Uncategorized
رواية احفاد المحمدي كامله وحصريه بقلم سارة ياسر

رواية احفاد المحمدي كامله وحصريه بقلم سارة ياسر
“اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون… اللهم اجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، وارزقنا حسن الخاتمة.”
{ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [آل عمران: 160]
***
قصر المحمدي…
تحفة معمارية واقفة في عز كبرياءها على مساحة أكتر من عشرة آلاف متر، وسط أراضي خضرا بتمتد حواليه زي ما تكون بتحرسه. بوابة حديدية ضخمة مزخرفة بنقوش عربية قديمة، بتتفتح بس للّي ليه مقام. القصر مبني بطراز يجمع بين الأصالة والحداثة، جدرانه حجرية شامخة، شبابيكه كبيرة عليها شرفات من الحديد المشغول، وكل شرفة كأنها بتطل على أسرار جوه القصر.
القصر من جواه، كأنه متحف:
الدور الأرضي فيه:
صالونين كبار بيستقبلوا الكبار بس.
قاعة اجتماعات فخمة، بيستخدموها لما الأمور تكبر.
أوضة مكتب ضخمة لياسين، مليانة ملفات وتقارير سرية.
غرفة طعام تكفي جيش.
والدور الأول:
خمس أجنحة خاصة بالرجالة الأربعة، وجناح مخصص للضيوف الكبار.
كل جناح فيه أوضة نوم رئيسية، أوضة ملابس، أوضة معيشة صغيرة، حمام كبير زي حمامات القصور الملكية.
والدور الأخير:
صالة رياضية مجهزة، غرفة أسلحة، وغرفة مراقبة فيها شاشات بتعرض كل ركن من القصر.
حوالي القصر جنينة واسعة فيها حمام سباحة كبير، واسطبل للخيول، وجراج للعربيات الفارهة.
***
كانت الشمس لسه بتبزغ بهدوء لما فتحت أوضة ياسين أبوابها على اتساعها.
وقف قدام المراية الطولية، بصل صورته في انعكاس الزجاج، وكأن عينه بتفتش ورا الملامح.
ياسين المحمدي…
34 سنة من الهيبة، الطول حوالي 190 سم، جسمه رياضي، عريض الكتفين، متناسق العضلات، وكأنه منحوت. شعره أسود ناعم، دايمًا ممشط بعناية، عيونه عسلية حادة، نظرة بتسكت اللي قدامه قبل ما يتكلم. بشرته خمرية، ودقنه خفيفة بتدي ملامحه شدة أكتر.
كان لابس بدلة سودة مفصلة عليه بإتقان، القميص أبيض ناصع، رابطة عنق رمادي غامق، ساعة فضة في إيده الشمال، ورائحة عطره الراقي كانت كفيلة تعلن وجوده حتى قبل ما يظهر.
عدّل رابطة العنق بإيده الهادية، فتح زرار الجاكيت وهو بيتمشى ناحية الباب، خطواته محسوبة، صوته ما طلعش بكلمة، لكنه لما خرج من جناحه، حس كل اللي في القصر إنه نزل ملكه.
***
نزل ياسين المحمدي السلم الرخامي بخطواته الثابتة، خطوات محسوبة، كل واحدة فيهم كأنها بتعلن عن اقتراب العاصفة. كان صمت القصر بيسمع دقات قلبه قبل دقات رجليه، وكل خادم أو عامل في وشه كان بينزل عينه فورًا احترامًا وخوفًا.
وصل للباب الرئيسي، فتحه الحارس بنفسه من غير ما يمد ياسين إيده. قدامه وقفت عربيتين سود مصفحة، أولهم كانت عربية ياسين المفضلة: رنج روفر سوداء لامعة، زجاجها فامية غامق، بتعكس الشمس وتصد العيون.
فتح له السائق الباب الخلفي، لكنه ياسين اكتفى بنظرة سريعة وقال بصوت واطي لكنه جهوري:
“هسوق بنفسي النهاردة.”
