Uncategorized

رواية عيون الريان الفصل العاشر 10 بقلم نيللي العطار

رواية عيون الريان الفصل العاشر 10 بقلم نيللي العطار

                                              
ماذا أقول له لو جاء يسألني إن كنت أكرهه أو أهواه؟ 
+
ماذا أقول له إن راحت أصابعه تلملم الليل عن شعري وترعاه؟
+
وكيف أسمح أن يدنو بمقعده؟ وأن تنام على خصري ذراعاه؟ 
+
غداً إذا جاء أعطيه رسائله ونطعم النار أحلى ماكتبناه .. 
+
حبيبتي!.. هل أنا حقاً حبيبته؟!..وهل أصدق بعد الجهر دعواه؟ 
+
(نزار قباني) 
+
___________________
+
تمر الأيام والخوف لا يمر و يمضي الوقت ومازال كلاً منهما يخفي مشاعره داخل سريرته المشعثة .. هو يستصعب البوح بمكنونات قلبه .. وتخاف هي أن يكون حضوره مجرد خيال كالذي تعيشه في أحلامها المظلمة وظنت أن ماتتمناه مستحيل وهو أقرب إليه من شريان الوتين .. وخلال تلك الفترة لم يتمكن ريان من التقرب منها منذ آخر مرة كانا يعزفا سوياً وقاطعهما دخول الأطفال المفاجئ وللأسف شارفت الأعمال في الدار على الانتهاء وبينما كانت تجلس مريم في مكانها المعتاد بغرفة الموسيقى .. وشحوب وجهها يزداد كقمر ينطفئ نوره رويداً رويداً .. لا تجد سلواها إلا مع انتشار عطره حولها يهمس لها (تذكريني فأنا مُتعب بكِ حد الفراق) حالة متناقضة غريبة تعيشها في خضم أحاسيس أرهقتها وأثقلت كاهلها بالتفكير .. تشعر بأنها تقف في منتصف متاهة حيث لا فرصة للعودة متاحة ولا الطريق أمامها مفتوح .. تلوم نفسها على تعلقها بما ليس لها .. لا تعلم أن هدبيها المنطفئين امتلكاه في طرفة عين غير مبصرة فما بالها لو أبصرت المليحة ولمع وهج الحب بعينيها .. أفاقت من شرودها على كف صباح يربت فوق كفها تسألها بنبرة حنونة يشوبها القلق (مالك ياحبيبتي؟.. سرحانة كده ليه؟) 
+
انتبهت مريم اليها قائلة بتعابير مرتعشة (مفيش يادادا.. أنا كويسة) 
+
مسحت صباح على وجنتها قائلة بحزن (إنتِ بقالك فترة مش فحالتك الطبيعية)
+
تدخلت ريهام وهي تنظر لصباح بتحذير قائلة بلهجة أصبغتها بالمرح (يمكن عشان القمر ماسمعناش صوته من زمان) 
+
حاولت صباح تدارك الأمر كي لا تضغط على مريم قائلة (ممكن .. ماهي تقلانة علينا البخيلة ومش بتغني غير مع الولاد بس) 
+
ابتسمت مريم قائلة ( أبداً والله ما اقدرش أبخل عليكم انتم جمهوري الوحيد) 
+
صفقت ريهام قائلة بمزاح (سمعينا حاجة يانجمة النجوم الجمهور مستني على نار) 
إستجمعت مريم تفكيرها وحاولت التنفيس عن حالتها النفسية بالغناء فأكثر ماتحتاج إليه الآن هو أن تخرج مافي قلبها عن طريق أغنية من أغاني ملاكها الحارس (فيروز) 
+
*حبيتك تنسيت النوم
ويا خوفي تنساني
حابسني برات النوم
وتاركني سهرانة
أنا حبيتك حبيتك 
أنا حبيتك حبيتك
بشتقلك لا بقدر شوفك 
ولا بقدر أحكيك
بندهلك خلف الطرقات
وخلف الشبابيك
بجرب اني انسى
بتسرق النسيان
وبفتكر لاقيتك
رجعلي اللي كان
وبتعملي كل ما لاقيتك
حبيتك حبيتك
أنا حبيتك حبيتك
يا خوفي ببقى حبك
بالايام اللي جاية
واتهرب من نسيانك
ما اتطلع بمرايا حبسي انت
انت حبسي وحريتي انت
وانت اللي بكرهه
واللي بحبه انت
