روايات شيقة
رواية زهرة بين براثن البأس كامله وحصريه بقلم سيلا محمد
رواية زهرة بين براثن البأس كامله وحصريه بقلم سيلا محمد
« زهـرة بين براثِـن البـأس »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« تمهــيد »
« يفصلهما قارتيـن من التناقُـض ، و بحـرًا عميقًـا لم تُسجِـل إحداثياته الخرائـط …
تمكث أنتَ هناك .. فى قارتـك ، تُخفي احتياجك خلف صرامـةٍ زائفـة ، و أما أنا ما إن أتعثـر حد السقوط ، حتى أقف من جديد ….
قلبـه مدينـة قويـة الحصون ، و رغم صلابـة الجدران فقد سقطت أسوارهـا تحت قصف الاشتياق …
يشتاق إلى من رحلت ، و لن تعـود …
جمع ما تبقى من ذكرياته بها ، ثم أغلق الأبواب …
بـابٌ يليه ألفُ بـاب .. و تقطعت بَتلات الثقة .. تلحقها جذور الأمل …. تعقُبها فروع الانتظـار …. حتى بات ذاك الفؤاد كما كهـفٍ موحِـشٍ لا يُرحب بأحد …
و قبل رحيلهـا ، تركت لعنتها الأخيرة حولـه ، كأنها تُخبِر الكون بأسـرِه ؛ ألا أحد بعدها يستحق قُربـه .. و ألا يحق لغيرها أن يهنـأ بمحرابه …
و منذ ذلك الحين ، صار حبيس قوقعته …
ويلٌ لمن تقترب من البـأس ، حتى تشعر بلدغـات جحيمِـه الحارقـة دون أن تُحِـس .. »
بقـلم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« هل على من تسير على الأشواك حافيـة ، ألا تتألـم ، و تحتمل نزفًـا داميًـا من داخلهـا قبل الخارج ؟!
تستقيم …. و إن انحنت فذاك كما استسلام النبته لنسمات الهواء ، ثم تزهـو من جديد بعطوها الفـواح ..
آمنَتْ أن المبدأ الذى عليها الإتكاء عليه :
” قفِـي …. فالأرض لا ترحم الخاضعين تحت أقدام الآخرين … ريثُما الزمن الذى نركض خلفه لاهثين ، لن ينتظـر ضحايا الخيبات …
انهضي …. و إن كانت الروح مُثقلـة بالهموم .. و إن كانت السماء فى مرآكِ مزينـةً بالغيـوم .. فما عليكِ إلا الدعاء إلى الحي القيوم … و أغلقي باب الظنـون ..
رُب ظـنٍ خاب قاصده ضائعًـا ، و إن باتت السُبل مرسومةً بأقلام اليقيـن “
فهي التي آمنت ولا تزال .. أن السقوط حادثـة ، أما البقاء على تلك البسيطة شامخة فهو القـرار ..
فالفهـود تُجرَح لكنها لا تنحني .. و الجبال تبقى صامدة وإن هاجمتها الرياح …
هى الزهرة التي خُلِقت لتسير على الأرض ممهـدة ، لا لتكـون أرضًـا عليها يطأ الآخرون … »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« الفصـل الأول »
« رهــان خاســـر »
« منذ نعومـة أظافرهـا .. نشأت على صفاء النوايـا .. لا تعي الرضوخ الأعمى ، بل تربت على الحـذر .. على العفـة عن التساؤل ، و إن كانت الإجابة بلسم للشفاء. تضع اليقين دائمًا فى نطاق محكمة العقل ، إلى أن تنتهي الجلسـه بالعفـو دون عقاب …
ظهرت أمامـه خِلسـه ، دون ترتيب مُسبق ..
رأت فى عينيه حقـول من الألغـام .. و على شفتيه أمـارات الإتهـام … و فى قلبه قبـو مُغلق بإحكام ..
لكنها ، و إن كانت بالبراءة تتوسد .. فلم تكن يومًا سريعة الانقياد ، أو غافلـة مقدسـة سهلـة الإصطيـاد …
ربما أرادت أن تضع بساحة روحـه المنهكـة زهرة قرمزيـة ، كما فعل بحديقـة قصره …
نعم أرادت و لو جرحتها الأشواك …
لم تقع صريعـة شموخـه و هيبته ، بل الشموخ و الهيبة هم صرعى براءتها ..
و إن اقتربت قليلاً .. ربما تربح .. و ربما لا تجنِي إلا الخسـارة .. !
ألا عليها أن ترتمي داخلـه كما عذراء النيـل فداءً بوفاءه ؟! أعليها أن تجثـو أمام صقيـع مشاعره ، تلبيـةً لنداء طفله ، ربما يتطهر من وعدٍ سابق فقد صلاحيته .. ؟!
هل رأيتم يومًـا من يُنقذ الجليـد بقُبلـه مُلتهبـة ؟؟
سأُجيب : نعـم .. ربمـا يومًا مـا تفعـل …. ربمـــا »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
أُمسيـة فى ظاهرهـا هادئـة ، لكن الظاهر ليس دائمًا كما يبدو عليه …
هـدوء .. أضـواء متراصـة على الجانبين … حفيف الأشجار و صوته المعتاد المُحبب إلى الأسماع … و مكتب أنيق فى الداخل … مُغلق
يجلس خلف كرسيه رجـل .. اعتادت نظراته الحادة أن تكشف ما حرص الآخرون على إخفاءه ..
أنيق .. جذاب … غامض بعض الشيء أو ربما الشيء كلـه ..
أقسى ما يعانيه المرء أن يُحاول جاهدًا التوغـل داخل تلافيف عقلـه ؛ فإما يُصاب بالهذيان … أو تضحى علتـه الجنون …
اعتمد على أنامله البارعة التى تتحرك بثقة على حاسوبه الخاص ، و جم تفكيره فيها …
عقلـه اعتاد الانشقاق … يفكر فى اتجاهين دون أن يختـل ميزان أحدهما …
يترجم فضولـه والتجاهل التام … لكن داخله ينتظـر … و يتساءل … و يستشيط غضبًـا من شدة الغيـظ …
ليُنصت إلى تلك الضربات الرتيبة على باب مكتبه ، أعقبها صوت الحسناء غنـوة قائلـةً فى تـودد :
— بـأس باشـا … القهـوة حضرتـك …
عالج بـأس تلك الكلمات بصرامة :
— ادخلي .
دلفت غنـوة إلى الداخل فى هدوء .. هامتها عالية ، أنفاسها منتظمـة .. يقينهـا صائب … حُلمها و صبرها فسيح …
ثم اقتربت من مكتبه الملكي المصنـوع من خشب الأبنوس العريق ، و وضعت صينية التقديم التى تحمل على متنها فنجان مُذهب من القهوة الفرنسية فاخرة المذاق ، إلى جواره كأس من الماء … لتردف :
— القـهوة يا أفنـدم …
لم يرضخ بـأس لنبرتها العذبـة ، ولا لرقتها المتناهية .. و إنما ازداد عبوسه ليهتف :
— أنـا طلبت مِنِك قهـوة ؟؟! إنتِ تعملي اللي أقولِك عليه و بس .. غير كده مش مسموح …
ابتسمت غنـوة فى نعـومة :
— أنـا اتعودت من حضرتك تطلب فنجان قهوة من ايدي أول ما تدخل المكتب ؛ فقولت أجهزها لحضرتك قبل مما تطلبها ….
فَطِنـة … أريبـة … حاذقـة ..
تعي جيـدًا كيفية التعامل .. تعزف على شغاف قلبه .. ترتجي منه اللين لها و لإبنتها حالما تنتهي من مهمتها التي أسندها إليها أخيه الأستاذ الجامعي صاحب الخُلق ” والـي الحديدي “
و فى ظل تأملـه لها … نهض من مجلسـه ليقترب منها ، ترتكز عيناه مباشرة على صِحاف وجهها ، ليردف بصوته العميق :
— مين غيداء عبد الصبور ؟!
بأنفاس هادئة .. حاولت غنـوة إلتزام الثبات أمام ذلك الماكر ، متقد الذكاء .. لتهتف :
— بنتي ..
عاود بـأس السؤال ليحمل من الاستهزاء أكثر ما يتضمنه الاهتمام :
— و يا ترى إيه اللي جاب بنتِك القصر من غير إذن ؟!
أجابت غنـوة بإعتزاز أُم لا تحتمل كلمة جارحة تُلقَـى فى ربوع ابنتها الوحيدة :
— اتصلت عليا كتير ، و أنا مسمعتش الفون .. و لما قلقت ، إجت تطمن عليا ..
اقترب بـأس أكثر مما ينبغي ، لتتراجع غنـوة إلى الوراء ، يتجسد بداخلها خوف مجهول من ذاك الرجل … ثم أردف :
— و إيه سبب القلق ده كله ؟! .. حد قالها إن ده بيت الرعب ؟!
