روايات رومانسية
رواية عيون الريان الفصل الثالث والاربعون 43 والاخير بقلم نيللي العطار
رواية عيون الريان الفصل الثالث والاربعون 43 والاخير بقلم نيللي العطار
إنني ما ذهبتُ بعيدًا ولا طلبتُ مستحيلًا، فكل ما أطمعُ فيه من جمال هذا العالم وزخرفه ، رفيقٌ آنس بقُربه وجواره، وأجدُ لذَّة العيش في الكون معه، والسُّكون إليه.
+
— المنفلوطي —
+
*******************
+
في كل تعاقب للنهار والليل مُعجزة ، وتلك الأيام يداولها الله بين الناس ليصنعوا أقدارهم بأنفسهم مُسيرين بكامل إرادتهم ، ومَرّت الأوقات ، والفصول ، والأوتار وتسربت من عِقد الزمن كاللؤلؤ المنثور .. سبع سنوات والبيوت الأربعة تحمل أسرارها ، بأفراحها ، وأحزانها ، وخلافاتها ، واتفاقاتها ، وكبر الصغار وصاروا آباءً وأمهات مسئولين عن صغار ، وأنجبوا جيلاً جديداً يستكمل معهم مسيرة الحب والدفء .. في منزل كريم الساعة تدق التاسعة والمطبخ تفوح منه رائحة كعكة الشيكولاتة التي يفضلها “سيف” ولده الأكبر ، وكانت ريهام تتابع نضجها داخل الفرن تارة ، وتارة أخرى تطعم “إلياس” الصغير البالغ من العمر سنتين ونصف ، والجالس أمامها على الطاولة وأثناء انشغالها بمهامها اليومية لتلحق الإفطار وتذهب عند مريم حتى تساعدها في تجهيز احتفالهم السنوي بعيد ميلاد ابنتها دخل عليها زوجها برفقة طفلهما يُلقيان التحية بتوجس ، وملامحهما تنذران بحلول كارثة من كوارث سيف المُعتادة..
+
-(شايف ياواد ياسيف أمك بتتعب ازاي ، وواقفة من الصبح تحضر الفطار) .. قالها كريم بتملق ليكسب ودها تمهيداً للقادم
+
رمقته بنظرة جانبية وهي ترص الأطباق فوق المائدة قائلة (ادخل فالموضوع على طول ياكريم من غير لف ودوران)
+
قال بتوتر وهو يشير لولده (ابنك حبيبك عايز منك طلب صغنن قد كدهو)
+
زفرت بنفاذ صبر (مفيش كلاب هاتخش البيت طول ما انا موجودة)
+
تحدث سيف مُقطباً جبينه (مش عايز كلب)
+
سألته بضجر (اخلص عايز ايه؟)
+
اختبئ خلف والده قائلاً (آيفون ١٤)
+
خبطت بكفها على صدرها شاهقة (نهارك إسود ومنيل)
+
تدخل كريم يلطف الأجواء (بالراحة ياحبيبتي ، ده مجرد طلب)
+
لوحت بذراعيها فالهواء هاتفة بغيظ (انت ازاي توافقه على حاجة زي دي أصلاً؟)
+
مد كريم يده خلفه يجذب الصغير ليقف أمام والدته قائلاً (أنا قولتله هانقول لماما لكن ماوافقتش)
+
تحرّكت ريهام باتجاه الفرن تتفقد صينية الكيك قائلة (مفيش آيفونات هاتيجي ، ومش كل حاجة نفكر فيها ونعوزها نجيبها ياسيف)
+
اعترض الولد يدق الأرض بقدميه (انتِ وعدتيني لما انجح في grade one هاتشتري لي هدية)
+
رفعت ريهام حاجبها متزامناً مع شفتها العلوية قائلة باستنكار (اشتريلك آيفون سعره معدي الخمسين ألف جنيه عشان نجحت في سنة أولى؟، أمال لما تتخرج من الجامعة هاتعمل فينا ايه؟)
+
احتج الصغير بشدة (اشمعنى مصطفى ابن أونكل هيثم معاه آيفون وانا لا؟)
+
حاولت ريهام ألا تفقد أعصابها وانحنت لتصل إلى مستوى طوله تشد أذنه بإصبعي السبابة والإبهام قائلة بحزم (أولاً مصطفى كبير وعارف يستخدم الآيفون ازاي ، وثانياً مالكش دعوة بحد والكلمة اللي اقولها تتسمع من غير مناقشة، فاهم؟)
+
زمجر الولد بغضب متملصاً من مسكتها (والله لاقول لريان) .. ثم تناول الآيباد الخاص به عاقداً النية على الاتصال عبر تطبيق مكالمات الڤيديو بأكثر إنسان يحبه في العالم والذي يتخذه دوماً كدرع حماية ضد تعنتات والدته ورفضها الدائم لدلاله الزائد .. وبعد عدة رنات ظهر ريان مُستلقياً فوق أريكة الأنتريه ، وابنته الصغيرة “لارا” نائمة على صدره وفمها وأنفها مُكممين بجهاز أوكسچين نظراً لتعرضها لنوبات ضيق تنفس تعيق دخول وخروج الهواء إلى رئتيها قائلاً بيأس (يافتاح ياعليم ، يارزاق ياكريم عالصبح)
+
أجابه سيف بملامح متضايقة (مامي مش راضية تجيب لي آيفون ياريان)
+
لحق به والديه وخبطته ريهام التي تحمل شقيقه الصغير على مؤخرة عنقه قائلة بغيظ (قولتلك مليون مرة إسمه أونكل ريان)
+
استوقفها ريان مُعتدلاً في جلسته يضم جسد طفلته بحرص حتى لا تستيقظ (اهدي ياريهام من فضلك)
+
أخذت ريهام الآيباد منه هاتفة (طلباته مابتخلصش ياريان ، وانت مدلعه بزيادة اوي)
+
-(ما ادلعه ياستي ، هو انا عندي كام سيف يعني؟)
+
-(البيه عايز آيفون ١٤، اتصرف معاه بقا)
+
-(برو ماكس ولا عادي؟)
+
أحست ريهام بمبادئ جلطة تتكون في شقها الأيسر قائلة بصراخ (يا أخي منك لله انت كمان) .. ألقت الآيباد في وجه ابنها مُستكملة وصلة الندب الأمومي واتجهت نحو الطابق العلوي (أنا هامشي واسيب لكم الدنيا ، وماحدش فيكم هايعرف لي مكان)
+
أمسك سيف الجهاز اللوحي وجلس متابعاً حديثه مع ريان (كل شوية تقول هامشي ومابتمشيش)
+
رد عليه ريان بتقريع (ولد! ، عيب تتكلم عن مامتك كده)
+
زم سيف شفتيه باستهجان (زهقتني ياريان) ..جاوره كريم المُراقب للمشهد قائلاً (مامي عندها حق المرة دي ، مش كل حاجة تعوزها تزن عشان نجيبها)..
