، قال بصوت ثابت لكنه يحمل بقايا ارتباك:
_لقيتها خلاص! جولي هعمل إيه بعد هيك؟
ردّ الوالد مُسرعًا، كأنما يخشى أن يُكشف أمره قبل الأوان. جاء صوته مضطربًا، لكنه حاول أن يبدو متماسكًا وهو يقول:
_خلّها مرمية ف الأوضة لين أرچع، وعينك عليها لا تفلت منّك، وآني يومين تلاتة وبرچع أكمّل اللي اتفجنا عليه.
تفاقمت الهواجس في رأس “رمزي” حينما قال بقلق لا يُخفى:
_يابا، أنا متخفيش لا حد يلمحني، ماهو أكيد أهلها مبيسكتوش، وبيقلبوا الدنيا فوق تحت.
رد “مصعب” بلا مُبالاة غريبة:
_خليهم يدوروا لين ما يزهقوا، ولا حد بيقدر يوصل لدربك، سوّي بس اللي جلت لك عليه، وخلاص الحكي!
أجابه “رمزي” وهو مغلوب على أمره:
_طيب يابا، اللي تشوفه، حنا وراك لين البوابات تنفتح، وكل اللي نبغيه يصير.
تفوه “مصعب” والكلمات تخرج من شفتيه كالنيران المُلتهبة:
_بكلمك بعدين يا واد، سلم لي.
كان شوق “مصعب” لتنفيذ المهمة أكثر إلحاحًا من لهبٍ يتراقص في مهب الريح، مترقبًا الليلة التي ستنفتح فيها أبواب القدر، لينطلق خلف أهدافه المادية بكل يُسر، مُعلِنًا انتصاره للغشيان نحو آماله.
استقر على كرسيه داخل كهفٍ ناءٍ عن زحام البشر وصخبهم، بعيدًا عن الأطفال ولهوهم، وعن كل ما يُزعج أذنيه ويعكر صفوه. بين يديه كتابه اللعين، يستحضر أرواحًا شنيعة الملامح، تظهر تارةً بين قبضتي الحقيقة المروعة، وتارةً أخرى في هيئة بشرٍ عاديين يتحاورون معه في عزلته.
حوله هدوءٌ مدهش، لا يُسمع سوى عواء الذئاب، تلك التي تقف على حافة الجبل، تعلن شراستها ومسغبتها، متربصةً بجسدٍ بشريٍّ تنقض عليه لتملأ جوفها الفارغ بقطعة لحمٍ لذيذة.
لم يُعر مصعب أصواتها اهتمامًا، بل صبَّ تركيزه على أعماله الشيطانية، يعمل بكل جهدٍ على سحق فتاةٍ لم تتجاوز الخامسة عشرة، يُدمّر مراهقتها بسيلٍ من المشكلات، فلا تجد طريقًا للمضي قُدمًا، ولا تعيش كغيرها من الفتيات، بل تلاحقها لعناتٌ شنيعة تقضي على ما تبقى من آمالها.
لم يندم على تدميرها، فالعشرة آلاف جنيه التي دخلت جيبه محت ما تبقى من ضميره الحي. أما المرض النفسي الذي أصاب ابنة خالتها، فقد جعلها تشعر بالراحة كلما رأتها في أشد لحظاتها وأقساها.
وفي تلك اللحظة، كان “رمزي” جالسًا على الكرسي المقابل لجيهان. كانت تصرخ، لكن بلا صوت، انكتمت استغاثتها وهي تعافر لفك قيودها والفرار. خرجت كلماته بصلابةٍ وهو يقول:
_وبعدين معاكي، هتفضلي تحاولي كتير؟ إنتي عايزة أبويا يزعل مني ولا إيه؟ ده أنا لو لفيت الدنيا بحالها مش هلاقي حد زيه… الدنيا دي في كفة وأبويا لواحده في كفة!
التقت عينا چيهان بعينيه وهي تعول بحرقة، تحاول الفرار بكل ما أوتيت من قوة. وحين أدرك أن صمودها بلا جدوى، نهض مسرعًا وصاح:
_ما قولتلك خلاص بقى! لو مسكتيش أنا هقتلك وأخلص عليكي، لو خايفة على روحك اتكتمي!
خشيت چيهان صلابته، فاكتفت بالبكاء في صمت، تراقب تحركاته بفزع، كأن قلبها يدق على نغمات عالية من الرهبة. شعرت بأن أجلها قد دنا في مكانٍ مجهول، ولم تفهم لماذا جاءت إلى هنا، فكانت توقعاتها تمر في ذهنها كشريطٍ من فيلم رعب.
جلس رمزي على مقعده يرمقها بحدة، يترصد كل حركة منها، بينما تبادلا النظرات في صمتٍ ثقيل. فتح كتابه اللعين، وتمتم بكلماتٍ غامضة، كلمات غير مألوفة، كأنما يستحضر روحًا إلى هذا المكان المشؤوم.
في الحال، فقدت چيهان وعيها، غارقةً في عالم آخر، دون أن تحس بما يجري حولها.
في غرفة ريم، حيث جلست إلى جوار ابنة عمها “منى”، تجلى معنى الأخوة الحقيقية، إذ تبادلتا الأحاديث في مودةٍ صافية. كانت منى تمنحها الحب والمواساة دون مقابل، فالأهم لديها أن تهدأ نفس ريم وترتاح.
قدمت لها زجاجة صغيرة من العطر الذي تحبه، ثم نظرت إليها بترقب، تنتظر استبانة رد الفعل الذي سيبهج قلبها.