تملك النفور من قلب غنوة بشكل صريح ، لتكشف عنه بإمتعاض ظهر جليًا فى كلماتها :
— لأ يا بـاشا … مش بيت رعب ولا حاجة … بس دي بنتي الوحيدة .. أبوها إتوفى من سنين ، و سابنا للدنيا … أنا مليش غيرهـا .. مبتحملش عليها نسمة الهوا ، و فخورة بيها جدًا قدام نفسي و قُدام الناس …
أنا ربنا كرمني بجوهرة أكيد بخاف عليها تضيع من إيدي ، و زي ما حضرتك عارف …
لما يكون الخوف على أقرب الناس ليك ، عقلك و تفكيرك بيتجمدوا ، و تبقى مستعد تضحي بروحك عشانه .. زي ابنك مثلاً …
زي ما بتحبه و هتتجنن لما يبعد عندك ، أنا عندي بنتي بالدنيا وما فيها …
« إجابـة منمقـة .. بكلمات قويـة .. صريحـة .. أخرست لسان بأس للحظات ..
لا يزال على دهشته من تلك المرأة و ابنتها …
يتساءل : ما هو سر تلك الأسرة الصغيرة المؤلفة من امرأتين ؟!
للمرة الأولى يعجز عن سبـر أغـوار من أمامـه ..
الكُبرى .. إن تحدثت ؛ تهب من روحهـا طمأنينة تكفي لترميم جراح القلب ..
رزينـة ، تتكيء على جدار الصبـر و الجَلـد ..
و إن غابت .. تركت خلفها فراغ لا يملأه آلاف الحاضرين .. فقط لأنها تُعطي .. تُقدم بلا حساب .. لا تتوانى عن العطاء … إحساسها صادق … و إن أرادت ، و لم تمنحها الحياة .. لا تتذلل … بل ترحل فى صمت قانعة …
و أما الصغرى ، فهى معنى التناقض الجميل ..
لم يمنحها القدر سوى وجنتين .. إحداهما يافعة جميلة ، و الأخرى عطباء تثير الشفقة ..
و رغم ما تُعاني .. لا تيأس .. لا تخضع .. لا تخاف ..
أرض قاحلـة من الحظوظ الحسنة ، بل سيئها الغالب …
لكنها لا تزال تُزهر بتلات القُرمُـز ..
انطباعـه عنها هو التلاعب بمن حولها ، و استجداء الشفقة لأوضاعها المريعة ، و لكنها أمامه منذ القليل واثقة … لطيفة .. لذيذة حتى فى ظل خوفها و رهبتها ..
ألتِلك الدرجة تتقلد الدهاء .. ؟! ربـما .. عليه أن يتأنى و يصبر ، فمن لا ينكشف دواخله اليوم .. سيرضخ فى النهاية حد الاعتراف … »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
أذِن لها فى الرحيل .. بعد أن أثنى على خَمر الصالحين ، مذاقها الطيب بأناملها تجعل من يرتشفها للمرة الأولى ، لا يكتفي ، و من يديها لا يمكن أن يرتوي …
ابتسمت .. ثم غادرت المكتب فى رويـة بهدوئها ؛ و رقتها المعتادة …
و أما فى الخارج … تقف الأخرى بين نـار الخوف ، و كلاليب الخشيـة ..
تخافـه ، و للقاءها العابر به ذكرى لا تُنسى .. رجـل مهيب
حاصرها عند المغيب .. لا تدري أبكلماته الجُرح ينزف أم يطيب ؟!
يا لـه من سيد ! تعلو هامته عِـزة .. إلا أن حديثه الساخر ، و نظراته السافرة الثاقبه ، و جديته .. كل ما اعتراهـا بلقاءه اللحظِي تجاوز حدود الخصال الحسنة ..
نعم … يتملكه الغرور .. متغطرس … يُعاني من جنون العظمـة .. لا يفقـه شيئًـا عن النساء …. و .. غير مهذب ..
لتتذكر نظراته التى اخترقتها بلا حياء ؛ مردفة فى استياء :
— أما صحيح رجل قليل الأدب … يا ترى لما الفستان انكشف رجلي كلها بانت ؟!
( ثم اتسعت مقلتيها فى فزع ؛ و أردفت ) :
— مصيبة لَـيكون شاف رجلي كلها زي ما قال .. بني آدم سافـ..ـل ..
قررت غيداء الرحيل دون تفكير ، لتلتفِت من أجل الذهاب إلى والدتها و إخبارها بنية سلوكها القادم ، إلا أنها تفاجئت بحضورها تحمل حقيبتها ، قائلة بضحكة قصيرة :
— أنا عارفه إني تأخرت عليكِ يا روحي .. معلش كنت بجهِّـز نفسي بس .. و أديني جيتلِك أهــو …
لم تكُد غيداء ترى والدتها ، حتى اندفعت إليها ؛ ترتمي داخل أحضانها تنشد أمان غاب عنها لدقائق ، ثم ابتعدت عنها قليلاً لتحتوي وجنتيها فى حب قائلة وسط دموعها:
— طمنيني يا ماما … قوليلي صاحب القصر قالِك إيه ؟!
زعلِك فى حاجه ؟! أهانِك لا قدر الله ؟! رفدِك من الشغل ؟! كله يهـون إلا كرامتِك … المهم قوليلي بس إيه اللي حصل يا غنـوتـي ؟
همست والدتها ببِضع كلمات كما ماء زمزم يداوي حرارة قلبها المشتعل ، ثم أردفت تلك الكلمات بوعد الحديث تفصيليا بعد الرحيل …
‹ إمرأتين خُلقتـا من رحم الصابرين … ترتبـان شتات الليال بأنامل ترتجف من التعب ، لكنهما على عكس المتوقع لا تتوقفان عن البناء …
لا تُطالبان العالم أن يتفهموا حروبهـما ، بل تكتفي أن يراهما الناس بجميل ما يرون ، و ليس بأقبحـه …›
و خلال تلك اللحظات ، كانت هناك عيون تُبصِر .. بل تُطالِب بالرحيل معهما …
عيون تحمل بداخل قلوب أصحابها مختلف المشاعر ..
_ فهناك عيني البـأس الذى ظل يتأمل مشهد الأمومة من قِبل غنـوة ، و الإشتياق من قبل ابنتها …
و رغمًـا عنه عقله لا يهـدأ .. تفكيره بها لا ينتهي …
و الجنـون الأعظـم هو ما يتآكل بصدره من أجلها ، و لأجلهـا … لكن طاغوت كبرياءه لا يستسلم ولا يرضخ ..
_ أما تلك العيون التى تعطرت بالحكمة ، سلطت سهامها على الأخرى التى ضمت إليها غيدائها فى حنان ..
أحاطتـها إحاطة السوار بالمعصم .. قلبه الذى أعلن الاعتزال على مقاعد البدلاء ، صار فى حُسنها حائر …
_ بينما العينان الصغيرتان اللتان تتألقان فى شغب ، ركض على إثـرها الصغـير نائـل فى سرعة ، محاولاً اللحاق بغيداء قبل رحيلها بصحبة والدتها … لينادي بكل ما اقتدر من صوت :
— ” استني يا طنط … استني .
إلتفتت غيداء بلمح البصر ، تتطلع إلى الصغير فى حيرة و حنان ، ثم ركضت إليه تحمله فى شوق أم حُرمت من كلمة عذبة على المسامع … كلمة ” مـامـا “
— تحت أمرك يا حبيبي … قولي بقى عايز إيه من طنط ؟!
رفع نـائل كفه اليمنى الصغيرة ، يتحسس بها وجنـتي غيداء فى نعومة ، ثم همس فى أذنها :
— إنتِ حلوة أوي يا طنـط … وشِـك شبه التفاحة .. و أنا بحب التفاح …
انطلقت ضحكات غيداء فى سعادة ، تليها نظرات الفرحة من غنـوة ، التى داعبت خصلات الصغير الشقـراء الناعمة ، فى حين تملك الغيظ من بـأس لرغبته فى معرفة سر تلك الضحكات ..
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
إلتقطت غيداء أنامل الصغير تُقبلها إصبعًا يلي الأخر حتى انتهت بقبلاتٍ خمس ، أحيت بقلب نائـل إحساس إفتقده طويلاً رغم عشق والده و جده ، و باقي أفراد أسرته …
انتبهت غنـوة للرباط الخفي الذى جمع بين ابنتها و ذاك الصغير فى لحظات ، ليهمس داخلها :
— ربنا يخليكي يا بنتي ، و يكتر حبايبِك … حتى الأطفال بيعشقوكِي .. لو كان أبـوه يشوفِك بعيون ابنه .. يبقى ربنا بيحبه ، و كرمه من أوسع أبوابه … بس هنــ…. “
انفصل حبل التفكير لدى غنوة بهمس ابنتها بنبرة مشاكسة :
— قولتلي بقى .. بتحب التفاح ، و شايفني تفاحة .. يعني بالشكل ده ناوي إنك تـا……..
