روايات شيقة
رواية إيبار الفصل السابع 7 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل السابع 7 بقلم رانيا عمارة
مع الأوضاع الصاعقة التي أرغمت چيهان على الانغماس فيها، ظلّ الرعب ينهشها؛ كل ذرة فيها كانت ترتجف، وهي ترمق الساحر الدميم يرفع سكينه الحاد بالقرب من عنقها، ويتمتم بكلماته السرية، فتخرج منه أصوات لا توحي إلا بالنهاية.
مرّ شريط حياتها كأنه فيلم يُعرض أمام عينيها، وقد انطبعت عليها ملامح الذعر، بينما الأخير لا يكترث بشيء سوى إنجاز مهمته.
تلك الروح البريئة لم تقترف ذنبًا، ولا تدري لماذا وُجدت في هذا المكان من الأساس؛ فاختيارها لهذه المهمة دونًا عن سائر الفتيات، لا بد أن وراءه سرًا مكنونًا يستحق التعمّق فيه.
وقبل أن يُنهي مصعب مهمته، رفع هاتفه بفخرٍ كمن بلغ مراده أخيرًا بعد حقبة من العناء، ليُبث الخبر في نفس مسعود، ذاك الذي طالما تمنى الخلاص من علّته، وهو يضيف جبلًا جديدًا من الأثار إلى ثرواته.
كاد أن يردّ على المكالمة قبل وصولها، لولا أن مصعب اتصل مجددًا من فرط شغفه بما آلت إليه الأحداث الأخيرة، فنطق “مصعب” بابتسامة شيطانية مرسومة على شفتيه، وقال:
_لكيتها يا سي مسعود، والحين بخلّص عليها، بخلي الدم يسيح، ويوم أفرغ منها أچيك عالسُرعة، نشوف شو سوينا بعدين.
ردَّ “مسعود” بابتسامةٍ واسعة، غير مصدِّقٍ أن أولى خطوات الرحلة ستتم بنجاح، ومنها ستنفتح خزائنُ ثرواتٍ لا حصرَ لها، قائلًا:
_زين الحكي، صوّرلي مجطع وإنت تسويها، لأني الشغلات هذي تغسل جلبي من چوّا.
رد “مصعب” باِستصعاب، فقال بعجز:
_وأنّى بصوّرك كيف؟ ما في غيري بالدار، خلّي عنك هالسوالف والتصوير الفاضي، وخلينا بالمهم، بأچيبلك قنينة الدم وبچيك على دارك طوالي.
بعد حوارٍ دام لدقيقتين، انتهت المكالمة بينهما على اتفاقٍ بين مصعب ومسعود بأن يحضر له زجاجة الدماء بعد أن يُنهي حياة چيهان. فوضع هاتفه الصغير جانبًا بحركة سريعة، ورفع سكينه من جديد، فحرك أصابعه على عنق چيهان ليرفع حجابها ويبدأ في التنفيذ. كانت تقاوم وتصرخ بانهيارٍ، وهي ترى آخر ثوانٍ لها في الحياة تمر بشكلٍ مأسوي لا يُحتمل.
فوقعت المفاجأة قبل أن يرفع حجابها، إذ بخسفةٍ قوية كسرت الباب، أثارت الفزع في قلبيهما، كأنها زلزالٌ عنيف كاد أن يدمر الحي. وهناك دخل رمزي ببسالة، وتقدم بخطواتٍ سريعة ليُنهي فصلًا من قصة عذابها. فتشبث بذراع والده، ونظر له بنظراتٍ اعتراضية، كأنما يخبره بأنه في هذه المرة ليس معه، بل مع من يسوقه له قلبه.
بسط كفه على كتف مصعب، جاذبًا إياه نحوه بقوة الشباب في ريعانهم، وصلابة بنيانهم. فعلى الرغم من أن براعة مصعب في الانتقام كانت شديدة، إلا أن جسده الذي اقترب من العجز جعله في حالة من التعثر.
كانت صدمة كبيرة له وهو يرى رمزي أمام عينيه بلا مشقة في البحث عنه ككل مرة، جاء بشحمه ولحمه، وكل ما فيه. فخرجت الكلمات متفرقة من فم “مصعب” المندهش، فقال له بحيرة:
_چيت أخيرًا يا ضي عين أمك؟ تخطف البت وتغيب بيها ولا من شاف ولا من دري؟ بس على مين؟ مو عليّ آني، شوفني رچعتها زي الكلبة، وچبتك إنت كمان على وچهك… لا يكون غرامك هو اللي چابك يا ولدي؟ الحب ما هو سكتنا عشان تكون فاهم!
رد “رمزي” بلا مُبالاة، فقال بابتسامة وهو يعانقه باشتياق:
_ما عليك يا أبويا، هو احنا زيّنا نعرف حاچة اسمها حب؟ چيت وآني مليان ندم على اللي عملته معاك… ما أدري كيف سويت كل هالشي عشان واحدة ما تسوى، وأول ما لجيتني ضعيف سابتني ومشت، خلاص انتهت مصلحتها معايا.
ووقف حيالها، ناظرًا في عينيها بعتابٍ جارح، ونطق بصوتٍ حاد:
_چيت على أبويا عشانك، ويا ليت طمر فيكي، آني ما چيت علشان أنقذك منه، لا تكوني هبلة… آني چاي علشان أسوي اللي ما قدرت أسويه قبل كده.