لغيرك ما سهرت وخفيتك
أنا حبيتك حبيتك
أنا حبيتك حبيتك*
+
               
أخرجت مريم كل مايؤلمها وكأنها تعاتبه على مافعله بها دون قصد من خلال كلمات الأغنية التي لمست جرحها وما أن انتهت منها حتى انخرطت ببكاء مرير.. فزعت صباح بشدة على منظرها المنهار واحتضنتها في محاولة لتهدئة نبضاتها التي تضرب عظام صدرها بطريقة هيستيرية وقلبها يقول (أنا أتألم ليرحمني أحدكم ويزيل هذا الشعور الذي سكنني رغماً عني) بينما بكت ريهام على بكائها فلأول مرة تراها منكسرة هكذا .. ولم ينتبهن إلى ذلك الذي يقف أمام الباب تكاد تخرج مقلتيه من محجريهما وقلبه أوشك أن يتوقف من فرط الألم .. دموعها نزلت فوق صدره كقطع زجاج شحذت طبقات جلده طبقة طبقة.. شهقاتها أخترقت جدار روحه تطعنه بخناجر مسمومة وللحظة أحس بالأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه أمام بكائها وشعور بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبة في ضمها ليخبئها بين أضلعه تسحق المتبقي من ثباته الواهن وبعد دقائق قضاها في تفكير متروي قرر الانسحاب تاركاً المكان بمقلتين غائمتين وساقين اصبحتا كالهُلام وعقل ترك نصفه معها 
+
***************
+
خرج ريان من بوابة الدار خائر القوى ولم يدري كم مر عليه من الوقت وهو جالس خلف مقود سيارته وروحه تغُص في حلقه بمرارة كالعلقم .. اطمئن قلبه بعض الشئ عندما لمح طيفها واقفة في شرفة غرفتها والهواء يعبث بخصلاتها ثم غادر بعد عناء مع نفسه التي تحرضه أن يجلب سُلَماً خشبياً خاص بعمال شركته ليصعد إليها كروميو الذي مات شهيداً في عشق چولييت .. افترّت شفتيه بابتسامة خفيفة يدعو في سريرته (خفف عنها ياالله وأزل عن روحها التعب فأنا أحبها بقدر رحمتك).. انطلق بلا وجهة وشبح جدران الڤيلا الخانقة يطارده ولم يجد مهرباً سوى بيت جده فهو في أمس الحاجة إليه الآن ومن أقرب من الجد زين ليواسي غاليه الصغير ويسكن آلامه.. 
_ (وحشتني أوي ياحبيبي) 
قالها الجد زين وهو يضمه بحنان شديد واشتياق لرائحته وتفاصيله التي يفتقدها كثيراً بينما شدد ريان عناقه قائلاً (حضرتك وحشتني أكتر والله) 
+
ابتعد عنه جده برفق ثم جذبه ليدخل قائلاً (بطة هتطير من الفرحة لما تشوفك) 
+
سأله ريان مبتسماً (هي فين؟) 
+
بادله الجد زين ابتسامته قائلاً (نايمة فوق تعالى نطلع نصحيها) 
+
استوقفه ريان قائلاً برجاء (أنا محتاج أتكلم مع حضرتك لوحدنا شوية) 
+
تفحصه الجد زين بنظرات قلقة ثم قال (مالك ياريان؟..فيك ايه؟) 
+
أجابه ريان بتنهيدة حزينة (هاحكيلك على كل حاجة) 
+
وبالفعل اتجه معه نحو حديقة المنزل وكالعادة لم يُخفى على الجد مايعتمل بصدر صغيره الشفاف الذي يظهر مشاعره بكل وضوح .. وفطن السبب قبل أن يتحدث لكنه فَضل الاستماع إلى فضفضته ليستريح من صراع ذاته .. جلس ريان يسرد على مسامعه كل الأحداث بدءً من دخوله الدار بحجة الإصلاحات حتى بكاء مريم هذه الليلة .. انتهى من حديثه متوجساً خيفة من ردة فعل جده الصامتة وظل على هذا الحال حتى قطع شروده متسائلاً (مابتردش عليا ليه؟) 
+
        
          
                
أهداه الجد زين ابتسامة عذبة قائلاً (كبرت يا ريان وبتحب) 
+
عقد ريان حاجبية قائلاً باستغراب (ده كل اللي لفت نظر حضرتك؟) 
+
أشار الجد زين بسبابته تجاه شق حفيده الأيسر قائلاً ( هو ده أساس الموضوع) صمت لثواني ثم أردف بهدوء (إنت بتحب مريم وسلمت روحك ليها لدرجة انك لما بعدت عنها يومين تعبت وماكنتش قادر ترفع راسك من على مخدتك وهي كمان بتحبك ويمكن أكتر منك) سكت لبرهة يتأمل معالم الارتياح التي بدأت تظهر على ملامح ريان واستكمل (عارف ايه سبب بُكاها انهاردة؟) 
أومأ ريان برأسه نافياً دون حديث بينما تابع الجد بتعقل ونبرة عاتبة بعض الشئ (عشان خايفة من عجزها وقلة حيلتها يبعدوك عنها.. عيب لما تكون بتحبها الحب ده كله وتبقى سبب في دموعها .. روح اعترف لها بحبك وماتخليش دماغها تودي وتجيب .. بس عايزك تعرف ان فيه صعوبات كتير هاتواجه علاقتكم .. هاتقدر تقف قصاد الريح العاتية دي ياريان؟) 
+
رد ريان على جده بثقة في نفسه وتأكيد على صدق مشاعره نحو مريم (مريم اختياري الكامل.. قلبي وعقلي وروحي اجتمعوا عليها وانا متعود أقف ورا اختياراتي) 
+
ابتسم الجد زين بفخر قائلاً (هي دي تربيتي فيك وزرعتي اللي حطيت بذرتها بإيدي جوه روحك) 
+
بادله ريان ابتسامته قائلاً بحب (مفيش حد فالدنيا دي كلها بيفهمني وبيحس بيا غيرك ..قلبي مسنود بيك أوي ياجدو ..يارب تعيش سنين كتير لحد ما انا اللي اموت الأول) 
+
جذبه جده لأحضانه يخبطه بخفة على ظهره قائلاً بلوم (إوعى تقول كده تاني..ربنا يفرحك بشبابك ومايحرمني منك أبداً وتوصلني انت بإيدك ياحبيبي) 
+
انحنى ريان يقبل تجاعيد كفيه إجلالاً واحتراماً وحباً لذلك الرجل الذي يمثل له كل معاني الحياة .. ولطالما كان الجد زين مِشكاته الصادقة التي تنير له طريقه قائلاً (ربنا يديمك نعمة في حياتي ويبارك فعمرك وصحتك).. صمت لثواني ثم قال وهو ينهض من مقعده (للأسف لازم امشي لأن الشاويش رويدا هاتعلقني لو اتأخرت أكتر من كده) 
+
تبعه الجد ضاحكاً (ربنا يهديها لك وتعقل شوية) 
+
تبادل ريان معه الضحكات (يارب احسن انا مش ناقص مكر التعالب بتاع الأمهات ده) 
+
قهقه الجد زين على دعابته قائلاً (خد بالك من نفسك كويس) 
+
ودعه ريان ملوحاً ثم قال وهو يتجه نحو الخارج (سلملي على بطة كتير) 
+
*******************
+
لم يستطع يوسف استيعاب كل الصدمات التي تلقاها في حياته دفعة واحدة .. وفاة حبيبته كسرت ظهره ومن بعدها اعتراف خالته بجريمتها النكراء والتي تبعها موت عمه ليصبح وحيداً .. يتجرع مرارة الفقد بكأس غدر صنعته من كان يظنها عوض والدته الراحلة لكنها أجهزت على روابط الدم بينهما وأضرمت نيران حقدها على زوجة أبيه في حياة شقيقته الصغرى لتدمرها وتقصيها من أجل حفنة أموال رخيصة لا قيمة لها أمام عقاب الله الذي شمل الجميع .. قرر الانعزال ليعيش أحزانه بعيداً عن أنظار المشفقين وللأسف لم تحمله قدميه إلا إلى شقته التي كانت ستجمعه ببسمة بعد الزواج ليمكث بها.. وعلى صعيد آخر أثار غيابه المفاجئ عن العمل تساؤلات وحيرة زملاؤه ومديريه فهاتفه غير متاح وعيادته مغلقة منذ أكثر من شهر ونصف وقرار فصله من المستشفى أصبح وشيكاً ولم يتمكن أحد من الوصول إليه بشكل أو بآخر.. ولم تجد أميرة حلاً سوى الذهاب بنفسها للمنزل الكبير لتطمئن عليه وتبلغه أن عمله أصبح مهدداً بالإنتهاء .. تملك القلق منها عندما أخبرتها الخادمة أنه ترك المنزل منذ وفاة عمه على أثر خلاف كبير مع خالته .. بدأت أميرة تستجمع الخيوط بعقلها وادركت سر طريقته العنيفة معها أثناء تعزيتها له بالمقابر وسألت الخادمة بتوتر (هو ممكن يكون عايش فين دلوقتي؟) 
+
        
          
                
أجابتها الخادمة بحزن على ما آلت إليه الأمور ( أنا ماعرفش هو فين بالظبط بس فيه إحتمال من اتنين يا إما قاعد في شقته اللي كان هيتجوز فيها أو في بيت والده القديم) .. شكرتها أميرة ثم انصرفت وهي تفكر في حل لتلك المشكلة.. لاحت في عقلها فكرة بسيطة وتمنت أن توصلها إليه.. أمسكت هاتفها لتتصل بالطبيب حسام صديق يوسف المقرب وزميلها أيضاً بالمستشفى علّه يساعدها في البحث عنه.. أجابها حسام على الفور (دكتورة أميرة.. ازيك؟) 
+
حاولت أميرة ضبط انفعالاتها المضطربة جرّاء القلق والتوتر ثم قالت (الحمدلله كويسة.. بس كنت عايزاك فموضوع مهم) 
+
سألها حسام بتعجب (أنا تحت أمرك طبعاً.. خير؟) 
+
سردت عليه أميرة ماحدث معها منذ مقابلتها للخادمة في منزل خالة يوسف واختفاءه عن الأوساط بشكل يدعو للشك مما أثار ريبته فتسائل مجدداً بخوف على صديقه (هي الست دي ماتعرفش مكانه خالص) 
+
أجابته أميرة بحيرة (قالت احتمال يكون فشقته اللي كان هيتجوز فيها أو في بيت والده الله يرحمه .. لو ينفع نتقابل وتيجي معايا نشوفه في المكانين دول) 
+
لم يتردد حسام في الموافقة قائلاً (مفيش مشكلة ابعتي الـ location بتاعك عالواتس وانا اجيلك حالاً)
+
شعرت أميرة ببعض الطمأنينة وقالت بحماس (هاعدي عليك بالعربية انا قريبة من المستشفى) وبالفعل أدارت محرك سيارتها وانطلقت لتصطحبه كي يعثرا على ذاك الذي أضنى الحزن فؤاده وبينما كان يجلس أمام ألبوم الصور يتأمل تلك البريئة التي تتشبث بوالدتها بأعين لم تجف مدامعها لاعناً في نفسه من ألقت بها بين براثن الحياة لتطحنها .. انتبه يوسف لصوت جرس المنزل يعلن عن قدوم أحدهم .. تعجب كثيراً فهو يمكث هنا إلى مايقرب من شهر ونصف ولم يزره احد ولا يتذكر أنه أخبر أياً من أصدقائه عن مكانه .. نهض بتثاقل ليرى من الطارق فتفاجأ بصديقه المقرب ومعه الطبيبة الحسناء التي تسأل دوماً عن أحواله .. دعاهما للدخول مُظْهِراً بعض الترحيب لكنهما اندهشا كثيراً من منظره غير المرتب وشعره المُشعث ولحيته النامية بفوضوية بالإضافة لعينيه المكسوتان بحمرة دموع اختلطت ببعض الدماء نتيجة بكاء متواصل حتى وجهه متعب بشكل مبالغ فيه وجسده أصبح أكثر نحافة لدرجة أن من ينظر إليه يظنه هشاً سهل الكسر.. ران بين ثلاثتهم صمتاً مشحوناً بالتساؤلات قطعه حسام قائلاً بحزن (شد حيلك يا يوسف) 
+
أجابه يوسف بابتسامة منهكة (ونعم بالله) 
+
إبتلعت أميرة غصة متألمة شقت جوفها منذ رؤيتها له بهذا الشكل الواهن ثم قالت (الحزن مابيرجعش اللي ماتوا .. الحياة لازم تمشي عشان نقدر نعيش) 
