روايات رومانسية

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثاني عشر 12 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل الثاني عشر 12 بقلم تقي حامد 

دخلت حسناء غرفتها وألقت حقيبتها ثم ارتمت على الفراش وانتحبت بعلوٍ، ظلت تبكي وتبكي برثاءٍ..
بقلبٍ مكلوم وخوفٍ دفين..
حتى عبرت الذكرى فجأةً..
“-يا هدير بطلي رخامة بقا وصوريني عدل!
قلبت عينيها بمللٍ:
-والله ده اللي عندي.
أزاحتها فتاة أخرى قصيرة القامة ونحيلة، قائلة بحماسٍ:
-وسعي إنتِ أنا هصورها.
ثم نظرت لها:
-حسونة..واحد إثنين…بوزيشن!
اتخذت حسناء وضعيتها المفضلة، حيث كفها على شعرها الأسود الطويل، وابتسامتها الواسعة التي تُظهر لثتها العلوية، ونظرة عينيها الشبيهة بصديقتها تمامًا”
2
كتمت شهقاتها بكفها حتى لا يستيقظ أهل البيت، وأغمضت عينيها بقوة تعتصرهما وجسدها يهتز بأنات الوجع والفراق!
***
أمام الظابط وقف ثلاثتهم، فادية الصامتة، ونادية ممزقة الثياب، وحِبو مبطوح الرأس الذي يصيح بقوة:
-أنا عايز حقي يا باشا، عايز حق قرني المفتوح يا باشا
-اخرس يالا.
ثم عاد ينظر لفادية هاتفًا:
-وإنتِ اخلصي، فتحتي قرنه ليه؟!
قالت بجمودٍ:
-زي ما إنت شايف يا باشا، دفاع عن النفس.
ضرب على المكتب بحدة:
-نفس إيه يا روح أمك! وهي مدافعتش عن نفسها ليه؟
نظرت فادية لأختها بصمتٍ، فنكست الأخيرة رأسها وظلت تبكي في صمتٍ، فزفر الظابط بضيقٍ وصرخ:
-عسكري أيمن.
دخل بسرعة، فأشار له الظابط:
-خد البت دي ع الحجز لحد ما يبانلها صاحب.
وأشار على حِبو:
-وإنت تروح تعالج جرحك ده وترجع تاني عشان نقفل المحضر ويا تتنازل وتتصافوا يا تبقى جُنحة.
سحب العسكري فادية التي خرجت لتقابل شادية التي هرولت عليها هاتفة:
-رايحة فين يا فادية! واخدين البت فين يا باشا؟ ما ترد عليا يا أخويا!
-واخدها ع التخشيبة، وسعي بقا كده.
خرجت خلفها نادية تضم الغطاء لصدرها ووجهها غارقًا بالدموع، ارتمت في أحضان شادية وخرج بعدها حبو يبتسم بخبثٍ ونظر لهن بمكرٍ:
-حسبي الله ونعم الوكيل، ناس ظلمة.
انحنى يهمس لنادية التي ارتجفت في أحضان شادية بخوفٍ وبأنفاسه الكريهة:
-يا تتجوزيني بما يرضي الله، يا تبقى أختك رد سجون وتتفضحي في الحتة كلها إنك حاولتي تغريني وتتغرغري بيا بما لا يرضي الله..
1
مد اصبعه ليداعب خدها فصفعت شادية يده بحدة ليبتسم:
-سلام يا نوغة.
وسار أمام عيني شادية الحاقدة، وارتمت نادية في أحضان والدها الجالس خلفهن، وظلت تبكي وتبكي، وبكى معها في لحظة ضعفٍ وهو يهمس:
-لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
وظل يرددها لعل الله يفرجها، ووقفت شادية عاجزة، حتى تذكرت، وأخرجت تلك البطاقة الكامنة بين ثنايا ثيابها، ونظرت للإسم مليًا، حتى أغمضت عينيها بأسى وتدحرجت دمعة صامتة على خدها..
فلتسلم نفسها للشيطان..
لتعقد معه صفقة.
***
وقفت سيارة شاهين أمام مكان عمل يُسرا، فتحت الباب وما كادت تهبط حتى أوقفها:
-استني رايحة فين..
التفتت له تناظره ببراءة فإذا به يأمرها بمنتهى الوقاحة:
-اديني بوسة.
هزت رأسها بقلة حيلة وارتفعت تُقبّل وجنته اليُسرى، فأدار لها الناحية الأخرى:
-ودي عشان متزعلش.
ضحكت، ولثمته هاتفة:
-حلو كده؟
انحنى يلثم ثغرها بخفة مبتسمًا وهو يومئ:
-حلو كده.
خرجت من السيارة تُشير له بالوداع، فرفع كفه له وعاد يسنده على الطارة حتى رآها تدخل المكان فاطمئن وأشار للحارسين اللذان يقفان أمام المكان فأومئوا له مُطَمئنين، حتى انطلق بسيارته بعدما ارتاح لأمانها..
وكانت أعينه المنكسرة تتابع غرامهم الواضح بقلبٍ مكلوم، وهو يقبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله.
وفي طريقه رن هاتفه فأجاب واضعًا إياه على المكبر:
-شاهين بيه، فيه واحدة عايزة حضرتك ضروري ومصممة تقابلك.
بصوتٍ أجش سأله:
-اسمها إيه؟
غاب كرم قليلًا وعاد يقول:
-بتقول اسمها شادية لطفي.
اعتلى ثغره بسمة هادئة، وأجاب:
-دخلها المكتب وأنا ربع ساعة وأوصل.
-حاضر يا بيه.
وأغلق الخط وهو يُصفر، فحتى رأي أبيه كان معه..
وافق على فكرته في تزويج عمار..
أن يكون له امرأة ترعاه من مخالب فضيلة وبناتها لهو قرارٌ حكيم..
الوحيدة التي لن ترضى عن ذلك هي يُسرا..
ولكم من الصعب إرضاءها!
***
كانت فايا جالسة جوار والدتها تحمل بين يديها الجيتار الإلكتروني الخاص بعدها، وتُسمعها المقطوعة الجديدة التي تعلمتها، في حين كانت شهد تخرط الملوخية وآيات أمامها تُصبع الكُفتة ويمنى على يمينها تقطع السلطة، وميرا جوار والدتها تصور فايا بالكاميرا الخاصة بها وهي تبتسم، وساجد يضع كفيه على وجنتيه بهيامٍ ناظرًا لعزفها بانسحار، ويزن وإسلام كعادتهما أمام الشاشة يلعبان، ويزيد على الحاسوب الخاص به ولكن أذنه لا زالت مع فايا، وسيرا وتالين كانتا تلعبان سويًا بالأوراق لعبة “أونو” العتيقة، انتهت فايا تنتظر الآراء بحماسٍ، فصفقت لها أمها أولًا هاتفة:
-بسم الله ما شاء الله، فنانة يا بنتي.
وأبدى الجميع رأيه حيث قالت آيات:
-مش طبيعية يا فايا تحفة يا حبيبتي.
ويمنى تبتسم:
-حلو أوي يا فافي.
وساجد تنهد بهيامٍ:
-عايز أسمع عزفك كل يوم.
ابتسم له فايا، وقالت سيرا متحمسة:
-حلو أوي يا فايا لازم تبقي تعزفي في فرح فادي وقدر.
-هيحصل أكيد.
وتالين تقول:
-هتبهريهم يا بنتي.
نظرت فايا ليزن وإسلام صارخة ليصل صوتها لهم:
-وإنتو يا جيمرز، إيه عزفي موصلكمش؟
رفع يزن الإبهام لها ولا زالت عينيه على الشاشة:
-عشرة على عشرة يا فنانة.
وإسلام ينظر لها نظرة خاطفة مبتسمًا:
-أبهرتينا يا بنتي.
نظرت ليزيد تنتظر منه كلمة، فقالت آيات:
-متحاوليش مش هيعبرك.
أومأت على مضضٍ، ونظرت لوالدها التي نهضت لتجلب شيئًا من المطبخ، فأكملت هي تخريط الملوخية بدلًا منها..
فيما ربتت شهد على كتف سارة متسائلة بقلقٍ:
-لسه بطنك وجعاكِ؟
أومأت سارة بإعياءٍ وهي تتراجع بظهرها للخلف:
-آه، وحاسة إني عايزة أرجع أو ممكن يغم عليا دلوقتي.
1
تدخلت آيات:
-طب ما نكلم الدكتور.
تجاهلتها سارة كالعادة بل ورمقتها بإحتقارٍ لبرهة، ثم نظرت لشهد وقالت:
-أنا هطلع أرتاح شوية.
أومأت الأخيرة، فصعدت سارة بطيئة الخطوات شاحبة الوجه..
وفي الأعلى تحديدًا غرفة قدر كانت نارين تجلس على الفراش أمامها، تسألها بجدية:
-قدغ إنتِ بجد عايزة إيه؟ فادي ولا يوسف ولا فهد؟ أنا مبقتش عغفالك غأي!
رمقتها قدر بطرف عينها في صمتٍ، ثم عادت تشرد في نقطةٍ ما ببلاهةٍ نظرتها..
-بصي..إنتِ لازم تحطي حد ليوسف ده، مينفعش تبقي مخطوبة وتغوحي تحبي واحد تاني يا قدغ ده حغام!
فتحت قدر فمها لتتحدث إلا أن الباب كان قد فُتِح بقوةٍ ودخل منه فادي بوجهٍ غاضب وأعين حمراء تنم على عدم نومه الليلة الماضية البتة! أشار لنارين بالخروج هاتفًا:
-اطلعي يا نارين شوية، عايزها في موضوع.
