Uncategorized

رواية اسمي معاني العشق الفصل الرابع 4 بقلم سلمي سمير

رواية اسمي معاني العشق الفصل الرابع 4 بقلم سلمي سمير 

كان عمر ينتظر رجوع سعاد بفارغ الصبر، يتنقل بنظراته بين الساعة والباب كأنه يُحصي اللحظات. قلبه يعتصره القلق وتُثقل أنفاسه التوقعات، فالرد الذي ستحمله سعاد قد يغير مسار حياته إلى الأبد.
وبعد قليل، عادت سعاد وهي تحمل ملامح شاردة وكأنها تحمل ثِقلاً فوق كتفيها. مرّت بجواره دون أن تنطق بكلمة، واتجهت إلى غرفتها مباشرة، مغلقة الباب خلفها بهدوء أثار في نفسه ألف تساؤل.
عمر، بتردد وحيرة، همس لنفسه:
إيه اللي حصل؟ ليه مش جت تقول لنا رد ندى؟وأنا اللي كنت مستنيها على نار علشان أعرف الرد.
التفت إلى عاصم، الذي كان يجلس بجواره بنظرات مترقبة، وسأله بريبة:
هي سعاد ليه جت ودخلت أوضتها كده
ناداها عاصم بصوتٍ عالٍ:
يا سعاد! إيه الأخبار؟
لكنها لم تستجب، مما زاد من توتر عمر. عاد ليسأل عاصم بقلق واضح:
هو في إيه يا عاصم؟
حاول عاصم أن يطمئنه، ولكن كلمات الطمأنينة فقدت تأثيرها أمام قلق عمر المتزايد، فقال له:
طيب، اهدي يا عمر. أنا هدخل أشوف في إيه.
طرق عاصم باب غرفة سعاد بهدوء، وقال:
“سوسو، افتحي. وطمنيني ندى قالت لكِ إيه؟”
فتحت سعاد، وقالت بصوتٍ متحشرج من بين دموعها:
“ندي غبية يا أُبّيه… رفضت عمر!”
قالتها وانفجرت بالبكاء بحرقة، تكمل بين شهقاتها:
قالتلي أعمل بيه إيه؟ هو فاكر علشان ذاكر لي يبقى هوافق عليه؟! أنا مش عايزة حد يشدني للفقر أكتر من كده! أنا جميلة… ولازم أستغل جمالي وأتجوز واحد يعيّشني ملكة,
ثم انكفأت على صدره، تمسح دموعها في كتفه وتقول بصوت متهدج:
أنا صعبان عليّا عمر، والله ما يستاهل كده. هو طيب ونقي، وندا هتعمل غلطة عمرها. قالت إنها هتوافق على واحد ثري عربي متقدّم لها!
عاصم، وهو يهز رأسه بخيبة أمل:
“آخر حاجة كنت أتوقعها إنها تكون مادية كده! عمر هيكسر قلبه، لكن… كل حاجة قسمة ونصيب. خسارة كبيرة، حبها بجد. ندي هتندم عمرها كله إنها ضيّعت إنسان زي عمر.والايام بينا
خرج عاصم من الغرفة بخطوات مثقلة، ليجد عيون عمر تنتظره، ممتلئة بالقلق والتساؤل.
ساله عمر، بصوتٍ ملتاع و مبحوح:
إيه؟ طمّني، قالت لها إيه؟
عاصم، بعد لحظة تردد:
مفيش نصيب يا عمر. هي قررت تتجوز واحد غني، يقدر جمالها ويخرجها من الفقر.
تجمّدت ملامح عمر للحظات وكأن الكلام لم يصل إلى عقله بعد، ثم قال بدهشة واستنكار:
مستحيل… مش ندى! لا، لا، أكيد في حاجة غلط. أنا قلبي مش ممكن يكذب عليّا. ندى بتحبني… أنا واثق إنها بتحبني. مش ممكن كل ده كان وهم!
لم يتمالك نفسه، فتدفقت دموعه الحارقة على وجنتيه، تُترجم انكسار قلبه وخيبة أمله. قام مسرعًا وركض نحو شقته، يبحث عن مساحةٍ له وحده يستوعب فيها جرحه.
أما سعاد، التي ظلت داخل غرفتها، انهارت فوق سريرها باكيا بانتحاب، تغرق في دوامة من ذكريات الحوار الذي دار بينها وبين ندى.
