Uncategorized

رواية ثمن العروس الفصل الحادي عشر 11 بقلم اماني السيد

رواية ثمن العروس الفصل الحادي عشر 11 بقلم اماني السيد

قبل أن تبلغ غرفتها، كانت قد فقدت القدرة على التمييز بين الطريق الذي تسلكه، والهاوية التي تهوي إليها من الداخل. مضت بخطوات مضطربة، تتعثر في أنفاسها قبل أن تتعثر في الأرض، بينما كانت دموعها تنساب في صمتٍ موجع، لا يقطعه سوى ارتجافة جسدها التي ازدادت وضوحًا مع كل خطوة.
كانت تشعر وكأن كل لحظة عاشت فيها مطمئنة إلى جوار مختار قد انقلبت فجأة إلى سؤالٍ مرير، لا تجد له إجابة.
وفي أثناء اندفاعها نحو غرفتها، خرجت والدة مختار من الردهة، فتوقفت فور أن وقعت عيناها على وجه غزل. انعقد حاجباها دهشةً، وسارعت إليها قبل أن تفقد توازنها.
ـ غزل! يا بنتى… مالِك؟ إيه اللى جرالك؟
رفعت غزل رأسها بصعوبة، لكن الكلمات اختنقت في حلقها، واكتفت بالنظر إليها بعينين غارقتين في الدموع.
اقتربت منها والدة مختار أكثر، وأمسكت بكفيها اللتين كانتا ترتجفان بوضوح.
ـ إيه اللى حصل؟ حد زعلك؟ حد قالك حاجة؟ اتكلمى يا حبيبتى، خوفتينى عليكى.
ابتلعت غزل غصتها بصعوبة، ثم سحبت يديها برفق، وقالت بصوت متحشرج:
ـ معلش… سبينى دلوقتى… بالله عليكى سبينى.
ثم أفلتت نفسها من بين يديها، وأسرعت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، ولم تمضِ لحظات حتى انبعث من الداخل صوت بكاءٍ مكتوم، كان كفيلًا بأن يقبض قلب كل من يسمعه.
وقفت والدة مختار أمام الباب لحظات، وقد ازداد قلقها أضعافًا. كانت تعرف غزل جيدًا؛ فتاة تكتم وجعها دائمًا، ولا تسمح لدموعها أن يراها أحد. فإذا وصلت إلى هذه الحال، فلا بد أن أمرًا جللًا قد وقع.
استدارت على الفور، واتجهت بخطوات سريعة إلى مكتب مختار، ثم دفعت الباب ودخلت دون استئذان.
رفع مختار رأسه إليها، بينما التفتت نوال في اللحظة نفسها.
تنقلت نظراتها بينهما، ثم قالت بلهجة امتزج فيها القلق بالحزم:
ـ مين فيكم زعل غزل؟
ساد صمت ثقيل.
فعادت تقول وهي تنظر إلى مختار مباشرة:
ـ أنا لسه شايفاها طالعة من عندكم، كانت بتعيط وبتترعش، وجريت على أوضتها. إيه اللى حصل هنا؟
تبادل مختار ونوال نظرة خاطفة.كانت لحظة واحدة…لكنها كانت كافية.
شحب وجه مختار، وجف ريقه، بينما وضعت نوال يدها على فمها لا إراديًا، وقد تبدل لون وجهها.
همس مختار بصوت بالكاد خرج:
ـ يبقى… سمعت.
أغمضت نوال عينيها في هلع، ثم قالت بصوت مرتجف:
ـ يا نهار أبيض… غزل سمعت كل اللى اتقال.
أما والدة مختار، فحدقت فيهما في ذهول، وشعرت للمرة الأولى أن وراء تلك الدموع سرًا أكبر بكثير مما كانت تتخيل.
غادرت نوال مكتب مختار وقلبها يضرب بين ضلوعها بعنف، بينما لحق بها مختار بخطوات متسارعة، ولم تكن والدته أقل منهما اضطرابًا. كان الثلاثة يسيرون نحو غرفة غزل، وكأن كل واحدٍ منهم يخشى أن يصل متأخرًا لحقيقةٍ لا يمكن إصلاحها.
وقف مختار أمام الباب، ثم طرقه طرقات متلاحقة.
ـ غزل… افتحى يا غزل، لازم نتكلم.
لم يصله سوى الصمت.أعاد الطرق بقوة أكبر.
ـ غزل… بالله عليكى افتحى الباب.
ظل السكون سيد الموقف.
تقدمت نوال، وألصقت كفها بالباب، وقالت بصوتٍ اختلط فيه الرجاء بالبكاء:
ـ يا بنتى… افتحى بس، واسمعينى. والله كل حاجة ليها تفسير.