أومأت سريعًا، ونهضت عن الفراش وخرجت توصد الباب خلفها، ولكنها انحنت عليه لتسترق السمع..
-إيه طبيعة علاقتك بفهد؟
ناظرته بعدم فهمٍ:
-يعني إيه؟
-يعني إنتو أصحاب بجد؟ ولا حاجة تانية؟
اتسعت حدقتيها بذهولٍ:
-حاجة تانية يعني إيه إنت تقصد إيه يا فادي!!
ولأول مرة تراه بهذه العصبية والإنفعال إذ صرخ:
-أقصد إنه بيحبك…وإنتِ بتحبيه…وانا القُرني اللي في النص اللي خطبت البنت اللي أخويا بيحبها مش كده؟!
ازدردت لعابها بخوفٍ، وترددت قبل أن تقول بتلعثمٍ:
-فادي إنت فاهم غلط…هو بيحاول يوقع بينا عشان..
قاطعها بحدة:
-عشان إيه؟ عشان ترجعيله؟؟؟
أومأت بسرعةٍ:
-أيوه بالظبط عشان كده، هو كان معجب بيا من زمان وقدامكم، بس أتخلى عني يا فادي مرتين، وأنا اللي يتخلى عني بتخلى عنه! قولتله يبعد عني وهو مش راضي!
ناظرها بجمودٍ لبرهةٍ، نظراتها ليست صادقة تمامًا، وتوترها فاضح، أومأ عدة مراتٍ قائلًا:
-ماشي يا قدر، أنا هبعده عنك.
رفع إصبعه يحذرها بصرامةٍ:
-بس لو طلعت أنا الهفق في اللي بينكم…هتشوفي مني اللي عمرك ما شوفتيه.
ألقى كلماته المسمومة وفتح الباب بقوة فاختل توازن نارين، رمقها بنفاد صبرٍ ورحل، بينما دخلت للغرفة توصد الباب خلفها وهي تنظر لقدر بصدمةٍ:
-يا نهاغ أبيض! الموضوع كبر يا قدغ!
والأخيرة تنظر للفراغ بشرودٍ وخوفٍ وريبة!
***
-مناورة بنكو هي التضحية ببيدق في جناح الوزير للسيطرة على المركز، ومناورة ايفانز هي التضحية ببيدق لتطوير الفيل وتوسيع السيطرة على المركز.
أنزل إياد الهاتف الذي كان يقرأ منه ونظر لفهد بصدمةٍ، وكان الأخير ينظر للفراغ بذهولٍ، فتابع إياد:
-يعني بلال اتقتل عشان يحمي الوزير! واللي هيتقتل دلوقتي هيتضحى بيه لترقية الفيل، مين الفيل ومين الوزير!
ازدرد فهد لعابه بتوجسٍ:
-معرفش، بس اللي أعرفه إني لازم أحميها.
ناظره إياد بغرابةٍ:
-هي مين؟؟
رفع فهد البيدق المُرسل أمام عينيهما وظل ينظر إليه دون أن يبدي ردة فعلٍ.
***
أشار شاهين لشادية بالجلوس، ففعلت، جلست أمامه تفرك كفيها ببعضهما في خزي، تنطق بالموافقة:
-أنا موافقة، موافقة أتجوز أخوك.
ابتسم شاهين بهدوءٍ:
-ممتاز، بكرا بليل هنيجي نتقدملك رسمي من والدك.
سارعت بالقول:
-بـ…بس الأول …عندي شروط.
تراجع بظهره للخلف:
-اتفضلي.
-عايزة شقة لأهلي في حتة نضيفة يقعدوا فيها.
أومأ موافقًا:
-دلوقتي حالًا تمضي عقد الشقة ومفتاحها يبقى في إيدك، غيره.
ازدردت ريقها بتوجسٍ، واردفت:
-أختي الصغيرة…فيه عيل صايع اتهجم عليها، وأختي الكبيرة دافعت عنها وفتحت قرنه، وهي دلوقتي في الحجز، أنا بس عايزة..
-هكلم محامي العيلة يروح يخرجها زي الشعرة من العجينة، لو عايزاني أحبسلك الواد اللي اتهجم على أختك كمان معنديش مانع.
نظرت له بإنبهارٍ:
-هو ينفع؟؟
ابتسم على سذاجتها، تذكره بزوجته حين تعارفا للمرةٍ الأولى!
-ينفع طبعًا ومينفعش ليه.
ابتسمت بانكسارٍ، وأردفت:
-وفلوس لأهلي كل أول شهر.
-أكيد، حاجة تانية؟
هزت رأسها يمنى ويسرى على مضض، فتحدث:
-نمضي العقد.
أومأت بحزنٍ، فأخرج ورقتين من درج المكتب:
-ده العقد اللي بينا، هتمضي ع الورقتين معاكِ نسخة ومعايا نسخة، وهكلم دلوقتي المحامي يخلص ورق الشقة ويخرج أختك، وممكن تنقلوا فيها بعدها على طول، وبكرا بليل هنيجي نتقدم رسمي عشان كل الناس تعرف.
ابتسمت بانكسارٍ:
-كتر خيرك يا باشا.
أعطاها قلم وسأل:
-بتعرفي تكتبي؟؟؟
ابتسمت بمرارةٍ وأومأت:
-أ…أيوه.
التقطت منه القلم، وطبعت إمضتها على الورقتين، أخذ واحدة وأعطاها الأخرى:
-بكرا هنخلص كل حاجة، هنتفق وهنحدد كتب الكتاب على طول ونشهر، اعذرينا بس مفيش أفراح ولا زفة.
ابتلعت غصة تشكلت في حلقها:
-وأنا أقدر اتكلم، براحتكم يا باشا.
نهضت تستأذنه:
-عن إذنك.
استدارت لتغادر فأوقفها:
-استنى يا شادية.
وقف واقترب منها بمظروفٍ مد يده به لها:
-ده مبلغ صغير، لو احتجتي حاجة خدي منه، وساعة وأختك تخرج وتنقلوا الشقة الجديدة.
التقطته منه بكفٍ مرتجف وشكرته بصوتٍ مبحوح:
-شكرًا.
خرجت من المكتب وقدميها لا تحملانها، تساقطت عبراتها المكتومة في كل خطوة كانت تخطوها للخارج، لم تتخيل يومًا أن تبيع نفسها وروحها وجسدها لأجل المال، لم تتخيل يومًا أن تصبح بهذا الذل والخذلان..
فاليوم…باعت نفسها للشيطان.
***
صباحًا باكرًا..
ونوم لم يطل جفنيه منذ ما أُرِسل إليه من هدية مفجعة..
ووقوف لا يدري لما أمام المستشفى التي تعمل بها..
ينتظرها حتى تخرج…
عقد حاجبيه بتعجب حتى أنه فكر ألف مرة في الرحيل ولكنه لصدمته قرر لقائها مجددًا!
ترجل من سيارته وسار خلفها، وناداها فجأةً:
-حسناء.
التفتت بغرابة، عاقدة الحاجبين مستغربة، فاتسعت عينيها بذهولٍ:
-إيه؟ إنت بتعمل إيه هنا تاني؟ وإيه حسناء دي!
قلّب عينيه بملل:
-متأسفين يا جناب الدكتورة حسناء.
تنهد ودس يديه في جيبي بنطاله يرمقها بهدوءٍ:
-ممكن نتكلم؟
-نتكلم في إيه؟ هو فيه حاجة نتكلم فيها؟
اعتلى ثغره بسمة جانبية، ومرر عينيه عليها من أعلاها لأسفلها، فارتبكت وصاحت:
-ما تلم عينك وإلا قسمًا بالله أصوت وأقول بيتحرش بيا!
ضحك بمرحٍ، ثم نظر لها بجدية:
-أنا بتكلم بجد، محتاج أقولك حاجة.
رمقته بريبةٍ:
-أنا مبرتبطش ومبتخطبش ومبتجوزش ومبيقريش فتحتي!
-ارتباط إيه وخطوبة إيه أنا أبصلك إنتِ! مكانش طبق كُشري اللي طفحتهولك!
1
رفعت حاجبها بحدة:
-طفحتهولي؟ يا بجح؟ وبعدين مالي يا عسل؟ مشبهش؟
ابتسم وهز رأسه يمنى ويسرى نفيًا، فاستدارت تقول:
-تصدق غلطانة إني واقفة مع أمثالك.
ضحك وهرول ليقف أمامها على الجانب الآخر:
-استني بس، بهزر والله…
-بقولك إيه، أنا مش عارفة إنت عايز مني إيه دلوقتي، وبقولك سيبني في حالي أحسنلك.
رفع كفيه جواره باستسلامٍ:
-أنا مش عايز منك حاجة، أنا بس عايز اتكلم معاكِ، أنا فضلت ألف في الشوارع للفجر، وملقيتش رجلي جيباني غير ليكِ…
1
هز منكبيه بعدم فهمٍ وضحك بيأسٍ:
-يمكن ارتحتلك! وعايز أفضفضلك تاني!
1
رمقته بأعين متشككة، نظرته صادقة..
ولكنها اعتادت دومًا أن الرجال غدارين ولا يأتي منهم سوى الموت!
وإن كانوا كذلك…فأمام هيئته المزرية..فيا أهلًا بالموت.
3
***
نزلت قدر بمساعدة نارين وهي تقفز السلالم برجلٍ واحدة، ورأتهم متجمعين كالعادة أمام السفرة للإفطار، وكانت آيات جوارها سيرا تقنعها بأنها تستطيع أن تضع ورق العنب بالصينية وفوقه طبقة من الأرز، حتى تأففت آيات صارخة:
-يا حبيبتي ده اسمه محشي، محشي يعني بيتحشي، إنتِ دلوقتي عايزاني أعمل رُقاق!