ركب العربية، شغلها بإيده، داس على البنزين بخفة، وخرج بيها من بوابة القصر، والدنيا كلها كأنها وقفت لحظة وهو بيعدي.
في الطريق، ملامحه كانت ثابتة، عينه قدامه، دماغه شغال زي الكمبيوتر، بيراجع كل خطوة جاية، وكل خطة لليوم.
وصل مقر مجموعة شركات المحمدي، برج ضخم من 50 طابق، كله زجاج وأسود في أسود، زي ما يكون انعكاس لصاحبه. أول ما العربية وقفت قدام الباب الرئيسي، الحرس اتنقلوا في لحظة، السواق فتح الباب، والعمال والموظفين المنتظرين عند المدخل نزلوا عيونهم ووقفوا صفين، وكأن الملك وصل عرشه.
نزل ياسين من العربية، أول ما وقف الأرض اتحس إنها اتزانت.
وفي اللحظة دي، خرج من باب الشركة بسرعة، مراد المحمدي، بدلة رمادي فاتح، قميص أزرق سماوي، وشعره بني غامق متسرح بعناية. ابتسامته اللي ظهرت خفيفة، لكنها ما أخفتش لمعة الجدّية في عينه:
“إتأخرت عليك شوية، بس كنت بقفل صفقة الخليج.”
ياسين بص له بنظرة سريعة، وهز راسه:
“ماشي، ندخل، عندنا اجتماع مهم.”
دخلوا سوا، ووراهما صف من الحرس، والموظفين كانوا بيعدّوا أنفاسهم وهم بيشوفوا الاتنين المهابين دول ماشيين سوا، وكأن القصر ذاته طلع برجله للمدينة.
***
دخل ياسين ومراد قاعة الاجتماعات، قاعة ضخمة جدرانها من زجاج عاكس، أرضيتها رخام أسود، وطاولة اجتماعات بيضاوية من خشب الجوز محفور عليها شعار المحمدي، محاطة بكراسي جلدية سوداء.
وراهما كان زين المحمدي داخل، لابس بدلة كحلي غامقة، من غير رابطة عنق، مفتوحة الزرار، عينه السوداء بترصد كل حاجة بصمت مريب.
وجاسر دخل بعده، بدلة سودا بالكامل، من غير ولا لمعة، كأنه جاي من ساحة حرب، عينه بتمسح المكان بحذر وجدية، ملامحه قاسية أكتر من العادة.
على الطاولة كان فيه شاشات بتعرض بيانات شركات أجنبية، وأطراف الاجتماع من جهة تانية كانوا رجال أعمال أجانب، فيهم شوية إنجليز وألمان، ومعاهم مترجم قاعد على جنب، متوتر شوية من هالة المحمدي.
ياسين قعد على رأس الطاولة، مراد عن يمينه، زين وجاسر عن شماله، وبدأ الاجتماع.
قال رئيس الشركة الأجنبية بإنجليزية واضحة:
“We appreciate this opportunity, Mr. Mohamedy. We’re looking for a strong partnership with your empire.”
نحن نُقدّر هذه الفرصة، سيد المحمدي. نحن نسعى لشراكة قوية مع إمبراطوريتكم.
ياسين كان ساكت، بيبص له بنظرة باردة، قبل ما يرد بالإنجليزي:
“We don’t seek partnerships. We build them on our terms.”
إحنا ما بندورش على شراكة… إحنا بنبنيها بشروطنا.
المترجم نقل الكلام بخوف، والرجل الأجنبي ابتسم ابتسامة متوترة.
اتكلم مراد بنبرة محسوبة:
“Let’s talk numbers.”
خلونا نتكلم في الأرقام.
زين بص على الشاشة، وقال بنبرة هادية لكنها حاسمة:
“Your technology security is vulnerable. We’re not investing in weaknesses.”