+
بينما سأل ريان صديقه (فطرتوا ولا بتتخانقوا على معدة فاضية؟)
+
أجابه كريم بحنق (مالحقناش)
+
ابتسم ريان قائلاً (احنا كمان لسه مافطرناش ، هاتهم وتعالوا نفطر سوا) .. نظر لسيف مضيفاً بحنان (وبالمرة نناقش موضوع الآيفون بهدوء من غير مانزعل مامي)
+
انتبه كريم لنوم “لارا” بجهاز التنفس على كتف أبيها متسائلاً بقلق (لارا مالها؟)
+
مسح ريان على ظهر صغيرته مُبتلعاً غصة عبأت حلقه (العادي بتاعها ياكريم) ..
+
دعا كريم بحزن (ربنا يشفيها ويعافيها يارب)
+
أمّن ريان على دعائه برجاء (اللهم آمين) .. أردف قبل أن يغلق الخط (ماتتأخروش ، هانستناكم)
+
أنهى المكالمة مؤكداً بينما لكز كريم ولده في كتفه يحثه على النهوض (قوم نطلع نصالح أمك ، خلي اليوم ده يعدي على خير) … امتثل الصغير لأمر والده وصعدا سوياً باتجاه غرفة النوم حيث توجد ريهام ، طرقا الباب بصخب قاصدين مشاكستها ففتحت لهما مُكتفة ذراعيها قائلة (خير؟)
+
رمش سيف ببراءة قائلاً (أنا آسف يا مامي)
+
داعبت خصلاته الناعمة المائلة للإشقرار قائلة (سيف! ، ياحبيب مامي ، انت ولد جميل بس لازم تعرف إن طلباتك لها حدود ، حتى لو أنا وبابي قادرين نوفرها)
+
أومأ سيف باقتناع أخيراً فحمله والده يقبل وجنته (احنا بنحبك أوي ، وعايزين نشوفك فرحان على طول ، واوعدك لما تخلص الـ primary school هانشتري لك آيفون)
+
ناقشت ريهام زوجها بتعقل (لا يا كريم بعد الـ prep ، كل مرحلة وليها سن فالمكافآت، ولعلمك الـ prep بدري أصلاً)
+
أيد كريم رأيها (انتِ صح يامامي)
+
أمسكت ريهام كف سيف تحاوره باهتمام (وفيه حاجة كمان مضايقاني منك ياسيف ، ماينفعش دايماً تقارن بينك وبين أي حد ، بالذات مصطفى ابن أونكل هيثم)
+
تحدّث كريم ليُفهّم إبنه الصواب من الخطأ (مصطفى أكبر منك بكتير ، وكمان شاطر وباباه بيكافئه لأنه بيطلع من الأوائل في المدرسة ، يعني بيبذل مجهود ويستحق الهدية) .. استطرد بابتسامة مشجعة (خده مثل أعلى في الحاجات الكويسة وخليك زيه)
+
حرك سيف رأسه لأعلى وأسفل بموافقة قائلاً (حاضر يا بابي) ..
+
تناولته والدته تعانقه قائلة بلطف (خلاص مش زعلان مني؟)
+
رد عليها بنبرة طفولية (مش زعلان)
+
أنزلته برفق قائلة (يلا أدخل غير هدومك عشان نروح لخالتو مريم وأونكل ريان)
+
انفرجت أسارير الولد كثيراً واتجه نحو غرفته ليبدل ملابسه مُهللاً (هيييه، هانروح عند ريان)
+
-(إسمه أونكل ريان).. قالتها ريهام بضيق واضح فضحك كريم على منظرها وضمها إليه يقبل رأسها (سيبيه براحته)
+
تنهدت ريهام بتعب (مش معقول بجد ، ريان مدلعه بطريقة مستفزة ، واراهنك إنه هايخترع أي حجة هبلة وهايجيب له الآيفون؟)
+
مسد شعرها قائلاً (من غير رهان ، أنا متأكد إنه هايعمل كده) .. سكت هُنيهة ثم أضاف بقلة حيلة (لارا شكلها تعبت تاني)
+
تناءت عنه لتتجهز وترتدي ملابس تصلح للخروج من المنزل قائلة بألم لمرض الصغيرة المُزمن والذي يجعلهم جميعاً في حالة حزن لأجلها (جاتلها النوبة انهاردة الصبح ، مريم كلمتني وكانت منهارة)
+
مسح كريم وجهه بكفيه قائلاً بقلب مفطور (يارب اشفيها عشان خاطر أبوها وأمها) ..
+
وقفت أمام المرآة تضبط حجابها قائلة (يارب ياكريم يسمع منك)
+
لاحظ كريم وجود “إلياس” الصغير نائماً على الفراش فجلس بجواره قائلاً بمرح (ماجابتش غيرك انت ياعاقل يا ابن العاقل ، نسمة زي ابوك ولا حاسين بيك)
+
مصمصت ريهام شفتيها قائلة بسخرية (والنبي تسكت ، ده مطلع النخل في نافوخي أكتر من أخوه) رفعت كفها أمام وجهها تعد على أصابعها مردفة (أوزعة ، وسهون ، ومابيختفيش من قدام عيني إلا لما يعمل مصيبة)
+
حمله كريم بحذر قائلاً (هدي أعصابك شوية ياحبيبتي ، دول أطفال وعندهم طاقة لازم يخرجوها فاللعب)
+
علقت ريهام حقيبة يدها فوق كتفها تحفزه كي يتحرك ويخرجا من الغرفة سوياً قائلة (طب خدهم يانسمة واسبقني ، وانا هاجيب الكيكة واحصلكم) ..
+
******************
+
وعلى الطرف الموازي/
+
كانت الحركة في منزل ريان سريعة الوتيرة حيث تحضر مريم للاحتفال بميلاد ابنتها الكُبرى “ليلى” السادس بمساعدة نجاة التي انتقلت للعيش معهم بعد الزواج بمدة قصيرة ، وفتاة شابة أخرى تدعى “حنان” .. النهار بدء عادياً جداً حتى هاجمت النوبة القلبية صغيرتهما “لارا” ذات العامين ، الطفلة وُلِدت بعيب خُلقي في الصمام الأبهري يقيد تدفق الدم ويصيبها بضيق تنفس قد يودي بحياتها إذا لم يتم إسعافها بأقصى سرعة وللأسف حالتها تتطلب عملية جراحية لا تُجرى إلا بعد بلوغها عُمر معين ، وهي مازالت تنتظر وتعيش بالأدوية والرعاية المُكثفة من أبويها والمحيطين بها ، وأثناء تواجدها بالمطبخ تُشرف على تجهيزات عيد الميلاد وتعد الفطور بنفسها كعادتها دخل عليها زوجها يحمل ابنتهما المُكممة بجهاز الأوكسچين قائلاً (كريم وريهام هايفطروا معانا)
+
التفتت نحوه تجيبه بهدوء ولمحة حزن تظهر جلياً على تعابيرها (حاضر ياحبيبي)
+
اقترب منها يحيطها بذراعه الحُر يمازحها ليخفف عنها (سيف منكد عليهم عالصبح)
+
ضحكت نجاة وهي تُقطع الخضروات (احمينا يارب ، الزن على إيه المرة دي؟)
+
شاركها ريان الضحك قائلاً (عايز آيفون١٤)
+
ابتسمت مريم قائلة (زمان ريهام بتشد في شعرها منه)
+
قالت نجاة مضيقة نظراتها باتجاه ريان (البركة في اللي مدلعه)
+
عقد ريان حاجبيه يدافع عن الولد بحمية أبوية (سيف بالذات خط أحمر ، وآه مدلعه وبدلعه وهادلعه ، ولعلمكم انا هاجيب له الآيفون اللي نفسه فيه) ..
+
قاطع حديثهم صوت كريم يقول بملل (كنت لسه بقول لريهام كده والله) .. أعطى إلياس لمريم ثم تناول “لارا” منه يحتضنها مُستفسراً باهتمام (عاملة ايه دلوقتي؟)
+
رد عليه وهو يغمز لسيف الذي التصق به فور رؤيته (الحمدلله عدت على خير) .. بينما نطقت الصغيرة حروف إسم كريم بتلعثم طفولي ونبرة مكتومة نتيجة لقناع التنفس الموضوع على فمها فضمها لصدره أكثر يقبل وجنتها قائلاً (روح قلب كريم)
+
نظر إليهما ريان قائلاً بتأثر (بتحبك أوي ياكريم ، أنا ومريم بنتحايل عليها تتكلم أو تاكل من الصبح مش راضية) ..
+
أبعدها كريم عنه قليلاً يحدثها بملاطفة (مين هياكل مع كيمو حبيبه؟) .. أهدته ابتسامة جميلة تعبيراً عن سعادتها لوجوده فخلع القناع بحرص يقول لمريم (هاتي أكل لارا يامامي لو سمحتِ) ..
+
أطاعته مريم بامتنان وأعطته طبق الطعام الخاص بها قائلة (شكراً يا كريم ، هانتعبك معانا)
+
جلس كريم على مقعد مقابل للطاولة الموضوعة في المطبخ وبدء في إطعام الصغيرة قائلاً (دي بنتي يامريم ، ماتقوليش كده) ..
+
-(ريان! ، فين ليلى؟) .. قالها سيف بضجر مُتسائلاً عن صديقته المُفضلة وأخته في الرضاعة ..
+
أجابه ريان (في أوضتها بتلعب مع آيات وعبدالرحمن) .. ركض سيف سريعاً ليلتحق برفقائه بينما تسائل كريم بحيرة على ذكر أبناء يوسف (يوسف وأميرة مش هنا ولا ايه؟)
+
نظرت مريم في ساعة يدها قائلة (لسه مخلصين نباطشية فالمستشفى وجايين حالاً)
+
أمسك ريان هاتفه ليجري اتصالاً مُهماً وعندما أتاه الرد استفسر (انتم فين؟)
+
جاوبه مصطفى بهدوء (في البيت)
+
طلب منه ريان بلين تقديراً للظروف التي يمرون بها منذ سفر هيثم لأهله في دبي بشكل طارئ (هات ريتاچ وتعالوا ، انهاردة عيد ميلاد ليلى وكلنا متجمعين)
+
رفض مصطفى بتهذيب (مش هاينفع ، ماقولناش لبابا)
+
حاول ريان إقناعه قائلاً (بابا كلمني وانا قولتله)
+
تحدث مصطفى بحزن (حضرتك عارف اننا مابنبسطش وهو مش معانا)
+
ألح ريان عليه بتعاطف (احنا مكان بابا لحد مايرجع بالسلامة)
+
ارتعشت نبرة مصطفى حتى أصبح على مشارف البكاء (مفيش حد فالدنيا زي بابا) .. تولت ريتاچ الجالسة بجواره مناقشة ريان باحترام (جدو هاشم توفى امبارح ، وعمو جواد قبله بإسبوع ، ماينفعش بابا يكون حزين ، واحنا هنا نفرح من غير مانراعي شعوره)
+
استسلم ريان قائلاً (خلاص يا حبيبتي براحتكم) ..