دبدبت الأخيرة على الأرض بضيقٍ:
-يا مامي نفسي أجربه بقا!
-بت بت…اطلعي البسي عشان تنزلي المدرسة، يلا واخرسي.
نفخت خديها بضيقٍ، بينما كان يزن على أتم استعداده للمدرسة متحمسًا، فلكمه إسلام بغيظٍ:
-عايز أفهم إنت متحمس على إيه! دي مدرسة!
-يا عم نفسي أشوف بشر بقا، بقالي قرن قدام البلايستيشن لحد ما خللت.
انطلق مزمار الحافلة لينطلقوا جميعًا للحاق به، من ضمنهم نغم التي ازدردت ريقها بخوفٍ، فهي أصبحت تمقت مدرستها وفصلها تحديدًا كرهًا شديدًا، وتُساق إليها يوميًا كالبهيمة وبصمتٍ لا تعترض حتى!
1
-ولا يا ساجد! اجري الحق الباص وبطل حش جاك حش وسطك.
صرخت بها آيات وهي تدفعه ساجد الذي لا يكف عن الأكل، فضحك فادي وهو يشير على ساجد ممتلئ الفم:
-أنا حاسس الواد ده هيبقى خليفتي في الملاعب.
قهقه شهد بسخرية:
-خليفتك في المطبخ تقصد.
حك فادي رقبته بإحراجٍ، بينما جلس يزن يرمق زنوبة القصيرة التي تتحرك هنا وهناك، وهمس لإسلام:
-مفيهاش أي معلم من معالم الأنوثة، ودي أعاكسها إزاي دي؟
رمقه إسلام بغيظٍ:
-إنت جاي من بلاد برا تقطع عليا؟ روح عاكسلك واحدة تانية وابعد عن أهل بيتي.
-أهل بيتك إيه يا مراهق يا أهبل.
-اسم الله على الراجل اللي هنجوزه أهو، ما إنت كمان مراهق!
انطلق يزن يقول:
-طب تراهنني عليها؟
1
رمقه إسلام بأعين نصف مغلقة بشكٍ:
-هتدفع كام؟
-هديك resident evil الجزء الاربعتاشر.
ضحك الآخر بتهكمٍ:
-انت بتستعبط! لسه منزلتش.
التقط يزن حقيبته استعدادًا للخروج:
-يا حبيبي منزلتش عندكم هنا، في النرويج نازلة من بدري.
خرج إسلام أولًا من الباب يسمع يزن يستأنف:
-ولو إنت خسرت هتديني إيه؟
زفر بقلة حيلة:
-عايز إيه يا يزن؟
-عيني على God of war النسخة القديمة.
انتفضت إسلام كالملسوع:
-لا بقولك إيه دي أعز ما أملك! دي متورثالي من أبويا يا ابني!
هز منكبيه وقال بغرورٍ:
-ميخصنيش، اشتغل على نفسك شوية.
زفر بضيقٍ:
-خلاص اتفقنا.
فضحك يزن بتسلية وهو يحاوط عنق إسلام بقوة حتى كادت يخنقه، فالقوى الجسمانية بينهما تختلف إختلافًا عنيفًا!
***
مرت بسمة بوفاء وسناء الجالستين على الأريكة، وكان أمجد يجلس مع إيميلي التي تربت على فروة كلبتها وتهمس له بحماسٍ عما تنوي شراؤه اليوم في رحلتهما للمتجر، إلا أن وفاء قررت أن تستفز بسمة كعادتها:
-غسلتِ المواعيين يا بسمة؟
ارتبكت الأخيرة :
-هو..أنا المفروض اغسلهم؟
ضحكت ونظرت لسناء :
-بتقولي المفروض…
ثم عادت تنظر لها:
-أيوه يا أختي المفروض، اعملي بلقمتك.
همست دُرة الجالسة ترتشف من قهوتها:
-بتستغل إن شاهين خرج من بدري.
ناظرها أمجد لبرهة، ثم عاد يرمق بسمة وانتظرها أن تدافع عن نفسها، إلا أنها وجدها تقول:
-بس انا عندي مذاكرة ومش فاضية!
-مشكلتي دي بقا؟
وقفت بسمة بتوترٍ، تحت أنظار أمجد المتربصة، وبيننا وفاء تهدر بغضبٍ:
-انتي هتنحيلي؟! ما تخشي تشطبي المواعين يا تنحة!
-أنا مش قولتلك مالكيش دعوة بأختي تاني يا وفاء؟؟؟
رفع عينيه للقصيرة الثائرة..
تلك التي وقفت تمسك زمام كلبها الذي أسمته على اسمه..
تنظر بشراسة للعدو وهي على أهبة الإستعداد للهجوم..
حين قالت وفاء ساخرة وهي تربع ذراعيها أمامها:
-أختك مين؟ أختك بنت الحرام؟
1
التمعت العبرات في عيني بسمة، بينما صرخت درة ناهرة:
-وفاء!
-اخرسي إنتِ.
رمقتها وفاء بشراسة، فيما كانت سعاد ترمق وفاء نفسها بغضبٍ حتى احمرت اذنيها، حينها فقط انحنا على كلبها وأزاحت الخُطاف الصغير المشبوك بطُوقه المحفور عليه اسمه بالإنجليزية (Amgad)
ثم انتصبت واقفة وصرخت بعلوٍ:
-ميجو.
انتصب الكلب متأهبًا، فصرخت سعاد وهي تشير على وفاء:
-Attack.
1
نبح الكلب بقوة وهو يركض ناحية وفاء التي ولولت صارخة بذعرٍ وهي تركض في أرجاء المنزل برعبٍ والجميع يضحك عليها!
فيما عاد أمجد بظهره للخلف ضاحكًا بعدم تصديقٍ وهو ينقل بصره بين وفاء الراكضة وسعاد الواقفة مستمتعة جدًا بينما تترجاها وفاء لإيقافه!
حينها اشترطت سعاد:
-اتأسفي لأختي حالًا.
صرخت وفاء خوفًا وهي تقف فوق طاولة الطعام صارخة:
-آسفة..آسفة…آسفااااااه.
ابتسمت سعاد بانتصارٍ ونادت على أمجد:
-أمجد Release.
فوقف على أقدامه منتصبًا وهو يلهث مدلدلًا لسانه وينظر لوفاء ببراءة وكأنه لم يكن على وشك عضها الآن، فنادته سعاد:
-تعالى يا أمجد.
فهرول عليها لتستقبله بعناقٍ وهي تربت على شعره فيذوب بين يديها وهي تهمس:
-Good boy my boy.
فتنهد أمجد متململًا بعدم ارتياحٍ متمتمًا:
-يا ريتني كنت كلب.
1
مالت درة عليه هامسة:
-إنت كده كده كلب.
رمقها بحدة، فهزت منكبيها وهي تُنهي قهوتها:
-اللي يضيع سوسو من إيده ميبقاش أقل من كلب.
غمزته بعبثٍ وهي ترمق زوجته الشقراء التي لاحظت كل شيءٍ من البداية، ولكنها فضّلت التظاهر بالغباء.
***
جالسين على سور الكورنيش مجددًا، يحملان كوبين أحدهما به قهوة تخصه، وشاي يخصها..
وبعد أن قص فهد عليها معاناته كاملةً، كانت حسناء تنظر له بفاهٍ فاغر ودهشة رهيبة وصدمة تقتضي أن تنهض وتصرخ بجنون، حيث أكمل بمنتهى العفوية:
-أنا مشكلتي مش معاه! مشكلتي معاها…أنا مش عايزها تجرحه!
تنحنحت حسناء بحرجٍ:
-هو…إنت مش شايف إنك ارتحتلي زيادة عن اللزوم؟؟
ضحك بخفةٍ:
-اشمعنا؟
-أنا تقريبًا عرفت مقاس جزمتك!
1
انفجر ضاحكًا بمرحٍ، فابتسمت لذلك وهي تهز رأسها يمنى ويسرى بيأسٍ هاتفة:
-إنت بجد مستوعب إنت قولت إيه؟؟ إنت كشفتلي دلوقتي إن زميلتي اللي كنت بشوفها حاجة طلعت حاجة تانية خالص! إنت فضحتها قدامي وإحنا لسه متعرفين من أسبوعين!!!!
نكس رأسه وابتسم:
-أنا معنديش حاجة أخسرها، ولا عندي حد أحكيله، ومش هفضل كاتم في نفسي كتير، أنا مش قادر على كل ده لوحدي، محتاج على الأقل أفضفض لحد.
-بس مش لدرجة إنك تقولي إن بنت خالك واللي يُصادف إنها زميلتي كنتو بتكراشوا على بعض وإنتو صغيرين ولما كبرتوا اتخطبت لأخوك! خدت عليا أوي بجد!!
نظر لها عابسًا:
-معدتش أفضفضلك يعني؟
-براحتك والله، بس مش خايف لا أقول لحد؟ أو أفضحها مثلًا في الشغل؟
هز رأسه نافيًا بثقة:
-مستحيل، إنتِ متعمليش كده.
رفعت حاجبيها بدهشة:
-إيه يا ابني الثقة الزايدة دي! بقولك إحنا مكملناش أسبوعين عارفين بعض!!!
وواجهها بمنتهى الهدوء:
-واحدة رفضت تخليني ألمسها، دمعت لمجرد إني مسكتها عشان متقعش، اتعصبت عشان شيلتها بعد ما أغمى عليها ووديتها المستشفى، أجريسڤ تجاه كل الرجالة، اتخانقت مع سواق تاكسي عشان بيدخن، مكشرة أربعة وعشرين ساعة، شايلة شنطة أكبر من مشاكلي، دكتورة يعني معقدة نفسيًا، لابسة خمار أطول من حياتي على فستان أسود من عيشتي، خالها واكل عليها ورثها وبتحب الكُشري…واحدة زي دي مستحيل تكون فتّانة.
فغرت فاهها بذهولٍ ولم تعلق سوى على:
-أنا معقدة نفسيًا؟؟
رفع حاجبه وشاكسها:
-معقدة نفسيًا لابسة دبلة في إيديها اليمين عشان تمنع الرجالة عنها…
نظرت للدبلة في يدها بدهشةٍ ثم عادت تنظر له متسائلة بتوترٍ:
-إزاي….؟؟!
بتر تساؤلها بنهوضه:
-واضحة أوي.
حمل كوب قهوته، ثم وقف أمامها مؤديًا التحية العسكرية بجسدٍ مشدود ورأسٍ مرفوع وعينين مصوبتان ناحيتها وكفٍ جانب رأسه:
-شرفني الكلام معاكِ يا دوك.
نهضت عن السور وقلّبت عينيها بملل:
-بالله عليك بلاش سخافة ونزل إيدك.
أنزل كفه بالفعل، وسارت فسار خلفها هاتفًا:
-إنتِ مش عايزة تتجوزي ليه؟
-ميخصكش.
وضع كفيه في جيبي بنطاله:
-إنتِ مليانة عُقد وكلاكيع إنما إيه..
-عقد وكلاكيع؟ طب اسكت بقا..اسكت.
حك ذقنه وعقب:
-يا ستي إحنا حلوين والله اديلنا فرصة.
2
أشاحت بكفها بلا مبالاةٍ:
-فرصة آه يا عم هي دي أشكال
اتسعت حدقتيه بذهولٍ مزيف:
-بتعيبي في خلقة ربنا كمان؟
-مبعيبش بس..
وأكملا سيرهما يتناقشان في كرهها الشديد للرجال..
1
***
كيف تظن أن الشياطين تكون؟
ذات قرنين؟
حمراء البشرة؟
عينيها مظلمتين؟
طويلة القامة ذات حوافر ومخالب؟
أم ذات نبرة عميقة توسوس بها في نفوس البشر التائبين؟؟
حسنًا…لقد أصبت..
ولكن ليس كل الشياطين لديها قرونٍ وما إلى ذلك، بعضهم يرتدي حُلة فاخرة سوداء وحذاءٍ أسود مدبب لامع وأنيق مع رابطة عنقٍ..
تُصفف شعرها الأسود إلى الوراء ويتسنى لخصلتين الهرب إلى الجبين…
لطيفة، باسمة، مهذبة، وتخطفك في لمح البصر!
ذات صوتٍ أجش عميق، يقول بهدوءٍ:
-اتفضل.
وجلستَ أنت، على مقعد الحقيقة، مرتبكًا، متوترًا، وخائفًا:
-أنا عملت كل اللي قولتولي عليه، دلوقتي دوركم.
سكب القليل من المحلول الذهبي المُسكِر في الكوب، عرض عليك التذوق، ورفضتَ لكونك مهذبًا ومؤمنًا، فارتشف منه واحترم رغبتك وقال:
-أكيد..
رفع عينيه لآخر يقف قرب النافذة، التفت ينظر لك فأصابتك الرجفة، ومن ثَم قال:
-اديله الشنطة يا نزار.
وأمام عينيك الفارغة، وُضع مبلغ كبير، زاغت عينيك جشعًا، وأصابك جنون العظمة، التمعت عينيك بالطمع، وأردت أن تنهبه كاملًا، أغلقت الحقيبة وأخذتها، استأذنت الشياطين ورحلت..
ولكن…
أمن يبيع نفسه للشيطان ينجو؟
الإجابة هي مستحيل..
فما إن تدخل سيارتك السوداء واضعًا حقيبة مفخخة بجوارك، وتسير مسافة حتى تنفجر السيارة بالحقيبة برأسك..
حينها ستُدرك أنك خسرت كل شيءٍ بسبب جشع الإنسان..
وفاز الشيطان.
***
عرض شادي التصاميم على يُسرا، وكانت مبهورة بهم للغاية، وأشارت بذلك إلا أن نظرته الصامتة لها جعلتها تهتف بيأسٍ:
-شادي…أنا آسفة..صدقني هتنجح في أي مكان، مش لازم معايا!
أن تُقصيه عن فريقها لمجرد أن زوجها أمر..تلك كانت أقسى عقوبة له..
-عارف، أنا بس مكانش قصدي أضايق أستاذ شاهين أنا مقدر غيرته.
كاذب..
هو لا يُقدر غيرته..
بل يحقد عليه بشدة!
ابتسمت ببشاشة:
-أنا متأكدة إنك هتنجح في أي مكان تروحه.
ابتسم إبتسامة لم تصل لعينيه، فأعطته التصاميم وقالت:
-الديزاينز دي كافية جدًا تشغلك عند نبيلة، أنا كلمتها وهي اكدتلي إنهم كويسين وهي هتساعدك بكل اللي تقدر عليه، لو احتجت حاجة مترددش تكلمني.
ودعها بنظرة..
وابتسامة..
وغادر..
حاملًا أغراضه يرثي أشهرٍ قضاها مع أجمل إمرأة تصغره بعامين..
ولكنها كانت له أول إعجاب…وآخره.
التقطت هاتفها بعدما غادر وراسلت شاهين تخبره:
-هرجع البيت بدري إنهارده.
وبعد دقيقتين أجاب:
-بدري اللي هو كام؟
-ممكن تمانية.
-هعدي عليكِ.
ابتسمت وأرسلت ملصق لدُبٍ يحمل قلبًا، وأغلقت الهاتف، ثم صبت تركيزها على عملها قبل أن تدخل عليها مساعدتها قائلة:
-إحنا نازلين نتغدى هتيجي؟
-روحوا إنتو وأنا هحصلكم.
غادرت وأغلقت الباب وتركتها، وبعد دقائق من مغادرتهم التقطت حقيبتها واستعدت للرحيل، ولم تكن تعلم أنها ستقابل ذلك المترصد مجددًا وهو يعرقل طريقها أمام الحرس المعينين لحراستها!
-مصطفى ابعد من وشي!!
-ليه؟ خايفة البيه يشوفك معايا؟ خايفة يعرف إن مراته اللي سارقها مني لسه بتحبني؟
اقترب الرجلين للهجوم، فأوقفتهما يُسرا بإشارة من يدها صارخة:
-ابعدوا عنه، ارجعوا ورا واستنوني.
ظلا يقفان كالسد، فصرخت بصوتٍ أعلى:
-يلا!!!
نفذا أمرها وتراجعا، بينما ضحك مصطفى ساخرًا:
-حُراس ومكتب باسمك وسلسلة دهب عليها اسمه وحامل منه، مش مصدق إنك للدرجادي رخصتي نفسك!
اقتربت منه خطوتين وبمنتهى القسوة أشارت بإصبعها في وجهه:
-اوعى تفكر تغلط فيا أو فيه تاني، خلي عندك كرامة وخليك في حياتك وحل عني.
صك على أسنانه غاضبًا:
-إنتِ بتحبيني أنا لسه…صح؟؟؟
نظرت لجنونه واختلاله بصدمةٍ، قبل أن تتدارك الأمر بقولها:
-لو كنت لسه بحبك مكنتش حامل دلوقتي، ولا كنت لابسة سلسلة دهب عليها اسمه.
اتسعت حدقتيه بذهولٍ، صعقته بقولها واعترافها بحُب الآخر، واستأنفت بصرامة:
-أقسم بالله يا مصطفى لو لمحتك جنبي تاني لا أهينك، المرة التالتة مش أنا اللي هقفلك، هجيبلك راجلي يُقفلك.
1
وسارت مغادرة، تتخطاه ويتبعها الحارسين، يفتح أحدهم باب السيارة لها فتلجها، وتنطلق السيارة مخلفة وراءها الغبار، والحقد!
وصرخة نبعت من قلبه في ظهر السيارة:
-مش هسيبه يتهنى بيكِ يا يُسرا، سامعة مش هسيبه يتهنى بيكِ، وهترجعيلي غصب عنك.
دارت حدقتيه بجنونٍ حوله، حتى وقعت على اللوحة المكتوب عليها بالأسود الداكن:
أتيليه يُـــســــر
***
خلع فهد ملابسه ودخل كابينة الإستحمام، يغمره البخار فيتنهد بارتياحٍ محاولًا التنفيس عن غضبه المكبوت، حتى ابتسم ببطءٍ حين تذكر حسناء بشخصيتها الغريبة وتركيبتها العجيبة!
أنهى استحمامه وخرج يقف أمام المرآة، يرمق جسده المليء بالندوب بشرودٍ، وتحسسها ببطءٍ يتذكر سبب كل ندبة، في نفس اليوم حصل على الكثير، في نفس اليوم المشؤوم، تذكر ومضاتٍ سريعة وجعت رأسه..
-نزل الزفت ده وخد الهلاهيل دول واطلع برا بيتي.
صوت طلقة تخترق صدر جسد عجوز وقع أرضًا على الفور يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبسمة خبيثة اعتلت ثغر صديقه الذي هتف:
-هموتهملك واحد واحد…هاخدهم منك زي ما خدت مني كل اللي ليا.
-هقتلك يا نزار..
اقترب منه بشدة والآخر فاغر الفاه مصعوق، همس في أذنه بقسوة:
-اقتلني لو تقدر.
اعتلى ثغره بسمة مستهزأة، ومسك كف فهد، واضعًا بيده المسدس، وهسهس بشرٍ:
-كده بقيت منبوذ رسمي.
1
ربت على كتفه وضحك بعلوٍ ضحكته الشيطانية، ثم لملم رجاله ورحلوا سريعًا، ومع رحيلهم صدحت صرخة فجر المكلومة التي انهارت جوار جثمان زوجها صارخة باسمه:
-شريف…شريف رد عليا…لأ…لأ والنبي يا شريف لأ..متموتش يا شريف متموتش..
وانهارت باكية بنحيبٍ عالٍ، تحتضن رأس زوجها الذي قطع أنفاسه في اللحظة نفسها..
فيما تحسس فهد صدره حيث ندبة سكين نتجت عن الشجار العنيف بينه وبين من أصبح الآن عدوه..
وندبة أخرى في كتفه كان سببها رصاصة طائشة جرحته ولم تخترق العضل.
عاد من ذكرياته البشعة يحمل سلسلته ويفتحها مبتسمًا بوجعٍ وهو يتأمل صورة صغيره وزوجته، انحنى يقبلهما، وأغلق الإطار ثم قام بتعليق السلسلة في عنقه مجددًا، وخرج من المرحاض عاري الصدر يحيط خصرها بمنشفة سوداء، التقط هاتفه ورن على إياد يأمره بسرعة:
-اللوا جمال مستنينا في المكتب، مش عايزه يعرف إنك بتساعدني.
-أوامرك يا باشا…بس نضرب طبق كشري الله لا يسيئك.
1
قلّب عينيه بمللٍ وأغلق الخط بوجهه، ثم التفت ليرتدي ثيابه استعدادًا للخروج.
***
كان نور يفك الجبس عن قدم قدر، ضاحكًا على كم الرسومات المضحكة والكلام السخيف الذي علق به ساجد والجميع، أزاحه تمامًا مباركًا لها:
-يلا يا ستي ألف مبروك وحمدلله ع السلامة، لمي نفسك بقا الفترة الجاية وخففي الهبل بتاعك ده.
كانت يمنى تجلس على طرف الفراش الآخر تقول بسخرية:
-ياكش تتعظ وتبطل شغل الرجالة اللي بتعمله ده..
نظرت لها قدر وهي تذم شفتيها بتذمرٍ كالأطفال، بينما انحنى زهد مربتًا على شعرها فجعلها تبتسم بسعادة وارتياحٍ، ونارين ترمقها نظراتٍ ذات مغزى وتهمس لها:
-بقولك إيه، اللي بتفكغي فيه ده تنسيه دلوقتي خاااالص.
التفتت لها قدر وغمزتها بعبثٍ، فأدركت نارين أن تمرد قدر وعنادها سيعود من جديد..
بينما خرج نور يحمل هاتفه ويحادث شاهندا بغضبٍ:
-يعني إيه سافرتي؟ وأنا إزاي معرفش؟؟
-عادي يا بيبي دي شرم يعني.
-شرم يعني؟ وإنتي مخطوبة لشـ…استغفر الله العظيم يا رب.
كان سيسب نفسه بأقذع شتيمة، وتمالك قائلًا:
-لمي الدور معايا يا شاهندا أنا على أخرى!
زفرت حانقة:
-إنت اللي مبقاش يعجبك حاجة يا نور! بتزعقلي ومقموص ليه دلوقتي؟
-بقولك أختي رجلها كانت متجبسة تعالي زوريها تقوليلي عندي شغل، اقولك فكت الجبس تعالي زوريها تقوليلي في شرم! وسافرتي ومقولتليش!!
احتدت نبرتها:
-نور إنت مش جوزي! ولو هستأذن حد فهو بابي وبابي وافق، وقولتلك إني هتجنب أخواتك لأنهم لا بيحبوني ولا أنا بحبهم، يبقى مشكلتك إيه معايا!
أغمض عينيه يعتصرهما بغضبٍ، ومسح بكفه على وجهه قائلًا:
-معنديش مشكلة يا شاهندا، أما ترجعي هنبقى نحط النقط ع الحروف كويس، سلام.
وأغلق الهاتف في وجهها، فحملته عن أذنها ونظرت به مصعوقة:
-ده قفل في وشي!!!
خرجت يمنى وربتت على كتفه هاتفة بحنوٍ:
-براحة عليها يا حبيبي.
-أنا زهقت يا ماما!
ابتسمت وجذبته لينحني لمستواها القصيرة وقبّلت وجنته:
-معلش بكرا تتعود علينا وهتمشي بمزاجك، بس خدها بالهداوة، ده نسب ميتعوضش.
عقد حاجبيه منزعجًا، حتى نادت شهد يمنى فالتفتت لها وتركته واقفًا يتململ بضيقٍ.
***
-خشي يا حبيبتي نورتِ البيت.
دخلت شادية أولًا ثم فادية ونادية تُسند أبيها، تفحصوا تفاصيل الشقة المتكاملة من عفشٍ مُدهب غالي الثمن وثرية اللون كاللتي تُرى في المسلسلات.
-الله، دي زي اللي بنشوفها في المسلسلات!
جلس لطفي على أقرب أريكة منهكًا، بينما ابتسمت شادية بفرحٍ وهي تدخل:
-لأ ولسه جوا لكل واحدة أوضة، أربع أوض وواسعة.
هرولت نادية لغرفةٍ ما:
-أنا هاخد دي .
ابتسمت شادية والتفتت تنظر لفادية:
-وإنتِ يا فوفة؟
كانت تقف بصلابة، ترمقها بتشككٍ وتقول:
-أنا عايزاكِ لوحدنا.
ثم جذبتها لأقرب غرفة وأوصدت الباب، ووقفت ترمقها بريبةٍ للحظاتٍ حتى قالت شادية بعدم ارتياح:
-فيه إيه يا أختي بتمققي فيا كده ليه خير؟!
رفعت حاجبها بحدة:
-جايبة منين الشقة دي يا شادية؟!
-الله، ما أنا قولتلك أجرتها من صاحبها.
-وجبتي منين فلوس الإيجار!
ازدردت لعابها بتوترٍ، وتلعثمت :
-كانوا قرشين محوشاهم لجهازي..
-وسعي كده بقا.
كادت تفتح الباب فأمسكتها فادية من ذراعها وأردفت:
-اوعي يا بت تكوني فكراني هفية ولا مختوم على قفايا! ده أنا أفصل عشرة منك يا بنت امبارح، دخلت عليا أنا قرشين محوشاهم وشقة وبعدها بمفيش مكالمة لأبوكِ من فهيم بيه الحلواني بجلالة قدره يقوله جاين نخطب شادية بليل! ولا خروجي من التخشيبة بعد ساعتين بس مكملتهمش ساعتين كمان؟!
ناظرتها شادية بضيقٍ:
-تقصدي إيه!
صرخت بغضبٍ:
-أقصد اللي فهمتيه يا بنت لطفي، إحنا منمدش إيدينا ولا نبيع لحمنا! بنات لطفي لحمهم غالي يا شادية!
نفضت ذراعها صارخة :
-اوعي كده انتي اتجننتي يا بت! لحم إيه اللي أبيعه يا متخلفة إنتي! وأنا لو بيعته هيجوا يتقدمولي ليه ما أنا بيعته!
ناظرتها فادية بأعين حمراء، تنتقل بهما إلى عينيها اليمنى واليسرى بشكٍ، واستأنفت:
-يبقى تحكيلي كل حاجة بالتفصيل الممل.
تنهدت شادية يائسة، ولم تجد بُدًا من الإعتراف بكل شيءٍ.
***
كان إياد وفهد جالسين أمام جمال الذي قال بصرامة:
-عايزكم تعاملوه كويس، ده ظابط مهم في الداخلية، بيشكروا فيه وفي سمعته وذكاءه وعمره ما فشل في مهمة اتوكلتله، هيساعدكم، ومش عايز أي مشاكل معاه.
تناقل إياد النظرات مع فهد، فيما خرج اللواء جمال وتركهم سويًا للحظاتٍ، حتى همس إياد لفهد:
-هو أنا ليه مش متفائل!
-هتتفائل بإيه يعني! الراجل ده عايزنا نخيب بأي طريقة فجايبلي بلوة تانية تشتتني.
أومأ على مضضٍ هاتفًا بما سمعه إياد بوضوح:
-هو شاطر، بس أنا أشطر!
تجاهل إياد نعته بالبلوة وابتسم باتساع:
-نخلص بقا ونروح نضرب سبع ساندوتشات كبدة وسجق مع عند رشدي!
رمقه فهد باشمئزازٍ، وخرج من المكتب فتبعه الأخير يحاول إقناعه بشتى الطرق! حتى توقف سويًا بتفاجؤٍ عند رؤيتهم لأعبث شخصٍ في الوجود!
يدخل المكان بجسده الضخم ذو العضلات المفرودة، بنظارة شمسية وقميص أزرق يكاد يتمزق من فرط عضلاته على بنطالٍ أبيض، كان أشبه بفادي عضلات!
همس إياد لفهد بريبةٍ:
-إيه فاندام اللي داخل علينا ده!
وقف أمامهما بجسده الضخم فكان أطول وأضخم من فهد، ومد كفه ليصافح إياد أولًا، ذلك الذي ارتجف وهو يضع كفه في كفيه الآخر الذي ضغط عليه بقوة فتأوه إياد تأوهًا كتمه لأجل “برستيجه” وسط زملاءه!
ظل صادق ممسكًا بكف إياد حتى ضرب الأخير على كفه هامسًا:
-خلاص يا باشا وصلت…وصلت والله.
ترك صادق كفه وتوجه لفهد الذي كان يرمقه بجمودٍ، فمد كفه له معرفًا عن نفسه:
-صادق الشربيني، أمن دولة.
3
صافحه فهد بقوةٍ لا تجابه قوته ولكنها تتحملها:
-فهد العزاوي، عمليات خاصة.
ابتسم إياد ببلاهة حينما نظر له صادق منتظرًا تعريفه، فقال:
-إياد صقر، زيرو واحد زيرو خمسة تسعة تلات وحايد زيرو خمستين.
عقد صادق حاجبيه بتعجبٍ، فقال فهد:
-سيبك منه ده أهطل.
رمقه من أعلاه لأسفله متمتمًا بصوته الأجش:
-باين عليه.
ذم إياد شفتيه بحنقٍ، فيما أشار فهد لذلك الصادق ليدخلوا مكتب اللواء مجددًا، فالتفت فهد وكاد إياد يتبعه لولا أن صادق تخطاه وسار خلف فهد دافعًا إياد الذي كاد يسقط، ونظر لظهره بفاهٍ فاغر بذهولٍ!
***
دخلت يُسرا البيت وخلفها شاهين، شاردة فيما دار بينها وبين مصطفى، تائهة بين أن تخبر شاهين أو ان تصمت للأبد!
فيما أوقفتهم دُرة فيما طريقهم للأعلى إذ قال شاهين لها:
-بقيتِ تتدلعي ومبشوفش وشك في المحل غير بكيفك.
عضت على شفتها السفلى بحرجٍ فتابع:
-لو فضلتي كده كتير هتترفدي.
ثم صعد، بينما التفتت ليُسرا قائلة:
-عندي عيد ميلاد لازم ألبسله دلوقتي، بابا موافق بس المشكلة في شاهين، مش هيرضى ينزلني بليل كده.
ابتسمت يُسرا بتعبٍ:
-مالكيش دعوة إنتِ أنا هقنعه.
وصعدت الدرج وهرولت درة خلفها، كادت تفتح البتب وتدخل وفوجئت بدرة تريد الدخول فقالت:
-لأ استني، الإقناع ليه طرق خاصة مينفعش تشوفيها حيائك يتخدش.
1
أومأت درة ضاحكة بخجلٍ:
-آه اوكي ماشي.
دخلت يُسرا الغرفة موصدة الباب خلفها، لتجدة جالسًا على الفراش يفرك كتفه بتعبٍ، فاقتربت ثم
جلست على ساقيه تحاوط عنقه بدلالٍ، فابتسم بمكرٍ:
-إيه ده فيه إيه؟
حررت أزرار قميصه بإغواءٍ هامسة:
-إيه يا حبيبي؟
رفع حاجبه:
-فيه إيه يا يُسر حد مات ولا إيه؟
غمغمت وهي تدفن وجهها في عنقه:
-ليه بتقول كده بس يا شهشوهتي؟
-أصل مش طبيعي الدلع ده مرة واحدة كده.
لكزته في كتفه بخفةٍ:
-اخص عليك يا أبو يُسر، ده أنا كُلي شقاوة ودلع.
-طب عايزة إيه يا أم يُسر؟
تلاعبت بأزرار قميصه في دلالٍ:
-دُرة عايزة تنزل دلوقتي عيد ميلاد، وقالت والله ما نازلة غير لما أستأذن أخويا، بس أنا قولت يمكن إنت تعبان ومش عايز تشوف حد، فوكلتني أستأذنك، بس إنت لو مش موافق أقعدها في البيت آه…إنت كبيرنا وأهم حاجة رضاك علينا.
نكس رأسه ضاحكًا بقلة حيلة وهو يهز رأسه يمنى ويسرى:
-إنتِ مشكلة!
ابتسمت له ببراءة فنظر لها بجمودٍ تقمصه فجأةً:
-لأ
اتسعت عينيها بدهشة، سرعان ما تداركت الأمر وتدللت:
-ليه بس يا حبيبي، مش هتتأخر والله، وأوعدك أوعدك لو سيبتها تروح هعملك فشار ونتفرج على فيلم.
-فشار وفيلم إيه هو أنا لؤي!
نفخت بنفاد صبر وإحباط:
-أومال إنت عايز إيه طيب؟
اقترب منها هامسًا في أذنها بما جعلها تجحظ بعينيها وتناظره بصدمة، إلا إنها اعتادت على وقاحته فقالت بغيظٍ:
-خلاص دِيل، ده إنت سافل ومستغل.
-ماشي اطلعي قوليلها إني مش موافق برده.
-إيه يا شاهين الرخامة دي!! ده إحنا عملنا دِيل!
قؤص ذقنها:
-الديل ده كده كده كان هيتعمل.
-شاهين.
ناظرته بعينين بريئتين أجادت إصطناع نظرة الأطفال بهما، فزفر حانقًا:
-طيب يا يُسر ماشي، بس متتأخرش عن حداشر !!
ابتسمت بسعادةٍ ومالت تلثم شفتيه بسرعة:
-١١ بالظبط هتبقى في البيت، ربنا يخليك لينا يا حبيبي.
واستعدت لتنهض فثبتها بأن أمسك ساقها مغمغمًا بضيق:
-رايحة فين؟!
-هروح أقولها وأجي تاني.
تركها بصعوبة، فهرولت لتفتح الباب فإذا بدُرة تخترق السمع، فخرجت يُسرا وأغلقت الباب:
-مش هتبطلي العادة الهباب دي إنتِ وأمك!
-قالك إيه؟
ربعت ذراعيها أمامها:
-وافق بس أخرك حداشر.
قفزت من الفرحة وصاحت بسعادة وهي تحتضن يُسرا:
-حبيبة قلبي متحرمش منك يا سوسو.
واستدارت تهرول لغرفتها بفرحة، بينما ابتسمت يُسرا ودخلت الغرفة لتجد شاهين لا زال جالسًا على الفراش بنفس الوضعية السابقة، وما إن رآها حتى مد ذراعيه للأمام، فضحكت على تصرفاته الطفولية البحتة، واقتربت تجلس بنفس وضعيتها السابقة تضم رأسه إلى صدرها وتربت عليه، فيضم خصرها إليه بشدة دافنًا رأسه في صدرها مغمغمًا بارتياحٍ، لتقول له:
-درة فرحت أوي وقعدت تشكُر فيك.
أومأ مبتسمًا:
-مكنتش هوافق بس الجاموسة عارفة نقطة ضعفي.
ابتسمت باتساعٍ وهي تعبث بخصلاته:
-إيه نقطة ضعفك؟
نظر لها رافعًا حاجبه مستسخفًا اصطناعها الغباء:
-هتعمليلي فيها غبية مبتفهميش؟؟؟
أسبلت عينيها ببراءة، ليبتسم مقتربًا من وجهها:
-إنت يا عم يُسري.
عقدت ما بين حاجبيها وكشّرت عن أنيابها بحنقٍ:
-برده؟؟؟ طب وسع كده..وسع
ودفعته ليحررها، فعاد يضمها أكثر ويدفن وجهه في صدرها هاتفًا:
-أوسع فين ده أنا ما صدقت.
تنفس رائحتها بحبٍ:
-وبعدين إحنا بينا دِيل.
تمتمت بخمولٍ:
-سوسة.
أكمل لها:
-ومستغل.
صمت قليلًا، ثم تنهد وقال ولا زال يدفن وجهه في عنقها:
-بكرا هنروح نتقدم.
-لسه مصمم ع اللي في دماغك!
رفع رأسه يرمقها بقلة حيلة:
-مقدمناش غير كده يا يُسر.
-تفتكر هتقدر تقف قدام فضيلة العقربة ولا بناتها؟ تفتكر عمار هيتقبلها؟ تفتكر ده حل؟ يعني لو حاولنا نعالجه ده مش حل؟
-تقصدي نعذبه.
العلاج لعمار ما هو إلا عذاب له ولجميع من يحبونه..
ولكن أن يكون بجواره من ترعاه هو الحل الأمثل من وجهة نظر شاهين..
تنهدت بقلة حيلة:
-خلاص يا شاهين اللي تشوفه، يا رب تتم على خير بس.
غمغم وهو يحتضنها بقوة:
-إن شاء الله.
***
خرجت قدر من المنزل وهي تشتم رائحة الشارع بابتسامة سعيدة، هرولت براحة وهي تشعر أن قدميها كانتا في رمال متحركة ولم تستطع إخراجها إلا الآن..
بتلك الملابس السوداء وتلك السترة الجلدية السوداء وشعرها الذي أصبح أسودًا قصيرًا تؤرجحه الرياح هنا وهناك اقتربت من دراجتها الحبيبة..
-يلا يا مؤمن عندي سباق مهم.
قالتها وهي تكاد تعتلي الدراجة النارية، فإذا به يوقفها بأخذه للمفتاح من مكانه ووقوفه كصنمٍ أمامها:
-مش هينفع يا هانم.
رفعت حاجبها المنمق، وأبعدت خصلاتها القصيرة لخلف أذنها تضحك بتقطع و بعدم تصديقٍ:
-افندم؟
-حضرتك لسه فاكة الجبس، ورعد بيه منعني أسمحلك تخرجي.
هبطت من على الدراجة صارخة:
-لأ هو إنت ملاكش الحق تسمح ولا متسمحش أصلًا! هات المفتاح.
ناظرها بصمتٍ وجمود، فصرخت وهي تحاول التقاط المفتاح منه فإذا به يرفعه لأعلى حيث لن تطيله بقيمتها الأقصر منه فإذا به يصرخ وهو يقبض على كفها بعنفٍ صارخًا:
-قولتلك ممنوع!
نفضت كفه عن ذراعها وصرخت:
-إنت اتجننت! بتعلي صوتك عليا وبتمسكني أنا كده!! أنا قدر المسيري فاهم يعني إيه قدر المسيري!!!
تراجع عدة خطواتٍ للخلف بريبةٍ، بينما وقف رعد يتابعها من نافذة مكتبه ببسمة هادئة، تأخذه لذكرى فتاة تشبهها كثيرًا..
كانت تُدعى قدر الراوي.
-إنتِ كده هتسببيلي مشكلة.
ابتسمت بعدم تصديقٍ، استدارت لتركل أي شيءٍ تُفرغ به غضبها، إلا أنها لم تجد سوى وجهه فلكمته بقبضتها في قوة استدار لها وجهه وتوجعت إثرها..
فنفضت كفها وأشهرت إصبع الكف الآخر محذرة:
-إنت مش غلطان فعلًا، أنا الحمارة اللي أخدتك عليا، وحياة ربنا لا أوريك يا مؤمن..
ثم دخلت القصر كالإعصار..
فاستعد رعد لصراخها..
إذ اقتحمت غرفة المكتب تصيح بغضبٍ:
-بتمنعني أنا أخرج؟ أنا يا رعد أنا؟؟؟؟
-اطلعي أوضتك يا قدر واخزي شيطانك.
-اخزي شيطاني؟ ما إنت طلعته خلاص…طلعتوا شياطيني..
بحثت حولها عن ما تفرغ به غضبها، والتقطت المزهرية لتقليها أرضًا صارخة بقوة:
-افتح البوابات وخليه يديني مفتاح المكنة دلوقتي!
لم يهتز له جفنٍ، ووقف بهدوءٍ يربع ذراعيه أمامه، فإذا بها تكسر أغلب الانتيكات مما جمهر العائلة أمامهم وحاولت يمنى منعها فصرخت:
-ابعدي عني!!!
سحبتها شهد وصاحت بفايا:
-فايا كلمي الدكتور بسرعة.
-دكتور ليه؟؟؟ شيفاني مجنونة؟ بشد في شعــــري!!!
صرخت يمنى بخوفٍ:
-هاتولي التيلفون، فين موبايلي أما أكلم زهد.
وحينها كان فهد يدخل من باب القصر، مستغربًا الصوت العالي من مكتب أبيه وتجمهرهم أمامه، فوقف ينظر بغرابة لقدر التي تصرخ وتحطم كل شيءٍ تقع عينيها عليه بجنونٍ كمن أصابتها المَس!
اخترق فهد جمعهم، ووقف خلفها تمامًا..
ينظر بغرابة لما تفعله من جنونٍ!
وفادي الواقف بعجزٍ يحاول منعها، وبذروة غضبها لكمته بكوعها في عينه فتأوه ممسكًا إياها..
حتى سحبه يامن صارخًا:
-استنى دلوقتي على ما الدكتور يجي.
تقدم فهد منها وسحبها لتواجهه صارخًا:
-ما تتهدي فيه إيه! محدش مالي عينك!
اتسعت حدقتيها بجنونٍ، وعند رؤيته تفاقمت نوبة غضبها حيث رفعت قبضتها لتلكمه فأحكم الغلق عليها بقبضته يجأر في وجهها بقسوةٍ:
-فووووقي!!!
لم يهدئها ذلك بل زادها اشتعالًا، فلم يجد بُدًا من أن يرفع كفه بقوةٍ ويصفعها على وجهها بأقصى ما يملك، حينها هدأت قليلًا..
ثم إبرة غرزها نور في ذراعها بسرعةٍ..
وقتها ارتخى جسدها بين يدي فهد..
وأُغشي عليها تمامًا..
انحنى فادي ليحملها فمنعه نور:
-استنى إنت هتطلع إزاي بعينك دي.
استقام بها:
-ملاكش دعوة إنت هاتولها حاجة ساقعة تشربها بس.
صعد بها للأعلى وصعدت معه نارين والفتيات وأمها..
ووقف فهد مصدومًا مما حدث..
لم يسأل..
حيث وجد نفسه فجأةً وحيدًا في غرفة المكتب مع أبيه الذي قال:
-دي نوبة غضب، بتجيلها كل ما بتتعصب أوي، مبدأتش تجيلها غير من ٨ سنين، لما إنت سيبتها لتاني مرة.
رمقه فهد من أعلى كتفه هاتفًا بسخرية:
-سيبتها بمزاجي؟؟؟
-أول مرة مكانش بمزاجك..تاني مرة كانت بمزاجك.
ناظره فهد بغموضٍ، ثم ترك له المكتب وغادر مقطبًا الجبين غاضبًا.
ليقابله فادي في الخارج، يقف وينتظره، يرمقه بجمودٍ فيناظره فهد بحدة، يتجابهان في الوقفة، فتُنادي شهد:
-تعالى يا فهد اتعشى.
قطعا التواصل البصري، وسار لأمه التي ربتت على كتفه مبتسمة بسمة لم تصل لعينيها، والقلق يعتصرها.
***
صباحًا، وقف عباس أمام أبيه الذي يرتدي سترته ويناظره في المرأة بغضبٍ مستعر، ليلتفت لها شاكر فجأة منفعلًا:
-إنت هتفضل واقفلي زي مراتي الشكاكة كده؟!!!
-انا عايز أفهم فين المشكلة في مشروعي!
-هو فين مشروعك ده؟ قولي هو فين وناقشني راجل لراجل!
أغمض عينيه لبرهة يتمالك غضبه ثم فتحهما وقال بهدوءٍ اصطنعه:
-موجود يا بابا وعايز تمويل بس..
-ده عايز تموين، حلّاق؟ حلّاق يا عباس؟ عايز تعرنا يا ابني! تبقى من عيلة الحلوانية وفي كلية تجارة إنجليزي وعايز تبقى حلّاق!!!!
رفع حاجبه بحدة:
-هو أنا هشتغل في الأصفر! دي حلاقة يا عم..مقص ومشط وفتلة!
لكمه في كتفه بعنفٍ:
-مش مكسوف من نفسك وإنت بتقولي فتلة، إبني أنا..إبن شاكر الحلواني والدكتورة رقية عسكر عايز يمسك فتلة.
ربع ذراعيه أمامه بعنادٍ:
-يعني هتساعدني ولا لأ؟!
جلس شاكر على طرف السرير يرتدي حذاءه وهو يصرخ:
-ولاااا.. يا تطلعلي بشغلانة محترمة يا تتكتم خالص لحد ما تتخرج وتنزل تمسك محل من المحلات، غير كده صوتك ده مسمعهوش.
-ما تخلنيش أسقط السنادي كمان!
اتسعت حدقتيه وصرخ:
-إنت بتسقط بمزاجك يا إبن الكلب؟؟؟؟
ضحك ساخرًا:
-فيه حد هيسقط ٣ سنين ومش هيبقى بمزاجه!
-يخربيتك وأنا أقول الواد بقاله ٣ سنين في سنة أولى ليه!
-شوفت عشان تعرف إن إنت السبب أهو.
نهض شاكر مستعدًا لضربه فهرب الأخير بختبئ خلف والدتها التي خرجت لتوها من غرفة تبديل الملابس وقالت بعصبية:
-الله فيه إيه ع الصبح!
أشار شاكر على عباس المختبئ خلفها:
-شوفي إبنك اللي جابلي السكر وقريب الضغط.
التفتت له :
-فيه إيه يا عباس!
-مش راضي يفتحلي مشروعي يا ماما يرضيكي؟
هزت رأسها نافية والتفتت لشاكر ترمقه بحدة:
-لأ طبعًا ما يرضنيش، مالك يا شاكر فيه إيه!
-اسأليه، اسألي البيه اللي بتدافعي عنه عايز يفتح محل إيه.
استدارت تهمس لابنها:
-ملابس داخلية ولا إيه؟!
هز رأسه نافيًا بسرعة:
-لأ يا ماما ابدًا.
-أهو يا شاكر يعني مش مشكلة أوي.
-هفتح محل حلاقة.
تشنج وجهها، والتفتت له ببطءٍ تناظره بصدمة:
-محل إيه يا عين ماما؟
ابتسم ونفخ صدره أكثر :
-حلاقة يا روكا.
استندت على ركبتها والتقطت خُفها المنزلي وراحت تركض وراءه في أرجاء الغرفة صارخة:
-محل حلاقة يا إبن شاكر؟ عايز تجيبلنا العار؟
وصرخ مرتعبًا:
-إيه العار في محل حلاقة يعني هو كباريه!
-عايز تمسك فتلة يا عباس! دي أخرتها يا حيوان.
وألقت عليه وسادة فالتقطتها واحتضنها صارخًا:
-يا ستي وحدي الله بقا إنتي وهو، ده محل حلاقة وبعدين دي هوايتي.
-هوايتك إيه يا إبن الكلب إنت! أنا أسمع الهوايات رسم قراية كتابة لكن حلاقة؟؟؟؟
ألقى المخدة وربع ذراعيه بعندٍ:
-يا محل الحلاقة يا هسقط السنادي.
أشار شاكر على نفسه هادرًا:
-إنت بتهددني يعني؟؟؟ ما كله في وشك يا فاشل يا ساقط!
حذره عباس:
-بابا لو سمحت، أنا ساقط آه فاشل لأ.
1
صفعه شاكر بقوة فتأوه واختل توازنه، حتى طارده أبوه إلى أن خرجا من الغرفة تمامًا تاركين رقية التي هزت رأسها بقلة حيلة:
-الناس خيبتها السبت والحد وأنا خيبتي ما وردت على حد.