الأمن التكنولوجي عندكم ضعيف. وإحنا مش بنستثمر في الضعف.
جاسر دخل في الكلام لأول مرة، صوته هادي لكن فيه تهديد خفي:
“If you want our protection, you play by our rules.”
لو عايزين حمايتنا… تلعبوا على قوانينا.
رجال الأعمال الأجانب اتبادلوا نظرات مرتبكة، واضح إنهم فهموا إنهم مش في مفاوضات عادية… دول قدام ملوك اللعبة.
ياسين ختم:
“We’ll give you our offer. One time. Take it or leave it.”
هنقدم عرضنا مرة وحدة. تقبلوه أو ترفضوه.
ساد صمت تقيل في القاعة بعد كلام ياسين… صمت كان بيكتم أنفاس اللي قاعدين كأن الهواء نفسه بقى تقيل.
ياسين بص لمراد نظرة صغيرة فيها اتفاق صامت، بعدها وقف من مكانه ببطء، وكأنه بيعلن انتهاء الجلسة بكلمة ما اتقالتش.
وقف مراد، وزين، وجاسر في نفس اللحظة… تحركوا مع بعض بخطوات ثابتة، ومافيش صوت اتسمع غير وقع أحذيتهم على الرخام الفخم، ولا حتى المترجم قدر يبلع ريقه.
مراد مر بجانب شاشة العرض، لمسها لمسة خفيفة بإيده، وقال بنبرة ساخرة وهو ماشي:
“And next time, don’t waste our time with numbers you can’t afford.”
المرة الجاية… ما تضيعوش وقتنا بأرقام مش قدها.
زين خرج من غير ما ينطق كلمة… لكن عينه كانت بتطعن في قلوبهم، كأنها بتقول: إحنا شوفنا ضعفكم كله.
جاسر في آخرهم، وقف لحظة عند باب القاعة، بص بنظرة باردة، وصوته طلع هادي لكنه زلزل المكان:
“We don’t negotiate twice.”
إحنا ما بنفاوضش مرتين.
خرجوا… والأبواب اتقفلت وراهم تقفيلة قوية.
رجال الأعمال الأجانب كانوا قاعدين مكانهم، وجوههم اتبدلت بين التوتر والارتباك، واحد فيهم مسح عرقه، والتاني قال وهو بيهمس بالإنجليزي:
“Who the hell are we dealing with? They’re not businessmen… they’re predators.”
احنا بنتعامل مع مين دول؟ دول مش رجال أعمال… دول صيادين.
رئيس الفريق الأجنبي بلع ريقه، وقال بنبرة استسلام:
“We take the offer… We have no choice.”
هناخد العرض… ما عندناش خيار.
والمترجم كان بيكتب بسرعة، عشان يلحق يوصل القرار قبل ما الوحوش تخرج من الباب التاني.
أما ياسين وإخوته، فهم نزلوا للمصعد بنفس الهدوء، كأن ما حصل مجرد لعبة عادية، وخرجوا من البرج، والعالم كله كان بيتنفس أمان بعد ما رحلوا.
***
دخل ياسين مكتبه الخاص في البرج… مكتب واسع، جدرانه خشب داكن، ورا مكتبه خريطة ضخمة للشرق الأوسط مرسومة بإتقان، كأنها خريطة صيد، وعلى الرفوف ملفات وتقارير مكدسة لكنها منظمة بدقة قاتلة.
على المكتب كان في شاشة شفافة بتعرض بيانات، وكوباية قهوة لسه بتطلع بخارها، ياسين رفعها، خد منها رشفة، ورجع حطها بإيده الثابتة.
جلس على كرسيه الجلدي، مراد وقف جنبه بإيدين في جيوبه، وزين قاعد على طرابيزة جانبية بيقلب في تابلت، وجاسر واقف عند الشباك، عينه على الشارع تحت كأنه بيراقب العالم.