ضحك الصغير ضحكته الطفوليه ، ليستكمل حديثها قائلاً :
— إني أكلِك هَـمْ هَـمْ … تعالي يا miss apple ( آنسـة تفاحة )
و اقترب من وجنتها القرمزيه بثغره العذب الصغير ، للتظاهر بقضم قضمة من تفاحيتها ، أعقبها بصوت التلذذ الشهي :
— إمممم … لذيذ
عادت غيداء إلى ضحكتها فى نفس اللحظه التي قرر فيها بـأس التدخل ، ليهتف :
— نائـل .. تعالى هنا يا حبيبي …
إلا أن نائـل أطبق على عنقها بذراعيه قائلاً فى عناد :
— لأ يا بابي … أنا عايز التفاحـة دي تفضل معايا على طول … قولهـا وحياتك يا بابي .. أنا حبيتها ، و بقينا أصحاب … ( ثم إلتفت إليها قائلاً فى وداعه ) :
— مش إحنا خلاص بقينا أصحاب يا تفاحة ؟!
أجابت غيـد فى تسلية مُحببة إلى نفس نائل ، و قد تسللت إلى والدِه :
— بس لو فِضِلت تاكل مني كل يوم قطمة ؛ مش هيفضل مني و لا حته .. و كده هخلص خالص .. هتعمل إيه وقتها ؟!
أجاب نائـل فى براءة :
— هسقيكي مياه من الرشاش زي ما بسقي الورد اللي فى الجنينة ، و كده هتطرحي تفاح كتير كتير …
انطلقت ضحكات الجميع يتردد صداها ، لاسيما بـأس الذى اعتاد الجمود والتجهم ، و لكنه الآن فى لحظاته قد تغير كُليًـا .. لينضم إليهم شقيقه والي و والده صلاح الدين … ناهيك عن ذاك الأشيب الآخر ” غـازي “
إلا أن عُمْـر الضحكات .. مجرد لحظات .. ما إن تبدأ حتى تنتهي .. بإقتراب دارين و شقيقتها جوليـا …
نظـرتها كانت كفيلة بإشعال النار فى لحظة .. عاصفة من رمـاد … صخب مخيف … و صرخة مقيته … و كلمات سامة ، من ثغر الحقودة دارين قائلة :
— إنتِ بتعملي إيه يا مشوهة هنا ؟! مش مكفيكي الجامعة و التصرفات البيئة اللي بتعمليها … وصل بيكِ الجنان إنك تيجي كمان قصر أبِيـه والي ..
لأ .. ده إنتِ كده تبقى هربت مِنِك عـ الآخر ….
« نغفـر … و قد نُسامح … أو
نُسامـح .. وقد نغفـر فى بعض الأمور ، و ليس جميعها
ولكن المساس بأمن من نُحب هو فتيل الشعلة التى ما إن أطلقت سراحها ، حتى كادت تقضي على الجميع ..
تخضبت وجنتاها من فرط الغضب المتقد بداخلها .. يُثرثرون .. يعبثون .. يتهكمون … يهيمون … يفعلون كل ما فى استطاعتهم لكي يجرحوها ، إلا التعدي على ابنتها …
لن تغفـر .. لن تصمت .. لن تسمح لهم بالتجاوز …
فإن فعلوا ، فليحتملوا غضب الأم إذا أعلن عن نفسه .. »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
اتسعت مقلتيها ، ليتلاقى الحاجبين فى ثورة ؛ ثم أحاطت بابنتها فى حماية ، لتدفعها إلى الخلف .. و اقتربت من دارين بأنفاس حارة انتبه إليها الجميع ، لاسيما والي الذى أراد الصراخ فى شقيقة زوجة أخيه
و لكن ما أقدمت عليه غنوة قد أطفأ ثورة الغضب الكامن بصدره …
و قد ذُهِـل الجميع مع صوت تلك الصفعة المُدوية القويه الذى تردد فى المكان ، لتسقط على إثره تلك التى تُضمِر العداء لغيداء من شدة غيرتها و ضغائنها المريضة …
صفعـة قويه فى مقتل …
مقتـل الكبرياء و الغرور … مقتـل من تعالت و أفنت لياليها فى سبيل تشويه سُمعة البريئة الناعمة غيد
..
صفعـة تجمد لها والدها غازي و زوجته ..
صفـعة سيطرت بجرأة صاحبتها على عرش بـأس ، ليتأمل المرأة الرقيقة التى زينت بشروق ابتسامتها مكتبه منذ قليل ، لتتحول فى لحظات إلى كشمـاء شرسـة غيورة على من هى من جدار رحمها ….
و ما إن تأملت تلك الذليلة ، و أنينها العذب على أذنيها
إلتفتت إلى غازي قائلـة :
— قول لبنتك تحترم نفسها … كله إلا بنتي .. نار الغيرة اللي جواها يا تتحملها لوحدها و لنفسها ، يا إما أنا بنفسي هطفيها ؛ و ساعتها هتندم ندم عمرها …
أنـا يجوز حالتي المادية على قدي ، لكن عندي كرامة تساوي كنوز الدنيا كلها … و بنتي حتـه مِني
يعنى كرامتها قبل كرامتي …
تقدمت غيداء من الدكتور والي فى شجاعـة مُلفته ، ثم جمعت خصلاتها الناعمة الفاحمة فى جديلة طويله ، برزت من خلالها علامات الإحمرار على جانبها الأيسـر
لتردف فى ثقـة :
— أنـا احترمت رغبتك يا دكتور والي لما طلبت مني آجي القصر أقـدم عروضي بمنيو خاص ، وده شيء عادي أنا بالفعل بدأت التعامل بيـه فى المطاعم الكبيرة
و معظمهم دلوقتي بيطلبوا الأوردرات من عندي ..
أمي قررت تساعدني ، و تدعمني علشان متعطلْش عن دراستي و مذاكرتي …
من يوم ما بدأت شغلها ، مجهودها نال إعجابكم من أول لحظه .. لكن ده مش معناه إننا نتعرض للمهانة هنا فى بيتك …
البيت مهما يكون حجمه ، حتى لو قصر فخم زي ده .. فهو فى النهاية جدران صلبه … إنما اللي بيعطيه المكانة هو الدفء الأسري و الرعاية و الاهتمام و الحب …
علشان كده … ده آخر يوم ماما تيجي فيه هنا … قدام حضرتك طرق كتير جدًا تقدروا تجربوها …
أما إنتِ بقى ( و أشارت إلى داريـن التى لا تزال مستلقيه على الأرض المُصمتـة ) :
— لو فكرتي للحظة واحده إنك تقللي مِنّي ، ومن مجهودي .. أنا هـقدم فيكِي شكوى للسيد رئيس الجامعه .. عن اذنكم …
و رحلتا فى هدوء ، بعد أن استطاعت كلتاهما إطلاق
أبـواق الثورة على تلك المتحذلقـة دون خشية لوم اللائمين ، أو مركز أبناء الحديدي الصارميـن …
رحلتـا … ولا يزال بـأس يقف هادئـًا يستمتع ، فما فعلته كل من غنوة و ابنتها ، بما قد أشعل تفكيره ، ليُصادِف بعد سنواتٍ مضت إمرأتان بمثابة إحيـاء شُعلـة الاهتمام لديه ..
ظل لسنوات طويله لا يفكر إلا فى طفله الصغير ، و عمله..
حمل على كاهِـله مسئولية أسرته .. شركاته … كل من يعنُـون له … فصار هو الجدار القوي الذى يستندون عليه .. الحامي الذى لا يتردد فى الزود عنهم بكل ما يملك …
أما قلبه ؛ فصار كما حجرةٍ جوفـاء لا حياة فيها …
لذا ظل صامتًا … يتأمل المشهد فى تلذُذ …
يشاهد الإرادة فى أعظم صورها .. لطالما كره الضعف ، و الضعفاء … لذا عليه التفكير فيما يجب عليه فعله ، لتعود الغنـوة …. و تعود الغـيد ….
انتفضت والدة دارين فى هياج غاضب :
— دي آخرتها يا صلاح باشا .. بنتي تتهان و تنضرب بالقلم على وشها فى القصر بتاعك ، و قدام عينيك
وبدل ما تطلب من الأمن يرميها بره ، أو تبلغ عنها بتهمة السب و القذف .. تتفرج عليها من غير أي رد فعل .. ؟!
هو إحنا جايين هنـا علشان نتبهدل …
البنت الحقيرة دي لو متربيتش هي و أمها ؛ أنا هاخـد نائـل معايا و هنسافر ..
لحظة فارقة … تحول فيها بـأس من دور المُشاهِد المتأمِل إلى دور المهاجـم الشرس ..
