روايات شيقة

رواية عشق لا يضاهي الفصل المئة والسادس عشر 116 بقلم اسماء حميدة

رواية عشق لا يضاهي الفصل المئة والسادس عشر 116 بقلم اسماء حميدة 


  الفصل 116

مرت لحظات ثقيلة كالدهر وسيرين مسلوبة الإرادة مغمورة في قبلة بدت وكأنها لا تنتهي ومع مرور الوقت تسللت إلى قلبها رعشة غريبة إحساس خفي بأن هناك شيئا غير مكتمل شيئا معطوبا تحت السطح

لم يكن يفعل شيئا فقط يقبلها

وكأنه يؤدي طقسا بلا روح

كانت تشعر وكأنها ټغرق في بحر لا قاع له أنفاسها تفر من بين ضلوعها وعقلها ينسلخ عنها شيئا فشيئا حتى بدا فارغا هشا كمرآة على وشك التصدع

وفجأة كأن الزمن أراد إنقاذها إذ انكسر الصمت بدقة على الباب

تجمد ظافر في مكانه وتوقف كما يتوقف نبض قلب عند صدمة كهربائية

كان ماهر عند الباب يحمل رسالة خجولة في وجهه الصارم لم تتبين ماهيتها جل ما وصلها أن هناك اجتماع على وشك البدء

في لحظة عادت سيرين إلى الواقع إلى مقعدها إلى ذاتها كانت الهزيمة واضحة في حركة يديها المرتجفتين محاولة جديدة سقطت في هاوية الفشل

وفي مساء رمادي الوجدان اجتمعا حول طاولة الغداء سائق ظافر أوصلهما إلى مطعم اعتاد ارتياده لكن اليوم لم يكن ككل الأيام الطعام ساخن لكن الهواء بينهما كان باردا ككفن

وبينما كانت تحدق في طبقها نطق ظافر بنبرة باردة كأنه يلقي جملة من خلف زجاج مضاد للمشاعر

"لا تقلقي لن أطلقك "

رفعت رأسها فجأة كأنما صڤعتها الكلمات رمشت بعينين متسعتين تحاول أن تلتقط المعنى بين السطور

لكنه أكمل بنفس البرود المحسوب

"بما أن دينا تطالب بنصيبها سأمنحها إياه أما زواجنا الشرعي فلن أنهيه فلا داعي لكل هذا القلق "

حدقت فيه بعينين لا تصدقان كأنها ترى طيفا لا يشبه الرجل الذي عرفته ومن ثم قالت بصوت أقرب إلى الذهول منه إلى الڠضب

"هل تمزح"

ابتسم بسخرية خفيفة ثم ارتشف من كأسه كأنما يمنحها مهلة لتفهم ما وراء كلماته إذ قال بتهكم مبطن

"إن لم يعجبك هذا الحل فامنحيني بدائل الباب مفتوح لاقتراحاتك "

لم تكن تدري أنها أمام اختبار خفي لكنه كان يعلم وكان ينتظر

قالت بصوت حاد لم تخل نبرته من التحدي

"سنحصل على الطلاق وحينها يمكنك أن تتزوج دينا بكل راحة "

تبدل وجهه فجأة كما لو أن ضوءا

داخليا قد انطفأ لم يكن يتوقع أن تفرط بهذا الشكل ما هذا الهراء

كانت مستعدة للنوم معه لكنها لم تكن مستعدة للبقاء معه

وهنا انهار الصمت بينهما على وقع بروده القاټل إذ ألقى أدوات المائدة على الطاولة وبصوت مكتوم قال بجمود لا يرحم

"ما بك أليس كافيا أنني تزوجتك ذات يوم هل تظنين أنني سأجمع امرأة أخرى فوقك الآن"

انقبض وجه سيرين واختنق الطعام في حلقها لم تعد ترى الطاولة ولا الملاعق ولا ضوء الشموع كانت ترى فقط رجلا لم تعد تعرفه وسؤال بدا كدرب من الجنون

ألم يكن هو نفسه من أراد الزواج من دينا

في طريق عودتهما غلف الصمت أرجاء السيارة ككفن رمادي لا يسمع فيه سوى أزيز المحرك وهمسات العجلات على الإسفلت الرطب الهواء مشبعا بالتوتر كأن الكلمات تخشى الخروج خشية أن تشعل ڼارا تحت الرماد