كأن الغرفة تحولت إلى عالمٍ من الحبور، يسكنه قلب منى الطيب، تلك التي سألتها بابتسامةٍ تحيق حروفها:
_عجبك صح؟
ابتسمت ريم، ودق قلبها فرحًا حين تأكدت من مكانتها في قلب منى. لطالما حرصت على إسعادها، تعاملها بحبٍ يفوق ما تعامل به شقيقتها، تتمنى لها الخير كله، تخشى عليها من الحزن، وتشاركها لحظات الشقاء قبل السعادة.
عبرت “ريم” عن امتنانها، وقالت بابتسامة:
_أه حلوة أوي، تسلم إيديكي، إنتي جيبتيها منين؟
ردت “منى” ببشاشة المُحب:
_مش هقولك، ده سر!
ضحكت “ريم” وسألتها بإلحاح:
_قولي بقى! خلصي!
ارتسمت الضحكة على معالم مُنى، وقالت بمرح:
_أنا مش هقولك، أنا هاخدك يوم ونروح سوا للمحل اللي اشتريت منه، ده عنده حاجات تحفة، أنا متأكدة إنها هتعجبك لو شوفتيها.
نطقت “ريم” باقتناع، وتوقفت عن تكرار استفسارها، فقد كان فضولها دافعًا قويًا لمعرفة المتجر، فقالت:
_ربنا يخليكي ليا يا مُنى وميحرمنيش منك، إنتي غلاوتك من غلاوة چيهان، ربنا العالم.
عانقت “منى” ابنة عمها، مُقدمة لها كل حنانها، قائلة:
_ويخليكي ليا يارب، ده إنتي اللي غالية أوي على قلبي.
ثم التفتت حولها، غارقةً في تفكيرٍ باغتها فجأة، قبل أن تتابع قائلة:
_صحيح، ما تيجي ننزل تحت عند تيتة وجدو نقعد معاهم شوية، زمان منى رجعت من الأجزخانة.
ردّت “ريم” بتفكيرٍ عميق، وكأن نظراتها للجدار تنقش لها الإجابات النهائية:
_خلاص طيب.
خرجت الفتاتان من الشقة، متوجهتين إلى شقة الجدة في الطابق السفلي، حيث الهدوء الذي يبعث في النفس حنينًا للماضي. هنا، يعيش الأجداد بنظامٍ دقيق؛ كل شيء في موضعه الصحيح، الخزانات مرتبة بعناية، بعيدة عن العشوائية، والأرضية رغم طابعها القديم، تلمع كأنها مرآة، شاهدةً على الاهتمام والنظافة.
كانت النوافذ جميعها مفتوحة، تحمل عبق الزرع، بينما النسيم يتسلل برفق إلى كل زاوية من هذا المنزل البسيط، ناشرًا إحساسًا عذبًا بالطمأنينة.
على الأريكة، اعتادت الجدة “روحية” أن تجلس إلى جوار زوجها “شعيب”، يتناولان أدويتهما، ويشاهدان المسرحيات القديمة التي تعيدهما إلى زمن الحب الأول. تزوجا في ريعان الشباب عن حب، لكن القدر فرق بينهما لسنوات، قبل أن يعود ويجمع شملهما من جديد، ليكمل قصة حبهما التي أثمرت عن ثلاثة أبناء: اثنان يعيشان في دار العائلة، بينما اختار الثالث العزلة، مفضّلًا الخصوصية التامة مع أسرته في بلدةٍ أخرى، بعيدًا عن الغوص في التفاصيل.
عانقت الفتاتان الجدين، وجلستا إلى جوارهما، تستمتعان بمشاهدة المسرحية التي تغسل عنهم ملل الأيام، وتكسر رتابة الروتين.
لكن بعد ساعات، بدأ القلق يتسلل إلى قلب ريم حين تأخرت أختها عن العودة. نهضت تبحث عنها في كل زاوية، وخرجت تناديها بأعلى صوت، هادرةً بندائها القلق.
خرجت الوالدة “أسماء” على عجل، الخوف يسبقها، إذ ترددت النداءات كزلزالٍ يهزّ السكون. تساءلت باضطرابٍ، وصوتها ممتزج بالوجل:
_هي أختك لسه مرجعتش لحد دلوقتي؟
أجابتها “ريم” بقلق:
_لا مرجعتش، مش عارفة اتأخرت ليه!
خرجت أسماء تبحث عن ابنتها في كل مكان، تسير بخطواتٍ متسارعة، تلهث بين الزوايا والطرقات، تترقب أي إشارةٍ تقودها إليها. كانت ريم ومنى إلى جوارها، كلٌّ منهن تؤدي دورها في فك لغز هذا الاختفاء المفاجئ. جُبن في كل بقعةٍ من المنطقة، يسألن الرجال والنساء، وحتى الأطفال الذين يلهون في الحي، علّ أحدهم يكون قد رآها أو سمع شيئًا عنها.
لم تتخيل أن البحث سيستمر لساعتين كاملتين، وأن محاولاتهن لن تكون سوى نفخٍ في رماد. ومع كل دقيقةٍ تمر، كان اليأس يزحف إليهن، يثقل خطواتهن، ويخنق أنفاسهن.
توقفن قبالة المنزل، العجز يكسو وجوههن، وقد بات من المحتم أن يصل الخبر إلى والد الفتاة، ليتحرك بخطواته الثقيلة، عساه يجد حلاً لهذه الكارثة التي تأبى أن تتكشف خيوطها.
رفعت “أسماء” هاتفها بيدٍ مرتجفة، وصاحت بصوتٍ مختنق بالذعر:
_الحقني يا شوقي، بنتك چيهان مختفية ومحدش فينا لاقيها!
يتبع…..