لكن لم يأتها رد.
نظرت والدة مختار إلى الباب بقلق متزايد، ثم قالت:
ـ مش مطمنة… افتحوا الباب، يمكن حصل لها حاجة.
قبض مختار على المقبض يحاول فتحه، لكنه وجده موصدًا من الداخل.
تراجع خطوة إلى الخلف وقال بقلق واضح:
ـ لو مفتحتش… هكسر الباب.
رفع قدمه ليستعد لدفعه، لكن في اللحظة نفسها، صدر صوت المفتاح وهو يدور ببطء.
تجمد الجميع.وانفتح الباب.
خرجت غزل بخطوات ثابتة على غير المتوقع، لكنها كانت أشبه بثبات المكسور الذي استنفد كل دموعه.
كانت تحمل حقيبة ملابس متوسطة الحجم في يدها، بينما أمسكت بحقيبة يدها باليد الأخرى. لم يكن في ملامحها غضب، ولا صراخ… بل برود موجع، كأن شيئًا انطفأ داخلها إلى الأبد.
اتسعت عينا مختار وهو ينظر إلى الحقيبة.
ـ إيه ده؟ رايحة فين؟
لم تجبه.حاول أن يقف في طريقها.
ـ غزل… استنى، مينفعش تمشى كده. لازم تسمعينى الأول.
رفعت عينيها إليه للحظة، وكانت نظرتها هادئة على نحوٍ أخافه أكثر من أي انفعال.
ثم قالت بصوتٍ خافت، لكنه حاسم:
ـ لو سمحت… ابعد من قدامى.
هز رأسه رافضًا.
ـ مش هسيبك تمشى وإنتى فاهمة الموضوع غلط.
قالت وهي تنظر إليه مباشرة:
ـ أنا قولت… ابعد. دلوقتى مش قادرة أسمع منك ولا كلمة.
تقدمت نوال نحوها مسرعة، وأمسكت بذراعها برفق.
ـ غزل… حقك عليا. والله يا بنتى، سيبينى أشرحلك، وبعدها احكمى زى ما إنتى عايزة.
سحبت غزل ذراعها بهدوء، ثم نظرت إلى والدتها بعينين امتلأتا بالخذلان.
ـ مش دلوقتى يا ماما… بالله عليكى، مش دلوقتى.
كانت تلك الجملة أشد وقعًا على نوال من أي عتاب.
أما والدة مختار، فقد أسرعت لتقف أمامها قبل أن تصل إلى باب المنزل.
ـ يا بنتى، مينفعش تخرجى وإنتى بالحالة دى. تعالى اقعدى، اشربى كوباية مية، وبعدها نتكلم بالعقل.
ابتسمت غزل ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها، ثم قالت بأدبٍ مؤلم:
ـ حضرتك متزعليش منى… بس أنا مش قادرة أتكلم مع أى حد دلوقتى. لو سمحتى… سيبينى أمشى.
لم تجد والدة مختار ما تقوله، فتراجعت خطوة، وهي تراقبها بعجز.
تابعت غزل سيرها حتى خرجت من المنزل، واتجهت مباشرة إلى سيارة والدتها المركونة أمام الفيلا.
وضعت حقيبتها في المقعد الخلفي، ثم جلست في المقعد المجاور للسائق، وأغلقت الباب.
جلست نوال خلف المقود، وما إن أدارت المحرك حتى التفتت إلى ابنتها، وقد غلبتها دموعها.
ـ يا غزل… والله الموضوع مش زى ما إنتى فهمتيه…
قاطعتها غزل قبل أن تكمل، دون أن تلتفت إليها.
ـ ماما… لو سمحتى. لو اتكلمتى فى أى حاجة دلوقتى… هفتح باب العربية وأنزل فى نص الطريق. أنا مش عايزة أسمع ولا كلمة… مش دلوقتى.
تجمدت يد نوال فوق عجلة القيادة.
ابتلعت بكاءها بصعوبة، ثم أدارت السيارة في صمت.
وانطلقت السيارة مبتعدة عن الفيلا، بينما وقف مختار أمام البوابة يتابعها بعينين ثابتتين، يشعر للمرة الأولى أن المسافة التي صنعتها دقائق معدودة بينه وبين غزل، قد تكون أصعب بكثير من أن تُختصر باعتذار أو تفسير.