وواصل لوالده باستعداد:
_هات السكينة يابا، آني هسوي لك اللي إنت تبيه، واللي اتجطع بينا آني راح أوصله من تاني!
انتشل رمزي السكين من قبضة والده، متوليًا المسؤولية بدلًا منه، في حين كان مصعب يترصده بتعجب، تدور في ذهنه العديد من التساؤلات حول التغير المفاجئ في شخصية رمزي، حيث كانت تصرفاته متناقضة تمامًا مع حديثه.
كان يقف بشجاعةٍ كالمحارب، مستعدًا لغرز سكينه في عنق “چيهان”، أما هي فقد صرخت صراخًا مرعبًا، وارتجفت بشدة، متمنية الهروب بعد أن انصدمت فيه وصدقت ألاعيبه الكاذبة. فمن تربى على زرع الشر، سيظل يزرعه إلى آخر نفس له في الحياة.
عبرت عن استياءها منه، وهي تبكي بحرقة، وقالت:
_أنا مصدومة فيك… يطلع ده كله فيلم بينك وبين أبوك عشان تضحوا بيا؟ وأنا اللي زي المجنونة ماشية وراك… آه مكنتش مصدقاك في الأول بس بعدها حسيت إنك لسه فيك حاجة نضيفة غير أبوك القذر، مش قادرة أصدق إنك طلعت زيه.
سقطت دموعها كأنما تزداد حرارة مع احتداد مشاعرها، احتالها بشخصيته الكاذبة التي تدعي الخير والشر في آن واحد. هكذا كان متناقضًا في سلوكياته النادرة معها. خشيت أن تنظر في عينيه فتستشعر الغدر الذي أحسته في أول ليلة التقت فيها معه.
لم يكن مصعب يصدق ولاء رمزي له المفاجئ بعد اندثاره مع جيهان بين خبايا لا يقدر الجان الأزرق على كشفها. كان هو الأخير يرى خيانته وإدعاء محبته له، فالحب والخذلان لا يجتمعان معًا.
لقد خذله بعدما منح كل ثقته فيه، ظنًا منه أنه سيحافظ على مصلحته، وفي نفسه استعداد للتضحية بكل ما يملك من أجل راحتهما، فينتهي الإفلاس الذي طالما تكبَّدا منه طويلًا.
بعد نظراته المليئة بالازدراء له، قال “مصعب” بصخبٍ مزعج:
_چاي تعمل عليا الشويتين دول يا رمزي؟ تبيع أبوك عشان مرة ما تسوى؟ خذ بالك، احنا لينا حسابات مع بعض ولازم تتصفى من الأول وچديد، اللي سويته هتدفع ثمنه بالدم وغصب عنك… لو أمك ما جدرت تخليك تحت طوعها، آني هخليك تحت طوعي غصب عنك.
بينما كانت چيهان تعول بخوف، تشعر بأن المفر لا أمل فيه، تعلم مصيرها المأساوي، خاصة وكأنها بين ذئبين ذا أنيابٍ حادة، مستعدان لالتهامها في أي لحظة. كادت أن تتبول من هول الخوف الذي أصابها، حيث نظر “رمزي” إليها بلا مبالاة، مدعيًا التجاهل، ثم رد على والده بثقةٍ واضحة:
_آني سويت كل ده عشانك يا أبويا، ما خذلتك زي ما تجول، واللي إنت مش فاهمه الحين، هتفهمه بعدين… ولا عاشت ولا كانت اللي تجدر توجع رمزي وتخليه يكسر وعده لأبوه… يا أبويا، إنت الغالي عليّ وإنت اللي باجيلي مش هي، ولو مش مصدج كلامي، أفعالي هي اللي بتثبت لك.
انصدمت “چيهان” من حديثهما معًا، فانقضت بردودها الحادة، وهي تصرخ بارتجاف، قائلة:
_مصدومة فيك…. إنت أحقر إنسان شوفته في حياتي… حسبي الله ونعم الوكيل فيكم إنتوا الاتنين، إنتوا معندكمش ضمير ولا رحمة… إنتوا…..
بتر “مصعب” حديثها في الحال، فتفوقت قوة شخصيته على ضعفها، حين قال بعجيجٍ لافح:
_اخرسي، ما بسمع صوتك يا بت! لو سمعت حسك، هشجك نصين، وهوريكي آخر عشر دجايق حالكة في حياتك، ابلعي لسانك ومتنطجيش!
وتابع لرمزي باستعداد:
_إلّا إنت جاي في طوعي، وريني كلامك إن كان صح ولا لا، وابتدي!
كانت لحظة رصد هامة، إذ صب مصعب تركيزه كله على حركات رمزي، كأنه اختصاصي في علم لغة الجسد، يفسر كل حركة بحصافته الخاصة دون عون من أحد. فرفع رمزي سلاحه واقترب من چيهان ببطء يتناغم مع خفقان قلبه، فبدت ضربات قلبه كأنها طبل صاخب داخل صدره، بينما كانت عيناها الساحرتان ترمقانه بدموعٍ تسيل، وكأنها تحدثه بلغة العيون الصارخة، تطالبه بمفارقتها ومنحها فرصة للحياة.
