Uncategorized
رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد

رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد
افتح الباب يا هشام! افتح بدل ما أكسره على دماغك! المباحث والصحافة ماليين الفندق، وكلهم عارفين إنك جوه مع البنت اللي خطفتها امبارح!”
اتسعت عينا هشام بصدمة شلت حركته.. خطف؟! صحافة؟! مباحث؟!
نظر إلى لؤلؤ المرتعبة على السرير، ثم إلى الباب الذي يكاد ينكسر.
تسمر هشام في مكانه لثوانٍ بدت وكأنها دهر كامل. دقات قلبه تتسارع كطبول حرب تنذر بكارثة، بينما الطرقات على الباب تزداد عنفاً ووحشية.
التفت ببطء نحو لؤلؤ التي انكمشت على نفسها في زاوية السرير، ترتجف كعصفور بلله المطر، وعيناها الواسعتان تراقبانه برعب خالص.
“افتح يا هشام! أنا عادل! افتح قبل ما الأمن يكسر الباب!”
عادل! صديق عمره ومدير أعماله، وكاتم أسراره.
تنهد هشام ببعض الارتياح، لكنه ارتياح مشوب بالحذر. تقدم نحو الباب بخطوات سريعة، أدار المفتاح وفتح شقاً صغيراً، ليندفع عادل إلى الداخل كالإعصار، دافعاً هشام للوراء، ومغلقاً الباب خلفه بإحكام.
كان عادل يلهث، ووجهه شاحب كالموتى، يمسح حبات العرق عن جبينه بيد مرتجفة.
“إنت اتجننت يا هشام؟! قولي إنك اتجننت عشان أصدق اللي بيحصل ده!” صرخ عادل بصوت مكتوم وهو يلوح بهاتفه في وجه هشام.
عقد هشام حاجبيه ببرود مصطنع، رغم النيران التي تشتعل بداخله. “في إيه يا عادل؟ إيه الدوشة اللي بره دي؟ وإزاي الصحافة عرفت مكاني؟”
أمسك عادل بياقة قميص هشام بغضب غير معهود. “الصحافة بس؟ البوليس تحت يا بيه! المباحث محاوطة الفندق! فيديو مسرب ليك امبارح وإنت طالع من الباب الخلفي للحفلة شايل البنت دي على كتفك وهي فاقدة الوعي! السوشيال ميديا مقلوبة.. ‘الملياردير هشام الشافعي يختطف خادمة الحفل’! إنت متخيل المصيبة؟”
شعر هشام وكأن الأرض تميد من تحته. فيديو؟ خطف؟ التفت ببطء نحو لؤلؤ، التي كانت تستمع لحديثهما وعيناها تتسعان بذهول أكبر، دموعها انقطعت من هول الصدمة.
“أنا… أنا معملتش حاجه…” همست لؤلؤ بصوت متقطع، وكأنها تدافع عن نفسها. “هو… هو اللي سحبني…”
أشار عادل إليها بيده العصبية. “هي دي؟ دي اللي دمرت إمبراطورية الشافعي عشانها؟ إنت اتعميت يا هشام؟ ولا المشروب لحس دماغك؟”
“اخرس يا عادل!” زمجر هشام بصوت كالرعد، وهو يزيح يد صديقه بقسوة. اقترب من لؤلؤ التي انكمشت أكثر. نظر إليها نظرة طويلة.. ملامحها البسيطة، بشرتها السمراء، جسدها النحيل جداً.
سأل نفسه للمرة الألف: كيف؟ كيف سمح لنفسه بالانحدار لهذا المستوى؟ هو الذي لا تليق به سوى ملكات الجمال! لكن شيئاً ما في نظرة عينيها المنكسرة، شيء في تلك البراءة المنتهكة، جعل نغزة غريبة تضرب صدره بقوة.
“اسمعني كويس يا عادل،” قال هشام وهو يستعيد هدوءه المميت الذي يسبق العواصف. “أنا مش فاكر أي حاجة من اللي حصلت امبارح. بس اللي أنا متأكد منه إن هشام الشافعي مبيخطفش حد. ولو سيبنا البنت دي للصحافة والبوليس، هبقى أنا الجلاد وهي الضحية. لازم نخرج من هنا.. ومن غير ما حد يشوفها.”
“نخرج إزاي والكلاب دي سادة كل المداخل؟” سأل عادل بيأس.
ابتسم هشام ابتسامة جانبية ماكرة، والتفت نحو لؤلؤ. “قومي البسي هدومك.. بسرعة!”
انتفضت لؤلؤ برعب. “ألبس؟ أروح فين؟ أنا عايزة أروح لأمي.. أمي زمانها بتموت من القلق عليا. حرام عليك سيبني في حالي!”
اقترب منها هشام كالفهد الذي يتربص بفريسته.
انحنى فوقها حتى لامست أنفاسه الساخنة وجهها. شعرت لؤلؤ بحرارة جسده تقترب، ورائحة عطره الفاخر الممزوج برائحة رجولية طاغية تقتحم حواسها لتصيبها بالدوار.
“اسمعي يا شاطرة،” همس هشام بصوت أجش، وعيناه تخترقان عينيها. “لو خرجتي من الباب ده لوحدك، الصحافة هتنهشك حية. صورتك هتبقى على كل شاشة، وشرفك هيبقى لبانة في بوق كل الناس. عايزة تفضحي نفسك وتفضحي أمك؟ ولا تيجي معايا وتسمعي الكلام لحد ما ألاقي حل للمصيبة دي؟”
كانت كلماته قاسية كالسياط، لكنها كانت الحقيقة المطلقة. أومأت برأسها بضعف، والدموع تنساب على خديها السمراوين بصمت.
ألقى لها هشام بملابسها التي كانت مبعثرة. “خمس دقايق وتكوني جاهزة.”
بعد دقائق، كانت لؤلؤ تقف أمامه، ترتدي فستانها البسيط الباهت الذي لا يقي من البرد ولا يستر من الخوف. كانت ترتجف بشدة. خلع هشام معطفه الأسود الطويل، وتقدم نحوها. وبحركة سريعة ومفاجئة، ألبسها المعطف، ورفع الياقة ليخفي جزءاً كبيراً من وجهها.
عندما لامست يده كتفها النحيل، شعر بارتجافها يسري في عروقه. لثانية واحدة، توقف الزمن. التقت عيناهما.. عيناه القاسيتان الغرورتان، وعيناها الواسعتان المليئتان بالخوف والضعف.
شعر برغبة غريبة ومجنونة في ضمها إليه وطمأنتها، رغبة لا تتناسب أبداً مع احتقاره لضعفها ومظهرها. نفض هذا الشعور بسرعة، وأمسك بيدها بقوة.
“عادل، جهزت العربية عند مخرج الطوارئ؟” سأل هشام بحزم.
“جاهزة، بس لو حد شافنا…”
“محدش هيشوفنا،” قاطعه هشام بثقة، وسحب لؤلؤ خلفه.
خرجا من الغرفة بحذر. كان الممر يعج بالفوضى في نهايته حيث يتجمع الصحفيون. سحبها هشام نحو مخرج الطوارئ المعاكس. كان يمسك بيدها بقوة، لدرجة أنها كادت تصرخ من الألم، لكنها التزمت الصمت. كانت تركض خلفه كظل هش، بينما كان هو يمثل الجدار المنيع الذي يحميها من نظرات العالم.
في المصعد المخصص للخدمة، كانا يقفان متقاربين بشدة بسبب ضيق المساحة. أنفاس لؤلؤ المتلاحقة كانت تلامس صدر هشام العريض.
رغم الخوف والتوتر، لم يستطع هشام أن يمنع نفسه من استنشاق رائحتها. لم تكن رائحة عطور باهظة كنساء مجتمعه، بل كانت رائحة بسيطة، طبيعية، رائحة جمیله هادئه، لكنها كانت مثيرة لحواسه بشكل لا يصدق. التفت لينظر إليها؛ كانت تغمض عينيها بشدة، ورموشها الطويلة الكثيفة تلقي بظلالها على خديها.
لم تكن جميلة بمعاييره، لكنها كانت تملك جاذبية غامضة تستفز كبرياءه.
وصلا إلى السيارة. فتح لها الباب الخلفي ودفعها برفق للداخل، ثم جلس بجوارها بينما انطلق عادل بالسيارة بسرعة جنونية نحو المجهول.
بعد ساعة من القيادة الصامتة والمشحونة بالتوتر، توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة ابتلعتهما إلى الداخل، لتغلق خلفهما كاشفة عن قصر فخم منعزل في أطراف المدينة. إنه ملاذ هشام السري، المكان الذي لا يعرفه أحد سوى عادل.
دخل هشام القصر وهو يسحب لؤلؤ خلفه، التي كانت تنظر بذهول إلى الفخامة التي لم ترها حتى في الأفلام. ترك يدها أخيراً في منتصف الصالون الواسع.
“عادل، اقفل كل المداخل، ومحدش يهوب ناحية القصر ده،” أمر هشام، ثم ألقى بجسده على أريكة جلدية وثيره، يفرك صدغيه بأصابعه.
وقفت لؤلؤ في المنتصف، ضائعة، المعطف الطويل يبتلع جسدها الضئيل.
“أنا… أنا ممكن أمشي دلوقتي؟” سألت بصوت خافت أضعف من حفيف الشجر.
رفع هشام عينيه إليها، وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه. “تمشي؟ تروحي فين يا حلوة؟ إنتي متعرفيش إحنا فين أصلاً. وبعدين، إنتي فاكرة إن اللعبة خلصت؟ إحنا لسه بنبدأ.”
اقترب منها بخطوات بطيئة، كصياد يضيق الخناق على طريدته. “احكيلي بقا.. إيه اللي حصل امبارح بالتفاصيل. إزاي واحدة زيك، شقيت طريقها لسرير هشام الشافعي؟”
اشتعلت عينا لؤلؤ بغضب مفاجئ. فرغم فقرها وضعفها، إلا أنها كانت تملك كرامة تأبى أن تُداس بهذه الطريقة المهينة. رفعت رأسها وتلاقت عيناها بعينيه في تحدٍ لم يتوقعه. وقالت….