طوال الطريق، لم يُسمع داخل السيارة سوى صوت المحرك وأنفاسٍ متقطعة تحاول نوال أن تخفي ارتجافها. كانت تسرق النظرات إلى ابنتها بين الحين والآخر، لكن غزل بقيت تحدق عبر نافذة السيارة بعينين جامدتين، وكأن كل ما حولها أصبح بعيدًا عنها.
وحين توقفت السيارة أمام منزل العائلة، ترجلت غزل دون أن تنتظر أحدًا. حملت حقيبتها وصعدت الدرج بخطوات سريعة، بينما كانت نوال تسير خلفها بقلبٍ مثقل بالخوف.
في الداخل، كان فؤاد يجلس في غرفة المعيشة يطالع بعض الأوراق. وما إن سمع صوت الباب حتى رفع رأسه مبتسمًا، ظانًا أن ابنته جاءت لزيارته كعادتها.
لكن الابتسامة تلاشت من على وجهه في اللحظة التالية.
نهض من مكانه مذعورًا وهو يتأمل هيئة غزل.
كان وجهها شاحبًا على نحوٍ لم يره من قبل، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء، بينما كانت تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تتشبث بآخر ما تملكه.
تقدم إليها بسرعة.
ـ غزل!… مالك يا بنتى؟ إيه اللى حصل؟
لم تتوقف.مرت بجواره وكأنها لم تسمعه.ازداد قلقه، فلحق بها.
ـ استنى يا غزل… بصّيلى. مين زعلك؟ حصل إيه؟
وقبل أن يضع يده على كتفها، أسرعت نوال وأمسكت بذراعه برفق.
هزت رأسها وهي تقول بصوت خافت:
ـ سيبها يا فؤاد… بالله عليك سيبها دلوقتى.
نظر إليها باستغراب.
ـ أسيبها إزاى؟! شايفة حالتها عاملة إزاى؟
كانت غزل قد وصلت إلى غرفتها، وما إن دخلتها حتى أغلقت الباب بالمفتاح.
دوى صوت انغلاق الباب في أرجاء المنزل، فشعر فؤاد وكأنه أُغلق في وجهه هو أيضًا.
ظل ينظر إلى الباب للحظات، ثم استدار نحو زوجته، وقد ارتسم الغضب والقلق على ملامحه.
ـ نوال… فهمينى. بنتى مالها؟ وإيه اللى رجعها من بيت جوزها بالحالة دى؟
لم تستطع نوال أن تجيب فورًا.
جلست على أقرب مقعد، وأسندت وجهها بين كفيها، ثم انفجرت في بكاءٍ مكتوم.
تجمد فؤاد مكانه.
لم يكن يرى نوال تنهار بهذه الصورة إلا عندما تكون المصيبة أكبر من احتمالها.اقترب منها وجلس أمامها.
ـ اتكلمى… حصل إيه؟
رفعت رأسها إليه، وكانت الدموع تغطي وجهها.
ـ أنا… أنا السبب يا فؤاد.
عقد حاجبيه في دهشة.
ـ سبب إيه؟
أغمضت عينيها للحظة، ثم بدأت تروي كل شيء… منذ اليوم الذي قصدت فيه مختار وحدها، وكيف طلبت منه يقبل الزواج من غزل مقابل سداد ديونه وضخ استثمارات فى شركته وكيف أخفت عنهما الحقيقة، معتقدة أنها تحمي مستقبل ابنتها، وأن الأيام كفيلة بأن تجعل المودة تنبت بينهما.
لم تقطع حديثها، ولم تُخفِ شيئًا.
اعترفت بكل كلمة قالتها، وبكل قرار اتخذته دون علم ابنتها.وكان فؤاد يستمع إليها في صمتٍ ثقيل.
ومع كل جملة تخرج من فمها، كانت ملامحه تتبدل شيئًا فشيئًا؛ من الدهشة… إلى عدم التصديق… ثم إلى غضبٍ مكتوم، وأخيرًا إلى خذلانٍ عميق.
وحين انتهت، ساد الصمت بينهما لثوانٍ طويلة.
ثم نهض فؤاد ببطء، وأدار ظهره لها، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بصوتٍ مبحوح:
ـ يعنى بنتنا اتجوزت… وهى فاكرة إن الراجل اختارها… وإنتِ كنتِ عارفة الحقيقة كلها؟
خفضت نوال رأسها وهي تبكي.
ـ كنت فاكرة إنى بعمل الصح… والله ما كنت أقصد أكسرها بالشكل ده.
أغمض فؤاد عينيه في ألم، ثم نظر نحو الطابق العلوي حيث أغلقت غزل باب غرفتها على نفسها.
