Uncategorized

رواية اسمي معاني العشق الفصل السابع 7 بقلم سلمي سمير

رواية اسمي معاني العشق الفصل السابع 7 بقلم سلمي سمير 

في شقة عمر
عاد عمر إلى شقته بعد يوم عمل طويل، متوقعًا أن يجدها خالية كما جرت العادة، لكنه فوجئ بسعاد تنتظره في الصالة.
نظر إليها عمر بدهشة، وكأن شيء غريب قد حدث:
معقول المدام مش بره البيت وكمان مستنياني؟ إيه اللي حصل؟
قبل أن تتمكن سعاد من الرد، ظهر عاصم فجأة بابتسامة واسعة على وجهه، ليقاطع لحظة التوتر:
أنا السبب يا بطل.
اتسعت ابتسامة عمر، وعانق عاصم بحب:
حبيبي يا عاصم، والله وحشتني!
لكن عاصم دفعه في كتفه بمزاح، قائلاً:
بس يا ندل، سنة بطولها مشوفتكش! لولا سعاد اللي بتطمني عليك كل فترة، مكنتش عرفت عنك حاجة. وكمان ابني اللي لسه مشوفتوش، رغم إني سميته على اسمك، خسارة فيك!
ربت عمر على ظهره بحب:
والله يا عاصم، الشركة الجديدة واخدة كل وقتي. بس انت عارف غلاوتك عندي، بس هي الظروف والله.
لاحظ عاصم حالة الوجوم بين سعاد وعمر، فسألها بحذر، محاولة منه لتهدئة الأجواء:
إيه يا سعاد؟ مفيش عشا؟ ولا ناوية تجوعيني أنا وجوزك؟
ردت سعاد بصوت هادئ، خالي من الحماس:
حاضر، عشر دقايق والأكل هيكون جاهز.
بإشارة من عاصم، أخذ عمر إلى مكتبه بعيدًا عن مسامع سعاد.
مالك يا عمر؟ إنت وسعاد؟ شكلكم متخانقين.
رد عمر بصوت متعب، وعيناه مليئتان بالحزن:
والله لولا معزتك عندي وإنك كنت السبب في جوازنا، كنت طلقتها بعد شهور من الجواز.
صُدم عاصم من حديث عمر، وسأله باندهاش:
ليه كده؟ إيه حصل لكل ده؟
زفر عمر بضيق، وكأن الكلمات تكاد تنفجر من فمه:
أختك غريبة، يا عاصم. أنا عارف إن شغلي بياخد وقتي، لكن دور الزوجة إنها تدعم جوزها. لكن سعاد بتحطمني، كأنها بتنتقم مني لأني حبيت حد قبلها.
عاصم استشعر أن الأمور أكبر من مجرد خلافات عادية، فسأل بحذر:
تقصد ندى؟
تنهد عمر بقوة، وأصابع يديه تمسك جبينه وكأنه يحاول تذكر أيام مضت، لكنه لا يزال يحمل أثقالها:
آه، يا عاصم، ده ذنبي. معرفتها بحبي لندى هو اللي دمرنا. وكمان أنا حلمي إن يكون عندي طفل، طفل يحمل اسمي. حاولنا كذا مرة نعمل تلقيح صناعي، لكن مفيش فايدة، والسبب إهمالها. لحد ما الدكتور قال إن الأمل ضعيف. ومع ذلك، مش لاقي منها غير اللوم والانتقاد. أنا تعبت يا عاصم.
فكر عاصم لوهلة، محاولًا أن يجد سببًا يريح صديقه:
طيب، مش يمكن هي حاسة إنك متمسك بالشقة هنا علشان ذكرياتك مع ندى؟
ضرب عمر سطح المكتب بغضب، قائلاً بنبرة حادة:
يعني علشان أرضيها أسيب المكان اللي بحبه؟ ده بيتي وراحتي وأصحابي. مش كفاية محروم أكون أب بسببها؟
أدرك عاصم أنه قد ظلم صديقه في موقفه هذا، فأجاب بصوت هادئ، وكأنه يقدم اعتذارًا غير مباشر:
طب خلاص، اهدي. أنا هكلمها. وسامحني إني فرضتها عليك. كنت عايز المودة تدوم بينا، لكن الدنيا بتلعب معانا.
في تلك اللحظة، تغيرت ملامح عمر قليلاً، وعيناه مليئتان بالتعب والحيرة، ثم قال في هدوء:
سعاد مش انسانه وحشة، بس ياريت تهدي عليّ. أنا محتاج استقرار وراحة.مبقاش ليا غيركم في حياتي.
