Uncategorized
رواية حين صافحتك الحياة كامله وحصريه بقلم ماسة الحريري

رواية حين صافحتك الحياة كامله وحصريه بقلم ماسة الحريري
حين صافحتك الحياة
كانت ضوءات القاهرة تتلألأ بهدوء خلف نوافذ دار النشر، بينما جلست “حنين” في مكتبها وحيدة، وحولها كومة من الأوراق والكتب. ظلّت تنظر إلى الصفحات التي أمامها، رواية إيطالية قديمة، نصها ينبض بذكريات وحكايات من زمن مختلف.
همست لنفسها:
— فيرونا… مدينة الحب والخيانة، والقصص التي لا تنتهي.
مرّت أصابعها على الكلمات كأنها تلمس وجعًا دفينًا، وحين التقطت هاتفها، وصلها بريد إلكتروني جديد من رئيس التحرير:
«حنين، المؤلف الحقيقي للرواية هو يوسف دي أنجيلو، حفيد البطل. أرفقت لك بيانات الاتصال. الرجاء ترتيب لقاء معه.»
توقفت عن التنفس للحظة. قالت بصوت منخفض:
— يوسف… هكذا يكون اللقاء؟
بعد أيام قليلة، جلست في مقهى مطل على النيل، تفكر في اللقاء القادم. كانت تشعر بمزيج من القلق والفضول، قلبها يتسارع.
دخل شاب هادئ الملامح، يحمل بين يديه كتابًا قديمًا، اقترب منها بابتسامة خفيفة:
— مرحبًا، أنتِ حنين، أليس كذلك؟
نظرت إليه بتردد ثم ردّت:
— نعم، وأنا يوسف، صحيح؟
ضحك يوسف بخفة وقال:
— يبدو أن اللقاء أصبح رسميًا أكثر مما توقعت.
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
— أردت فقط أن أقول… شكراً لأنكِ ترجمتي رواية جدي. لقد كانت قصة عائلتي، ولكني لم أتحدث عنها مع أحد من قبل.
نظرت حنين إلى عينيه وقالت:
— أتصور أن الأمر ليس سهلاً، أن تعيش ظل قصص من الماضي.
تنهد يوسف وقال:
— ليس سهلاً أبداً. جدي كان رجلاً معقدًا، وعائلته أكثر تعقيدًا. وأنتِ؟ لماذا ترجمتِ هذه الرواية؟ هل هي مجرد عمل بالنسبة لكِ؟
ابتسمت حنين بابتسامة خافتة، وأجابت:
— في البداية، نعم. لكن مع كل صفحة، شعرت وكأنني أقرأ أكثر من قصة حب… كأنني أقرأ عن وجعي الخاص.
نظر يوسف إليها بعمق:
— أحيانًا، الكتب تكون مرايا لقلوبنا، تعكس ما نخفيه عن العالم.
مع مرور الأيام، صار اللقاء بين حنين ويوسف أكثر دفئًا رغم الحذر، في إحدى الأمسيات، جلسا في المقهى نفسه، وقالت حنين:
— هل تعتقد أن بإمكاننا أن نصلح ما كُسر؟
هز يوسف رأسه ببطء:
— لا أعرف. لكن ربما يمكننا أن نحاول، لنُعطي للحب فرصة جديدة، بعيدًا عن جروح الماضي.
ابتسمت حنين بخجل، وقالت:
— وربما هذه الرواية هي البداية، بداية لشيء لم أكن أتوقعه.
جلسا في المقهى، والليل ينسج ستاره فوق النيل، والصمت كان بينهما أحيانًا أثقل من الكلمات. حمل يوسف الكتاب القديم بيديه برقة كأنه يحمل كنزًا من ذكرياتٍ نادرة.
قال يوسف بنبرة هادئة:
— هل تعلمين، جدّي لم يكن فقط عاشقًا، كان أيضًا ثائرًا على الزمن؟
رفعت حنين حاجبيها باستغراب:
— ثائر؟ كيف؟
ابتسم يوسف بابتسامة تعلوها حزن خفيف:
— كان يرفض أن تكون حياته مجرد نسخ من حياة الآخرين. أحب بجنون، لكن الحياة لم ترحمه.
تنهدت حنين، ونظرت إلى نافذة المقهى حيث انعكاس الأنوار الهادئة:
— الحياة لا ترحم أحدًا، أحيانًا تأخذ منا ما نحب قبل أن نكون مستعدين لفقدانه.
قال يوسف:
— أحيانًا نُعاقب على حبنا، أو ربما نُجازى لأننا أحببنا بشدة.
نظرت إليه بعمق، وقالت:
— وماذا عنك؟ ماذا تقول لنفسك عندما تنظر إلى المرآة؟
أخذ يوسف نفسًا عميقًا ثم أجاب:
— أحاول أن أؤمن أن الحب لا يموت، حتى لو تحول إلى ألم. وأن الماضي لا يحدد المستقبل… لكنه يجعلنا نحذر أكثر.
أخرجت حنين من حقيبتها نسخة من نص الترجمة، وأشارت إلى فقرة محددة:
— هذه اللحظة… حين تلتقي العيون للمرة الأولى، شعرت بها وكأنها لحظة مصيرية.
قال يوسف:
— تلك اللحظة كانت بداية حياة جديدة، لكنها أيضًا بداية لعاصفة لم تهدأ أبدًا.
سألته بحماس:
— هل يمكنني أن أعرف أكثر؟ هل هي قصة حقيقية؟
تردد قليلاً ثم قال:
— نعم… هي قصة جدي وجدتك.
في صباح اليوم التالي، وبعد اللقاء، عادت حنين إلى شقتها التي تطل على شوارع القاهرة الصاخبة، جلست أمام النافذة، وفتح الكتاب الذي بين يديها على صفحة رسمت فيها صورة قديمة لفيورينا.
همست لنفسها:
— كيف لحب قديم أن يعيش بين طيات الزمن، ويرسل صدى يعيد ترتيب قلبي؟
تتابعت الأيام، واجتمعت الذكريات مع الواقع، وصار بين حنين ويوسف حوار مستمر، حول الألم، الأمل، وأسرار لم تُكشف بعد، وكتابات تروي قصة لا تشبه أي قصة أخرى.
وفي قلب كل هذا، كانت فيرونا القديمة تنتظر أن تُروى حكايتها، وأن تُصبح جسرًا بين قلوب حنين ويوسف، بين الماضي والحاضر، وبين الخوف والرغبة في البداية من جديد.
يتبع.