وكان يدرك أن الباب الذي أُغلق في تلك اللحظة لم يكن باب غرفة فقط… بل باب ثقةٍ قد يحتاج عمرًا كاملًا حتى يُفتح من جديد.
خيَّم الصمت على المنزل بعد أن أغلقت غزل باب غرفتها، حتى بدا وكأن الجدران نفسها تخشى أن تُصدر صوتًا. لم يكن يُسمع سوى بكاء نوال المتقطع، بينما وقف فؤاد أمام النافذة شاردًا، عاجزًا عن استيعاب أن البيت الذي طالما جمعهم على المودة، أصبح في ساعات قليلة مثقلًا بكل هذا الوجع.
مسحت نوال دموعها، ثم أمسكت هاتفها بيدٍ مرتجفة.
كانت تعلم أن غزل لن تفتح لها الباب، ولن تسمح لها بالاقتراب منها، لذلك لم تجد أمامها سوى شخصٍ واحد قد تستمع إليه… شقيقتها الكبرى.
أجرت الاتصال، وما إن جاءها الرد حتى قالت بصوتٍ مختنق:
ـ ألو… تعالى ندى ، بالله عليكى تعالى حالًا… غزل عندى ومش راضية تكلمنى، وأنا خايفة عليها.
لم تستفسر شقيقتها كثيرًا، فقد أدركت من نبرة صوتها أن الأمر جلل، ووعدتها بأنها ستصل خلال دقائق
لم يمر وقت طويل حتى دوى جرس الباب.
فتح فؤاد، فدخلت شقيقة نوال على عجل، وقد ارتسم القلق على ملامحها.
ـ خير يا نوال… إيه اللى حصل؟
أسرعت إليها نوال، وما إن جلستا حتى أعادت عليها القصة كاملة، دون أن تُخفي منها شيئًا.
كانت تنتظر منها عتابًا… أو لومًا… أو حتى كلمة مواساة.
لكن رد فعل شقيقتها جاء على غير ما توقعت.
أطلقت زفرة طويلة، ثم هزت رأسها قائلة:
ـ بصراحة… أنا مش شايفة إنك غلطانة.
رفع فؤاد رأسه إليها في دهشة.
أما نوال فنظرت إليها وكأنها لم تصدق ما سمعت.
تابعت شقيقتها بهدوء:
ـ إنتِ أم… وكل أم بتدور على مصلحة بنتها. لما لقيتى راجل محترم، وابن ناس، ومستقبله كويس، وشوفتيه هيصونها ويحافظ عليها… عملتى اللى أى أم كانت هتعمله.
قطب فؤاد حاجبيه، لكنه لم يقاطعها.
وأضافت وهي تنظر إلى نوال:
ـ هو إيه المشكلة؟ يعنى إنتِ جوزتيها لواحد وحش؟ ولا نصاب؟ ولا راجل بيشرب ويضرب؟ بالعكس… مختار باين عليه محترم، وبيشهدله الكل بالأخلاق.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تكمل:
ـ غزل دلوقتى مصدومة، وده طبيعى، لكن لما تهدى هتفهم إن أمها كانت خايفة عليها، وكانت بتدور لها على الأمان. مش كل الجوازات بتبدأ بقصة حب، يا ماما. فيه ناس كتير اتجوزوا بالطريقة دى، وبعد الجواز حبوا بعض وعاشوا مبسوطين.
كان فؤاد يستمع إليها بصمت، حتى استدارت نحوه وقالت:
ـ وإنت كمان يا بابا، حاول تهدى. البنت محتاجة حد يطمنها، مش حد يكبر الموضوع.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل قدرًا هائلًا من الألم:
ـ المشكلة مش إن مختار وحش… ولا إن الجوازة وحشة. المشكلة إن بنتى اتسرق منها حقها فى إنها تعرف الحقيقة. اتبنى جوازها على حاجة هى متعرفهاش، ولما عرفت… حسّت إن كل اللى عاشته كان كدب.
ساد الصمت من جديد.
ولأول مرة، خفتت ثقة ندى ، لكنها ما زالت تتمسك برأيها.
قالت وهي تنهض متجهة نحو الطابق العلوي:
ـ أنا هطلع أكلمها. يمكن تسمع منى. يمكن لما أفهمها بهدوء، تقتنع إن أمها كانت بتعمل الصح من وجهة نظرها.
ثم توقفت أمام باب غرفة غزل، وطرقت عليه برقه.
ـ غزل… يا حبيبتى، افتحى لاختك . أنا جاية عشانك بس
استندت ندى بجانب باب الغرفة، ولم تحاول أن تطرقه بعنف مرة أخرى. كانت تعلم أن غزل لن تفتح، لكنها كانت تراهن على أن الكلمات قد تنفذ من أسفل الباب، إن عجزت الأيدي عن فتحه.
ساد صمت قصير، ثم قالت بهدوء:
ـ عارفة إنك صاحية… ومش هطلب منك تفتحى. بس اسمعينى للآخر، وبعدها تجاهلينى لو حبيتى.
لم يصلها رد.لكنها واصلت حديثها.
ـ أنا سمعت كل حاجة من ماما… وبصراحة، أنا مش شايفة إنها كانت وحشة ولا كانت عايزة تأذيكى.
في الداخل، أغمضت غزل عينيها بقوة، وانقبضت أصابعها فوق حافة الفراش.
أما ندى، فتابعت بصوت هادئ:
ـ مامتك شافت راجل محترم، وابن ناس، وعنده أخلاق ومستقبله كويس، وقالت لنفسها: هو ده اللى هيصون بنتى. من وجهة نظرها، كانت بتأمن مستقبلك… مش بتبيعك ولا بتتخلص منك.
ارتفع صوت غزل من خلف الباب لأول مرة، لكنه كان خافتًا ومتعبًا.
ـ خلصتى؟
ابتسمت ندى ابتسامة صغيرة، ثم قالت:
ـ لسه.
تنهدت قبل أن تضيف:
ـ بلاش تعيشى نفسك فى دور الضحية طول الوقت يا غزل.
ساد الصمت ثانية.
ثم أكملت:
ـ آه، إنتِ اتوجعتى… وحقك تزعلى. لكن محدش أذاكى بقصد. محدش قعد يخطط إزاى يكسر قلبك. كل اللى حوالينك كانوا فاكرين إنهم بيعملوا الصح.
كانت الكلمات تتسلل إلى داخل الغرفة، بينما جلست غزل على الأرض، وأسندت رأسها إلى الباب من الداخل، وعيناها تفيضان بالدموع.
قالت ندى:
ـ بصى للموضوع من ناحية تانية… مختار وحش فى إيه؟ ضربك؟ أهانك؟ قلل منك؟ خانك؟
لم تُجب غزل.
ـ الراجل، من كل اللى سمعته، محترم، وبيعاملك كويس، وبيحترمك. طيب ليه ترمى كل ده؟
تنفست غزل بعمق، ثم قالت بصوت مبحوح:
ـ لأنه متجوزنى… مش لأنه اختارنى.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم ردت ندى بهدوء:
ـ يمكن فى الأول… أيوه. لكن هو دلوقتى بقى جوزك. وكل يوم بينكم ممكن يغير حاجات كتير. الحب مش دايمًا بييجى قبل الجواز، ساعات بييجى بعده.
أطرقت غزل رأسها، ولم تنطق.
وتابعت ندى:
ـ إنتِ دلوقتى قدامك فرصة، يا غزل. فرصة إنك تتعرفى على مختار من جديد… وهو كمان يتعرف عليكى من جديد. بدل ما تقفلى الباب، افتحيه للحياة. خليه يشوفك، ويقرب منك، ويمكن يحبك بجد.
ثم أضافت بابتسامة خفيفة:
ـ وأهو بدل ما تفضلى تسألى نفسك: “هو اتجوزنى ليه؟”… خليه بعد كام شهر يقول لنفسه: “إزاى كنت هضيع غزل من إيدى؟”
لم يأتِ أي رد من الداخل.
لكن ندى سمعت شهقة مكتومة، فعرفت أن غزل ما زالت تبكي.
اقتربت أكثر من الباب، وقالت بنبرة أكثر رقة:
ـ أنا مش بطلب منك تسامحى دلوقتى، ولا تنسى اللى حصل. بطلب منك بس متاخديش قرار وإنتِ مكسورة. لأن القرار اللى بيتاخد وقت الوجع، ساعات بنقضى عمرنا نندم عليه.
ظل الباب مغلقًا.وظلت غزل صامتة.
إلا أن ذلك الصمت، هذه المرة، لم يكن صمت الرفض… بل صمت إنسانة بدأت تسمع، بينما كان قلبها لا يزال عاجزًا عن التصديق.
في الوقت الذي كانت فيه ندى تحاول عبثًا أن تجد ثغرةً في جدار الصمت الذي أحاطت غزل نفسها به، كانت سيارة مختار تشق الطريق إلى منزل فؤاد ببطء.
لم يكن يقود كعادته.
كانت يداه تقبضان على المقود بقوة، بينما ظل شريط الأحداث يعيد نفسه أمام عينيه بلا توقف؛ دموع غزل، نظرتها الباردة، وحقيبة ملابسها وهي تغادر منزله دون أن تلتفت إليه.