ربت عاصم على ظهره بمودة، قائلاً:
وأنت أخويا وحبيبي، والله يا عمر. ربنا ما يحرمني منك. أنا عارف إنك بتصون أختي، لكن هي عصبية. وأنا هتكلم معاها.
وفي تلك اللحظة دخلت سعاد بابتسامة باهتة على وجهها، لكن كلماتها كانت تحمل بداخلها شيئًا من الحزن:
اتفضلوا… العشا جاهز.
______________
بعد العشاء، انتهى الجميع من تناول الطعام في صمت نسبى، إلا من بعض النظرات العابرة وكلمات قليلة خافتة. كانت سعاد تجمع الأطباق بعينين شاردتين، فيما بدا كل شيء حولها ثابتًا، وكأن الوقت نفسه قد توقف.
ثم، مع خطوة ثابتة، التفت إليها عاصم وقال بحزم:
سعاد، تعالي معايا شوية… عايزك في كلمتين.
نهضت سعاد على الفور، ولكنها لم تستطع إخفاء الحيرة التي ارتسمت على وجهها. سألته بلهجة خفيفة من القلق:
خير يا عاصم؟
قادها إلى غرفة المكتب وأغلق الباب بهدوء. جلس عاصم أمامها مباشرة، وسحب نفسًا عميقًا، ثم قال جادًا:
سعاد، أنا هكلمك بصراحة.
بادرت سعاد، وقد شعرت بتزايد القلق:
إيه اللي حصل؟
استغرب عاصم من رد فعلها البارد فقال بنبرة حادة:
إيه اللي حصل؟! إنتِ اللي المفروض تجاوبيني. إيه مشكلتك مع عمر؟
ردت سعاد بعد تنهيدة طويلة، وكأنها تفضي إلى شيء كان يثقل قلبها منذ فترة:
أعمل إيه يا عاصم؟ هو مشغول طول الوقت، مش حاسس بيا ولا بتعبي وحبي ليه.
ربت عاصم على وجهه بحنان أخوي، محاولًا تهدئتها:
بصي، أنا مش هقف في صفه ضدك، بس واضح إنك بتضغطي عليه زيادة عن اللزوم. عمر تعبان، وشغله بياخد كل وقته. ده مش معناه إنه مش بيحبك أو بيقدرك.
فجأة، ارتبكت سعاد وظهرت على وجهها علامات القلق أكثر، وقالت بتوتر ملحوظ:
بس أنا حاسة إنه لسه عايش في ذكريات ندى، وكل حاجة حوالينا بتفكرني بيها.
لم يُنكر عاصم الظن الذي يساورها، فقد كان واقعًا لا يمكن إنكاره، لكنه أضاف:
حتى لو كان ده حقيقي، الحل مش إنك تهاجميه طول الوقت. إنتِ اللي المفروض تكوني الدعم ليه. وبعدين، موضوع ندى انتهى من زمان، ولازم تصدقي إنك بقيت مراته وشريكة حياته دلوقتي.
زفرت سعاد بضيق، وهتفت بحنق:
طيب أعمل إيه؟
أخذ عاصم نفسًا عميقًا وقال بهدوء، لكن بحزم:
أول حاجة، بلاش تخليه يحس إنه دايمًا غلطان. لو العلاقة فضلت بالشكل ده، الانفصال هيبقى الحل الوحيد. وأنا مش عايز ده يحصل، لا ليكي ولا ليه.
ارتبكت سعاد، وكأنها شعرت ببرودة المستقبل في حديثه، ودفعت ملامح الخوف إلى وجهها، فا. ردت بصوت منخفض حزين:
أنا مش عايزة نوصل لكده… أنا لسه بحبه…
ابتسم عاصم بحنان، فهو يعلم أنه قد وصل إلى مبتغاه، وأدى مهمته في إشعارها بعواقب أفعالها. فقال بحزم، وكأنها لحظة فاصلة:
يبقى لازم تشتغلي على تحسين العلاقة بينكم. عمرك فكرتِ إنه هو كمان محتاجك جنبه بدل ما يحس إنه لوحده؟
صمتت سعاد للحظة، وكان صوت أفكارها يعلو على كلماتها. فكرت قليلاً قبل أن ترد بصوت خافت، يعكس جزءًا من التسليم:
فعلاً، ممكن يكون عندك حق.
أثنى عاصم على تفهمها وقال بحماس:
كويس إنك فهمتي. وأنا كمان هتكلم مع عمر، لكن إنتِ وعمر لازم تلاقوا حل يناسبكم لتعيشوا مع بعض بسلام.