■■■■■■■■■ (فلاش باك)
طرقت سعاد باب شقة ندى بخفة، وكأنها تخشى أن تُثقل بصوت طرقاتها على المكان. دقائق قليلة، وفتحت ندى الباب لتجد أمامها وجه صديقتها الأقرب، حبيبة القلب التي لم تكن مجرد صديقة، بل أخت تسندها في شدائد الحياة.
رحبت بها ندي بحفاوة وسألتها بدهشه:
سعاد! يا أهلاً وسهلاً، تعالي، خير إيه اللي جابك دلوقتي؟ ادخلي، البيت منور.
ردت عليها سعاد بابتسامة مترددة:
شكراً يا ندى… بس انا عايزاكي في موضوع مهم.
سألتها ندي بقلق:
موضوع؟ مالك يا حبيبتي؟ وشك مش مطمّني، حصل حاجة؟
دلفت سعاد إلى الداخل وجلست على الأريكة، تعبث بأناملها في توتر واضح، بينما جلست ندى بجوارها، تحدق في وجهها وكأنها تبحث عن جواب في ملامحها الشاردة.
اخيرا تحدثت سعاد بصوت مرتجف:
ندى، انتِ عارفة إني بحبك قد إيه… انتي أختي وصديقة عمري. بس النهارده حصلت حاجة ملخبطة تفكيري، ومش عارفة أتصرف.
زفرت ندي بعصبيه وسألتها :
يوه بقي ما تنطقي قلقتيني، قولي حصل إيه؟
أخذت سعاد نفساً عميقاً، ثم أطلقت الكلمات دفعة واحدة كأنها تتخلص من حمل يثقل كاهلها،.
عمر طلب إيدي من أخويا! وعايز يجيب أهله ويقروا الفاتحة قريب، والجواز بعد الكلية.
ساد الصمت للحظة، ثم انفجرت سعاد في البكاء والقت نفسها في حضن ندى، التي ظلّت متجمدة مكانها، مزيج من الصدمة والخذلان يشلّ تفكيرها.
صاحت سعاد بنحبب تدعي البراءة واكملت:
انامش ممكن اوافق… إزاي؟ انتي بتحبيه؟ وعلشانه رفضتي الثري العربي؟
أنا لازم. أرفضه عشانك، عشان حبك ليه؟
رفعت ندى وجهها المبلل بالدموع نحو السقف، وكأنها تخاطب القدر الذي ألحق بها هذا الألم. وقالت بوجع:
منك لله يا عمر….علقتني بيك وبعدين تخطب صاحبتي؟ ربنا يسامحك، وأنا اللي صدقت في الحب، كنت هبيع الدنيا علشانك، وأهو قلبي اتوجع… قلبي اللي كسرته.
مسحت ندى دموعها بعنف، ثم نظرت إلى سعاد بعينين مثقلتين بالألم.
اسمعيني يا سعاد، انتي أختي وسعادتك هي سعادتي. لو شايفة إنه عمر يناسبك وافقي، وما تشيليش همي.
ردت سعاد بذهول واحتجاج واهي:
إزاي عايزاني اوافق؟ انتي اختي وحبيبتي، ووجعك وجعي، ازاي أفرح معاه وأنا عارفة انك بتحبيه؟
ابتلعت نظي غصبة قلبها المكلوم واكملت بإصرار: متقلقيش عليا.. أنا وافقت على الشيخ جاسم خلاص. أهو هيساعد بابا في مصاريف أختي، ده غير ان انا هسافر معاه وأبعد عنكم. اتجوزيه يا سعاد، وربنا يهنيكم… وياريت توصّليله مني “مبروك”، وربنا يكتبلكم السعادة مهما كان.
انهارت سعاد في صمت، وعجزت عن الرد. لكن مشاعرها كانت تتأرجح بين الحقد والغيرة. تركت ندى وخرجت، بينما في داخلها شعور خفي بالانتصار، رغم أن قلبها كان يملؤه السواد.