وحين وصل، ظل جالسًا داخل السيارة لدقائق، يتردد بين الرحيل والدخول.
لكنه في النهاية ترجل، واتجه إلى الباب بخطوات ثقيلة.فتح له فؤاد بنفسه.
تلاقى الرجلان في نظرة طويلة، لم ينطق خلالها أيٌّ منهما.
ثم تنحى فؤاد جانبًا وقال بهدوء:
ـ اتفضل.
دخل مختار، وجلس في غرفة الاستقبال، بينما بقي فؤاد واقفًا للحظات قبل أن يجلس قبالته.
ساد صمت ثقيل.
كان كل واحدٍ منهما يبحث عن الكلمات، لكن أياً منها لم يكن كافيًا.
وأخيرًا تكلم مختار.
خفض رأسه قليلًا وقال بصوتٍ خافت:
ـ أنا جاى علشان أتكلم مع حضرتك… لأنى عارف إن غزل مش هترضى تسمعنى دلوقتى.
ظل فؤاد صامتًا.
فأكمل مختار:
ـ ولو حضرتك عايز الحقيقة… فأنا هقولها زى ما هى، من غير ما أجملها.
رفع عينيه إليه، ثم قال بصدقٍ مؤلم:
ـ أيوه… فى البداية أنا وافقت على الجواز بسبب الاتفاق اللى كان بينى وبين مدام نوال.
لم يتغير وجه فؤاد، لكنه شد قبضته فوق ذراع المقعد.أما مختار، فواصل حديثه دون أن يهرب من الحقيقة.
ـ وقتها كنت شايف إن ده مجرد وعد لازم أوفيه… ومكنتش بفكر فى الجواز أصلًا، ولا كنت داخله بقلبى.
تنفس بعمق، ثم أردف:
ـ لكن بعد ما اتجوزنا… الأمور بدأت تختلف.
رفع فؤاد بصره إليه لأول مرة.
ـ تختلف إزاى؟
ابتسم مختار ابتسامة باهتة، امتزج فيها الندم بالحنين.
ـ غزل عمرها ما خلتنى أحس إنها فرض عليا. بالعكس… كل يوم كنت باكتشف فيها حاجة تخلينى أقرب لها أكتر. هدوءها… احترامها… طريقتها فى الكلام… اهتمامها بكل تفصيلة تخصنى.
سكت لحظة، وكأن الذكريات تخنقه.
ثم قال:
ـ يمكن أنا كنت بطىء… ويمكن مأقولتش لها اللى جوايا… بس والله كنت بحاول أقرب منها.انا مش هكدب ولقول حبيتها لكن بقيت احب وجودها
نظر إلى الأرض قبل أن يكمل:
ـ الحياة بينا كانت ماشية كويس. كنا لسه بنبنى أول خطواتنا، وكل يوم كان أحسن من اللى قبله… لحد النهارده.
اختنق صوته عند الجملة الأخيرة.
ـ اللى سمعته النهارده… هد كل حاجة.
ظل فؤاد يتأمله طويلًا، محاولًا أن يقرأ ما وراء الكلمات.
ثم سأله مباشرة:
ـ قولى بصراحة… لو مكنش الاتفاق حصل من الأول… كنت ممكن تحب بنتى؟
سكت مختار.ولم يجب سريعًا.
ظل ينظر إلى الفراغ أمامه، ثم قال بصراحة لم يحاول أن يزينها:
ـ معرفش.
ساد الصمت.
ثم أكمل وهو يرفع عينيه إلى فؤاد:
ـ لكن اللى أعرفه. ان لو اتعرض عليه انى اتجوزها هتجوزها وانا راضى بدون مشاريع او اتفاقلت . ولما خرجت بشنطتها … حسيت إن البيت كله بقى فاضى. ولما بصتلى بالنظرة دى… عرفت إنى ممكن أخسرها قبل ما أقول لها حتى إنها بقت فارقة معايا.
تنهد بمرارة، ثم قال:
ـ يمكن أنا لسه مقدرتش أحبها بالشكل اللى هى تستحقه… لكنى متأكد من حاجة واحدة.
نظر إليه بثبات.
ـ أنا عايز أكمل معاها… مش علشان وعد، ولا علشان اتفاق… علشان غزل نفسها.
ظل فؤاد صامتًا للحظات، ثم قال بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقل أبٍ يرى ابنته تنكسر أمامه:
ـ الكلام اللى قولته يحترم يا مختار… لكن المشكلة إن اللى اتكسر جوا غزل مش سهل يتصلح. هى مش شاكّة فى أخلاقك… هى شاكّة فى مكانتها عندك. وبنتى عمرها ما هترضى تكون اختيار اضطرار، حتى لو بعد كده بقت حب العمر كله.