ثم خرج عاصم من الغرفة تاركًا سعاد وحدها، في حالة من التفكير العميق، مليئة بالأفكار المتضاربة والمشاعر المتشابكة التي لم تجد لها حلًا بعد.
*************
بعد يومين – في شركة عمر الألفي:
كان عمر مشغولًا في اجتماع مهم، يحاول التركيز على النقاط الأخيرة قبل أن يغادر لزيارة أحد العملاء المهمين. لكن الباب فُتح فجأة، ودخلت السكرتيرة بخطوات هادئة، تحمل في عينيها نظرة تُنبئ بشيء غير مألوف.
يا باشمهندس، المدام برّه وعايزة حضرتك ضروري.
رفع عمر عينيه عن أوراقه، وبدا الاستغراب واضحًا على وجهه. لم يتوقع أن تأتي سعاد في هذا التوقيت، خاصة في ظل انشغاله. قال بحيرة:
طيب، دخّليها لحد ما أخلص الاجتماع.
ردت السكرتيرة بصوت منخفض، كأنها تتفهم اضطرابه:
حاضر يا باشمهندس.
خرجت لتجد سعاد واقفة هناك، عينها تنبض بقلق، وعلى وجهها تعبير مشوش، كأنها تحمل همًّا ثقيلًا. قالت لها السكرتيرة بلطف:
اتفضلي يا مدام، المهندس هيخلص الاجتماع ويجي لحضرتك.
سعاد دخلت وجلست في المكتب، وكل شيء حولها يبدو ضبابيًا، كان الهم يضغط على صدرها. كل لحظة كانت تمضي في انتظار عمر كانت تزيد من توترها. بعد دقائق، خرج عمر من الاجتماع واتجه إلى مكتبه. عندما رآها هناك، شعر بشيء غريب يتسلل إلى قلبه.
دنا منها وسألها بتعجب:
إيه اللي حصل خلاكي شرفتيتا؟
ردت سعاد بصوت منخفض مليء بالندم، وكأنها تحاول أن تجد الكلمات المناسبة لتصف ما تشعر به: عمر، أنا آسفة. لسه جاية من عند الدكتور، وهعمل التلقيح بكرة. وأوعدك، المرة دي هحافظ عليه، وهلتزم بكل تعليمات الدكتور. ممكن… نفتح صفحة جديدة؟
نظر إليها عمر في صمت، هز رأسه بعدم تصديق. سؤاله كان مشبعًا بالريبة:
مش معقول… طيب، وإيه المطلوب بالمقابل؟
مالت سعاد نحوه، كأنها تحاول أن تمتص كل شكوكه، وقالت بنبرة حانية:
طلب واحد، وحياة غلاوة عاصم عندك: متخلّينيش أرجع الشقة القديمة، واهتم بيا وبابننا لو في نصيب.
أجابها عمر بهدوء، لكنه كان يحاول إخفاء مشاعر الشك التي تسللت إلى قلبه:
وإنتِ كمان غالية عليا، يا سعاد. إنتِ مراتي وشريكتي، وهتبقي أم ولادي. غلاوتك من غلاوة عاصم. حاضر يا سعاد، نروح الشقة ونلم حاجتنا.
لكن سعاد ردت بحسم، صوتها كان يحمل نبرة من الإصرار القوي، وكأنها تحاول قطع أي ارتباط بالماضي:
لا، مش عايزة حاجة من هناك. من النهاردة توعدني إننا مش هنرجع هناك أبدًا. ونبدأ من جديد، حتى الهدوم، كل حاجة جديدة.
تنهد عمر بقلة حيلة، فهو يشعر بنفس القلق الذي تشعر به، لكنه كان يبحث عن الهدوء في حياته، مثلما هي تبحث عنه. نظر إليها بعيون مليئة بالحنان وقال:
خلاص. اللي ريحك يا سعاد هعمله. مدام عندك نية نبدأ حياة جديدة مع طفل يجمعنا.
اقترب منها وضمها إلى صدره بحنان. في تلك اللحظة، شعر بحرارة حضنها، وتمنى في أعماقه أن يستطيع يومًا أن يحبها كما تحبه هي. ورغم أن الطبيب حذّرها من إجراء العملية مرة أخرى، قرر التنازل عن عناده وبدء حياة جديدة بعيدًا عن كل ما يذكرها بالماضي.
***************
قرر عمر قضاء عدة أيام في فندق مع سعاد ريثما تنهي عملية التلقيح. كان يعلم أن هذه الفترة ستكون حرجة جدًا، وأن سعاد بحاجة إلى رعاية خاصة، خاصة بعد التحذيرات التي وجهها الطبيب.