ياسين بص بنظرة هادية وقال بنبرة رخيمة لكنها قاطعة:
“الصفقة دي خلصت. مش عايز أسمع صوتهم تاني. اللي هيقرب من شركاتنا… ينداس.”
مراد ابتسم بخفة:
“كالعادة… ما بتسيبش وراك غير الصمت.”
زين قال بنبرة هادية وعينه لسه في التابلت:
“إحنا محتاجين نبدأ في مشروع الميناء الجديد. الوقت بيجري.”
جاسر بص لهم أخيرًا وقال:
“والحماية؟ عايز مين يكون مسؤول عن التأمين؟”
ياسين مسح بوشه بإيده، وقال بهدوء لكنه مليان معنى:
“أنا هخلص مشوار مهم الأول… وبعدين هحدد. خليكوا جاهزين.”
وقف ياسين، عدّل رابطة عنقه بإيده، وخد سترته ولبسها بهدوء.
مراد سأله:
“رايح فين؟”
رد ياسين وهو ماشي ناحية الباب:
“مشوار ضروري… هتعرفوا قريب.”
خرج بخطوات ثابتة، والهواء نفسه كان بيخاف يعدي قدامه.
ركب عربيته بنفسه، وشغل الموتور، والشارع كله كان بيترقب لحظة خروجه، كأن الوحش بيتحرك وسط الغابة.
***
كانت الشمس على وشك الغروب، لونها مسك الدنيا بلون ناري، وزحمة الشوارع في قمة فورانها… ياسين كان سايق عربيته بنفسه، ماسك الدركسيون بإيد ثابتة، وعينه قدامه، لكن دماغه شغال في مليون حاجة.
وفي لحظة…
عربية صغيرة اتزحلقت قدامه، فرمل ياسين بحدة، والعربية وقفت مكانها.
نزل منها بنت في أوائل العشرينات، شعرها بني مموج متلخبط من العصبية، عيونها بني غامق متقدة، ملامحها جميلة لكنها مشدودة بالغضب.
كانت ماسكة شنطتها بإيد، وإيدها التانية بتلوّح للسواق اللي كان وراها، وهو بيزعق عليها من الزحمة.
ياسين نزل من عربيته بهدوء، قفل الباب ووقف، طوله وهيبته خلت الدنيا تسكت لحظة، حتى الهواء وقف.
البنت، من غير ما تبص مين اللي نزل، شخطت فيه باندفاع:
“يعني إيه تدوس علي العربية كده؟! ما بتشوفوش قدامكم ولا إيه؟ ولا عشان معاك عربية بـ ملايين فاكر نفسك تاخد الشارع لوحدك؟!”
وقفت قدامه، إيدها بتتهز من العصبية، لكن عينيها مليانة جرأة، أول مرة حد يقف قدامه بالشكل ده.
ياسين كان ساكت… عينه ثبتت عليها، وابتدت تتطق شرار… ملامحه متحجّرة، لكن عينه بتتكلم: إنتِ عارفة بتكلمي مين؟
رفع إيده بهدوء، واتصل من غير ما يبعد عينه عنها:
“أدهم… خلال نص ساعة، كل المعلومات عن البنت دي تكون عندي… كل حاجة… مفهوم؟”
وقفل التليفون، ولسه عينه عليها، والبنت اتفاجئت إن اللي قدامها مش أي حد… ده كأنها وقفت قدام جبل.
لكن الغريب… إنها ما رجعتش خطوة، فضلت واقفة، رغم إن قلبها بدأ يدق بسرعة.
ياسين قرب خطوة صغيرة… ابتسامته كانت باهتة، لكنها مرعبة:
“انتي مش عارفة بتتكلمي مع مين… بس هتعرفي قريب.”
***
في الدور الأخير من برج شركات المحمدي، كان زين المحمدي واقف جوه أوضة شبه معمل تقني، الحيطان مغطاة بشاشات عملاقة، بتعرض خرائط، بيانات، أكواد بتتحرك بسرعة، وكأن المكان ده عقل إلكتروني شغال 24 ساعة.