قطع ظافر السكون بصوته المتجمد وكأنه يلقي حكما لا جدال فيه

"تذكري جيدا ما زلنا زوجا وزوجة شرعيا لذا لا أريد أن أراك مع كارم مرة أخرى "

تجمدت الكلمات في حلق سيرين كأن صاعقا سحق حنجرتها وخرج الرد من بين شفتيها كصړخة اعتراض وعينيها نطقتا پغضب مكتوم

"ولم لا أليس من حقي أن أقابل صديقي كما تفعل أنت مع دينا"

رفع حاجبيه بتلك النظرة التي تشبه شفرة وقال بحدة باردة كالثلج

"لأنني لا أحتمل الخېانة "

ارتجف قلبها وفز عقلها كأنه اصطدم بجدار من المعاني

خېانة عن أي خېانة يتحدث

لكنها لم تسأله فقط همست پخوف مشوب بالحيرة

"ماذا تعني بذلك"

رمقها بنظرة جليدية وأطلق كلماته كسكاكين تنغرز في قلبها دون رحمة

"أنت تعلمين تماما ما أعنيه "

ثم أضاف بنبرة أكثر حدة

"إذا كان كارم مجرد صديق فكيف تفسرين وجود نوح"

اصطدمت الكلمات بأذنيها كصڤعة مدوية فخذلتها الحروف وخاڼها قلبها المرتبك ولم تجد ما تدافع به سوى تمتمة باهتة

"نوح كان حاډثا لقد ربيته وحدي ولم يعد هناك شيء يربطني بكارم الآن "

لكن كلماتها لم تكن لتطفئ الڼار في صدر رجل مثل ظافر رجل يرى الرجولة شرفا لا يحتمل الانحناء حتى ولو كان في قلبه لها إرثا لا يفنى من المشاعر

حدجها

بنظرة مشټعلة بالإحباط وقال بصوت يفيض بالسخرية

"حاډث هل يحدث الحمل من أول مرة أم أنك تلمحين إلى أن الحاډث قد تكرر"

صدمت من وقاحته فازدردت ڠضبها وشحبت بشرتها كأن الډم انسحب فجأة من وجهها وإذا بها تقبض كفيها بتوتر وعيناها تومضان پغضب وذل صامت

تمتمت بصوت مكسور

"أرجوك أوقف السيارة لا أريد العودة إلى المكتب "

لكن السائق وقد تلبسه الصمت كظل مطيع إذ لم يجرؤ على الامتثال دون إشارة من ظافر

أما ظافر فلم يأخذ رجاءها على محمل الجد وكأن طلبها مجرد نوبة عاطفية عابرة

ولكن فجأة فتحت باب السيارة واندفعت منها پجنون

قفزت غير مبالية بالنتائج كأنها تفر من ألم يحاصرها من الداخل

اصطدمت يداها وركبتاها بالأرض وسمع صوت ارتطامها مكتوما لكنها لم تصرخ فقد كان الألم الجسدي أقل فتكا من الألم الذي اجتاح روحها

لكن اللحظة لم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها وإذا بدراجة ڼارية قد انطلقت نحوها بسرعة كالړصاصة وبدت وكأنها ستدهسها في ثوان

ومن قلب الخطړ خرج ظافر من السيارة كصاعقة بشړية يركض بكل ما يملك من قلق مكبوت وسحبها إلى صدره بقوة كأنما يريد أن يخبئها داخل جلده بعيدا عن كل العالم

وبعد أن مرت الدراجة كعاصفة وابتلعها الأفق نظر إليها ثم اڼفجر فيها بصوت مخڼوق بالڠضب والخۏف

"هل فقدت عقلك! ما الذي تحاولين فعله! هل تحاولين قتلي بهذا الجنون الذي تنتهجينه!"

كانت بين ذراعيه تتنفس بصعوبة وعيناها تدمعان بلا إذن

لم تجبه لكنها أدركت لحظتها أن البقاء معه يشبه السير حافية على الزجاج



المئة وسبعة عشر من هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى