روايات شيقة

رواية روح وريحان الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم ايناس عادل

رواية روح وريحان الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم ايناس عادل

الفصل الحادي والعشرون

مر يومان انقطعت فيهما علاقة “يوسف” و”رنيم” .. ولم يرى أحدهما الآخر ولم يتحدثا .. واحتفظ كل منهما بقوته وكبريائه .. “رنيم” إلى الآن لا ترى أن الأمر يستدعي ما فعل “يوسف” .. كانت تتمنى أن يأتي ليحاورها ويتناقشان فيما فعلت .. تمنت لو يأتي لتخبره بوجهة نظرها ويخبرها بوجهة نظره .. هي تربت على فكر معين وطريقة معينة .. كيف يريدها أن تتشكل لأجله وتتغير لأجله .. ولماذا لا يتغير هو لأجلها .. ولماذا يجب أن يصلح أحدهما عيوب الآخر .. لماذا لا يتقبلها كما هي .. كما تقبلته كما هو .. وأحبته كما هو .. لماذا فعل ذلك حين قررت أن تخبره بحبها .. وتخبره بحاجتها إليه .. قررت أن تخبره أنها تطمئن إلى جواره وتسعد بصحبته .. فجأة يأتي هو بكل وضوح يخبرها أن أفكارك لا تناسبني ..

“يوسـف” .. لم يرد للأمور بينهما أن تصل إلى ذلك .. ولكن فاجأه أن يتكلم أحدهم عن قوة زوجته وشخصيتها العنيدة أمامه أو حتى من وراء ظهره .. أو يتوعد لها أحدهم لأنها فعلت الحق .. لم يكن ضدها أن فعلت ما فعلته .. ولكن أن تفعله كأنها تعيش وحدها ولا تحتاج إليه .. أن تشعره أنها ستظل كما هي بوجوده أو دونه .. ما الفارق إذا بين ما تفعله الآن وما كانت تفعله قبل زواجها به .. لماذا دائما تريه أنه لا يمثل شيئا بالنسبة لها .. وتريه أنها لا تحتاج لكنفه وحمايته .. لماذا لم تحبه إلى الآن .. ولم تكن لها ما يكنه هو لها من مشاعر .. كل كلامها المعسول إليه لا تقوله إلا تحت طلبه .. بل لا تقوله حتى يلح عليها في القول .. أليس من حقه أن يستمتع بحبها له كما تفعل هي .. أم أنها ترى أن حبه لها شئ واجب الحدوث ..

طيلة الفترة الماضية كان لقاؤهما يوميا ليس فقط لتوصيلها لعملها .. بل أصبحت عادتهما أن يتناولان طعام الإفطار والغداء معا .. منذ يومين أصبح الطعام لهما مجرد سد رمقهما وفقط ..

لم يكن في بيته إلا هو و”روح” .. وجدها تجلس في غرفة المعيشة فذهب يجلس معها .. فريحانته غائبة .. وأحيانا تحل “روح” محلها ..
جلس جوارها على الأريكة قائلا :
– بتعملي ايه يا برنسيسة ..

رفعت رأسها تنظر إليه قائلة :
– انت صحيت يا عمو ..

ابتسم “يوسف” قائلا :
– لا لسة نايم .. باخد استراحة وراجع تاني ..

ضحكت قائلة :
– لا انت صحيت اهو .. انا اصلا كنت هاجي اصحيك علشان مبقاش لوحدي ..

ضحك قائلا :
– انتي بتعملي ايه .. وايه الكتب دي كلها ..

أمسكت إحدى الكتب قائلة :
– انا بقرأ .. اصل انا سألت بابا احنا ازاي بقينا موجودين .. يعني مين اول اول حد جه .. والحيوانات كانت موجودة اول ولا الانسان .. طيب النباتات والشجر ازاي اتزرعت من غير ما يبقى فيه لسة ناس جم الدنيا .. فهو جاب لي الصور والكتب دي وقال لي دوري واللي مش تفهميه اسأليني ..
ثم وقفت تدبدب بقدميها قائلة بغضب :
– بس سابني ومشي .. وقالي عنده شغل مفاجئ .. هو يعني دكتور ومستعجل ..