**********
في لحظات الوحدة بغرفتها، لم تجرؤ سعاد على مواجهة عمر. جلست على سريرها، تهرب من الحقيقة التي صنعتها بيديها، بعدما أغلقت الباب خلف اخيها
تركت القناع الذي ارتدته طوال اليوم يسقط، وانفجرت في بكاء مرير. جلست على طرف السرير، تضم نفسها وكأنها تحاول حماية روحها من الألم الذي ينهشها. اخذت تسال نفسها بحيرة:
أنا ليه عملت كده؟ مش ذنبها إن عمر حبها… لأنها جميلة… مش ذنبها إن ربنا إدّاها اللي مش عندي… جمال، شطارة، موهبة.
توجهت بنظراتها إلى المرآة، وكأنها تحاسب نفسها أمام انعكاسها:
سعاد: لكن أنا؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا بحبه… هو ليا، كان دايماً معانا، صديق أخويا، وأنا أكتر واحدة فاهماه. مش معقول أسيبه ليها. هي هتسافر وتكمل حياتها… وأنا هفضل أتحرق بناري لو سبته.
لمعت عيناها بحقد مخلوط بالألم، ثم أغمضتهما بقوة، وهي تسترجع لحظات انهيار ندى وعمر. ابتسمت بسخرية، تضحك من القدر الذي لعب لصالحها:
لقد دمرت حباً نقياً لم يكن ملكها يوماً، وجرحت قلبين باسم الصداقة والخداع.
حاولت إقناع نفسها بصواب ما فعلت فقالت:
أكيد اللي عملته صح… كان لازم أفرق بينهم علشان عمر يشوفني، يفهم إن أنا اللي بحبه بجد. لما ندى تسافر وتتجوز الشيخ جاسم، هيكون ليا أنا… وبس.
ضحكت بمرارة، وضحكتها هذه المرة كانت مليئة بالنصر الملوث بالخيانة.
*********
علي الجانب الآخر، كان عمر يدخل شقته بخطوات ثقيلة. ألقى حقيبته على الأرض، واتجه إلى الأريكة، لكنه لم يستطع الجلوس. قلبه كان يعتصره الألم، ودموعه تنهمر دون توقف.
صرخ عمر بالم ولوعه بندب حظه العاثر في خسارته:
قلة حيلتي. وفقرى… حرمني منها. ندى هتكون لغيري؟ مستحيل!
وقف يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، كالمجنون الذي يبحث عن تفسير. ويسأل نفسه مرارًا وتكرارً:
طيب ازاي، أنا كنت شايف حبها في عينيها… كنت حاسس بيها… مستحيل تكون بتلعب بمشاعري، مستحيل. قلبي مستحيل يخدعني بالشكل ده،
لكنه سرعان ما فقد السيطرة على نفسه، وبدأ يضرب الحائط برأسه، كأنه يريد أن يعاقب نفسه على هذا الحب الذي أدماه وصاح بخذلان:
الف خسارة انا كنت عايش في وهم… وهم كبير!
جلس أخيراً على الأرض، مستنداً إلى الحائط، محاولاً استجماع قواه. ورغم كل هذا الألم، لم يزل لديه بصيص أمل صغير. حدّث نفسه بصوت خافت:
يمكن بكرة الصبح، لما أشوفها أفهم. عيونها مش ممكن تكذب عليا. انا واثق من ده، واكيد عندها سبب.غير اللي قالته اسعاد خلاها رفضتني،
ترك نفسه للأمل يخفف من وجع قلبه لعله يرتاح من شدة الالم الذي يمزقه اشلاء
************
مع أول خيوط الصباح، وقف عمر في شرفته كعادته، يبحث بعينيه عن تلك النافذة التي تحمل في طياتها روحه. انتظر أن يرى ندى تفتح الشرفة، أن تنظر إليه، أن تشرح له بصمتها ما لم تقله بالكلام.
لكنه وجد الشرفة مغلقة. ستائرها مسدلة بإحكام، وكأنها تُغلق الباب أمام كل أمل. وقف للحظات يحدق في الفراغ، يحاول أن يُقنع نفسه أنها ستظهر. لكنها لم تظهر.
شعر وكأن شيئاً داخله قد تهشم. كأن قلبه الذي كان يتحامل على الصدمة انفجر أخيراً.