استغل عمر تلك الأيام في البحث عن شقة جديدة، وبحث عن أفضل الأماكن في المدينة ليكون المكان الذي سيبدأ فيه حياة جديدة مع سعاد. قام بتأثيث الشقة بكل ما لذ وطاب، وأضاف إليها كل ما من شأنه أن يشعر سعاد بالراحة، حتى جلب خادمة لتساعدها في الأعمال المنزلية.
بعد أيام قليلة، طمأن الطبيب سعاد على استقرار الحمل، فخرجت من المستشفى برفقة عمر، وهما في طريقهما إلى منزلهم الجديد.
تراقصت الفرحة في قلب سعاد وهي تتجول في الشقة الجديدة، وكل زاوية فيها كانت تحمل بصمة من الأمل:
“لله، جميلة أوي يا عمر. ربنا ما يحرمني منك.
ابتسم عمر وقال بحب:
ولا يحرمني منك ويخليك ليا يا عمري… ويخليك لابننا.
احتضنها بحنان، فقد بدأ يشعر بشيء من الراحة التي كانت غائبة عنه لفترة طويلة. الفرحة التي كانت تملأ قلبه كانت مزيجًا من السعادة بتغير سعاد معه وتوقعات جيدة بمستقبل مليء بالأمل.
بعد أيام من السعادة في منزلهم الجديد، تحدثت سعاد مع عمر وهي تنظر حولها بابتسامة حزينة، كأنها تفكر في كل شيء مرَّ بهما:
ياريتنا أخدنا الشقة دي من زمان. كانت الفرح ما سابتناش، ولا حصل مشاكل بينا.
ضمها عمر إلى قلبه بحنان، وقبل رأسها بلطف، فقال:
كل شيء بوقته يا سعاد. المهم، كلها شهرين، وهتبقي ماما… يا أحلى ماما في الدنيا.
رفعت رأسها إليه ومنحته ابتسامة مشرقة، وكأن كل شيء في حياتها أصبح أكثر وضوحًا:
وأنت هتبقى أحلى بابا في الدنيا.
**********
مرت الأيام بين عمر وسعاد، وازدادت بينهما أواصر الوفاق والوئام. ومع اقتراب موعد الولادة، تلاشت فجوة الخلاف التي كانت تفصل بينهما، حتى أصبحا أقرب إلى بعضهما من أي وقت مضى. ومع ذلك، ومع كل يوم يقترب فيه الميعاد، بدأت صحة سعاد تتدهور بشكل ملحوظ، مما أثار قلق الجميع.
نظر الطبيب إلى عمر بجدية وقال:
لازم تدخل المستشفى حالًا وتفضل تحت الرعاية لحد الولادة.
لم يتردد عمر للحظة، ورد بلهجة حاسمة مليئة بالاهتمام:
اللي تشوفه يا دكتور، إحنا تحت أمرك.
حاول الطبيب أن يطمئنه، ولكنه حذره في الوقت نفسه:
بس احنا هنستنى يومين. لو صحتها اتحسنت، هنقدر نعمل العملية القيصرية علشان ننقذها وننقذ الجنين بإذن الله.
رد عمر بحزم واهتمام واضح:
المهم إنها هي تبقى بخير، يا دكتور.
في غرفة المستشفى:
دخل عمر إلى غرفة سعاد، التي بدت عليها علامات الإعياء جلية، لكنها حاولت أن ترسم ابتسامة واهنة لتخفي قلقها. اقترب منها، وبابتسامة طمأنينة سألها بلطف:
الدكتور طمَّنك على البيبي؟
رد عمر بلهجة مطمئنة وهو يجلس بجانبها:
آه، كله تمام. إنتِ كمان كويسة، خلاص كلها أيام وهتقومي لنا بالسلامة إنتِ والبيبي.
ابتسمت سعاد بوهن، ثم قالت بصوت خافت:
طيب… ممكن تتصل بعاصم؟ خليه يجي قبل الولادة. نفسي أشوفه.
ضمها عمر إلى صدره بحنان، وسألها بلطف:
حاضر. هتصل بيه. في حاجة تانية؟
ترددت للحظة، قبل أن تقول بحسم:
آه. عايزة لما ييجي عاصم، يخليه يجيب حاجات من الشقة اللي في شبرا.
نظر إليها عمر بتعجب وسأل:
حاجات إيه دي؟ واشمعنى عاصم اللي يجيبها؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بتردد:
حاجات ماما كانت سايباها لي. لو خلفت بنت، أبقى ألبسها الحاجات دي. وكمان في لبس كنت محضراه من حملي الأول، عايزاه يكون جاهز.