الإضاءة خافتة، ووش زين منور بنور الشاشات، عينه السوداء متسمرة على شاشة فيها بيانات غريبة… حسابات مشبوهة، تحويلات مالية ضخمة بين شركات عالمية، وعليها ختم أحمر مكتوب عليه: “خطر – اختراق محتمل”.
كان لابس قميص أسود بسيط، أزراره مفتوحة لحد نص صدره، وبنطلون جينز غامق، إيده ماسكة كوب قهوة باردة، وملامحه متجهمة كأن فيه حاجة مش عاجباه.
دخل عليه جاسر من باب جانبي، بخطوات هادية لكنها محسوبة، كان لابس بدلة سودة، سلاحه ظاهر تحت الجاكيت من غير ما يحاول يخفيه.
قال له جاسر بنبرة جدية:
“لقيت حاجة؟”
زين رفع عينه ليه وقال:
“آه… في جهة بتحاول تدخل على أنظمتنا. بس مش أي جهة… دي لعبة كبيرة.”
جاسر قرب أكتر، بص على الشاشة وقال:
“عايزني أتحرك؟”
زين ابتسم ابتسامة جانبية باهتة:
“لما أقولك اتحرك… هتعرف إنه مافيش رجوع.”
وقف جنب أخوه، شرب بقية القهوة الباردة، ورماها في أقرب سلة، وبص للشاشة وهو بيقول بنبرة واطية لكنها تقطع في الهوا:
“فيه حد أعلن الحرب… وهم مش فاهمين هما بيحاربوا مين.”
رد عليه جاسر بنبرة هادية لكنها تقيلة بمعناها:
“يبقى نعلّمهم الدرس… من أول حركة.”
زين لف وشه ناحية جاسر، نظراتهم تقابلت، كان بينهم اتفاق صامت من غير كلمة زيادة.
مد زين إيده، فتح ملف تاني على الشاشة، ظهرت صور وأسماء وأماكن…
وبصوت عميق قال:
“هنبدأ نرصد الكل… عايز كل نفس بيتحرك حوالينا يبقى تحت عينينا. مافيش حاجة هتفلت.”
جاسر اتنقل بسرعة ناحية تابلت صغير، بدأ يدي أوامر للحرس والمراقبة، وعينه بترجع تبص لزين، لأنهم عارفين إن اللي جاية مش لعبة… دي حرب لازم يطلعوا منها هم المنتصرين.
***
الشمس كانت بتميل للغروب، لونها سايب أثر ذهبي على جدران فيلا الألفي البيضاء، والحديقة مليانة نسمة هوا محملة بريحة الورد والياسمين.
في وسط الحديقة، ترابيزة خشب كبيرة، حواليها جلس رأفت الألفي، لابس جلباب بيج بسيط، عينيه البنية بتلمع بحنان وهو بيتابع بناته. كان ماسك كوباية شاي بالنعناع، بياخد منها رشفات صغيرة، وصوته هادي لما بيتكلم، يطمن القلب.
على الترابيزة:
ليلى كانت قاعدة بتقص قماشة على مقاس تصميم جديد، شعرها البني الفاتح مربوط ديل حصان، وعيونها عسلية مركزة لكنها كل شوية تبص لباباها وتبتسم له:
“بابا… هاجرب أخيط الفستان ده بنفسي، بس لو طلع وحش، اوعى تضحك عليا!”
رأفت ضحك بهدوء، وقال:
“ده حتى لو طلع وحش، هفضل شايفه أجمل فستان في الدنيا.”
ملك كانت قاعدة جنب ليلى، ماسكة دفتر رسم كبير، وقلم رصاص بترسم بيه مخطط فيلا كانت شغالة عليه، شعرها الأسود الحريري سايباه على كتفها، عيونها السودا مركزة، لكنها قالت:
“بابا، أنا فعلاً نفسي نوسع بيتنا… نعمل جناح زيادة كده… عشان أحفادك في المستقبل.”
رأفت ابتسم، ونظر لها نظرة أبوية كلها فخر:
“أهو كده الكلام اللي يفرح القلب.”
جودي كانت قاعدة قدامهم، قدامها تابلت مفتوح على بحث طبي، شعرها البني المموج نازل على وشها، لكنها كل شوية ترفعه بإيدها وهي بتقول:
“بابا، ما تيجي أخدلك ضغطك كده بالمرة؟ متأكد إنك مرتاح؟”
رأفت هز راسه وضحك:
“أنا مرتاح طول ما أنتم حواليا… ما تقلقيش يا دكتورة.”
الهوا لعب في أوراق ملك وقماش ليلى، ورائحة النعناع اختلطت بريحة الشاي، وكل حاجة في المشهد كانت بتقول إن دي عيلة متربطة، دفاها في لمتها، ووش رأفت بيحمل نفس الحزن الدفين اللي دايمًا بيطل عليه في لحظة سكون… الحزن على هالة، الأم الغايبة، واللي كل لحظة بيحسها جنبه في روح بناته.
وسكينة المشهد دي كانت لحظة هدوء… قبل العاصفة اللي بتتجمع غصب عنهم بعيد… في مكان تاني، عند وحوش اسمهم أحفاد المحمدي.
ملك رفعت وشها من الدفتر، وبصت حواليها، صوتها كان هادي لكنه مليان ملاحظة:
“سلمى اتأخرت كده ليه؟ المفروض كانت خلصت شغلها من بدري…”
ليلى وقفت، مسحت إيديها في منديل وقالت وهي بتبص ناحية البوابة:
“يعني مش جديدة عليها يا ملك… دي طول عمرها دماغها ناشفة، وتحب تمشي لوحدها وتغوص في شغلها أو أفكارها.”
جودي، وهي لسه قاعدة، رفعت عينيها وقالت بنبرة قلقة شوية:
“بس المرة دي مش عارفة ليه قلبي مقبوض… أصلها كانت متوترة قبل ما تنزل الصبح.”
رأفت حط الكوباية على الترابيزة، وبص لهم بنظرة الأب اللي بيطمن ولاده رغم القلق اللي ابتدى يدب جواه هو كمان:
“ما تقلقوش يا بناتي… سلمى دي عاقلة، وعارفة هي بتعمل إيه. يمكن الطريق زحمة، أو وقفت تكمل شغلها في الجورنال.”
لكن رغم الكلام اللي طالع منه هادي، عينه راحت غصب عنه ناحية البوابة كأن قلبه بيحاول يسبق الزمن يشوف سلمى داخلة… أو يستشعر اللي جاي.
الهوا عليل… لكنه كان بيحمل في طياته ريحة عاصفة قريبة…
***
في جناحهم الكبير داخل قصر المحمدي، كانت زينب الهديان قاعدة قدام شباك واسع بيطل على الجنينة الخلفية، الشمس داخلة بنورها الهادي، وريحة الورد البلدي مالية المكان.
إيديها كانت ماسكة شال صوفي بتطرزه بهدوء، لكن عيونها مشغولة بتفكيرها أكتر من شغلها.
دخل محمد المحمدي، ظهره مرفوع كعادته رغم سنه، خطواته تقيلة ليها هيبة، وقف وراها وبص معاها من الشباك للحظة.
قالت بنبرة فيها حسرة بسيطة:
“شوف يا محمد… شوف حال ولادك… ولا واحد منهم بيطيق يقرب منه جنس حواء! وكأن الست بقت عدو ليهم… حاجة تقطع القلب.”
محمد اتنهد بصوت جهوري، وحط إيده التقيلة على كتفها بحنان متخفي، وقال:
“هم رباية زمن صعب يا زينب… ما شافوش من الدنيا إلا الخيانة والخديعة… بس القلب، مهما قسى، ليه لحظة يلين.”