لا يعتاد على مقاعد البدلاء … فهو الحكم القاضي بأثر من حولـه .. و إن لـزِم الأمر اشهـار البطاقة الحمراء سيفعـل …
ليهتف فى حدة صارمـة :
— مدام حسنـاء … أنا بحترمِك و بقدرِك ، و قيمتِك من قيمة رحيق الله يرحمها ؛ لكن حتى رحيق رغم حبي ليها كانت عارفة حدودها كويس .. و المرة الوحيدة اللي عملتها و تخطت حدودها فيها ؛ و ده كان بسببِك .. اتعاقبت عقاب هتفضل فكراه حتى فـ قبرهـا …
انتبهي … لسه متخلقش اللي يديني أوامر أو يفرض عليـا حاجة ضد رغبتي …
يبقى لما تتكلمِي تركزي أوي معايـا ، و إن كان على اللي حصـل دلوقتي .. فأنـا أكيد متضايق منه جدًا ، ومش عاجبني .. و أكيد البنت دي هحاسبها عليه
عارفة ليه ؟!
تلك المرة كان الجواب من طرف غـازي الذى انقسم داخلـه ما بين سخط لرحيل غنـوة التي احتلت قلبه منذ الوهلـة الأولى ، و الغيظ مما صدر فى حق ابنته المدللة من ترفـع الجميع عن التصرف فى ظل تلك الجريمة التى دنست هيبتهم … و مِمَـن ؟! … من المشوهـه ذات الوجهين
لذا تحدث فى ضيق ساخط :
— مش محتاج تسأل ليه … ببساطة بسبب التصرف الوحشي اللي عملته المسخ دي .. أنا مش عارف إزاي تكون بالبشاعة دي ، و أمها زي البدر فـ تمامه …
انطلق حديث بـأس الصارم كرد قاطع أخرس الجميع ، ليقول :
— حساب البنت دي عندي أقسى مما تتخيل ، لأنها المفروض كانت تضرب دارين بنتك ، قلمين مش قلم واحد .. لكن هي تهاونت يمكن احترامًا لوالي .. و للموجودين ..
( ثم نظر إلى داريـن فى اشمئزاز ) :
— تحبي أكمل و أفرح والدِك و والدتِك بإنجازاتِك الجبارة فى الجامعة .. ولا تحبي أقولهم على كذبِـك و افتراكِي على البنت اللي عمرها ما وجهت لك أي عتاب حتى … ولا أقولهم على الشلـة الفاسدة اللي إنتِ ماشية معاها ، اللي ببساطة بمجرد ما هتبعدي عنهم .. هيحاولوا يقربوا من غيداء اللي حرقه دمك من غيرتِك منها …
كفاية بقى نفسنة البنات دي ، و خليكِي فى مستقبلِك أحسن ؛ يمكن تفلحِي !!
ثم تقدم إلى الأمام ليستطرد فى قوة :
— الكلام الفارغ اللي حصل دلوقتي ، أو سمعته منك يا حسناء هانم ياريت ميتكررش تاني ؛ عشان وقتها هنسى تماما إن لسه فيه اللي يربطني بيكم …
و رحل يجاوره أبيه الذى نظر إليه فى فخـر ، قائلاً:
— عفارم عليك يا بـأس .. غسلتني من جوه يا بني … ربنا يعوضك و يسعد قلبك..
فى حين ابتسم بأس ابتسامة شاحبة ، يُخفي خلفها سؤال لا يزال تائه بحاجة إلى الجواب
— هل سيقدر على إقناع غنوة أو ابنتها بالعودة إلى العمل من جديد ؟!
— هل تعني له شيئـًا ؟!
— هل تستحق الوقوف بوجه من يُكن لهم مشاعر بدأت برباط العشق ، و رغم الفقدان لايزال الوصال قائم ؟!
— هل أنـا القلب أم العقـل أم الواجـب ؟!
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
وفى جوف ذكرياته التى لا تنتهي ، بإمرأة من سعف الزعفران .. ساحـرة شفتاها كما حَب الرمـان .. تركت له نائلهـا رضيعـا بقلب منفطر ، و روح انزوت إلى غير رجعة ، و دموع من العينان ..
لتنطلق جولـيا راكضـة خلف من تُحب ؛ ضاربة بالمنطق ، و انحياز لـ شقيقتها الصغرى عرض الحائـط ، تنادي بكل ما تملك من المشاعر:
— بـأس … اسمعني .. أنا مليش ذنب … أرجوك بلاش تقاطعني .. بلاش تاخدني بذنبهم ..
خيم العبوس على ملامحه ، لتتغير كُليًـا إلى أسوء صورة حاول مرارًا ألا يحياهـا .. عيناه غائـرتان تحولتـا من اللون الزهري المائل إلى رماديته .. خطوط الغضب تشكلت على جبهته و جانبي وجهه .. أوردة العنق استنفرت بشكل بارز ، و أسنانـه السومرية تصطك على بعضها فى أزيز يحمل إنذار لكل من أمامه هاتفا :
_ إذا أردت الحياة .. فإبتعد
لذا هتف صارخًـا بكل ما يحمله صدره من شعلة الغضب:
— لو عايـزة تحافظي على كرامتِك ؛ إبعدي عني دلوقتي .. أنـا لو إلتفت ، هتشوفي مني وش متمناش ألد أعدائي يشوفوه … أظن واضح !!
ثم رحل ، تهتز الأرض من أسفل قدميه بأنين من قوة العابـر فوقها دون أن يهتم ..
يزداد القلق بقلب صلاح الدين كلما وجـد ابنه الغالي على تلك الشاكله …
فى عمره الفائت بأكمله …. رآه على ذاك الوضع ثلاث مرات …
الأولى بإصرار زوجته الأولى رحيق على طلب الانفصال حين علمت من الأطباء استحالة قدرتها على الإنجاب ..
و الثانية حينما نازعت الموت بين ذراعيه ، و خسارته لها للأبد ..
و الثالثـة .. الآن
صرخت حسنـاء فى ابنتها الكبرى جولـيا بعدما وجدت من حماقة ابنتها التى لا ترى فى محيط حياتها سوى بـأس …
حمقـاء تُصر على التنازل عن كرامتها ، أنوثتها ، مكانتها … كل ما تملك لأجل كلمة مكونة من حروف أربع …
” أُحبِـك “
و الجميع على عِلم بذلك … و الجميع يستنكرون ذلك ..
و الجميع يثـورون غضبًا لذلـك ..
لتُقْـدِم والدتها على سلوك بدَر منها للمرة الأولى ، و ربما ليست الأخيـرة …
إلتواء كاحلها بين يدي والدتها …. خصلاتها التى شعثت من جذب والدتها لها … عيناها المحتنقتان .. خليط من تلك الآلام جميعها لا يُقـدّر بما سمعته من حبيبها بأس ..
و رغم ما تتجرعـه من أوجاع جسدية ، لم تئن .. عيناها لا زالت على وجهتها … موضع رحيله ..
ربمـا أحبته بكل ما تملك .. بالعقل .. بالقلب .. بالروح .. بالكيان .. و الجسد الذى يتمناه فى استماته
— لسه بتفكري فيه يا عديمة الكرامة .. أُختِك تتهزأ منه ، و تقريـبًا شبه بيهددنا ، و صراخه فـ وشي …
كل ده مأثرش فيكي ، و كل اللي يِهمِّك إن الباشا يكون راضي و مبسوط …
إنتِ لو مفوقتيش لنفسِك ، أنا بنفسي هسفرِك ، ومش هسمح بنزولِك مصر تاني … فاهمة ولا مش فاهمة ؟!
كان ذاك التهديد الواضح المعالم من قبل والدة جوليـا التى اغتاظت من فِعلـة بأس الاولية القوية الحدث والتأثير …
لتفلت الأخيرة كفيها من بين ذراعي والدتها ، قائلة فى تحدي :
— أيوه بحبه .. و هفضل أحبه ، ومش هتخلى عنه طول ما فيّـا نفس .. و قريب أوي هيحس بيا ، و يحبني ..
أنا اللي كنت المفروض أتجوزه … بس إنتِ السبب ..
طول عمرك بتفضليها عليا ، و بتحبيها أكتر مني ..
أيوه أنا بحبه … و بكرهِك .. و بكره رحيق .. بكرههـــا … بكرههـــا …
حانت إلتفاتة من الصغير نائـل ، و نظرة خذلان ، و حزن من الجميع .. ثم جرى بعيـدًا ، استغل خلالـه الفتحة الضيقة من البوابـة التى لا زالت على وضعها برحيل غيداء و والدتها … لينطلق إلى الخارج هاربًـا إلى غير هُـدي ، ليتفاجىء بسيارة دفع رباعي أمامه ، و قبل أن ينتبه
شلت المفاجأة حركة صاحبها لدى ظهور الصبي الصغير بشكل مفاجيء .. ليعلو صوت الإرتطام … و صرخة مألـوفة … ثم سكـون دامي ..
« هُل سيُغادر الحـاضر ليبقى ظـلاً من الماضي ؟!
هل سيتكرر الألم الذى لم يجف بعد ، و يبقى على أبيه جمع الرُفـات ؟!
هل سينسحب كضوء أبيض باهت من لوحة مزدحمة الألوان ؟!
هل ستخبـو سيرته … حضوره …. ذكراه ؛ دون أن يترك خلفـه أثـر ؟!
كلهـا أداة الإستفهام ‹ هـل › .. و تلك الأدلة نفسها لا تعي الإجابـة ….