عاد وسأله نفسه بذهول وعدم تصديق:
معقول كل ده كان وهم… كنت لوحدي في الحلم؟
عاد إلى الداخل بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة تقطع جزءاً من روحه. جلس على طرف السرير، يحدق في الأرض، والدموع تملأ عينيه. وقال لائمًا
أول حلم مني ضاع… ومعاه ضاعت ندى… وقلبي…
صمت للحظة، ثم أكمل بهمس لنفسه:
قلبي اللي جرحه مش ممكن يندمل أبدا ————————-
في صباح اليوم التالي، حمل عمر قلبه المكسور إلى قاعات الكلية، وكأنه يحاول أن يُخفي حزنه خلف زحمة الحياة. جلس في محاضراته شارداً، لا يدرك الكلمات التي تُلقى أمامه، ولا يعي الزمن الذي يمضي. كان الألم يثقل على روحه، يطارده في كل زاوية.
بعد انتهاء يومه الدراسي، توجه إلى عمله منهكاً، يلقي بنفسه في روتين الحياة، لعله يجد في العمل عزاءً أو هروباً من ذكرياته. ثم يعود إلى شقته ليغرق بين الكتب والمذكرات، يحاول أن يهرب من صورها التي تطارده في كل لحظة. لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن محاولاته للنسيان كانت عبثاً؛ كل يوم يمر كان يزيده عذاباً، وكأنها حاضرة في غيابه أكثر مما كانت في وجودها.
هكذا مرت الأيام، ثقيلة الخطوات، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي غيّر كل شيء.
عاد عمر من عمله متعباً، مرهقاً ليس فقط من جسده، بل من فكره الذي أنهكه التفكير فيها. جلس في شرفته متأملاً ظلام السماء، ثم حسم أمره فجأة. قرر أن يواجهها، أن يضع حداً لهذا الألم الذي ينهش قلبه. عليه أن يعرف الحقيقة، أن يسمعها تقول له بنفسها إن كل ما بينهما كان وهماً، وإنها كانت تلعب بمشاعره.
بخطوات مترددة، توجه إلى بيتها. ولكن، ما إن اقترب حتى رأى زينة معلقة على الأبواب، وأضواءً مضيئة تملأ المكان. أصوات الزغاريد والضحكات كانت تمزق سكون الليل. وقف مكانه، جامداً كتمثال، وعيناه تتابعان المشهد.
كانت هي، حبيبة قلبه، تزف لرجل آخر. رجل غريب، ثري عربي، يمتلك المال الذي لطالما افتقده عمر.
وقف بين الحضور، عيناه تلاحقانها، وقلبه يخفق بقوة كأنه على وشك أن ينفجر. وحين التقت أعينهما، بدا وكأن الزمن توقف. نظراتها كانت حائرة، مليئة بالحزن، بالألم، وبعتاب خفي لم يستطع تفسيره.
نظر إليه بلوم وتساؤول صامت:
ليه بتلوميني وتعاتبيني بعيونك؟ هو أنا اللي اخترت الفراق؟! هو أنا اللي فضلت عليك المال؟ انتي اللي اخترتي! قوليلي… ليه؟
لكنه لم ينطق بكلمة واحدة. بقيت الأسئلة حبيسة صدره، يقتلها صمته. وحين رأى دموعها تسيل على خدها كالشلال، اعتصر قلبه ألمٌ لا يوصف.
عاد إلى شقته متثاقل الخطى، كأن روحه قد تُركت خلفه في ذلك الزفاف. أغلق الباب باحكام، وأسدل الستار على آخر فصل من حبه لها. جلس في عتمة غرفته، يحتضن وحدته، بينما تتردد في ذهنه صورتها، ودموعها التي خنقت كل تفسير.
لم يعد من حقه التفكير في حبه لها. الذي أصبح بالنسبة له حلماً مستحيلاً، ذكرى مؤلمة، وجرحاً عميقاً لن يندمل. كان يعلم أن حياته ستستمر، لكن قلبه الذي كُسر لن يعود كما كان أبداً.
ضرب يده علي قلبه الذي مازال ينبض بعشقها صارخ علي نفسه:
كفاية كفاية الحب ده كسرني وشتتني وضياع اجمل احلامي.صعب صعب. لا، مستحيل، أفكر أحب تاني.
وهكذا، طوى عمر صفحة حبه الأول، صفحة كُتبت بالدموع والألم، وأُغلقت بنهاية لم يكن يتخيلها يوماً.
***********
يتبع……..
زر الذهاب إلى الأعلى