انخفض رأس مختار مرة أخرى، ولم يجد ما يرد به.
لأنه للمرة الأولى… أدرك أن الحقيقة، مهما جاءت متأخرة، قد تكون أكثر قسوة من الكذب نفسه.
مرَّ الأسبوع بطيئًا… ثقيلًا… حتى بدا وكأن الزمن نفسه قد فقد رغبته في الحركة.
كانت غزل حبيسة غرفتها طوال تلك الأيام.
لم تخرج إلا دقائق معدودة لتلتقط ما تحتاج إليه، ثم تعود وتغلق الباب على نفسها من جديد.
كانت نوال تقف كل صباح أمام باب الغرفة، تطرق برفق.
ـ يا غزل… فطرتى؟
فيأتيها الرد مختصرًا:
ـ آه.
ـ محتاجة حاجة؟
ـ لأ.
ثم يعود الصمت ليبتلع البيت كله.
أما فؤاد، فلم يجبرها يومًا على الحديث، لكنه كان يقف كل ليلة أمام باب غرفتها، يضع كوبًا من العصير أو طبقًا من الطعام، ثم يرحل دون أن يطرق الباب.
كان يعلم أن بعض الجراح لا تشفى بالكلام… بل بالوقت.
وفي الجهة الأخرى…لم يكن حال مختار أفضل.
أصبح البيت الذي كان يعود إليه كل مساء موحشًا على نحوٍ لم يعتده.
كانت غرفتهما كما تركتها غزل.عباءتها ما زالت معلقة خلف الباب.كتابها فوق المنضدة.
ورائحة عطرها ما زالت عالقة في الوسادة.
كان يدخل الغرفة، فيجلس دقائق طويلة يتأمل كل شيء، ثم يخرج دون أن يملك الجرأة على البقاء.
أكثر من مرة حمل هاتفه ليكتب إليها رسالة…
وفي كل مرة كان يمسحها قبل أن يرسلها.
لأنه كان يدرك أن الكلمات، في هذه المرحلة، لن تغير شيئًا
ومع مرور الأيام، عاد اسمٌ ظن أنه انتهى إلى الظهور من جديد…
ليلى.
بدأت برسالة قصيرة.
“عامل إيه؟ سمعت اللى حصل… حبيت أطمن عليك.”
ظل ينظر إلى الرسالة طويلًا، ثم أغلق الهاتف.
لكنها لم تتوقف.
رسالة تليها أخرى…
ثم اتصال لم يرد عليه…
ثم اتصال آخر.
وفي النهاية…
رد.
كان يظن أن الأمر لن يتجاوز دقائق، لكنها نجحت شيئًا فشيئًا في أن تعود إلى مساحة كان قد أغلقها منذ زواجه.
كانت تتحدث معه عن العمل…
ثم عن الماضي…
ثم تضحك على مواقف قديمة كان قد نسيها.
ومع كل حديث، كانت تزرع في رأسه مقارنة لم يكن ينتبه إليها في البداية.
“فاكر لما كنا بنقعد بالساعات نتكلم؟”
“أنا كنت بفهمك من نظرة.”
“إنت اتغيرت يا مختار… زمان كنت بتعرف أنا عايزة أقول إيه قبل ما أتكلم.”
كان يغلق الهاتف بعدها، ويجلس صامتًا.
ثم، دون أن يشعر…
بدأ يقارن.
يقارن بين شخصية ليلى الجريئة، التي تملأ المكان ضحكًا وكلامًا، وبين هدوء غزل الذي كان يراه في البداية خجلًا جميلًا، ثم صار يتساءل إن كان مجرد صمت.
يقارن بين ليلى التي تناقشه في كل تفاصيل عمله، وبين غزل التي كانت تستمع أكثر مما تتكلم.
يقارن بين امرأة يعرفها منذ سنوات…
وأخرى لم يمنحه القدر الوقت الكافي ليعرفها حق المعرفة.
ولم يكن يدرك أن المقارنة نفسها كانت ظلمًا.
فليلى عاش معها عامًا كاملًا من الخطبة، بينما غزل لم تنل منه سوى أسابيع قليلة، قضى معظمها غارقًا في العمل.
ورغم ذلك…
كلما دخل غرفته، وجلس على طرف الفراش، كانت صورة غزل وهي تغادر المنزل بحقيبتها تعود لتطغى على كل شيء
ومع انقضاء الأسبوع…استيقظ المنزل على غير عادته.فُتح باب غرفة غزل بهدوء.خرجت منه…
لكنها لم تكن الفتاة نفسها التي دخلته منذ سبعة أيام.
كانت ترتدي ملابس بسيطة يغلب عليها اللون الأبيض، وقد رفعت شعرها في ذيل حصان مرتب، بينما اختفت آثار الانهيار من وجهها.
لم تعد عيناها حمراوين…
ولم تعد الدموع تسبق كلماتها.
كان وجهها هادئًا بصورة لافتة، حتى إن الهدوء بدا غريبًا عليها.
نزلت درجات السلم بخطوات ثابتة، لا مترددة ولا مسرعة.
كانت تمشي بثقة امرأة اتخذت قرارًا مع نفسها.
رفعت نوال رأسها فور أن رأتها، حتى كادت دموعها تنهمر من جديد.
وقفت بسرعة وقالت:
ـ غزل… يا حبيبتى…
لكن غزل لم تتوقف.اكتفت بابتسامة صغيرة، مهذبة، خالية من الدفء.ثم قالت:
ـ صباح الخير.
تبادل فؤاد ونوال النظرات كانا ينتظران أن تبكي…
أن تصرخ…أن تعاتب…لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
جلست غزل إلى المائدة، وسكبت لنفسها كوبًا من الشاي، ثم بدأت تتناول إفطارها في هدوء تام.
راقبتها نوال بحذر، ثم قالت:
ـ عاملة إيه النهارده؟
رفعت غزل عينيها إليها.
كانت نظرتها ساكنة، بلا غضب… لكنها أيضًا بلا حنان.
ـ كويسة.
رد واحد…بلا زيادة.شعر فؤاد أن ابنته تتحدث، لكن روحها بعيدة عن المكان.
سألها بلطف:
ـ هتفضلى هنا كام يوم؟
وضعت فنجانها على الطاولة، ثم أجابت بهدوء شديد:
ـ لسه مقررتش.
ثم عادت لتكمل إفطارها وكأن الحوار انتهى.
نظر فؤاد إلى نوال، فرأى الخوف يملأ عينيها.
فقد كانت تعرف ابنتها جيدًا.
غزل التي كانت تبكي وتتشبث بأمها اختفت.
وحلَّ محلها شخص آخر..شخص أكثر هدوءًا…
وأشد برودًا…
وكأن ذلك الأسبوع لم يمنحها القوة على النسيان…
بل علَّمها كيف تُخفي وجعها خلف وجهٍ لا يقرأه أحد.
انتهت من تناول إفطارها، ثم نهضت وهي تحمل كوب القهوة، واتجهت إلى الحديقة الخلفية.
كان فؤاد يجلس هناك يطالع الجريدة، لكنه أغلقها فور أن لمحها تتقدم نحوه.
ابتسم ابتسامة خفيفة، محاولًا كسر الحاجز الذي نشأ بينهما خلال الأيام الماضية.
ـ تعالى يا بنتى… اقعدى.
جلست أمامه في هدوء، ثم أخذت ترتشف قهوتها دون أن تنطق.
طال الصمت بينهما، حتى ظن فؤاد أنها ستنهض وترحل كما اعتادت طوال الأسبوع.
لكنها رفعت رأسها فجأة، وقالت بصوتٍ ثابت:
ـ بابا… ممكن أطلب منك طلب؟
ارتسمت الدهشة على وجهه.
ـ طبعًا يا حبيبتى… اطلبى اللى إنتِ عايزاه.
وضعت فنجان القهوة على الطاولة، ثم تشابكت أصابعها أمامها، وكأنها رتبت تلك الكلمات في عقلها مرارًا قبل أن تنطق بها.
ـ أنا عايزة أفتح شركة صغيرة باسمى.
ظل فؤاد ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه لم يسمعها جيدًا.
ثم أنزل الجريدة من يده تمامًا، وقال باستغراب:
ـ شركة؟!
هزت رأسها بهدوء.
ـ أيوه.
عقد حاجبيه، وقد ازداد فضوله.
ـ شركة إيه يا غزل؟… وإنتِ ناوية تعملى إيه بالظبط؟
رفعت غزل عينيها إليه…
وللمرة الأولى منذ أسبوع، ارتسم على شفتيها ابتسامة غامضة، حملت بين طياتها شيئًا لم يستطع فؤاد تفسيره.
ياترى غزل ناويه على ايه ؟؟
وهل مختار هيرجع ليلى مره تانيه ؟؟…
الثاني عشر من هنا
زر الذهاب إلى الأعلى