ربت عمر على وجهها بحنان وقال بحسم:
خلاص، ليه نتعب عاصم؟ أنا هروح أجيبهم وارجعلك بسرعة.
أمسكت بيده بقوة، وقالت بلهفة وخوف مفاجئ:
لا، ما تسبنيش لوحدي. لما ييجي عاصم، هو يروح يجيبهم. أنا محتاجاك جنبي دلوقتي.
حاول عمر أن يطمئنها بإصرار:
مافيش حاجة تقلق. إنتِ بخير والله، وبعدين أنا عارف مكانهم. هروح أجيبهم بسرعة وأرجع قبل ما تحسي.
تجمعت الدموع في عينيها، وأمسكت يده بتشبث وهي تقول بتأثر واضح:
أنا بحبك أوي يا عمر… أوعى تنسى ده.
ضم عمر يدها بين يديه برفق، وقال بحنان جم:
ربنا ما يحرمني منك، يا قلب عمر.
*********
ركب عمر سيارته متجهًا إلى شبرا. كانت الرحلة تبدو في ظاهرها مجرد مهمة لجمع الأشياء التي طلبتها سعاد، لكنها حملت في طياتها أبعادًا أعمق. كانت فرصة لعمر لاستعادة ذكريات قديمة، وربما لقاء أصدقائه القدامى، الذين لم يرهم منذ زمن.
قضى عمر بعض الوقت مع أصدقائه، مستمتعًا بالأحاديث واستعادة ذكريات الشباب. لكن عقله لم يتوقف عن التفكير في سعاد وحالتها الصحية. شعر بالقلق لأنه تأخر عن العودة، فاستأذن وغادر مسرعًا إلى شقته القديمة.
داخل الشقة:
فتح عمر باب الشقة القديمة التي بدت عليها آثار الغبار والإهمال. كان الهواء خانقًا من قلة التهوية. توجه مباشرة نحو البلكونة وفتحها، مما سمح لنسيم الليل بأن يجدد الجو. بدأ البحث عن الأشياء التي طلبتها سعاد: حقيبة قديمة تحتوي على ملابس وذكريات تركتها والدتها.
بعد أن جمع الحقيبة ووضعها في حقيبة صغيرة أخرى ليسهل حملها، استعد لإغلاق الشقة والمغادرة. لكنه فجأة سمع طرقًا خفيفًا على الباب، كأنه طرق طفل صغير.
فتح الباب بفضول، ليجد أمامه طفلًا صغيرًا وسيمًا، ذو شعر ناعم وعينين واسعتين تحملان براءة نادرة.
الطفل: السلام عليكم يا عمو.
عمر: مبتسمًا وعليكم السلام يا حبيبي.
انحنى عمر ليصبح في مستوى الطفل وسأله بلطف:
ـعايز حاجة يا بطل؟
الطفل: “طنط سعاد موجودة؟
رد عمر مبتسمًا:
لا، مش موجودة. بس أنا جوزها. في حاجة عايز تقولها ليها؟
فرك الطفل يديه الصغيرتين بخجل، ثم قال ببراءة:
لا، بس ماما كانت عايزة تطمن عليها وتقعد معاها.
ربت عمر على وجنة الطفل بحنان وقال مطمئنًا:
قول لمامتك إن طنط سعاد كويسة.
ابتسم الطفل ببراءة وقال:
طيب، أنا هقول لها. هي مستنياني تحت البيت.
لم يستطع عمر أن يقاوم تأثره ببراءة الطفل، فقال له قبل أن يغادر:
استنى يا بطل. أنا هقفل الشقة وأنزل أطمن مامتك بنفسي.
سأله عمر بفضول:
إنت اسمك إيه وابن مين؟
رد الطفل ببرأءة وتلقائية:
أنا أمجد… ابن ماما.
أغلق عمر الشقة والبلكونة، ونزل برفقة الطفل. ما إن وصلا إلى مدخل المنزل، حتى ركض أمجد نحو امرأة كانت تقف بعيدًا، تنتظر بقلق واضح.
هتف الطفل بحماسة وهو يشير نحو عمر:
ماما! ماما! ده جوز طنط سعاد! تعالي كلميه.
اقتربت المرأة بخطوات مترددة، وكأنها تحاول استيعاب المشهد أمامها. وما إن وقع نظر عمر عليها حتى تسمرت قدماه. كانت ملامحها مألوفة بشكل صادم. عجز لسانه عن النطق للحظة، ثم همس بصوت متهدج، وقد تملكته الدهشة:
إنتِ؟… معقول ده ابنك؟
************
يتبع ……..
زر الذهاب إلى الأعلى