+
نظر إليها يوسف يسألها بتهكم (حياة! ..هي فين الحياة دي؟) 
+
ردت عليه أميرة بغيظ من استسلامه لأحزانه المثير للأعصاب (حياتك اللي بتضيعها بعزلتك عن الناس .. وإهمالك لشغلك اللي انت عارف كويس أوي انه مهم جداً لحياة ناس كتير .. ولا نسيت انك دكتور؟) 
+
        
          
                
زفر يوسف بنفاذ صبر (هو الدكتور ده مش من حقه يحزن زي باقي البشر؟) 
+
تدخل حسام في الحديث قائلاً بتعقل (أكيد من حقك تحزن بس ماتدمرش حياتك بالمنظر ده .. المستشفى كلها بتتكلم عن غيابك المفاجئ ولولا إن أميرة بتتحايل على دكتور أسامة عمها كان زمانه ماضي على قرار فصلك .. ده غير عيادتك المقفولة والمرضى اللي كل يوم بيسألوا عنك) صمت حسام لثواني ثم تابع بنبرة رزينة (الدكتور من حقه يحزن بس ماينساش ان أرواح الناس فرقبته ده قَسم كلنا عاهدنا ربنا بيه وهانتحاسب عليه) 
+
أطبق يوسف جفنيه يقاوم الصدام الذي أحدثه صديقه بكلماته داخل عقله ثم قال بثبات زائف (وانا ماعنديش طاقة أتواصل بيها مع الناس وبمناسبة المستشفى بكرة الصبح استقالتي هاتكون على مكتب دكتور أسامة… وشكراً يا أميرة على الحرج اللي سببته ليكِ مع عمك عشان مايرفدنيش .. وما اعتقدش اني هافتح العيادة دلوقتي خالص) .. نظر كلاً منهما إليه مصعوقين ولم ينبسا ببنت شفة .. بينما نهض هو من مقعده قائلاً بصوت غير متزن ( من فضلكم أنا تعبان شوية ومحتاج أقعد لوحدي) .. نزلت كلماته القاسية كالصاعقة على رأس أميرة التي لم يكن في مخيلتها أبداً أن يتصرف بشكل مُحرِجاً إلى هذا الحد فبقدر إحساسها بمعاناته وتقديرها لظروفه النفسية السيئة التي يمر بها إلا أنها غاضبة من ضعفه وهشاشة ارادته بالإضافة لقرار الإستقالة الأحمق الذي ينتويه فلطالما حاولت إثناء عمها عن قرار فصله لكنها أدركت بعد مافعله الآن أنه لا يستحق وقررت ألا تفكر به مجدداً وتتركه يتصرف في حياته كما يروق له وبعد دقائق من النظرات المعاتبة بين ثلاثتهم غادرت برفقة حسام دون حديث زائد .. أسند يوسف ظهره خلف الباب بعدما تأكد من مغادرتهما وجلس على الارض يضع وجهه بين راحتيه باكياً بألم يمزق خيوط روحه المُرهقة .. يود لو يصرخ من أعماقه بكل ما أوتي من قوة كي لا يتلوى من فرط عذابه لكن الأمر ليس بيده مُطلقاً .. وكأنه ينادي من جوف الأرض على صُم بُكم لا يشعرون بالسُم الذي يسري بأوردته.. لا أحد يعرف بأنه يبذل كميات مضاعفة من الصبر يومياً كي لا يتسبب بكارثة.. ولم يدري كم مر عليه من الوقت في جلسته المتوجعة تلك وبعد عناء مع أعصابه المنهارة نهض ليغفو ولو قليلاً ودموعه تحفر خطاً عميقاً فوق وجنتيه 
+
*************
+
