روايات حصرية

رواية عودة من هاوية كاملة وحصرية بقلم خولة محمد الفاتحي

رواية عودة من هاوية كاملة وحصرية بقلم خولة محمد الفاتحي


رواية عودة من هاوية
الفصل الأول:
كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا، والمدينة غارقة في سكون مخيف، إلا من ضجيج السيارات المتقطّع وصوت الرياح الباردة التي تعصف بالأزقة الخاوية. في شقة صغيرة بإحدى العمارات القديمة، جلس “ياسين” على طرف السرير، وعيناه متسعتان تحدقان في السقف وكأنه يبحث عن إجابة لضياعه.
كان ياسين شابًا في السابعة والعشرين من عمره، وسيم الملامح، لكن تعابير وجهه كانت تعكس الألم الذي يعيشه. بين يديه علبة سجائر فارغة، وفي جيبه الآخر بقايا من بودرة بيضاء، تلك المادة اللعينة التي أصبح أسيرًا لها.
تذكر ياسين حياته قبل أن يسقط في هاوية الإدمان…
كان يومًا طالبًا متفوقًا في الجامعة، محبوبًا من أساتذته وزملائه. حلمه كان أن يصبح مهندسًا ويغير حياة عائلته الفقيرة. لكن الحياة لم تكن رحيمة.
بعد وفاة والدته المفاجئة، تغيّر كل شيء. وجد نفسه غارقًا في الحزن والفراغ، ولم يستطع تحمل المسؤولية التي تركتها والدته على عاتقه.
ذات يوم، وفي أحد الحفلات، قدم له صديق قديم سيجارة محشوة بشيء غريب، قائلاً بابتسامة ماكرة:
ــ “جرب يا ياسين… هتنسى كل مشاكلك.”
تردد قليلًا، لكنه في النهاية استسلم… وكانت تلك اللحظة هي بداية الانحدار.
في البداية كان الأمر مجرد تجربة، ثم أصبح هروبًا من الواقع، إلى أن تحول إلى عادة قاتلة لا يستطيع التخلص منها.
عاد ياسين إلى الحاضر، حيث صوت هاتفه يرن بلا توقف. كانت المتصلة أخته الصغرى “سلمى”، التي أصبحت تتحمل عبء العائلة بعدما انهار هو.
أجاب بصوت متعب:
ــ “ألو…”
ــ “فينك يا ياسين؟! إحنا محتاجينك… بابا حالته تعبانة جدًا!”
ارتعش جسده، وأحس بقبضة باردة تعتصر قلبه. لكنه لم يتحرك من مكانه.
كان مدركًا أن حالته لا تسمح له بمواجهة والده، ذلك الرجل الذي كان يومًا ما مثله الأعلى، والآن يخجل من النظر في عينيه.
تساقطت دموع ياسين بصمت، وشعر بثقل العالم على كتفيه.
همس لنفسه:
ــ “هل يمكنني النجاة؟ أم فات الأوان؟”
استلقى ياسين على السرير، والدموع تنساب بهدوء على وجنتيه. كان يشعر بالعجز والضعف، وكأنّه سجين داخل جسده، محاط بجدران من الندم والخوف. صوت سلمى لا يزال يرن في أذنيه: “إحنا محتاجينك يا ياسين!”
لكن كيف سيعود؟ وكيف سيواجههم؟
نهض ببطء من السرير، وتوجه نحو النافذة. فتحها على مصراعيها، وترك الهواء البارد يلفح وجهه. كان الشارع أسفل العمارة خاليًا تقريبًا، إلا من بعض السيارات العابرة وضوء مصابيح الشارع الذي بدا باهتًا وكئيبًا.
أخرج من جيبه تلك البودرة البيضاء، نظر إليها مطولًا وكأنها عدو يلاحقه بلا رحمة. بدأ عقله يعيد شريط ذكرياته…
تذكر وجه والدته الراحلة وهي تنظر إليه بفخر يوم تخرّج من الثانوية. كان ذلك اليوم من أسعد أيام حياته. والدته، رغم بساطتها، كانت ترى فيه أمل العائلة، وكان هو يرى في عينيها الحلم الذي لا يريد أن يخيّب ظنها فيه.
لكن الآن… كل شيء تغيّر. أصبح مجرد نسخة باهتة من ذلك الشاب الطموح.
رن الهاتف مرة أخرى، وهذه المرة كان صوت سلمى أكثر قلقًا:
ــ “ياسين، لو سمحت تعال بسرعة! بابا تعبان أوي… مش هيستحمل أكتر من كده.”
ارتعشت يداه، وأغلق الهاتف دون أن يرد. جلس على الأرض، ووضع رأسه بين يديه، محاولًا كتم صرخاته.
فجأة، عاد صوت والدته في رأسه، كما لو كانت تقف بجواره:
ــ “ياسين، لا تهرب من نفسك… النور دايمًا موجود حتى في أحلك الظلمات.”
رفع رأسه ببطء، ومسح دموعه. ثم، بحركة مفاجئة، رمى تلك البودرة في المرحاض وضغط على السيفون. وقف لوهلة يتأمل الماء وهو يجرف كل شيء بعيدًا.
همس لنفسه بصوت خافت:
ــ “كفاية… لازم أبدأ من جديد.”
ارتدى معطفه، وتوجه نحو الباب. وهو ينزل السلالم بسرعة، شعر بشيء يشبه الأمل يتسلل إلى قلبه.
حين خرج إلى الشارع، كانت الرياح الباردة لا تزال تعصف، لكنها بدت وكأنها تحمل نداءً جديدًا… نداءً للحياة.
خطوته الأولى نحو العودة… بدأت الآن.
بقلمي خولة محمد الفاتحي
الثاني من هنا
زر الذهاب إلى الأعلى