+
-(هيثم كلمك بجد؟) .. سؤالاً نطقه كريم بقلق بعدما أغلق صديقه الخط
+
أومأ ريان بتأكيد (كلمني امبارح يطمن عالولاد)
+
واصل كريم تساؤلاته (ايه الأخبار عنده؟)
+
تنهد ريان قائلاً (أبوه مات)
+
شهقت نجاة بخضة قائلة (ياحبيبي يا ابني، أبوه وأخوه فأسبوع واحد ورا بعض)
+
رددت مريم (لا حول ولا قوة إلا بالله ، ربنا يصبره)
+
بينما قال كريم بصدمة (إنا لله وإنا إليه راجعون) .. صمت لبرهة مضيفاً (متهيألي مش هايرجع مصر اليومين دول خالص)
+
أيده ريان (ما اعتقدش)
+
تدخلت مريم قائلة (المشكلة إن الولاد متأثرين جدا لعدم وجوده)
+
تكلمت نجاة (زمانه ياحبة عيني هايتجنن عليهم)
+
أكد ريان على كلامها قائلاً (ناره نارين حرفياً ، صوته وهو بيكلمني امبارح قطع قلبي ، الله يعينه ويقويه) .. وخلال تجاذبهم أطراف الحديث حضرت ريهام ، ألقت التحية ووضعت حقيبتها وماتحمله فوق الطاولة ثم أخذت لارا من زوجها لتطمئن عليها بلهفة قائلة (ألف سلامة يانن عين خالتو ، ان شالله انا بدالك)
+
قال الجميع في نَفسٍ واحد (بعد الشر عليكِ)
+
وفجأة صدح رنين هاتف ريان باتصال من يوسف ، مازحه بلوم مصطنع (مش عيب يبقى عيد ميلاد بنت اختك انهاردة وتروح الشغل ، ده انت خالها الوحيد ، ولا هو كلام وخلاص؟) ..
+
خرج يوسف مع أميرة من بوابة المستشفي مقر عملهما منذ انتقالهما للقاهرة قائلاً (خالها الوحيد وحماها المستقبلي)
+
اغتاظ ريان قائلاً (لما تشوف حلمة ودنك انت وابنك)
+
استقل يوسف سيارته برفقة زوجته ليغادرا (هانشوفها ياحبيبي ، وزي ما خدت اختي هاخد بنتك)
+
ضحك ريان قائلاً (واحدة بواحدة يعني؟ ، هي بقيت كده يادكتور؟)
+
شاركه يوسف الضحك وهو يدير مُحرك السيارة (هاعدي على تيتا وجدو اجيبهم في طريقي)
+
تفحص ريان الوقت قائلاً (ماشي وانا هاكلم بابا اشوفه فين)
+
فتح يوسف مكبر الصوت كي لا يتعرض للمخالفة المرورية يراقب الطريق أمامه قائلاً (أبوك مع طنط رويدا فالدار وهاييجوا مع ماما وسيلة كمان شوية)
+
-(الولاد بيعملوا ايه؟).. سألته أميرة لتطمئن على طفليها
+
جاوبها ريان بمرح (بيلعبوا فأوضة ليلى، بس بعد كلام جوزك هاتيجي تلاقي عبدالرحمن متعلق عالباب بره) ..
+
قالت ضاحكة (مش هايهون عليك).. استكملت مُتفقدة نواقص أدوية “لارا” التي طلبتها منها مريم (انا جيبت علاج لارا معايا)
+
شكرها ريان بارتياح (شكراً يا أميرة…)
+
بَتَرت جملته مُعاتبة (بتشكرني على ايه ياريان دي بنتي)..
+
استمر يوسف في مشاكسته (معلش أصله مؤدب ، والعيبة مابتطلعش من بوقه)
+
رد عليه ريان بتحذير زائف (يوسف! ، انت عيالك عندي ، اقصر الشر احسن لك)
+
أشارت مريم لزوجها أنها تريد محادثة أخيها فأردف (مريم عايزة تكلمك) ..
+
تناولت الهاتف بيد وبالأخرى ناولت “إلياس” الذي مازال نائماً لوالده ثم خرجت من المطبخ لتكلمه على انفراد .. بينما أمسكت ريهام العُلبة التي تحتوي على كعكة الشيكولاتة وفتحتها قائلة بتفاخر (أنا عاملة صينية كيكة بطريقة فاطمة أبو حاتي ، هتاكلوا صوابعكم وراها) ..