ارتجفت أنامله وهو ينظر لوالده تارة ثم لها، فعقله وقلبه يمتنعان عن تنفيذ المهمة. كان مصعب ينتظر خروج الدماء بحماس يلمع في عينيه، بينما كانت چيهان على وشك الانهيار من شدة الرعب، وهي ترى السكين المرتجف يقترب منها. مات الأمل فيها قبل أن تودع الحياة، وعينيها تتنقلان بنظرة أخيرة موجعة، تستعرض كل ما تبقى لها من ذكريات.
بينما كانت دموعها تنهمر، تلاقت نظراتها مع رمزي الذي وفي حركة غير متوقعة غرز السكين في عنق مصعب. سقط والده يصرخ، والدماء تندفع كأنها شلال من القصاص. لم تستوعب چيهان ما حدث، وبهذا الفعل الصادم توقفت دموعها، وهي تتابع ما حدث بعقل مشتت لا يقدر على التفكير.
خطا رمزي نحوها مسرعًا، يفك قيودها وهي ترتجف بحرارة. نظر في عينيها ليطمئنها بأن الخوف لن يتملكها طالما هي في كنفه. رفعت چيهان ساقيها لتخرج من القيود التي أحاطت بها، تلك التي جعلتها تشعر بعجزٍ، وكأن حرية الحياة قد امتنعت فجأة بسبب رخصاء لا قيمة لهم. ثم خرجت بمساعدة رمزي من المنزل، حيث استقرت قبالة أشجارٍ ميتة الأوراق، حتى النباتات فقدت الحياة وهي ترى مصعب متاخمًا لها في منزله الشاج، الذي كان يحوي مئات الجان والشياطين الملعونة.
في تلك اللحظة، دخل رمزي المنزل يبحث في كل أركانه عن كتاب التحضير، غير مكترث بما حدث لوالده الذي كان مغشيًا على الأرض ينزف بقوة. فلا معاون يعاونه، ولا مارد سانده، وكل زاوية في منزله تحكي قصص الشر التي عاشها منذ أن شب في عالم الأسحار.
كان رمزي ينبش عن متعلقاته الشخصية كأرنبة تخشى على صغارها من مداهمات الثعالب، خاشيًا أن يكون مصعب قد اكتشف خطته، فأخفى أسراره في حوزته السرية.
دَار في كل صوب، يبحث داخل الخزانات، وأسفل السرائر بقلقٍ متزايد، حتى الثلاجة نظر فيها وفحصها بدقة. وأثناء انهماكه في البحث، لم يعلم أن “مصعب” بدأ ينهض برفق، مقاومًا آلامه. فأخبرته خدمته بما ينويه رمزي. وبينما لوثت الدماء جلبابه، وقطراتها انتشرت في أرجاء الصالة، كان في صراع مع استضعافه، فسار بخطوات متعرجة حتى وصل لرمزي، وتشبث في عنقه بألمٍ، وقال بكلماته المشوشة:
_بيعتني لأچلها يا رمزي؟ استحملني يا روح أمك يوم ما آچي أجطعك تجطيع، وأضحي بروحك إنت عشان خاطرها!
باعد رمزي والده عنه بقوته السَّنيَّة، مستغلًا ضعف مصعب في لحظاته الحرجة، فسقط على الأرض غارقًا في دمائه. لم يكن رمزي مستفيقًا من حكاياته التي تضيق عليه أوقاته الهامة، فخرج يبحث في كل ركن عن الكتاب للمرة الثانية، لكن هذه المرة بسرعة أكبر، حتى يخرج إلى بر الأمان.
لكنه لم يجد سوى كتاب أقل تفوقًا من الكتاب الحقيقي الذي يسعى إليه، فاغتنم الفرصة وجذبه بدلًا من أن يبقى بلا سترٍ يمنع عنه طغيان مصعب. ثم دخل الغرفة وجمع ثيابه في حقيبة قماشية، وغادر المنزل، تاركًا المصابيح ترتعد كأنها في سماء المخافة.
أوصد الباب خلفه، وخرج إلى الشارع فلم يجد “چيهان” كما توقع. فاجتاحت عينيه نظرات الحيرة وهو يسير بخطوات حريصة، كأن عينيه منظار يتتبعها بين الأشجار والجبال. تباعدت أمتار عن المنزل وهو يلتفت حوله كالأهوج لعله يجدها.
كانت الرياح المحملة بأوراق الشجر تتطاير على وجهه، تمنحه روائح عطرية من الطبيعة. فالأتربة اجتاحت فجأة عينيه، مما جعل الرؤية صعبة. بدأ يفرك عينيه بانزعاج حتى أزال الغبار، وواصل البحث عنها. في داخله شعور بأنه خاض معركة شرسة من أجلها، لتقابله هي بشعور الخذلان. أحس بالندم لما اجترمه من مساوئ مع والده، فوقف جانبًا بغضب مكتوم يفكر مع ذاته بامتعاض. لكن خيط أفكاره انقطع حينما استمع إليها وراء ظهره، وهي تقول:
_قتلته؟ وديت نفسك ورا الشمس بسببه! قولي هتعمل إيه دلوقتي لما الشرطة تقلب عليك الدنيا؟
التف رمزي مبتسمًا، فقد كذب إحساسه حين استمع لنبرتها الحادة على الرغم من رقتها. لم يرد عليها بل واصل النظر في عينيها بارتياح. تابعت “چيهان” حديثها بتضايق، والدموع تنهمر منها:
_إنت خربت الدنيا وورطتنا في مشكلة كبيرة! أنا كان مالي ومالكم؟ ليه أنا اللي يحصل معايا كل ده لما كان ممكن يحصل مع حد تاني؟
سألها “رمزي” بابتسامة خفيفة، مُظهرًا اهتمامه بوجودها أكثر مما ألمَّ به مصعب:
_إنتي ممشيتيش؟
نطقت “چيهان” ببكاء، قائلة بفظاظة في ردودها:
_هو كل اللي يهمك مشيت ولا ممشيتش؟…..