صباح آخر لاح في الأفق يعلن عن شروق شمس جديدة أرخت ضفائرها الذهبية فوق عباءة الليل المطرزة بالنجوم لتنير الدنيا بحنوها المعتاد.. استيقظ ريان مبكراً كعادته وكلمات جده الحبيب لم تفارق مخيلته.. أنهى روتينه الصباحي ثم خرج متجهاً نحو الدار فهناك بإنتظاره العمل والحب الذي قلب حياته رأساً على عقب .. تعاقبت الساعات واحدة تلو الأخرى حتى شارف النهار على الانتصاف وهي لم تبزغ شمس نهارها بعد .. وعندما اكتظ قلبه بالشوق قرر أن يذهب ليتفقد أثرها علّه يثلج صدره برؤيتها جالسة في مكانها المعتاد بغرفة الموسيقى وللأسف لم يجدها هناك أيضاً .. انتابه القلق عليها فليس من عاداتها التأخر على الأولاد كل هذا الوقت وأثناء سيره فالرواق المؤدي إلى منطقة العمل بالمبنى لمحها تسير مستندة بكفها على الجدار الجانبي لكنها كادت أن تتعثر بإحدى المعدات المتبعثرة على الأرض ..ركض نحوها بسرعة ثم أحاط خصرها بذراعيه ليحميها من السقوط يقول بلهفة شديدة (ماينفعش تمشي لوحدك كده المكان خطر عليكِ) 
+
        
          
                
توترت مريم كثيراً عندما أدركت وجوده قائلة بنبرة مرتجفة (كنت عاوزة أروح أوضة الموسيقى) 
+
أغمض ريان عينيه منتشياً بقرب أنفاسها العطرة منه قائلاً بنبضات متسارعة (تعالي معايا وأنا أوصلك) 
+
خجلت مريم كثيراً عندما شعرت بالدفأ بين ذراعيه لكن سرعان ما استفاقت من غمرة مشاعرها وانتفضت مبتعدة عنه بملامح مكفهرة قائلة (شكراً ومن فضلك ماتقربش مني بالطريقة دي تاني) 
+
إحتقن وجهه بدماء الحرج قائلاً بتعجب من ردة فعلها (أنا آسف والله ماقصدتش اضايقك بس انتِ كنتِ هاتقعي) 
+
هتفت مريم بعصبية (سيبني أقع بس ماتلمسنيش كده) 
+
شعر ريان وكأنها سكبت دلواً من الماء البارد قائلاً بصوت متحشرج (مريم.. أنا ريان) 
+
ردت عليه مريم بغضب (انا عارفة انك بشمهندس ريان وبالمناسبة اسمي آنسة مريم وياريت ماتعديش حدودك) 
+
ابتلع ريان غصة تورمت داخل جوفه أثراً لطعنتها التي نفذت لكرامته ثم سألها بألم (انتِ زعلانة مني؟) 
+
أجابته مريم بثبات زائف (إحنا مفيش بينا حاجة عشان أزعل منك أو أشيل التكليف بيني وبينك) 
+
نظر إليها ريان بخيبة أمل قائلاً (أنا آسف يا آنسة مريم).. ثم انصرف وتركها مشدوهاً مما حدث .. يتسائل في نفسه لِمَ كل هذا الغضب؟ وفيما أخطأ؟ .. هو فقط كان يساعدها حتي لا تسقط وتتأذى ولم يقصد أبداً إقتراباً مهيناً لأنوثتها حتى تجرح كرامته بهذا الشكل القاسي .. إبتلع مرارة الإهانة والصد وقرر التراجع عن حديثه معها بشأن مشاعره فعلى مايبدو أنها لن تتقبل وكل ما استنتجه كان مجرد أوهام حاكها خياله وأقسم أن ينهي الأعمال المتبقية لشركته داخل الدار في أقصر وقت ممكن حتى يذهب من هذا المكان بلا رجعة..بينما عادت هي إلى غرفتها بخطوات مرتعشة تجاهد على إخفاء دموعها بشق الأنفس .. داخلها يتمزق رغم ادعاءها القسوة أمامه والوخزات التي تنخر قلبها كافية لترديها حطاماً .. تريده أن يكف عن إجبارها على المضي قدماً داخل تلك الفوهة المحمومة من بركان مشاعر لم تفهم كنهها .. كل ما تحتاجه من العالم أن تنعزل عن ضوضاء الحب بهدوء يناسب ظروفها وبلاضرر يسلبها رفاهية الإنهيار .. أن يمنحها فرصة للنوم دون مشقة التفكير فيه والاستسلام لعالم أحلامها الذي كان خالياً من صوته وهمهمات أنفاسه وضحكاته العذبة .. وأثناء جلوسها خلف كرسي مكتبها تستند بمقدمة رأسها فوق حافته تبكي بصمت دخلت عليها ريهام..اقتربت منها بخوف عندما وصلت شهقاتها لمسامعها وجلست بجوارها تحيط كتفها بذراعها قائلة بقلة حيلة (وبعدين معاكِ يامريم؟.. عيونك دبلت من كتر العياط) 
+
ردت عليها مريم وهي تنتحب (أنا جرحته أوي) 
+
سألتها ريهام بقلب مفطور عليها (ايه اللي حصل لكل ده؟) 
+
أجابتها مريم بنبرة متقطعة من أثر البكاء (كنت ماشية فالطرقة واتكعبلت وهو مسكني عشان ماقعش روحت مزعقاله وقولتله ماتلمسنيش تاني وهزأته جامد) 
+
        
          
                
مسدت ريهام شعرها بحنان قائلة (ليه كده بس يامريم ريان محترم جداً وأكيد مايقصدش حاجة وحشة) 
+
مسحت مريم دموعها بجانب راحتيها قائلة بصوت مبحوح (قربه مني بيديني أمل إنه يكون بيحبني زي مابحبه).. صمتت لثواني تقاوم غلالة دموع بدأت بالتجمع داخل مقلتيها ثم أردفت بنشيج مرير (وحتى لو بيحبني مستحيل حكايتنا تكمل لأنها غلط.. هو فين وانا فين؟.. ده ابن رجل اعمال كبير وانا كفيفة وعايشة فدار رعاية.. لا أهله ولا الدنيا كلها هاترحمنا وأحسن ليا وليه إن الموضوع مايبتديش أصلاً وكل واحد يكمل طريقه بعيد عن التاني) 
+
ضمتها ريهام قائلة بمواساة (انتِ ست البنات كلها وألف مين يتمناكِ ياحبيبتي) 
+
لم تستطع مريم تمالك نفسها أكثر فبكت مجدداً بحرقة أكبر (تعبت ياريهام وخايفة.. من يوم ماعرفته وانا بنام حاطة إيدي على قلبي.. ياريتني ماكنت اتعلقت بيه كده) 
+
تنهدت ريهام بأسى وحزن لحزنها (سيبي كل حاجة تيجي زي ماربنا كاتبها) 
+
***************
+
عندما تسقط في هاوية العهر ستستحل روحك كل ماهو سافر ومنحط .. وستصبح الرزيلة عادة وشرب الخمر عبادة ولن يختلف عنك الشيطان في شيء إلا أنه غير مرئي وتلك ميزة عظيمة في قانون الشر .. فالوسواس الخفي أفضل بكثير من وسواس معلن يقف أمام الجميع بجرأة ووقاحة ليقول أنا هنا والقوي من يتحداني .. وهاهي تنام على فراشه مُجردة من كل معاني القيم والأخلاق لا يغطي جسدها الرخيص سوى شرشف بائس في محاولة منها للستر .. يالحماقتها.. أي هراء تفعله؟.. وأي ستر تبتغيه وهي تتمرغ بين أحضان عشيقها دون رغبته وبكامل إرادتها .. نفثت چيسي دخان سيجارتها المحشوة بالمخدر اللعين في الهواء وكأنها أوقدتها من نار جحيم حقدها قائلة (شوفت ياهيثم الواطي طلع فحياته واحدة تانية) 
+
رمقها هيثم بنظرات مغتاظة قائلاً بسخرية (ده على أساس ان كان فيه واحدة أولانية؟) 
+
ردت عليه بعدم إكتراث لغيرته (آه كان فيه وقولتلك قبل كده چيسي الصراف مابتسيبش حقها) 
+
زفر هيثم قائلاً بعصبية (بقولك ايه مش كل ما اشوفك تتكلمي فالسيرة الزفت دي) 
+
أمسكت القداحة تلقيه بها قائلة بغضب (تصدق أنا غلطانة اني بتكلم مع واحد زيك) 
+
تفادى مرمى هدفها باحترافية وكأنه معتاد على تلك الحركات المجنونة التي تصدر منها ثم اعتلاها يثبت ذراعيها فوق رأسها قائلاً بنبرة يشوبها الخطر (اللي زيي بتجيله اللي زيك عشان يريحها فاهمة ولا هاتقعدي تهري فموضوع ابن خالتك ده كتير وتطيري السيجارتين من دماغنا؟) 
+
تداعت نظرات چيسي بعض الشئ قائلة بمراوغة (فكر معايا في طريقة تخلينا نوصل للبت اللي بيحبها عشان آخد حقي منه وأوعدك بعدها مش هاجيب سيرته خالص) 
+
دفن وجهه بين حنايا عنقها يبعثر قبلاته فوق بشرتها الناعمة قائلاً (الهانم عايزاني اراقبه مثلاً؟) 