+
مد ريان يده يأخذ قطعة ثم أكلها قائلاً (حلوة بس اللي كنتِ عاملاها بطريقة نادية السيد أحلى)
+
كتم كريم ضحكته قائلاً (مادوقتش انت اللي بطريقة نجلاء الشرشابي ، حاجة كده تسفرك بره مشاعرك من حلاوتها)
+
أغلقت ريهام العلبة مجدداً قائلة باحتجاج على سخريتهما (طب مفيش كيكة ، عشان تعرفوا تتريقوا كويس)
+
خطفها ريان من أمامها يسألها (سيف أكل منها ولا لسه؟)
+
عَدّلت من وضعية نوم لارا بين أحضانها قائلة (لسه)
+
خبأها فوق رف عالي من أرفف خزانة المطبخ قائلاً (ماحدش هياكل منها تاني غير لما سيف ياكل الأول) .. تحرّك ليخرج متجهاً نحو غرفة ابنته كي يتفقد الوضع هناك لكن ريهام نادت عليه (ريان! ، مفيش آيفونات هاتيجي)
+
-(خليكِ في كيكتك اللي ماتتاكلش لو سمحتِ ، ومالكيش دعوة بينا) .. قالها وهو يصعد الدرج المؤدي لطابق الغرف متعجباً من عدم رؤيته لمريم بالأسفل فأدرك أنها إما في غرفة نومهما الخاصة أو عند ليلى..وعلى ذكر بطلة اليوم انفتح الباب وأطلت منه قرة عيون ريان ، وشمس حياته الدافئة ، وصغيرته البِكرية ، وثمرة عشقه الأولى .. توقف أمامها يراقب حركاتها وسكناتها متعجباً ، فسُبحان الله لم تُفوت تفصيلة واحدة من تفاصيل والدتها، تحمل جمالها ورقتها وطباعها الهادئة وتسرقٌ النظرِ مثلها .. ركضت نحوه بسعادة عندما لاحظت وجوده وخصلاتها الكستنائية الطويلة ترفُل خلفها ، تلقائياً فتح ذراعيه ليحتويها بينهما ويرفعها عن الأرض قائلاً بكل حب العالم الذي خُلِق في قلوب الآباء تجاه أطفالهم (وحشتيني ياليلة) ..
+
عانقته ليلىٰ بشدة قائلة (وانا كمان وحشتني أوي ياريان)
+
ضحك على عدم إجادتها استخدام ضمائر المُخاطب وقال (اسمها وانت كمان وحشتني ، أنا مش عارف ميس العربي بتاعك بتنيل ايه طول السنة)
+
زمت شفتيها بلطافة (مش بحبها)
+
سألها باستغراب (هي مين دي؟)
+
أجابته بحاجبين معقودين (ميس العربي)
+
أبعدها عنه برفق يدغدغها قائلاً (وكتكوتة ريان بتحب مين ان شاءالله؟)
+
قهقهت الصغيرة قائلة (ريان! ، انت الكتكوت)
+
وشوشها بحرج (وطي صوتك هاتفضحينا ، ماحدش يعرف موضوع الكتكوت ده غيرك انتِ وامك) .. أنزلها لتقف بجواره ثم احتوى كفها بخاصته متسائلاً (المهم ، ماقولتيش بتحبي مين؟)
+
جاوبته ببراءة (بحبك ، وبحب ماما ، وبحب ميس الرسم ، وبحب لارا ، وبحب بودي ، وسيف ، وآيات ، وكلهم)
+
-(وسيبتي كلهم فأوضتك وطلعتي برة ليه؟)
+
-(بودي بيتخانق مع سيف ومش عايزه يلعب معايا ، وآيات طول الوقت ماسكة الآيباد ، وانا زهقت مني)
+
-(قصدك منهم ، بس حبيبة أبوها حولة في لسانها ، اللهم صلي عالنبي عليا وعلى خلفتي يعني)
+
-(عليه الصلاة والسلام)
+
-(انتِ خايفة على هبلك من الحسد؟)
+
-(انت مش هبلة ياريان)
+
-(تعالي نشوف ماما ، وابقي فكريني اغير لك ميس العربي اللي منها لله دي)
+
وبينما كانت جالسة في غرفة نومها ، مُنكبة على جهازها اللوحي في صمت بحثاً عن آخر التطورات الطبية لعلاج ابنتها الصُغرى ، دخل عليها ريان برفقة ليلى ثم جلس بجوارها وأجلس طفلتهما على حِجره يضمها لصدره قائلاً (حبيبي قاعد لوحده ليه؟)
+
أغمضت عينيها مَتنهدة بألم (كنت بقرأ مقال عن حالة لارا)
+
قبل رأسها يقول بحزن (ربنا الشافي بإذن الله)
+
مسدت ليلى بيدها الحانية على كتف أمها قائلة (ماتزعليش ياماما ، لارا هاتخف ، انتِ بدعي لها كل يوم قبل ما انام)
+
حملت مريم صغيرتها ضاحكة (ياقلب امك ، انتِ محتاجة ظبط زوايا لضماير المُتكلم)
+
شاركها ريان الضحك (الموضوع دخل في سكة خطر على فكرة)
+
أخرجت ليلى ورقة مطوية من جيب منامتها الشتوية الثقيلة وأعطتها لوالدها (شوف رسمتي الجديدة ياريان)
+
-(قولنا مليون مرة إسمه بابا) .. حذرتها مريم لتُعدل سلوكها الذي لا يروق لها خاصةً أن باقي أطفال العائلة يقلدونها لكنه منعها بنظراته كي لا تضايقها ، ولأنه يحب حالة الصداقة التي تجمعه بابنته دون تكليف ، ومع مرور الوقت سيحاول تدريبها على مناداته بـ “بابا” باللين والتدريج ..
+
-(حلوة أوي ياليلة) .. جُملة صادقة نطقها ريان ليشجع ابنته المُولعة بالرسم والتصاميم الفنية ، وتتلقى دروساً مُكثفة لتنمية مهاراتها وتطوير موهبتها
+
ابتسمت والدتها بفخر قائلة (ممكن تشرحي لنا رسمتك يافنانة)
+
أشارت ليلى نحو الرموز التي خطتها بقلمها موضحة (القلبين الكبار انتِ وريان ، والـ Angel الأبيض لارا ، والشمس أنا) ..
+
طبع ريان قُبلة طويلة وعميقة فوق وجنتها ، يشعر بسعادة عارمة واطمئنان لأنها عَبّرت عن فهمها لأدوار أسرتهم الصغيرة ورسمتها بدقة مُتناهية قائلاً (براڤو عليكِ)
+
ابتهجت ليلى كثيراً وقالت (هاروح اوريها لبودي)
+
تنحنح ريان قائلاً بوجوم مصطنع (واشمعنى بودي؟، مش فيه سيف وآيات كمان؟)
+
استقامت واقفة وقالت (سيف أخويا، وآيات بنت) .. نطقت جملتها التالية متمايلة يميناً ويساراً بشقاوة (إنما بودي هاتجوزه)
+
اتسعت حدقتيه بصدمة ثم أمسكها من تلابيبها يُقرّبها منه قائلاً (خدي هنا يابت ، تتجوزي مين؟)
+
رمشت سريعاً قائلة (هاتجوز بودي ، خالو بيقول كده)
+
وزَّع بصره بينها وبين مريم التي تكتم ضحكتها بشق الأنفس قائلاً (شايفة عمايل أخوكِ؟)
+
حرّرت مريم ابنتها من قبضته قائلة (سيب البنت ياريان) .. عدّلت هِندام الصغيرة تحثها على العودة إلى غرفتها مُستكملة (روحي ياحبيبتي العبي فأوضتك)..
+
ركضت ليلى بحماس تاركة أبويها في مواجهة بعضهما البعض ، وبمجرد اختفاء أثرها واغلاقها الباب وراءها رفع ريان زوجته لتتخذ حِجره مقعداً ، وحركاتِ يداهٌ تعزف على منحنياتها التي ازدادت جمالاً لحناً أثيراً لا يسمعهٌ سواه ، ولا يٌثمل بهِ غيره قائلاً باشتياق وصل لآخر آخره (وحشتيني)
+
طوقت رقبته قائلة بدلال (بوحشك امتى وازاي؟، أنا ماببعدش عنك ثانية)
+
فك حجابها لينسدل شعرها معشوقه خلفها قائلاً بحب لم تغيره السنوات (بتوحشيني واحنا مع بعض يامريم) ..
+
أهدته ابتسامة مَليحة وعانقته دون حديث ، عناقاً لا يسمح للهواء بالفصلِ بين جسديهما ، وقلبيهما يتشاركان النبض .. هي له الكٌلٌ ، ورضا اللهٌ عليه ، وأنثاه ، وأُنسه ، وعِفته ، وإفطار صومه ، وزُهده فيما دونها ، وهو لها الحضور الأصدق من حضورها ، والوجود الأوقع من وجودها ، ودُنياها تبتدئ على كتفه ، وتنتهي على الآخر ، ومساحة صدره موطنها الآمن
+
-(ماتيجي نخلع أنا وانتِ يومين في شاليه العين السُخنة لوحدنا) .. همسها ريان ناثراً قبلاته بجانب شفتيها
+
مازحته بغنجها الذي يغريه (انا كل مابروح هناك برجع حامل ياريان)
+
-(وايه المشكلة ياعيون ريان؟)
+
-(نطمن على لارا الأول وبعد كده نفكر في الخلفة تاني)
+
-(عندك حق طبعاً ، بس ده مايمنعش إننا محتاجين نغير جو ، ونفصل من الزحمة اللي هنا شوية)
+
-(خلاص، شوف عايز تسافر امتى وانا موافقة) .. هَمّت بالوقوف لتعيد حجابها إلى مكانه لكنه اعترض مهمهماً بخفوت (استني ، رايحة فين؟)
+
اندست أكثر في حُضنه قائلة (خالو وطنط رويدا على وصول)
+
أطبق جفنيه مُنتشياً لقربها (انا مش هاعرف اتلم عليكِ انهاردة خالص؟)
+
حرّكت رأسها نفياً (لا، اتلم عليا بكرة)
+
سألها متذمراً (وليه مش بالليل؟)
+
ابتعدت عنه تتأمل ملامحه قائلة (ايه المناقشة دي بجد؟، انت بتفاصل في الوقت؟)
+
زفر حانقاً (آه بفاصل ، وإذا كان عاجبك، وكلمة كمان مش هانزلك من هنا لحد ما اشبع منك)
+
داعبت وجنته تسترضيه بطريقة لذيذة (انتِ تزعلي من حبيب عمرك ياكتكوتي؟)
+
رمقها باستنكار (حبيب عمر كتكوته ماعندوش دم) .. وضع كفه خلف رقبتها يهزها هزات متتالية وأردف (ولو ماجاش بالليل لابس القميص اللي بحبه بالذوق ، هاجيبه من غيره بالعافية)
+
رفرفت بأهدابها قائلة بإغواء مُتعمد (هاييجي بالذوق ياباشا والله ، بس سيبني دلوقتي انزل اشوف الناس اللي تحت عشان شكلنا مايبقاش وحش)
+
وافق على مضض وحرّرها فاستقامت تلملم شعرها وتغطيه بالوشاح منصرفة بهدوء بعدما أعطته كثيراً من القبلات تُصبّره بها حتى المساء كما تواعدا.. أما هو فعقد النية على تبديل ملابسه وأثناء تقليبه بين رفوف وأدراج الخزانة وقعت أنظاره على شيءٍ ما مطمور أسفل أغراضه ، أمسكه بريبة مُتفحصاً إياه ، ورغماً عنه ابتسم عندما تبيّن كُنهه ، إنه دفتر مُذكراته القديم ، وحافظ أسراره الكَتوم ، فتحه يقرأ ما خطه قلمه في الماضي ضاحكاً ، لكن خَبت ضحكته عندما وصل للجزء الذي نزفه وكتبه بدمه ودموعه خلال الفترة التي افترق فيها عن مريم ، لا إرداياً نزع تلك الأوراق ومزقها لقطع صغيرة ثم ألقاها داخل سلة القمامة ، اعتراه حنين لعاداته القديمة ، فجلس خلف مكتبه مُتناولاً القلم وبدأ بتدوين لحظاته السعيدة مُستفتحاً كلماته ؛
+
السلام على كل من مَرّ مِن هُنا مروراً كريماً وقرأ ، أعاذ الله قلوبكم من كل ما ذرأ وبرأ ، وشملكم برحمته وبركاته ، دعوني أشكركم أولاً على سِعة صدوركم وتحملكم لي في تخبطاتي وأوقاتي الحزينة ، والآن لا أعلم ماذا يجب أن أكتب ، ولا أستطيع وصف شعوري ، لكنني اشتقت إليكم كثيراً ، وافتقد حديثي معكم بشدة ، أتصدقون يارفاق أنني بلغت الخامسة والثلاثون من عمري ، ولم أعد ريان الإبن الوحيد لرجل الأعمال سعد زين الدين فقط؟! .. أنا وبعد سبع سنوات أصبحت زوج وأب ، واليوم تحتفل أسرتي بعيد ميلاد “ليلى” ابنتي الكُبرى ، ونور حياتي ، وأول ما رأت عَيني ، نسخة أمها المُصغرة شكلاً ، ونسختي أنا مضموناً .. لكم حرية التخيل إذا اجتمع جمال مريم ورقتها وحماقتها اللذيذة مع حنان ريان وعصبيته وتهوره في شخص واحد ، تُرى كيف سيكون؟! .. لا تخافوا يا أحباء طفلتي رائعة ، ورغم سنوات عمرها التي لم تتخطى السادسة إلا أن عزيزة أبيها تُدرك ما لا يدركه الناس بي ، هي نبضي وراحتي واستكانتي ، واتزاني حين يتوه عقلي وسط المسئوليات ، وصبري على ابتلائي في مرض شقيقتها ، أفديها وأفدي يدها التي تربت على كتفي ، وفمها الذي يُقبلني ويُطعمنى أحلى كلمات المواساة والمؤازرة، حفظها الله لي وعَفا عن أختها وشَفاها .. وعلى ذكر ملاك بيتي “لارا” حُزننا الدائم وانفطار أرواحنا ، اكتشفنا تعضل قلبها الصغير عقب ولادتها بأسابيع قليلة ، والأطباء أجمعوا أن سُكرتي الرقيقة مُصابة بضيق في صمامها الأبهري يعيق تنفسها ويجعلها عُرضة للفقد في أي لحظة إذا لم يتم لحاقها بقناع الأوكسچين والمواظبة على خطة العلاج حتى تبلغ السن الذي يسمح بإجراء جراحة تغيير الصمام ، وللأسف مُجبرين على الانتظار ، فمن كان منكم يحمل لنا مِثقال ذرة مِن حب يدعو لها بالتحمل ، ولي ولوالدتها بقوة الظهر .. أما عنها وبالتأكيد أنتم تنتظرون ذلك الجزء بفضول ، يا الله! ، ماذا أقول عن مريم؟! ، وهل ستسعفني لغتي لإنصافها؟! .. إنها جموحي الذي لا ينتهي.. وولعي الذي لا ينطفئ ، وولهي الذي بلا حدود ، واشتهائي الأبدي، ورغبتي العمياء.. أكون في حضرة هشاشتها رجُل ، وأذوب بين أحضانها كالطفل، وأرتديها قميصاً أبيضاً أترك آخره عمداً دون إغلاقِ ليكشفَ عن صدري المُزين بسلسال فِضي أُعلق عينيها فيه .. مريم بسمتها عِزوَتي وعِزي ، ولذراعَيْها قدرة خارقة على ترميمي .. أحاديثُها في الليل رزق ، وتحيتها في الصباحِ عطر ، ونظرتها زغرودة حُب .. باختصار مريم “عيون ريان ، وحبيب عُمر ريان ، والهوا اللي بيتنفسه ريان” .. وبالطبع لن أنكر أننا مثل أي زوجين نتعرض للخلافات والمشاكل ، وأخطر مشكلة واجهتنا بعد مرض ابنتنا كانت اعتراف خالتي نُهى قبل وفاتها بشهور أن محمود الصرّاف لا رحمه الله ، وأسكنه الجحيم خالداً مُخلداً قتل عَمتي وزوجها من أجل تسيير مصلحته الشخصية ، وأكدت على عدم معرفة أمي بهذا الأمر المُشين ، لكننا عبرناها بسلام .. وهدأنا واستمعنا بود لبعضنا البعض ، واستعنا على الشيطان ببعضنا البعض ..
+
يارفاق قرّبوا آذانكم سأخبركم سراً لكن رجاءً خففوا صيحات التهليل ، والدتي صارت أعظم أم وجَدّة في العالم ، خاصةً بعد افتتاح الدار وتوطيد علاقتها بالسيدة وسيلة ، آه نسيت إبلاغكم أننا افتتحنا الدار مجدداً في حفل كان الأكبر والأكثر تأثيراً على الإطلاق ، وبجانب رعاية الأيتام توسعنا بمباني للاهتمام بالمُسنين ، وتحولت “رويدا هانم” الأرستقراطية ، حفيدة أوغلو أغا ، سليلة البشوات لامرأة جديدة تماماً ، ولن أخفي عليكم أنني أعشق قهوتها المُحوجة بوصفة “تيتا ديدا” ، وأحتاج إلى لمستها حين تُدثر همومي بوشاح حنانها ، وأشد وثاق شبابي وأعوض طفولتي الضائعة على صدرها ، وأحبها بمقدار السنوات والآلام التي حرمتني من اتخاذ حِجرها وسادة لرأسي المُتعبة ، ولا يمر يومي إلا بسماع صوتها ..
+
يا أصدقاء ألا تريدون الاستسفسار عن شخص آخر؟ ، أسمع مطة نبراتكم وأنتم تهتفون شاهقين بـ سعوووودي ، لا تقلقوا سعودكم ، وسعودي ، وسعود رورو صحته تحسنت على التقاعد بعدما ترك إدارة الشركة لي ، وتركت أنا الشركة الجديدة تحت إدارة كريم وهيثم ، وشغله الشاغل حالياً الإفراط في دلال بناتي ، والجلوس برفقة جدي وجدتي، ومُغازلة أمي والمساهمة في ارتفاع ضغط دم المُحيطين بهما ، لا بأس ، أبي حبيبي ويفعل مايحلو له ، أدامه الله وأطال عمره هو وزيزو ، وبطة ، بركتنا ، ورُكننا الآمن ، واستقامة أمرنا ..