وأردفت بتردد:
_إنت ليه مقتلتنيش زي ما طلب منك؟ ليه عملت كل ده؟
تنهد “رمزي”، مُصوبًا عينيه نحو السماء باحثًا عن ردٍ ملائمٍ يرضي عقلها، ثم قال بغضب:
_مكنش ينفع أسمع كلامه وكمان أنفذه، أبويا عمره ما كان صح، واللي يضايق إنه عايزني أكمل مسيرته وأمشي وراه زي الأعمى من غير ما يكون ليا شخصية… أصل أنا أمي ربيتني إني يكون ليا شخصية، يعني لا كلمة توديني ولا كلمة تجيبني… فهمتي حاجة يا بت أسماء؟
استفسرت “چيهان” بدهشة، فقالت بسخط:
_هي بت أسماء دي شتيمة؟ أنا ليا اسم لو مكنتش تعرف يعني….
ضحك “رمزي” ساخرًا، ثم قال بلا مُبالاة:
_عارف أمال جاية الدنيا حاف كده؟
وتابع النظر في عينيها، وهو يقول ببشاشة، إذ رفع يديه ليصيغ حروف اسمها بفخر:
_چيهان… اسم من خمس حروف… الچيم يعني چمال، أما الياء يابسة زي الحجر في كلامك، الهاء هشة من جوا وقلبك أبيض رغم إنك شعنونة وعندك عِرق لاسع ساعات….
بترت “چيهان” حديثه بحدة، فقالت بانفعال:
_أنا شعنونة وعندي عِرق لاسع؟
ضحك رمزي في صمت، بينما شبكت “چيهان” ذراعيها ببعضهما، مُربعة إياهم، وعابسة الوجه. فسألت بتهكم:
_حلو… وإيه كمان؟
تابع “رمزي” وصفه لها، قائلًا بمرح:
_الألف بقى أستاذة ورئيسة قسم في الدروس الدينية اللي بتديهالي ولا كأني عيل صغير عندك في الكُتاب….
تلفظت “چيهان” بسخرية، فنطقت:
_يا خفة… وإيه تاني إن شاء الله؟
أجاب “رمزي” بابتسامة نابعة من صفاء صفوه:
_النون يعني نسمة محدش يحس بيكي ولا يطلعلك حِس.
كانت الضحكة ترغب في الجلاء، لكنها ليست الظروف المناسبة، فمَنَعت “چيهان” ذاتها، وعزَّزت مقامها. في اعتبارها، كانت ملكة متوجة بتاج العزة. تعاملت معه بثقل، إذ تشبهت بالعسل، حلو المذاق لكنه ثقيل بطبيعته. بذخت حاجبيها باعتراض، وذراعاها لا يزالان متشابكين في ضيق ونفور، خاصة مع ما يشغل ذهنها من العودة إلى دار عائلتها بعدما اعتقدت أن مصعب لفظ آخر أنفاسه. لذلك قالت بثقة:
_كل ما حجة معاك بتخلص بتطلعلي حجة غيرها، وأنا عشان أكون صريحة معاك مش قادرة أفهم دماغك دي بتفكر ازاي… فمن غير كلام كتير، أنا همشي لأن أهلي لازم يعرفوا إني عايشة، أنا عارفة إن قلبهم بيتقطع عليا دلوقتي ودي حاجة تاعباني ومخلياني مش قادرة أعيش وأنا واثقة ومتأكدة إنهم بيتعذبوا من غيري.
رد “رمزي” بتحذير، إذ كان لا بد أن يخبرها بالحقيقة:
_مصعب مماتش وأنا مكنش في نيتي أموته، أنا عملت كده لأن مكنش في حاجة تانية أعملها… كان لازم أحميكي منه!
تلفظت “چيهان” باعتراض على أسلوب الحياة الذي كاد أن يخنقها من قوة تأثيره عليها، متمنية أن تعود إلى البيئة التي ترعرعت فيها:
_تقصد إني هفضل على الحال ده كتير؟ هو أنا مش مكتوبلي أرجع لحياتي؟ ليه كل ده ليـ…..
قبل أن تنهي كلمتها الأخيرة، خرج مصعب من داره يزحف بدمائه النازفة على الأرض، يصرخ طالبًا المعونة. وبمجرد أن بَصَره “رمزي”، قال لها بسرعة وهو يتباعد:
_اجري بسرعة، وأجلي أي كلام تاني لبعدين!