زينب هزت راسها وقالت وهي بتحط الشال في حجرها:
“الحمد لله إنهم بيطيقوني أنا، وإلا كنت قلت ضاع الخير كله منهم.”
محمد ضحك ضحكة صغيرة خارجة من القلب، وقرب منها أكتر، لمس طرحتها بإيده اللي خدت من الزمن خشونة الرجالة، لكنه لمسها كأنها أغلى من الدنيا.
“زينب… انتي الخير اللي باقي في دنيتي… ولادنا ما يقدروش يكرهوا الست… طول ما في واحدة زيك شايلة اسم المحمدي، سايبة أثر في قلوبهم حتى لو هما مش حاسين.”
زينب بصت له، عيونها مليانة دمع فرحة ممزوجة بوجع على الزمن:
“أنت كنت دايمًا سندي… ولا يوم خليتني حسيت إن الست ضعيفة قدامك.”
محمد شد إيدها بين إيديه، وبص في عينيها بنظرة اللي عاش معاها عمر وحبها بكل مافيه:
“ولا عمري هسيبك تحسي كده… وانتي في عينيك كل نساء الدنيا يا زينب.”
الهوا دخل من الشباك، حرك طرف طرحتها، وكأن حتى الهوا بيشهد على حبهم اللي الزمن ما قدرش يهزه.
زينب ابتسمت ابتسامة فيها شوية خجل وشوية دفا، وحركت إيديها كأنها بتتهرب من نظرته وقالت بنبرة فيها دلال هادي:
“يا راجل… عجزت خلاص على دلعك وحبك ده… سيبك مني.”
محمد قرب أكتر، بص في عينيها نظرة حب صافي، زي حب الأول، زي ما كان شاب بيحبها زمان، وقال بصوته العميق اللي بيهز القلب:
“وانتي فين العجز يا زينب؟ ده انتي لسه شبابا… والله ما شفت في عمري أجمل منك ولا هاشوف… انتي نوري في الدنيا.”
زينب دحكت بخجل، وبصت لتحت شوية، وقالت وهي تهز راسها:
“يا شيخة عليك يا محمد… كفاية الكلام اللي يخلي القلب يضعف… لو حد سمعك يقول علينا لسه عرايس صغار.”
محمد شد إيدها بين إيديه وقال بحنية:
“وانتي لسه عروستي يا زينب… ومافيش في الدنيا حد يستاهل كلمة حب من لساني غيرك.”
زينب سرحت للحظة، وبعدين قالت بنظرة شوق ووجع أم:
“نفسي يا محمد… نفسي أشوف ولادهم.. نفسي أشوف شبابنا اللي قدهم دلوقتي مخلف… بدل ما الواحد يقول عيل، يقول عيلين… بيت يتهز بصوت العيال وضحكهم. نفسي أحفادنا يفرحوا قلوبهم… مش كفاية عليهم القسوة اللي شالوها في قلوبهم.”
محمد اتنهد، مسح بإيده على راسها، وقال بصوت كله أمل:
“هيجي اليوم يا زينب… وهنشوف العيال بتجري في القصر ده… وكل ركن فيه هينور بنور البراءة… أوعي تفقدي الأمل يا ست المحمدي.”
الهوا كان بيحرّك الستارة الخفيفة، والشمس كانت بتغيب، لكن جوه أوضتهم، كان في نور تاني… نور حب عايش رغم الزمن.
***
“خلص الفصل… لكن الحكاية لسه في أولها، واللي جاي أصعب، والأسرار هتبدأ تتكشف قدامكم شوية بشوية… استنوني، وأوعوا تسيبوا أحفاد المحمدي لوحدهم في لعبة الكبار!”
“لو عجبكم اللي قريتوه، متنسوش تصَلّوا على النبي، وتدعولي بدعوة حلوة… واللي جاي أقوى بكتير… لأن كل كلمة جاية هتغير اللعبة كلها!”