« زهـرة بين براثِـن البـأس »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
﴿ يُتبــع …………………………………. ﴾
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« تمهــيد »
« يفصلهما قارتيـن من التناقُـض ، و بحـرًا عميقًـا لم تُسجِـل إحداثياته الخرائـط …
تمكث أنتَ هناك .. فى قارتـك ، تُخفي احتياجك خلف صرامـةٍ زائفـة ، و أما أنا ما إن أتعثـر حد السقوط ، حتى أقف من جديد ….
قلبـه مدينـة قويـة الحصون ، و رغم صلابـة الجدران فقد سقطت أسوارهـا تحت قصف الاشتياق …
يشتاق إلى من رحلت ، و لن تعـود …
جمع ما تبقى من ذكرياته بها ، ثم أغلق الأبواب …
بـابٌ يليه ألفُ بـاب .. و تقطعت بَتلات الثقة .. تلحقها جذور الأمل …. تعقُبها فروع الانتظـار …. حتى بات ذاك الفؤاد كما كهـفٍ موحِـشٍ لا يُرحب بأحد …
و قبل رحيلهـا ، تركت لعنتها الأخيرة حولـه ، كأنها تُخبِر الكون بأسـرِه ؛ ألا أحد بعدها يستحق قُربـه .. و ألا يحق لغيرها أن يهنـأ بمحرابه …
و منذ ذلك الحين ، صار حبيس قوقعته …
ويلٌ لمن تقترب من البـأس ، حتى تشعر بلدغـات جحيمِـه الحارقـة دون أن تُحِـس .. »
بقـلم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« هل على من تسير على الأشواك حافيـة ، ألا تتألـم ، و تحتمل نزفًـا داميًـا من داخلهـا قبل الخارج ؟!
تستقيم …. و إن انحنت فذاك كما استسلام النبته لنسمات الهواء ، ثم تزهـو من جديد بعطوها الفـواح ..
آمنَتْ أن المبدأ الذى عليها الإتكاء عليه :
” قفِـي …. فالأرض لا ترحم الخاضعين تحت أقدام الآخرين … ريثُما الزمن الذى نركض خلفه لاهثين ، لن ينتظـر ضحايا الخيبات …
انهضي …. و إن كانت الروح مُثقلـة بالهموم .. و إن كانت السماء فى مرآكِ مزينـةً بالغيـوم .. فما عليكِ إلا الدعاء إلى الحي القيوم … و أغلقي باب الظنـون ..
رُب ظـنٍ خاب قاصده ضائعًـا ، و إن باتت السُبل مرسومةً بأقلام اليقيـن “
فهي التي آمنت ولا تزال .. أن السقوط حادثـة ، أما البقاء على تلك البسيطة شامخة فهو القـرار ..
فالفهـود تُجرَح لكنها لا تنحني .. و الجبال تبقى صامدة وإن هاجمتها الرياح …
هى الزهرة التي خُلِقت لتسير على الأرض ممهـدة ، لا لتكـون أرضًـا عليها يطأ الآخرون … »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« الفصـل الأول »
« رهــان خاســـر »
« منذ نعومـة أظافرهـا .. نشأت على صفاء النوايـا .. لا تعي الرضوخ الأعمى ، بل تربت على الحـذر .. على العفـة عن التساؤل ، و إن كانت الإجابة بلسم للشفاء. تضع اليقين دائمًا فى نطاق محكمة العقل ، إلى أن تنتهي الجلسـه بالعفـو دون عقاب …
ظهرت أمامـه خِلسـه ، دون ترتيب مُسبق ..
رأت فى عينيه حقـول من الألغـام .. و على شفتيه أمـارات الإتهـام … و فى قلبه قبـو مُغلق بإحكام ..
لكنها ، و إن كانت بالبراءة تتوسد .. فلم تكن يومًا سريعة الانقياد ، أو غافلـة مقدسـة سهلـة الإصطيـاد …
ربما أرادت أن تضع بساحة روحـه المنهكـة زهرة قرمزيـة ، كما فعل بحديقـة قصره …
نعم أرادت و لو جرحتها الأشواك …
لم تقع صريعـة شموخـه و هيبته ، بل الشموخ و الهيبة هم صرعى براءتها ..
و إن اقتربت قليلاً .. ربما تربح .. و ربما لا تجنِي إلا الخسـارة .. !
ألا عليها أن ترتمي داخلـه كما عذراء النيـل فداءً بوفاءه ؟! أعليها أن تجثـو أمام صقيـع مشاعره ، تلبيـةً لنداء طفله ، ربما يتطهر من وعدٍ سابق فقد صلاحيته .. ؟!
هل رأيتم يومًـا من يُنقذ الجليـد بقُبلـه مُلتهبـة ؟؟
سأُجيب : نعـم .. ربمـا يومًا مـا تفعـل …. ربمـــا »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
أُمسيـة فى ظاهرهـا هادئـة ، لكن الظاهر ليس دائمًا كما يبدو عليه …
هـدوء .. أضـواء متراصـة على الجانبين … حفيف الأشجار و صوته المعتاد المُحبب إلى الأسماع … و مكتب أنيق فى الداخل … مُغلق
يجلس خلف كرسيه رجـل .. اعتادت نظراته الحادة أن تكشف ما حرص الآخرون على إخفاءه ..
أنيق .. جذاب … غامض بعض الشيء أو ربما الشيء كلـه ..
أقسى ما يعانيه المرء أن يُحاول جاهدًا التوغـل داخل تلافيف عقلـه ؛ فإما يُصاب بالهذيان … أو تضحى علتـه الجنون …
اعتمد على أنامله البارعة التى تتحرك بثقة على حاسوبه الخاص ، و جم تفكيره فيها …
عقلـه اعتاد الانشقاق … يفكر فى اتجاهين دون أن يختـل ميزان أحدهما …
يترجم فضولـه والتجاهل التام … لكن داخله ينتظـر … و يتساءل … و يستشيط غضبًـا من شدة الغيـظ …
ليُنصت إلى تلك الضربات الرتيبة على باب مكتبه ، أعقبها صوت الحسناء غنـوة قائلـةً فى تـودد :
— بـأس باشـا … القهـوة حضرتـك …
عالج بـأس تلك الكلمات بصرامة :
— ادخلي .
دلفت غنـوة إلى الداخل فى هدوء .. هامتها عالية ، أنفاسها منتظمـة .. يقينهـا صائب … حُلمها و صبرها فسيح …
ثم اقتربت من مكتبه الملكي المصنـوع من خشب الأبنوس العريق ، و وضعت صينية التقديم التى تحمل على متنها فنجان مُذهب من القهوة الفرنسية فاخرة المذاق ، إلى جواره كأس من الماء … لتردف :
— القـهوة يا أفنـدم …
لم يرضخ بـأس لنبرتها العذبـة ، ولا لرقتها المتناهية .. و إنما ازداد عبوسه ليهتف :
— أنـا طلبت مِنِك قهـوة ؟؟! إنتِ تعملي اللي أقولِك عليه و بس .. غير كده مش مسموح …
ابتسمت غنـوة فى نعـومة :
— أنـا اتعودت من حضرتك تطلب فنجان قهوة من ايدي أول ما تدخل المكتب ؛ فقولت أجهزها لحضرتك قبل مما تطلبها ….
فَطِنـة … أريبـة … حاذقـة ..
تعي جيـدًا كيفية التعامل .. تعزف على شغاف قلبه .. ترتجي منه اللين لها و لإبنتها حالما تنتهي من مهمتها التي أسندها إليها أخيه الأستاذ الجامعي صاحب الخُلق ” والـي الحديدي “
و فى ظل تأملـه لها … نهض من مجلسـه ليقترب منها ، ترتكز عيناه مباشرة على صِحاف وجهها ، ليردف بصوته العميق :
— مين غيداء عبد الصبور ؟!
بأنفاس هادئة .. حاولت غنـوة إلتزام الثبات أمام ذلك الماكر ، متقد الذكاء .. لتهتف :
— بنتي ..
عاود بـأس السؤال ليحمل من الاستهزاء أكثر ما يتضمنه الاهتمام :
— و يا ترى إيه اللي جاب بنتِك القصر من غير إذن ؟!
أجابت غنـوة بإعتزاز أُم لا تحتمل كلمة جارحة تُلقَـى فى ربوع ابنتها الوحيدة :
— اتصلت عليا كتير ، و أنا مسمعتش الفون .. و لما قلقت ، إجت تطمن عليا ..
اقترب بـأس أكثر مما ينبغي ، لتتراجع غنـوة إلى الوراء ، يتجسد بداخلها خوف مجهول من ذاك الرجل … ثم أردف :
— و إيه سبب القلق ده كله ؟! .. حد قالها إن ده بيت الرعب ؟!
تملك النفور من قلب غنوة بشكل صريح ، لتكشف عنه بإمتعاض ظهر جليًا فى كلماتها :
— لأ يا بـاشا … مش بيت رعب ولا حاجة … بس دي بنتي الوحيدة .. أبوها إتوفى من سنين ، و سابنا للدنيا … أنا مليش غيرهـا .. مبتحملش عليها نسمة الهوا ، و فخورة بيها جدًا قدام نفسي و قُدام الناس …
أنا ربنا كرمني بجوهرة أكيد بخاف عليها تضيع من إيدي ، و زي ما حضرتك عارف …
لما يكون الخوف على أقرب الناس ليك ، عقلك و تفكيرك بيتجمدوا ، و تبقى مستعد تضحي بروحك عشانه .. زي ابنك مثلاً …
زي ما بتحبه و هتتجنن لما يبعد عندك ، أنا عندي بنتي بالدنيا وما فيها …
« إجابـة منمقـة .. بكلمات قويـة .. صريحـة .. أخرست لسان بأس للحظات ..
لا يزال على دهشته من تلك المرأة و ابنتها …
يتساءل : ما هو سر تلك الأسرة الصغيرة المؤلفة من امرأتين ؟!
للمرة الأولى يعجز عن سبـر أغـوار من أمامـه ..
الكُبرى .. إن تحدثت ؛ تهب من روحهـا طمأنينة تكفي لترميم جراح القلب ..
رزينـة ، تتكيء على جدار الصبـر و الجَلـد ..
و إن غابت .. تركت خلفها فراغ لا يملأه آلاف الحاضرين .. فقط لأنها تُعطي .. تُقدم بلا حساب .. لا تتوانى عن العطاء … إحساسها صادق … و إن أرادت ، و لم تمنحها الحياة .. لا تتذلل … بل ترحل فى صمت قانعة …
و أما الصغرى ، فهى معنى التناقض الجميل ..
لم يمنحها القدر سوى وجنتين .. إحداهما يافعة جميلة ، و الأخرى عطباء تثير الشفقة ..
و رغم ما تُعاني .. لا تيأس .. لا تخضع .. لا تخاف ..
أرض قاحلـة من الحظوظ الحسنة ، بل سيئها الغالب …
لكنها لا تزال تُزهر بتلات القُرمُـز ..
انطباعـه عنها هو التلاعب بمن حولها ، و استجداء الشفقة لأوضاعها المريعة ، و لكنها أمامه منذ القليل واثقة … لطيفة .. لذيذة حتى فى ظل خوفها و رهبتها ..
ألتِلك الدرجة تتقلد الدهاء .. ؟! ربـما .. عليه أن يتأنى و يصبر ، فمن لا ينكشف دواخله اليوم .. سيرضخ فى النهاية حد الاعتراف … »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
أذِن لها فى الرحيل .. بعد أن أثنى على خَمر الصالحين ، مذاقها الطيب بأناملها تجعل من يرتشفها للمرة الأولى ، لا يكتفي ، و من يديها لا يمكن أن يرتوي …
ابتسمت .. ثم غادرت المكتب فى رويـة بهدوئها ؛ و رقتها المعتادة …
و أما فى الخارج … تقف الأخرى بين نـار الخوف ، و كلاليب الخشيـة ..
تخافـه ، و للقاءها العابر به ذكرى لا تُنسى .. رجـل مهيب
حاصرها عند المغيب .. لا تدري أبكلماته الجُرح ينزف أم يطيب ؟!
يا لـه من سيد ! تعلو هامته عِـزة .. إلا أن حديثه الساخر ، و نظراته السافرة الثاقبه ، و جديته .. كل ما اعتراهـا بلقاءه اللحظِي تجاوز حدود الخصال الحسنة ..
نعم … يتملكه الغرور .. متغطرس … يُعاني من جنون العظمـة .. لا يفقـه شيئًـا عن النساء …. و .. غير مهذب ..
لتتذكر نظراته التى اخترقتها بلا حياء ؛ مردفة فى استياء :
— أما صحيح رجل قليل الأدب … يا ترى لما الفستان انكشف رجلي كلها بانت ؟!
( ثم اتسعت مقلتيها فى فزع ؛ و أردفت ) :
— مصيبة لَـيكون شاف رجلي كلها زي ما قال .. بني آدم سافـ..ـل ..
قررت غيداء الرحيل دون تفكير ، لتلتفِت من أجل الذهاب إلى والدتها و إخبارها بنية سلوكها القادم ، إلا أنها تفاجئت بحضورها تحمل حقيبتها ، قائلة بضحكة قصيرة :
— أنا عارفه إني تأخرت عليكِ يا روحي .. معلش كنت بجهِّـز نفسي بس .. و أديني جيتلِك أهــو …
لم تكُد غيداء ترى والدتها ، حتى اندفعت إليها ؛ ترتمي داخل أحضانها تنشد أمان غاب عنها لدقائق ، ثم ابتعدت عنها قليلاً لتحتوي وجنتيها فى حب قائلة وسط دموعها:
— طمنيني يا ماما … قوليلي صاحب القصر قالِك إيه ؟!
زعلِك فى حاجه ؟! أهانِك لا قدر الله ؟! رفدِك من الشغل ؟! كله يهـون إلا كرامتِك … المهم قوليلي بس إيه اللي حصل يا غنـوتـي ؟
همست والدتها ببِضع كلمات كما ماء زمزم يداوي حرارة قلبها المشتعل ، ثم أردفت تلك الكلمات بوعد الحديث تفصيليا بعد الرحيل …
‹ إمرأتين خُلقتـا من رحم الصابرين … ترتبـان شتات الليال بأنامل ترتجف من التعب ، لكنهما على عكس المتوقع لا تتوقفان عن البناء …
لا تُطالبان العالم أن يتفهموا حروبهـما ، بل تكتفي أن يراهما الناس بجميل ما يرون ، و ليس بأقبحـه …›
و خلال تلك اللحظات ، كانت هناك عيون تُبصِر .. بل تُطالِب بالرحيل معهما …
عيون تحمل بداخل قلوب أصحابها مختلف المشاعر ..
_ فهناك عيني البـأس الذى ظل يتأمل مشهد الأمومة من قِبل غنـوة ، و الإشتياق من قبل ابنتها …
و رغمًـا عنه عقله لا يهـدأ .. تفكيره بها لا ينتهي …
و الجنـون الأعظـم هو ما يتآكل بصدره من أجلها ، و لأجلهـا … لكن طاغوت كبرياءه لا يستسلم ولا يرضخ ..
_ أما تلك العيون التى تعطرت بالحكمة ، سلطت سهامها على الأخرى التى ضمت إليها غيدائها فى حنان ..
أحاطتـها إحاطة السوار بالمعصم .. قلبه الذى أعلن الاعتزال على مقاعد البدلاء ، صار فى حُسنها حائر …
_ بينما العينان الصغيرتان اللتان تتألقان فى شغب ، ركض على إثـرها الصغـير نائـل فى سرعة ، محاولاً اللحاق بغيداء قبل رحيلها بصحبة والدتها … لينادي بكل ما اقتدر من صوت :
— ” استني يا طنط … استني .
إلتفتت غيداء بلمح البصر ، تتطلع إلى الصغير فى حيرة و حنان ، ثم ركضت إليه تحمله فى شوق أم حُرمت من كلمة عذبة على المسامع … كلمة ” مـامـا “
— تحت أمرك يا حبيبي … قولي بقى عايز إيه من طنط ؟!
رفع نـائل كفه اليمنى الصغيرة ، يتحسس بها وجنـتي غيداء فى نعومة ، ثم همس فى أذنها :
— إنتِ حلوة أوي يا طنـط … وشِـك شبه التفاحة .. و أنا بحب التفاح …
انطلقت ضحكات غيداء فى سعادة ، تليها نظرات الفرحة من غنـوة ، التى داعبت خصلات الصغير الشقـراء الناعمة ، فى حين تملك الغيظ من بـأس لرغبته فى معرفة سر تلك الضحكات ..
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
إلتقطت غيداء أنامل الصغير تُقبلها إصبعًا يلي الأخر حتى انتهت بقبلاتٍ خمس ، أحيت بقلب نائـل إحساس إفتقده طويلاً رغم عشق والده و جده ، و باقي أفراد أسرته …
انتبهت غنـوة للرباط الخفي الذى جمع بين ابنتها و ذاك الصغير فى لحظات ، ليهمس داخلها :
— ربنا يخليكي يا بنتي ، و يكتر حبايبِك … حتى الأطفال بيعشقوكِي .. لو كان أبـوه يشوفِك بعيون ابنه .. يبقى ربنا بيحبه ، و كرمه من أوسع أبوابه … بس هنــ…. “
انفصل حبل التفكير لدى غنوة بهمس ابنتها بنبرة مشاكسة :
— قولتلي بقى .. بتحب التفاح ، و شايفني تفاحة .. يعني بالشكل ده ناوي إنك تـا……..
ضحك الصغير ضحكته الطفوليه ، ليستكمل حديثها قائلاً :
— إني أكلِك هَـمْ هَـمْ … تعالي يا miss apple ( آنسـة تفاحة )
و اقترب من وجنتها القرمزيه بثغره العذب الصغير ، للتظاهر بقضم قضمة من تفاحيتها ، أعقبها بصوت التلذذ الشهي :
— إمممم … لذيذ
عادت غيداء إلى ضحكتها فى نفس اللحظه التي قرر فيها بـأس التدخل ، ليهتف :
— نائـل .. تعالى هنا يا حبيبي …
إلا أن نائـل أطبق على عنقها بذراعيه قائلاً فى عناد :
— لأ يا بابي … أنا عايز التفاحـة دي تفضل معايا على طول … قولهـا وحياتك يا بابي .. أنا حبيتها ، و بقينا أصحاب … ( ثم إلتفت إليها قائلاً فى وداعه ) :
— مش إحنا خلاص بقينا أصحاب يا تفاحة ؟!
أجابت غيـد فى تسلية مُحببة إلى نفس نائل ، و قد تسللت إلى والدِه :
— بس لو فِضِلت تاكل مني كل يوم قطمة ؛ مش هيفضل مني و لا حته .. و كده هخلص خالص .. هتعمل إيه وقتها ؟!
أجاب نائـل فى براءة :
— هسقيكي مياه من الرشاش زي ما بسقي الورد اللي فى الجنينة ، و كده هتطرحي تفاح كتير كتير …
انطلقت ضحكات الجميع يتردد صداها ، لاسيما بـأس الذى اعتاد الجمود والتجهم ، و لكنه الآن فى لحظاته قد تغير كُليًـا .. لينضم إليهم شقيقه والي و والده صلاح الدين … ناهيك عن ذاك الأشيب الآخر ” غـازي “
إلا أن عُمْـر الضحكات .. مجرد لحظات .. ما إن تبدأ حتى تنتهي .. بإقتراب دارين و شقيقتها جوليـا …
نظـرتها كانت كفيلة بإشعال النار فى لحظة .. عاصفة من رمـاد … صخب مخيف … و صرخة مقيته … و كلمات سامة ، من ثغر الحقودة دارين قائلة :
— إنتِ بتعملي إيه يا مشوهة هنا ؟! مش مكفيكي الجامعة و التصرفات البيئة اللي بتعمليها … وصل بيكِ الجنان إنك تيجي كمان قصر أبِيـه والي ..
لأ .. ده إنتِ كده تبقى هربت مِنِك عـ الآخر ….
« نغفـر … و قد نُسامح … أو
نُسامـح .. وقد نغفـر فى بعض الأمور ، و ليس جميعها
ولكن المساس بأمن من نُحب هو فتيل الشعلة التى ما إن أطلقت سراحها ، حتى كادت تقضي على الجميع ..
تخضبت وجنتاها من فرط الغضب المتقد بداخلها .. يُثرثرون .. يعبثون .. يتهكمون … يهيمون … يفعلون كل ما فى استطاعتهم لكي يجرحوها ، إلا التعدي على ابنتها …
لن تغفـر .. لن تصمت .. لن تسمح لهم بالتجاوز …
فإن فعلوا ، فليحتملوا غضب الأم إذا أعلن عن نفسه .. »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
اتسعت مقلتيها ، ليتلاقى الحاجبين فى ثورة ؛ ثم أحاطت بابنتها فى حماية ، لتدفعها إلى الخلف .. و اقتربت من دارين بأنفاس حارة انتبه إليها الجميع ، لاسيما والي الذى أراد الصراخ فى شقيقة زوجة أخيه
و لكن ما أقدمت عليه غنوة قد أطفأ ثورة الغضب الكامن بصدره …
و قد ذُهِـل الجميع مع صوت تلك الصفعة المُدوية القويه الذى تردد فى المكان ، لتسقط على إثره تلك التى تُضمِر العداء لغيداء من شدة غيرتها و ضغائنها المريضة …
صفعـة قويه فى مقتل …
مقتـل الكبرياء و الغرور … مقتـل من تعالت و أفنت لياليها فى سبيل تشويه سُمعة البريئة الناعمة غيد
..
صفعـة تجمد لها والدها غازي و زوجته ..
صفـعة سيطرت بجرأة صاحبتها على عرش بـأس ، ليتأمل المرأة الرقيقة التى زينت بشروق ابتسامتها مكتبه منذ قليل ، لتتحول فى لحظات إلى كشمـاء شرسـة غيورة على من هى من جدار رحمها ….
و ما إن تأملت تلك الذليلة ، و أنينها العذب على أذنيها
إلتفتت إلى غازي قائلـة :
— قول لبنتك تحترم نفسها … كله إلا بنتي .. نار الغيرة اللي جواها يا تتحملها لوحدها و لنفسها ، يا إما أنا بنفسي هطفيها ؛ و ساعتها هتندم ندم عمرها …
أنـا يجوز حالتي المادية على قدي ، لكن عندي كرامة تساوي كنوز الدنيا كلها … و بنتي حتـه مِني
يعنى كرامتها قبل كرامتي …
تقدمت غيداء من الدكتور والي فى شجاعـة مُلفته ، ثم جمعت خصلاتها الناعمة الفاحمة فى جديلة طويله ، برزت من خلالها علامات الإحمرار على جانبها الأيسـر
لتردف فى ثقـة :
— أنـا احترمت رغبتك يا دكتور والي لما طلبت مني آجي القصر أقـدم عروضي بمنيو خاص ، وده شيء عادي أنا بالفعل بدأت التعامل بيـه فى المطاعم الكبيرة
و معظمهم دلوقتي بيطلبوا الأوردرات من عندي ..
أمي قررت تساعدني ، و تدعمني علشان متعطلْش عن دراستي و مذاكرتي …
من يوم ما بدأت شغلها ، مجهودها نال إعجابكم من أول لحظه .. لكن ده مش معناه إننا نتعرض للمهانة هنا فى بيتك …
البيت مهما يكون حجمه ، حتى لو قصر فخم زي ده .. فهو فى النهاية جدران صلبه … إنما اللي بيعطيه المكانة هو الدفء الأسري و الرعاية و الاهتمام و الحب …
علشان كده … ده آخر يوم ماما تيجي فيه هنا … قدام حضرتك طرق كتير جدًا تقدروا تجربوها …
أما إنتِ بقى ( و أشارت إلى داريـن التى لا تزال مستلقيه على الأرض المُصمتـة ) :
— لو فكرتي للحظة واحده إنك تقللي مِنّي ، ومن مجهودي .. أنا هـقدم فيكِي شكوى للسيد رئيس الجامعه .. عن اذنكم …
و رحلتا فى هدوء ، بعد أن استطاعت كلتاهما إطلاق
أبـواق الثورة على تلك المتحذلقـة دون خشية لوم اللائمين ، أو مركز أبناء الحديدي الصارميـن …
رحلتـا … ولا يزال بـأس يقف هادئـًا يستمتع ، فما فعلته كل من غنوة و ابنتها ، بما قد أشعل تفكيره ، ليُصادِف بعد سنواتٍ مضت إمرأتان بمثابة إحيـاء شُعلـة الاهتمام لديه ..
ظل لسنوات طويله لا يفكر إلا فى طفله الصغير ، و عمله..
حمل على كاهِـله مسئولية أسرته .. شركاته … كل من يعنُـون له … فصار هو الجدار القوي الذى يستندون عليه .. الحامي الذى لا يتردد فى الزود عنهم بكل ما يملك …
أما قلبه ؛ فصار كما حجرةٍ جوفـاء لا حياة فيها …
لذا ظل صامتًا … يتأمل المشهد فى تلذُذ …
يشاهد الإرادة فى أعظم صورها .. لطالما كره الضعف ، و الضعفاء … لذا عليه التفكير فيما يجب عليه فعله ، لتعود الغنـوة …. و تعود الغـيد ….
انتفضت والدة دارين فى هياج غاضب :
— دي آخرتها يا صلاح باشا .. بنتي تتهان و تنضرب بالقلم على وشها فى القصر بتاعك ، و قدام عينيك
وبدل ما تطلب من الأمن يرميها بره ، أو تبلغ عنها بتهمة السب و القذف .. تتفرج عليها من غير أي رد فعل .. ؟!
هو إحنا جايين هنـا علشان نتبهدل …
البنت الحقيرة دي لو متربيتش هي و أمها ؛ أنا هاخـد نائـل معايا و هنسافر ..
لحظة فارقة … تحول فيها بـأس من دور المُشاهِد المتأمِل إلى دور المهاجـم الشرس ..
لا يعتاد على مقاعد البدلاء … فهو الحكم القاضي بأثر من حولـه .. و إن لـزِم الأمر اشهـار البطاقة الحمراء سيفعـل …
ليهتف فى حدة صارمـة :
— مدام حسنـاء … أنا بحترمِك و بقدرِك ، و قيمتِك من قيمة رحيق الله يرحمها ؛ لكن حتى رحيق رغم حبي ليها كانت عارفة حدودها كويس .. و المرة الوحيدة اللي عملتها و تخطت حدودها فيها ؛ و ده كان بسببِك .. اتعاقبت عقاب هتفضل فكراه حتى فـ قبرهـا …
انتبهي … لسه متخلقش اللي يديني أوامر أو يفرض عليـا حاجة ضد رغبتي …
يبقى لما تتكلمِي تركزي أوي معايـا ، و إن كان على اللي حصـل دلوقتي .. فأنـا أكيد متضايق منه جدًا ، ومش عاجبني .. و أكيد البنت دي هحاسبها عليه
عارفة ليه ؟!