+
يارفاق أنتم عشرة طويلة وتعرفون خبايا حياتي كُلها دون نقصان .. واسمحوا لي أن أعبر عن امتناني لباقة الزهور المحيطة ببيتي .. جيراني الأعزاء ، وعائلتي ، والجدران التي أستند عليها وقت أحتاج للسند ، لنبدء بالأقرب لقلوبكم ولقلبي “كريم” أخي ، وحظي الحُلو من الدنيا .. توأم روحي المُتردد ، وحمار دربي التائه استقر أخيراً ووجد ملاذه في الزواج وتكوين أسرة ، أبنائه أبنائي ، وإخوة بناتي في الرضاعة فالفرق بين سيف وليلى شهور ، وأيضاً إلياس ولارا وُلِدوا في عام واحد ، وتولت ريهام إرضاع الطفلتين نظراً لضعف مريم ونقص لبنها ، فصار أولادنا أشقاء ، وغدونا آباء وأمهات لهم جميعاً ، ودوماً علاقتي بـ “سيف” خاصةً تثير استيائهم ، وحنقهم ، وغيرة كريم ، يلقبونه بمُدلل ريان ، وهو كذلك فعلاً .. هذا الشقي ، الثرثار ، خطي الأحمر الذي يخشى الهواء الاقتراب منه طالما أنا موجود ، أتذكر يوم ولادته وكأنه البارحة ، لقد حملته بين أحضاني قبل والده ، وشعرت معه بالأبوة قبل أن أصبح أب ، وسأظل أدلله كيفما أشاء وليضربوا رؤوسهم في أعرض حائط (الغيران مِنا ، يفعل مثلنا)
+
أما “هيثم” وأولاده فمنزلهم الأكثر هدوءً بين منازلنا ، مكان تشعر فيه بالراحة وكأنه قطعة من الجنة ، وعنهم يقول جدي أنه خير البيوت لأن به أيتام يُكرَمون وهذا حقيقي جداً ، واستطاع هيثم خلق رابط أسري بينه وبين “ريتاچ ومصطفى” أقوى من الرابط الذي يجمعنا بأولادنا من أصلابنا ، أحسن تربيتهما ، وأحبهما حُباً كبيراً ، ولم يبخل عليهما بمالٍ أو جُهد ، أدخلهما أفضل المدارس ، وحرص على تعليمهما حرصاً بالغاً ، ورفض الزواج رفضاً قاطعاً من أجل التفرغ لرعايتهما وللأسف تلك الأيام يمر بظرف صعب واضطر للسفر إلى دبي فور تلقيه خبر تعرض شقيقه ووالده لحادث سير مُروع على أثره فقدا حياتهما خلال إسبوع واحد ، كان الله في عونه، وربط على قلبه وقلب أمه وزوجة أخيه ، وأعاده لأبنائه بالسلامة..
+
والبيت الأخير أو كما نسميه (بيت العز يابيتنا، على بابك عنبتنا) .. بيت يوسف ، غريمي الحبيب ، وخصمي الغالي ، خال البنات ، وكبيرنا ، وجامع شملنا الذي تسرّبت محبته لقلبي مع الهواء ، واليوم أعترف ، وأقر أنا المذكور أعلاه الساكن بجواره من الجهة الشرقية أنني أحبه كثيراً ، وأعتبره بمثابة شقيقي الأكبر ، لكنه يتعمد إغاظتي يا رفاق ويهددني بتزويج ليلى ابنتي لعبدالرحمن ابنه ويظنني أتضايق ، من قال ذلك؟ … أنا لاااا أتتتتضضضااااايق أبداااا .. أتعلمون ما يضايقني حقاً؟ ، ميل الحمقاء لابن خالها (بتفكرني بواحدة كده) .. والأغرب أن الولد يتعامل معها كأنها خطيبته (بيفكرني برضه بواحد كده) ، وأشعر أنني أقف في المنتصف بينهما كقُرطاس ضخم من بِذر القرع ، لا لست قُرطاس ، أنا مَحمصة بأكملها ، لكنني لااااا اتتتتتتضاااايق أبداااااا …. حسناً ، صبراً يا يوسف ، صبراً أنت وولدك الوغد ..
+
هل تظنون أنني نسيتها؟ ، وهل أقدر على نسيان طوق نجاتي وأمي الثانية التي انتقلت للعيش معي بإقامة كاملة بعد وفاة زوجها؟ ، غاليتي تقدمت في السن وأصبحت ثقيلة الحركة لكنها مازالت خفيفة القلب وتخاف عليّ وعلى زوجتي وطفلتينا خوفاً مُضاعفاً ، لا تعلم أنني أخاف عليها أكثر ، وتبادلت الأدوار معها، أصبحت أنا الذي يدخل غرفتها ليطمئن ويدثرها أثناء النوم ، وأقبل يدها التي ربتني وأضمها دوماً في دعائي أن يحفظها الله لنا ويديمها نعمة..
+
أصدقائي! ، أعرف أن الوداع صعب ولا أحبه لكن رجفة قلبي وأنا أكتب الآن تؤكد لي أن الرحلة انتهت ، كنت أرغب في قضاء وقت أطول معكم لكن للأسف تلك هي سُنّة الحياة ، لكم مني جزيل الحب ، والامتنان ، كنتم خير رِفقة وأجمل صُحبة ، دُمتم سالمين ، وأعدكم أنني سأطمنكم علىّ ، وسأفتح هذا الدفتر مجدداً لأكتب لكم ، إلى لقاء قريب يا أحبتي، وأستودعكم الله حتى إشعار آخر من الكاتبة التي تقول عني بطلها المُفضل (مش عارف والله لو ماكنتش مُفضل كانت عملت فيا ايه أكتر من اللي عملته ، يلا منها لله) ….
+
صديقكم ، وكتكوتها ، وبطل نيللي العطار المُفضل / ريان سعد زين الدين
+
***************
+
النهاية …
+
تمت بحمد الله….