+
أجابته بصوت محموم تأثراً بما يفعله (لا مش دلوقتي انا بس أمسك طرف خيط يوصلني ليها وهانفذ اللي في دماغي على طول) 
+
تأوه هيثم بخفة قائلاً (ماتيجي انفذ أنا اللي في دماغي الاول عشان عرف أفكر معاكِ كويس)
+
أطلقت ضحكة رقيعة مثلها زادت من حدة ثورته ولم تدري بنفسها إلا وهي منصهرة معه في دوامة من اللذات المحرمة التي أصبحت متمرسة فيها بجدارة وبشهادته 
+
***************
+
تداولت الأيام وصافحت الساعات ثوانيها مودعة الذكرى وإنتهى ريان من أعماله داخل الدار فالأمور كما يُقال مرهونة بأوقاتها وها قد حان وقت حزم الأمتعة والرحيل واليوم سيتم تسليم آخر مبنى للسيدة وسيلة ومن بعدها سيعود بعماله ومعداته لشركته لكنه سيترك روحه بجوارها لترعاها.. فمن يطرق باب العشق ويدخله بملإ إرادته إما أن يعود طفلاً محباً للحياة أو يخرج منه أسير لايدرك إلى أي منفى ينتمي.. شعور مهيب وكأنك تقدمت بالعمر مائة عام وأن شعورك بالضياع يساوي مايشعر به البشر خلال قرون سحيقة .. وظل طوال الفترة الماضية محافظاً على العهد الذي قطعه أمام نفسه بألا يقترب منها مرة أخرى ولو بالكلام ففي حلقه غصة مسننة مما بدر منها وإكتفى بمراقبة ذبول عينيها وشحوب وجهها بقلب مفطور وهو لا يعلم لماذا نهرته هكذا .. ويسأل طيفها الذي لا يفارق خياله (كيف تكف روحي عن روحك وأنتِ تجولين في روحي مجال الروح ياروحي).. وبعد تأكده من مغادرة شاحنات المعدات اتجه نحو غرفة الموسيقى حتى يجمع متعلقاته الشخصية ويلحق بهم .. يجاهد على إخفاء إعتصار أضلعه أمام أحد لكن الألم خائن وعيون ريان الشفافة تفصح عن أوجاعه بكل سهولة .. 
(إتفضل يا باشمهندس) .. قالتها ريهام عندما انتبهت له واقفاً بالخارج يلملم شعث سريرته المهلهلة فرسم ابتسامة زائفة على وجهه قائلاً (أنا مش هاعطلكم هاخد حاجتي وامشي على طول) 
تسارعت نبضات مريم حين استشعرت وجوده لكن كلماته المفاجئة نزلت فوق عنقها كنصل سكين بارد ذبحها على مهل وسألته بصوت مختنق (خلاص هاتمشي؟) 
+
أجابها وجرحها لكرامته مغروس بقلبه كالرمح (انهاردة آخر يوم ليا هنا)
+
لم تستطع مريم الرد عليه واكتفت بإيماءة واهنة.. تجبر ملامحها على اتخاذ معالم تعاكس احساسها وقلبها يحدثه بارتجاف (لا تخدشني بأظافر الفراق فأنا اليتيمة التي رأت ذويها المفقودين في حنو أنفاسك) وبعد عناء مع خفقاته المضطربة تحدث وكل حرف يخرج من فمه ينطق بالوجع (أشوف وشك بخير يا……. آنسة مريم) .. أنهى حديثه بابتسامة مرتعشة ثم غادر والدموع تتلألأ بمحجريه وجسده الكاهل يرتجف في لحظة صمت مُطبِقة ..يبدو أن شيئاً ما بداخله قد إنهدم ربما الشق في جدار روحه إتسع وقلبه يرد على حديثها الخفي (أيا ضلعي الأعوج حياتي لن تستقيم مجدداً بدونك) .. أما هي فمع آخر خطوة خطتها قدميه داخل الدار وما أن تأكدت من رحيله حتى هوت على مقعدها فاقدة للوعي كورقة شجر سقطت على رصيف في ليلة شتاء معتمة ودموعها تشق طريقاً طويلاً بين عروقها 
+
******************
+
يتبع….. إلى اللقاء مع الفصل الحادي عشر
+
زر الذهاب إلى الأعلى