تلك المرة كان الجواب من طرف غـازي الذى انقسم داخلـه ما بين سخط لرحيل غنـوة التي احتلت قلبه منذ الوهلـة الأولى ، و الغيظ مما صدر فى حق ابنته المدللة من ترفـع الجميع عن التصرف فى ظل تلك الجريمة التى دنست هيبتهم … و مِمَـن ؟! … من المشوهـه ذات الوجهين
لذا تحدث فى ضيق ساخط :
— مش محتاج تسأل ليه … ببساطة بسبب التصرف الوحشي اللي عملته المسخ دي .. أنا مش عارف إزاي تكون بالبشاعة دي ، و أمها زي البدر فـ تمامه …
انطلق حديث بـأس الصارم كرد قاطع أخرس الجميع ، ليقول :
— حساب البنت دي عندي أقسى مما تتخيل ، لأنها المفروض كانت تضرب دارين بنتك ، قلمين مش قلم واحد .. لكن هي تهاونت يمكن احترامًا لوالي .. و للموجودين ..
( ثم نظر إلى داريـن فى اشمئزاز ) :
— تحبي أكمل و أفرح والدِك و والدتِك بإنجازاتِك الجبارة فى الجامعة .. ولا تحبي أقولهم على كذبِـك و افتراكِي على البنت اللي عمرها ما وجهت لك أي عتاب حتى … ولا أقولهم على الشلـة الفاسدة اللي إنتِ ماشية معاها ، اللي ببساطة بمجرد ما هتبعدي عنهم .. هيحاولوا يقربوا من غيداء اللي حرقه دمك من غيرتِك منها …
كفاية بقى نفسنة البنات دي ، و خليكِي فى مستقبلِك أحسن ؛ يمكن تفلحِي !!
ثم تقدم إلى الأمام ليستطرد فى قوة :
— الكلام الفارغ اللي حصل دلوقتي ، أو سمعته منك يا حسناء هانم ياريت ميتكررش تاني ؛ عشان وقتها هنسى تماما إن لسه فيه اللي يربطني بيكم …
و رحل يجاوره أبيه الذى نظر إليه فى فخـر ، قائلاً:
— عفارم عليك يا بـأس .. غسلتني من جوه يا بني … ربنا يعوضك و يسعد قلبك..
فى حين ابتسم بأس ابتسامة شاحبة ، يُخفي خلفها سؤال لا يزال تائه بحاجة إلى الجواب
— هل سيقدر على إقناع غنوة أو ابنتها بالعودة إلى العمل من جديد ؟!
— هل تعني له شيئـًا ؟!
— هل تستحق الوقوف بوجه من يُكن لهم مشاعر بدأت برباط العشق ، و رغم الفقدان لايزال الوصال قائم ؟!
— هل أنـا القلب أم العقـل أم الواجـب ؟!
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
وفى جوف ذكرياته التى لا تنتهي ، بإمرأة من سعف الزعفران .. ساحـرة شفتاها كما حَب الرمـان .. تركت له نائلهـا رضيعـا بقلب منفطر ، و روح انزوت إلى غير رجعة ، و دموع من العينان ..
لتنطلق جولـيا راكضـة خلف من تُحب ؛ ضاربة بالمنطق ، و انحياز لـ شقيقتها الصغرى عرض الحائـط ، تنادي بكل ما تملك من المشاعر:
— بـأس … اسمعني .. أنا مليش ذنب … أرجوك بلاش تقاطعني .. بلاش تاخدني بذنبهم ..
خيم العبوس على ملامحه ، لتتغير كُليًـا إلى أسوء صورة حاول مرارًا ألا يحياهـا .. عيناه غائـرتان تحولتـا من اللون الزهري المائل إلى رماديته .. خطوط الغضب تشكلت على جبهته و جانبي وجهه .. أوردة العنق استنفرت بشكل بارز ، و أسنانـه السومرية تصطك على بعضها فى أزيز يحمل إنذار لكل من أمامه هاتفا :
_ إذا أردت الحياة .. فإبتعد
لذا هتف صارخًـا بكل ما يحمله صدره من شعلة الغضب:
— لو عايـزة تحافظي على كرامتِك ؛ إبعدي عني دلوقتي .. أنـا لو إلتفت ، هتشوفي مني وش متمناش ألد أعدائي يشوفوه … أظن واضح !!
ثم رحل ، تهتز الأرض من أسفل قدميه بأنين من قوة العابـر فوقها دون أن يهتم ..
يزداد القلق بقلب صلاح الدين كلما وجـد ابنه الغالي على تلك الشاكله …
فى عمره الفائت بأكمله …. رآه على ذاك الوضع ثلاث مرات …
الأولى بإصرار زوجته الأولى رحيق على طلب الانفصال حين علمت من الأطباء استحالة قدرتها على الإنجاب ..
و الثانية حينما نازعت الموت بين ذراعيه ، و خسارته لها للأبد ..
و الثالثـة .. الآن
صرخت حسنـاء فى ابنتها الكبرى جولـيا بعدما وجدت من حماقة ابنتها التى لا ترى فى محيط حياتها سوى بـأس …
حمقـاء تُصر على التنازل عن كرامتها ، أنوثتها ، مكانتها … كل ما تملك لأجل كلمة مكونة من حروف أربع …
” أُحبِـك “
و الجميع على عِلم بذلك … و الجميع يستنكرون ذلك ..
و الجميع يثـورون غضبًا لذلـك ..
لتُقْـدِم والدتها على سلوك بدَر منها للمرة الأولى ، و ربما ليست الأخيـرة …
إلتواء كاحلها بين يدي والدتها …. خصلاتها التى شعثت من جذب والدتها لها … عيناها المحتنقتان .. خليط من تلك الآلام جميعها لا يُقـدّر بما سمعته من حبيبها بأس ..
و رغم ما تتجرعـه من أوجاع جسدية ، لم تئن .. عيناها لا زالت على وجهتها … موضع رحيله ..
ربمـا أحبته بكل ما تملك .. بالعقل .. بالقلب .. بالروح .. بالكيان .. و الجسد الذى يتمناه فى استماته
— لسه بتفكري فيه يا عديمة الكرامة .. أُختِك تتهزأ منه ، و تقريـبًا شبه بيهددنا ، و صراخه فـ وشي …
كل ده مأثرش فيكي ، و كل اللي يِهمِّك إن الباشا يكون راضي و مبسوط …
إنتِ لو مفوقتيش لنفسِك ، أنا بنفسي هسفرِك ، ومش هسمح بنزولِك مصر تاني … فاهمة ولا مش فاهمة ؟!
كان ذاك التهديد الواضح المعالم من قبل والدة جوليـا التى اغتاظت من فِعلـة بأس الاولية القوية الحدث والتأثير …
لتفلت الأخيرة كفيها من بين ذراعي والدتها ، قائلة فى تحدي :
— أيوه بحبه .. و هفضل أحبه ، ومش هتخلى عنه طول ما فيّـا نفس .. و قريب أوي هيحس بيا ، و يحبني ..
أنا اللي كنت المفروض أتجوزه … بس إنتِ السبب ..
طول عمرك بتفضليها عليا ، و بتحبيها أكتر مني ..
أيوه أنا بحبه … و بكرهِك .. و بكره رحيق .. بكرههـــا … بكرههـــا …
حانت إلتفاتة من الصغير نائـل ، و نظرة خذلان ، و حزن من الجميع .. ثم جرى بعيـدًا ، استغل خلالـه الفتحة الضيقة من البوابـة التى لا زالت على وضعها برحيل غيداء و والدتها … لينطلق إلى الخارج هاربًـا إلى غير هُـدي ، ليتفاجىء بسيارة دفع رباعي أمامه ، و قبل أن ينتبه
شلت المفاجأة حركة صاحبها لدى ظهور الصبي الصغير بشكل مفاجيء .. ليعلو صوت الإرتطام … و صرخة مألـوفة … ثم سكـون دامي ..
« هُل سيُغادر الحـاضر ليبقى ظـلاً من الماضي ؟!
هل سيتكرر الألم الذى لم يجف بعد ، و يبقى على أبيه جمع الرُفـات ؟!
هل سينسحب كضوء أبيض باهت من لوحة مزدحمة الألوان ؟!
هل ستخبـو سيرته … حضوره …. ذكراه ؛ دون أن يترك خلفـه أثـر ؟!
كلهـا أداة الإستفهام ‹ هـل › .. و تلك الأدلة نفسها لا تعي الإجابـة ….
« زهـرة بين براثِـن البـأس »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
﴿ يُتبــع …………………………………. ﴾