كأن سيقانها قد تسمرت في مكانها، فلا تساعدها على المناورة كما فعل رمزي. بعدما خطى مسافة ثلاثين مترًا، التف للوراء فوجدها ثابتة، لا تتحرك، فقط تنظر بعينيها نحو مصعب الذي زحف على أرضية الشارع المملوءة بالأتربة والأوساخ، تتابع تحركاته في صدمة. حينها، عاد رمزي مسرعًا، وجذبها من يديها رغمًا عنها، وفرّا معًا إلى مكان بعيد، حيث اختفيا عن نظر مصعب تمامًا.
في أرض خصبة، مغمورة بالأشجار والنباتات، كانت تقف دراجة نارية زرقاء اللون على بدايتها. بدا أنها قديمة ومتهالكة، غمرها الغبار مما يوحي بأن مالكها غادرها منذ وقت طويل. لمح “رمزي” الأمل فيها، فركبها وهو يحاول تشغيل المحرك، فقطع الأسلاك بأصابعه القوية، ولامسهما بحذر وبراعة، وفي الحال خرج صوت الماتور. نظر إلى چيهان باستعداد، آمرا إياها بالركوب خلفه، لكنها تراجعت للوراء بخوف، فقال:
_اركبي، مستنية إيه؟
ردت “چيهان” باعتراض:
_لا أنا مش هينفع أعمل اللي إنت بتقوله ده، أنا همشي على رجلي أحسن.
نطق “رمزي” بتضايُّق، يعيد حديثه للمرة الثانية بضجر، فقال:
_اركبي بقولك، مفيش وقت للدلع ده، محدش عارف مصعب قدي، ده غلب القطط اللي بسبع أرواح، ده أنا لو كنت قطعته وحطيته في برميل كان زمانه بعدها بيجي ساعة ماشي يتسنكح على الطريق… خلصي!
ردت “چيهان” بصياح، معترضة على تنفيذ أوامره التي تتعارض مع مبادئها:
_أولًا أنا مينفعش أركب معاك، إنت واحد أجنبي يعني غريب ومينفعش أجتمع معاك في حتة، ثانيًا بقى إنت سارق الموتوسيكل وده مش من حقك… تعمل إيه لو صاحبه رجع يدور عليه؟
أجابها “رمزي”، مقدمًا حلوله العبقرية لها:
_اسمعي يا أم الچهاچين، إن كنت غريب عنك حطي الكيسة ما بينا وخلصيني، إنما بقى على حكاية سارق المكنة دي فأنا هرجعها لصاحبها تاني بمعرفتي وأهو كأني مستلفها منه.
قالت “چيهان” بتردد:
_معرفش بقى.
ثم صوبت نظرها في مكان آخر بعناد طفولي، بينما رمزي يتابعها بعينيه الحادتين، كأنه انتهز لحظة خجلها ليأمرها بتنفيذ الأمر دون جدال. فهذه الظروف لا تحتمل كثرة الجدالات، فقد سال الكوب من قطرة مياه واحدة.
كانت چيهان في حيرة كبيرة بين أخلاقها النبيلة وعقلها، لكنها في النهاية وضعت حقيبة الثياب كعازل بينهما، ثم ركبت وراءه بتوتر محسوس. بدأ يتحرك بالدراجة النارية، يسير بين الأزقة الضيقة ويعبر السكك المنحنية. حينها شعرت چيهان بالمخاطر، فتشبثت بأصابعها في الدراجة خشية السقوط.
بينما في منزل عائلة الدميري، وقفت ريم قبالة مرآة غرفتها وسط الأضواء العالية، تتفحص وجهها الذي اغتمر بالحبوب. تلك التي كلما استخدمت منتجات علاجية لإزالتها ازدادت بشاعة. بعدما مدت يدها ووزعت الكريم على وجهها برفق، نظرت إلى نفسها في حزن.
كم يتمنى المرء أن يعيش سعيدًا كباقي الناس من حوله، لكنه لم يحظَ سوى بالأزمات. فمنذ خلافها مع زميلتيها: شمس وديانا، لم تكترث أي منهما بالحديث أو التواصل معها، كأنهما استغلا الفرصة لتنهيا علاقة الصداقة وتقطع وصال المحبة. قررت ريم أن تراقبهما في صمت، حيث ألغت تفعيل “مؤشرات قراءة الرسائل” من إعدادات تطبيق الواتساب لتتمكن من رؤية الحالات دون أن تظهر اهتمامها لهما. ثم فتحت حالة صديقتها “شمس” ووجدت صورًا لها مع أصدقاء آخرين يمثلون لها منطقة مُريحة في حياتها، تأمن وتفرح معهن. يبدو أنها لم تسعد مع ريم بنفس هذا السرور مع الآخرين.
في الحال أغلقت التطبيق وهي تشعر بالضيق، وخرجت من غرفتها حاملة همومها على كتفيها. إذ تفاجأت بمنى، ابنة عمها، مرتدية زيًا بسيطًا لكنه مُبهج، يبدو أنها ستخرج للتنزه أو لمواصلة شراء جهازها استعدادًا للزواج. بمجرد أن رآتها “منى” ابتسمت وعانقتها بحب أخوي، وقالت ببسمة هادئة:
_مالك شايلة طاجن ستك كده ليه بس؟
أخفت “ريم” استياءها وراء ستار البسمة، وقالت بإدعاء:
_مين قال كده؟ مانا كويسة أهو.
حدقتها “منى” بشك، متعجبة من ردودها المناقضة لتعبيرات وجهها، عيونها حكت ما دفنته داخلها، كأنها تفسر بصمت ما يستوطنها، حيث تعبيراتها أظهرت ذلك بشدة وهي تنظر في الأرض بحيَّرة. لكن ابنة عمها التي في منزلة أختها أحست بأن هناك ما لا يرام، أرادت أن تضع بصمتها، وتخرجها من حالتها العسيرة، فجلست إلى جوارها على الأريكة، وقالت بابتسامة:
_بقى بتخبي على حبيبتك برضه؟ مش ناوية تقوليلي في إيه؟ ما هو لو إنتي مقولتيش هعرف لواحدي.
ترددت “ريم” أن تظهر شجوها بهذه السهولة، بالإضافة إلى أنها لا ترغب في نقل سلبياتها إلى الآخرين فتعكّر أوقاتهم الصافية. تراقصت الكلمات على لسانها بحيرة، لكنها قالت بخجل:
_مش عارفة أقولك إيه بصراحة يا مُنى… بس أنا في حاجات غريبة بتحصلي مش لاقيالها تفسير، وكمان مش عارفة أتصرف أو أشوف حد يساعدني مثلًا…..
قاطعتها “منى”، فسألت باهتمام، والفضول يلمع في عينيها، فأصبحت أكثر إنصاتًا من قبل، قائلة:
_زي إيه مثلًا؟ احكيلي!
ردت “ريم” بتردد، وعيناها تجولان المنزل من حولها بخوف:
_بيجيلي كوابيس بقالي كام سنة بس الموضوع معايا زايد شويتين لدرجة إن في حاجات بتربطني وقت النوم، وبحس بيهم وبسمعهم… ساعات يعني بحس حد نايم جنبي ولما بصحى مبلاقيش حد….
ابتسمت منى لها بهدوء، وأشارت إليها بمتابعة الشكوى، فتابعت “ريم” قائلة:
_وإنتي عارفة إن علاقتي بمحمد مكنتش الأولى، عرفت اتنين قبل منه ومحصلش نصيب… بيبقوا كويسين معايا في الأول بس بعدين كل ما نقرب من موضوع الجواز تحصل مشاكل تخلي العلاقة تنتهي بشكل يكسرلي قلبي… مابقتش عارفة ده الطبيعي ولا اللي بيحصل ده وراه حاجة أنا معرفهاش….
اغتسلت وجنتاها بدموعها، وهي تواصل الحديث:
_حتى خايفة أقرب من عمرو ويحصل أي ظرف يخليه يبعد عني هو كمان.
سألتها “منى” بفضول عارم، فقالت باكتراث:
_يطلع مين عمرو ده كمان؟!
ردّت “ريم” بصوت خافت، تترقّب بخوف ظاهر خروج والدتها من غرفتها في أي لحظة:
_واحد قابلنا يوم حادثة چيهان، إنتي مكنتيش موجودة وقتها… هو بصراحة شاب محترم وشكله ابن ناس أوي… طريقة كلامه ذوق ومختلف عن أي حد هتقابليه… بس لما تتكلمي معاه تحسي إنك تعرفيه من سنين.
أبدت “منى” رأيها بوضوح، معبرة عن آراءها الشخصية:
_طب حلو فرحتيني والله… أصل اللي زي دول بقوا قليلين في الزمن ده، بس مادام هو كده فعلًا امسكي فيه بإيديكي وسنانك وأوعي تفرطي فيه!
جفّفت “ريم” دموعها بأنامل مرتجفة، وقد اشتعل في داخلها دافع خفي يدفعها للكلام، لتُفصح عن علاقتها بعمرو بقدرٍ من الوضوح لم تجرؤ عليه من قبل، ثم قالت بنبرة حازمة تنفي فيها:
_أنا مقولتلكيش إن في بيني وبينه حاجة، وبعدين ده أنا لسه متعرفة عليه إمبارح يعني ملحقناش نعرف حاجة عن بعض… هو شكله يعرفني من وقت المشكلة اللي حصلت، أنا بقولك إنه مجرد إحساس يعني بس حسيت من نظراته إن في حاجة.
ربّتت “منى” بكفّها الأيمن على كتف ريم، فانتزعت منها ضحكة عالية، ثم نطقت بيقين:
_بكرا هيبقى في وهتقولي منى قالت… ولو حصل في يوم من الأيام واعترفلك مثلًا مثلًا يعني إنه بيحبك امسكي فيه وأوعي ترفضي أبدًا.
ردت “ريم”، مستبعدة السيناريو الخيالي الذي رسمته لها منى:
_خيالك واسع أوي يا منى، هو أي حد يكلمني كلمتين يبقى أكيد إنه بيحبني؟ مش يمكن بيتعامل عادي؟ وبعدين أنا أصلًا مش عايزة أرتبط بحد، كفاية المصايب اللي في حياتي.
تفوهت “منى” بابتسامة:
_عيشي حياتك وافرحي، محدش واخد منها حاجة… ويلا بقى أنا هخرج أشتري شوية حاجات كده ولما أرجع هعدي عليكي… أصل حوارات جهاز العرايس دي مبتخلصش….
ثم ضحكت وقالت بتمني:
_عقبالك يارب لما تتسحلي زيي كده….
وعانقتها قبل المغادرة، ضامّة إياها إلى صدرها بإعزاز، ثم غادرت الشقة دون أن تبالي لطريقها. كانت تنثر البهجة على درجات المنزل، وهاتفها في يدها تُجري اتصالًا بخطيبها، محمد. وما إن لمح اسمها على الشاشة حتى أجاب فورًا، فرفعت صوتها عاليًا، حتى ارتد صداها بين جدران دار العائلة، قائلةً بدلالٍ مُصطنع:
_ألو يا محمد يا خطيبي يا غالي… أنا جايالك أهو خليك في مكانك لا نتوه من بعض… طيب ماشي نروح نجيب الدهانات الأول ونعدي على المعرض نجيب طقم الحلل….
فتحت بوابة الدار وانطلقت تضحك بأعلى صوت، غير عابئة بنظرات المارة من حولها. لقد ألقتها الظروف في حبٍّ مفروض، غرامٍ لم يختمر بعقلٍ ولا بطمأنينة، لكنها اختارته بملء إرادتها، رغم ما يعتريها أحيانًا من ندمٍ على خياراتها. شعور مبهم يخبرها أن الحياة ربما كانت تحمل لها ما هو أوفق لطبعها وأهدأ لقلبها، ربما هي تلك التقلّبات المزاجية التي تداهم الفتيات قبيل اقتراب موعد الزفاف، فتزيد التوترات وتُثقِل النفس بتقلباتها. كانت تعلم أن زواجها سيكون طوق نجاةٍ من ربقة الصعوبات التي عانتها داخل بيتها، خصوصًا من إخوتها الذكور، الذين أطبقوا على حريتها بقبضة لا تلين، وأطفأوا في عينيها لهفة الشباب.
وكان عبد الحليم، أخوها الأكبر، أكثرهم قسوة، ينهال عليها بالتوبيخ في حجرته كلما سمع بأنها تتحدث إلى شاب، حتى وإن يكن ذا شأن. كان يُسقِط رأسها خزيًا، وكأنها اقترفت جريمة لا تُغتفر.
وقعت وقتها في بئر أخطاء المراهقة، ولم تجد من يأخذ بيدها إلى طريق الصواب، لا نصيحة، ولا حضن حانٍ، ولا دعمٍ يُعين. ومنذ ذلك اليوم، باتت تُكنّ له عداءً خفيًا، يرفض الهدوء أو المصالحة، حتى إنها لا تحتمل الاجتماع به في مكان واحد.
في هذه اللحظة، صكّت ريم باب الشقة، فصوت ضحكات منى العالية لا يزال يخترق أذنيها، بنغمة مصطنعة تتعالى في فضاء الحي. توجّهت إلى المطبخ تُعد الغداء للأسرة.
كان المطبخ مرسومًا بالنظام، تنطق كل زاوية فيه بالتنسيق، من الأطباق المرصوصة برشاقة فوق الحوض، إلى السجادة الهادئة الموشّاة بورودٍ حمراء زاهية. وبينما كانت تستخرج الدجاجة من الثلاجة وتغسلها تحت الماء الجاري بلُطف لتذيب عنها الثلج، لمحَت طيفًا يمرّ بسرعة الضوء، بلا ملامح، بلا جسدٍ واضح، ارتعد جسدها، وداهمها الفزع، فتركت ما بيدها وأنفاسها تتلاحق، وخرجت ببطء ثقيل، تنظر حولها بحذر.
قرأت آية الكرسي بصوت مرتجف، تتلعثم في الحروف، والعرق يغمر جبينها، وقد جفّ ريقها.
الجسد لا يكذب، هو جهاز استشعار دقيق، يسبق العقل في الشعور بالخطر، كرفيقٍ لا يخون.
وفي تلك اللحظة، سمعت ريم صوت غلق خزانة نوم والدتها. اقتربت وطرقت الباب برفق، ثم دخلت تتحقق مما يدور في ذهنها. لكنها وجدت والدتها غارقة في نومٍ عميق، لا علم لها بما يحدث خارج عالمها الصامت.
خرجت ريم من الغرفة وأوصدت الباب دون أن تُحدث جلبة. وقبل أن تعود إلى المطبخ، دوّى نغمة اتصال، فذهبت إلى غرفتها وانتزعت الهاتف من فوق السرير. كانت مكالمة من “عمرو”، كأن صوته أتى ليغسل عنها بقايا الخوف الذي ألمّ بها. استجابت، وما إن سمعت نبرته، حتى وجدته يقول بفرحةٍ دافئة:
_مساء الخير يا ريم.
جلست ريم على سريرها، تتبادل معه الأحاديث، فيسألها عن حالها وهي على هذا النحو، إذ تبدو علاقة جديدة في طريقها للعلن، وقد تخطو أيضًا في مسار الجديّة، فنوايا عمرو ظاهرة وغير مبطنة، فإن أحب أفشى مشاعره، وإن رغب أوضح مطلبه.
كانت الأجواء هادئة، وأكثر سكينة من قبل، فارتسمت بسمة خفيفة على شفتي ريم، وعينيها الضاحكتين.
بينما في بلدة بعيدة بمسافة ستين كيلومترًا، إذ فرّ رمزي من طرق ملتوية وقاصية عن الطرق الرئيسية حتى لا يراهما الأغراب سويًا، فيظنون بهما الإثم، حيث يدور بالدراجة بسرعة كمحترف مارس القيادة لأعوام.
كانت الأشجار الخضراء متوازية على الجهتين، تحمل الفواكه الطازجة كالتوت، والتفاح البرّاق، الذي من قوة نقاوته بدا كمرآة تعكس الطرق والمارة من حوله، أما أوراق المانجو، فتتطاير على وجهيهما بلطافة.
سترت چيهان وجهها بحجابها حتى لا يُبصرها أحدهم، فيلقي عليها اتهامات لا تستحقها، فإن وُجّه إليها سؤال فلن تجد سوى الصمت إجابة.
ظلّوا يفرّون كالفئران الرهبانة، إلى أن نفد وقود الدراجة، فتوقفت في مكان قريب من مولدٍ ليله كنهاره، إذ الأناشيد لا تتوقف لحظة، والناس في الداخل بأعداد مهولة: منهم من يمارسون الزار في حلقات من الجهل، والبعض يركب المراجيح فيجد فيها استجمامه الذي يفتقده، وآخرون يشترون الحلوى المقدسة من وجهة نظرهم المتخلفة.
كأنهم يعيشون في ماضٍ لا يعرف التقدّم، ويتشبثون ببواقي الخِرَق التي ورثوها عن أجدادهم.
فوقف رمزي وچيهان جانبًا، كلاهما ساتر معالم وجهه بالأقمشة، كسلابين الطرق تمامًا، ينظران لبعضهما في صمت، إذ قال “رمزي” بقلق وهو يرمق كل من حوله:
_احنا هنسيب المكنة دي هنا ونمشي على رجلينا لحد ما نوصل للمكان اللي قولتلك عليه!
بما أن “چيهان” والاعتراض لا يفترقان، رفضت الاختباء معه للمرة الألف، بعد المسافة الطويلة التي قطعوها سويًا، فشبكت ذراعيها في بعضهما بعناد لا ينفك، وقالت بحدة:
_وأخرتها إيه معاك؟ ممشيني وراك زي الجاموسة وفي الآخر هنغرق بسببك!
اقترب منها “رمزي” بخطوات جلفة، وقال بنبرة خشنة:
_لما تغرقي أبقي اتكلمي… لو مش عاجبك ارجعي لأهلك، وأأكدلك إن أبويا تاني ليلة هيكون ساحبك في داره زي الجاموسة اللي بتقولي عليها دي، و…..
بترت “چيهان” كلماته المستفزة، فقالت بصياح:
_احترم نفسك، أنا أقول كده على نفسي لكن إنت متقولش!
نطق “رمزي” بانفعال:
_ما جرا إيه يا أبلة چيهان؟ هو احنا كل خطوة هنمشيها هتفضلي تصيحي وتدبدبي برجلك في الأرض زي العيال الصغيرة؟ ما تكبري مخك ده عشان مصلحتك، أنا كده كده مش مستفيد منك في حاجة.
ردت “چيهان” بكبرياء، قائلة بإصرار:
_اعتذرلي عن اللي إنت قولته ده دلوقتي حالًا!
لكن كبرياءه كان أعظم، فقال باعتراض وهو ينزع القماش عن وجهه بحركة ساخطة، فجزّ على أنيابه، وقال بغضب:
_لما إنتي كمان تتأسفيلي على اللي قولتيه في حقي في دار أبويا… ماهو مش رمزي اللي يتقاله إنت أحقر إنسان شوفته في حياتي برضه!
رفعت چيهان حاجبيها بغرور، ورمقته بحدة، وبالفعل أصابته سهامها المُغنَّجة، فسرعان ما تنازل عن كبريائه كرجلٍ حُرّ لا يقبل الانتقاص، وقال بابتسامة خفيفة:
_خلاص، أنا هتأسفلك إكمني عقلي واسع ومبركزش في كلام الحريم اللي لا بيودي ولا بيجيب….
وتابع بنبرة غرور لكنها مرغمة:
_آسف…
ثم حدَّقها وهي لا تزال حانقة، فقال:
_كده حلو؟
تلفظت “چيهان” بامتعاض، حيث أجابته وهي تخطو للأمام باندفاع:
_لا مش حلو.
خطا “رمزي” وراءها بدهشة، متعجبًا من درجة عنادها الجارفة، فتلفّظ بصياح مازح:
_بعد كل ده وكمان مش عاجبك؟ أمرك غريب صحيح.
بعد ثوانٍ معدودة، إذ بچيهان تتراجع مسرعة نحوه، وأدارت وجهها بعدما رأت رجلًا وزوجته، يمثلان جزءًا من العائلة، قد خرجا من المولد بصحبة أطفالهما: ثلاث فتيات، وصبي صغير في العاشرة من عمره.
سينكشف كل شيء، وستُفسَّر الأمور ضد جِيهان، وتنقلب الأوضاع رأسًا على عقب إن باح أقاربها بهويتها الحقيقية، إذ ازداد الأمر سوءًا حينما توقّف “الرجل” مكانه بالقرب من رمزي، وسأله بحيرة المغترب الذي يجهل معالم البلدة، وقال:
_متعرفش يا أخينا أروح محطة القطر منين؟
يتبع…