***
كانت نارين تقف في المطبخ تلتقط ما تطاله يدها، حتى جاء فادي من خلفها وصرخ فجأةً فأفزعها وانفجر ضاحكًا لتصرخ:
-فادي يا جزمة!
لكمته في كتفه بغلٍ، فضحك وقال:
-أكليني.
دست بفمه باقي الشطيرة التي تناولتها، والتفتت تقف جوار زنوبة التي ضحكت بقوة:
-أهي الخضة دي كفيلة تخسسك بتاع ١٣ كيلو.
ناظرتها نارين بحاجبين معقودين فاستأنفت:
-البت نشوى بنت عم خال مرات أبويا كانت تُخن كده متعديش من الباب وتملى الشارع، راحت لدكاترة ياما وشيوخ وسحرة، واللي خسسها بلونة فرقعها الواد جميل إبن أخو عم أبويا يوم سبوع الواد وائل إبن أخت منة جارتنا..
فغر فادي فاهه بصدمة، بينما اتسعت عيني نارين بذهولٍ، كيف لإنسان أن يتحدث هكذا دون أن يلتقط أنفاسه او يتردد في حرف!
-إنتِ مين!
سأل فادي بدهشة، فابتسمت زنوبة باتساعٍ:
-محسوبتك زنوبة من كفر البطيخ يا قشطة.
-كفر البطيخ!
-قشطة؟؟؟؟
نظر فادي لنارين بدهشةٍ، وتابعت زنوبة حديثها الذي لا ينقطع..
تثائبت شهد وهي تهبط الدرج، إلا أن اصطدمت بها فرح التي تهرب من سيلا، فأزاحتها جانبًا:
-يا عيال بس بقا.
خطت خطوتين فداست على لعبة أصدرت صوتًا صُعقت له، فالتفتت لفرح تناظره بتوعدٍ لتهز الأخيرة منكبيها:
-كان مقلب لسيلا!
قلبت عينيها في محجريهما بمللٍ، ثم دخلت المطبخ تُشرف على الإفطار كعادتها لتصطدم بنارين وفادي الواقفين بتعبٍ وعينين ناعستين يرمقان زنوبة القصيرة التي تروي عليهما قصة وفاة إبن أخو عمة زوج أختها!
-إنتو واقفين كده ليه! إنتي عملتي إيه في العيال!!!
أشارت على نفسها مصعوقة:
-أنا؟ تعدميني لو هوبت يمتهم ده أنا بسليهم يا ست هانم، إنشالله اتطس في نظري لو كنت عملتلهم حاجة طب يا رب ايدي دي تتشل لو لمستهـ..
قاطعتها شهد صارخة:
-شششش بس، افصلي شوية يا ساتر!
وأشارت على نارين وفادي:
-وإنتو اطلعوا برا يلا.
سارت نارين بآلية وتبعها فادي الذي همس لها:
-إنتي فهمتي حاجة؟
هزت رأسه نافيًا:
-لأ، وإنتِ؟؟
-إنشالله اتطس في نظري لو فهمت.
فيما كان رعد يغلق هاتفه بعد محادثة مع المتر فكرت غيث، رفع رأسه وأخبر يامن:
-سبوع حفيدته آخر الأسبوع وعازمنا.
-ما شاء الله، قول للجماعة بقا.
أومأ رعد، وتابع:
-لازم كلنا نكون هناك، وأهو بالمرة نقابل المورد الجديد.
أشار رعد على يامن بسبابته:
-أنا واثق فيك، وسمعت كلامك ووثقت فيه، ادعي ربنا منلبسش في الآخر!
-على ضمانتي، الراجل سمعته زي الجنيه الدهب، كله بيشكر فيه وفي تعامله.
-ربنا يستر.
-عملت إيه في موضوع دارين؟؟
تنهد رعد وهو يفرك حاجبيه لبرهة:
-البغل رائف مبيردش، كلمته ألف مرة، ودارين خايفة ع البت بتروح توديها المدرسة وتجيبها كل يوم.
-والله حرام عليه رميه لعياله كده! المُتصابي رايح يفتح مزرعة وكل يوم يتجوز واحدة شكل! مُتصابي.
ناظره رعد بسخرية:
-الكلمة بتلزق في صاحبها، أعرف واحد داخل ع الستين وعنده عيلين ٧ سنين..
حدجه يامن بتوترٍ:
-مين الراجل ده؟ في حد يخلف في سن زي ده.
وابتسم رعد بتهكمٍ..
وعلى ذكر دارين أضاءت شاشة هاتف رعد باسمها، فالتقطته بلا مبالاةٍ وأجاب، لينتفض واقفًا بأعين جاحظة حين أتاه صوتها المرتجف الصارخ:
-مش لاقية أريچ يا رعد، عز خطفها!
2
بينما وقفت يمنى فاغرة الفاه أمام منظر سارة المرعب، ندتلك التي جلست على مائدة الطعام تأكل من كل الأصناف بنهمٍ، والفتيات خلفها يقتربن من المائدة بحذرٍ خوفًا من أن تأكل ذراع إحداهن..
فيما نظرت شهد لها بريبةٍ وأدركت شيئًا:
-سارة…
ناظرتها بفمٍ ممتلئ:
-مالك؟
-مالي، باكل عادي.
ضحكت يمنى بعدم تصديقٍ:
-عادي إيه يا سارة إنتي مش شايفة نفسك!
ازدردت شهد لعابها بحذرٍ:
-سارة إنتِ..آخر مرة كلتي الكَم ده كان إمتى؟؟؟
غمغمت بلا مبالاةٍ والطعام بفمها وتدس غيره أيضًا:
-مش فاكرة تقريبًا لما كنت حامل في فريد وفر…
بترت حديثها واتسعت حدقتيها وتوقفت عن مضغ الطعام حتى تكوم في جانب فمها ونظرت للأمام بإدراكٍ!
-يا نهار أسود ومنيل!!!!!
1
***
وقف أمام القصر الفخم بأعين تشتعل حقدًا، أقسم بداخله إن لم تكن له فلن يدعها تعيش هانئة بعد سنواتٍ قُتل فيها وهو يبحث عنها، فوجدها مترفة مع من اشتراها بماله!
-شاهين الحلواني موجود.
وقف أمام الحارس ضخم الهيئة، ذلك الي رمقه بازدراءٍ:
-أقوله مين؟
-مصطفى خطيب مراتك.
عقد حاجبيه وظنه مترصدًا فهدر:
-أفندم!
-قوله هو هيفهم.
وبالفعل، تحدث مع شاهين الذي ترك سترة حُلته وهبط الدرج بخُفة المنزلي وقميص وبنطاله فقط، هرول للخارج وقد قابلته دُرة المبتسمة لتشكره عن أمس إلا أن تجاهلها وخرج، فعقدت حاجبيها متسائلة:
-ماله ده!
خرجت يُسرا من المرحاض تجفف خصلاتها فلم تجد شاهين، عقدت حاجبيها مستغربة وجلست أمام طاولة الزينة تضع كريم الترطيب على وجهها وكفيها ثم نظرت لساعة هاتفها على عجلة، سرعان ما التقطته وعبثت به قليلًا تتابع آخر أخبار قدوتها “نجدة غيث” ..
فابتسمت بعدم تصديقٍ حين عُرض أمامها خبر مشاركة محلات الحلوانية في حفلتها الأخيرة بأحدث أصناف الحلويات، لم تصدق أن شاهين لم يخبرها! وتوعدت له حقًا..
ذلك الذي هرول لمصطفى وجذبه من تلابيبه صارخًا:
-بتعمل إيه هنا يالا! مش قولتلك مش عايز أشوف وش أمك ده!!! ٨ سنين فقدوك الذاكرة!!!
ابتسم ببرودٍ:
-هدي أعضاءك يا باشا، أنا جاي أوريك ڤيديو وأقولك كلمتين وأمشي.
أخرج هاتفه وعرضه على الشاشة ثم أعطاه لشاهين الذي حدجه بقسوة قبل أن ينتشل الهاتف وينظر في شاشته، فاسودت عينيه حين رأى يُسرا تقف معه، تُحادثه، تأخذ وتُعطي معه! يُسرا تعاملت معه رُغم أنه حذرها مراتٍ عدة..
-لسه بتحبني، صدقني! يمكن اتجوزتك لفلوسك..بس حبتني أنا!!
رفع عينيه له فتراجع الأخير بارتباكٍ وقد سقطت بسمته المنتصرة، فيما نظر شاهين لحارسه ففهم على الفور واعتقل ذراع مصطفى الذي تململ صارخًا:
-بتعمل إيه!
قبض شاهين على الهاتف وأشار لحارسه فسار بمصطفى إلى مكانٍ مجهول، والتفت شاهين مسرعًا للأعلى، بوجهٍ أكثر غضبًا وحدة، فتح باب الغرفة دون أن يطرق فكانت يُسرا تزرر أزرار قميصها لتبتسم حين رؤيته وتخبره:
-إنت إزاي يا أستاذ متقوليش إن نجدة غيث بنفسها طلبت منكم حلويات للفندق بتاعـ…
بترت حديثها حين رفع شاهين الهاتف في وجهها، حيث الفيديو الذي صوره ذلك القذر دون أن تدري أثناء وقوفها معه، في منتصف الشارع أمام محل عملها، تقف مع خطيبها …السابق!
-شـ..شاهين إنت فاهم غلط!
اقترب منها بجمودٍ، حتى التصق بها وتلامس صدريهما، من علو قامته لقُصر قامتها وقف يحدق بها في غضبٍ مكبوت، وهسيسه يخرج مرعبًا:
-فهميني إنتِ…يا يُسرا هانم.
يُسرا؟
إذن…قد انفجر شاهين!
___
زر الذهاب إلى الأعلى