ضحك “يوسف” قائلا :
– عيب تقولي كدة على بابا .. وبعدين مش لازم يكون دكتور علشان يبقى مستعجل يا لمضة هانم .. عاوزة تسألي في ايه وانا اقولك ..

ابتسمت قائلة :
– هتعرف ؟! ..

ضحك قائلا :
– هحاول .. معلش بقى اعذري جهلي ..

أمسكت إحدى كتبها قائلة :
– ماشي .. شوف يا عمو الصورة دي .. بيقول ان اول حاجة كانت على الارض بدات من البحر .. يعني كان فيه حاجات كدة عايشة في البحر .. وبعدين بدأت تتطور مع الوقت ..
ثم سألت :
– فاهم يعني تتطور ولا افهمك ..

– لا فهميني ..

وضعت كتابها وهي تشير بيدها قائلة :
– تتطور دي يعني مثلا مثلا حيوان معندوش ايدين فيعوز انه يمسك حاجة او يحتاج ايدينه في حاجة فربنا يخلق له ايدين .. فكدة حصله تطور .. فهمت ..

– اه فهمت ..

نظرت له قائلة :
– طيب ليه بتضحك بقى ..

وضع “يوسف” يده على فمه ثم قال :
– مش هضحك خلاص .. وبعدين انا مبسوط بيكي .. كملي يلا ..

التقطت الكتاب الملون والملئ بالصور ثم قالت :
– في الصورة دي بقى بتقول ان بعد ما حصل التطور لوقت طويييييييل جدا .. اول حاجة ظهرت كانت قناديل البحر والديدان المفلطحة .. وبعد وقت طوييييييل تاني .. ظهرت في البحر حيوانات تانية اسمها الحيوانات القشرية .. عارف ليه اسمها قشرية ..

رفع “يوسف” كتفيه قائلا :
– لا عرفيني..

وضعت كتابها لتشرح ما تريد بيدها كما فعلت قبل ثم قالت :
– حيوانات قشرية .. يعني جسمها بتغطيه قشرة صلبة .. جامدة يعني ..

تبسم “يوسف” قائلا :
– برافو وبعدين ..

أمسكت كتابها مرة أخرى وهي تشير لإحدى الصور قائلة :
– الحيوانات القشرية دي زي الجمبري دة .. وسرطانات البحر دي ..

ولم يلبثا أن يتناقشا ويتحاورا وتسأله أسئلة في نظره تافهة أحيانا وعميقة أحيانا أخرى .. يجيب إن استطاع .. وإن لم يستطع يبحث معها عن إجابة ..

حتى وصل “باسل” .. رآهما فابتسم وهو يقول :
– انت وقعت تحت ايديها ..

رفعت “روح” نظرها لأبيها قائلة :
– بابا .. ليه ما قلتش سلام عليكم ..

ضحك “يوسف” قائلا :
– اخرج برة وتعالى قول سلام عليكم ..

وقف “باسل” وهو يقول مبتسما :
– انا اسف .. السلام عليكم ..

ردا السلام .. ثم جلس معهما أرضا فقال :
– خلصتي ولا لسة ..

جلست على قدم “يوسف” قائلة :
– اه عمو قالي كل حاجة .. ومش عنده شغل مستعجل ..

ضحك “باسل” قائلا :
– يعني مش عاوزة مني حاجة وامشي انا بقى ..

قامت عنده تقبله ثم قالت :
– لا معدتش تمشي بقى .. والله انا بزعل ..

قبل رأسها قائلا :
– تزعلي .. وانا مقدرش على زعلك يا قلبي ..

ابتسم “يوسف” وهو يربت رأسها قائلا :
– ماشاء الله يا باسل .. البت دي عالمة أحياء بالفطرة ..

ابتسمت “روح” بزهو وهي تنظر لأبيها الذي قبل وجنتيها وهو يضمها لصدره ..

** ابنك أمانة .. اكتشف مواهبه .. هواياته .. وميوله ونميها له .. بدلا من أن تنمي رغباتك أنت وآمالك أنت فيه **

** إياك أن تقول لابنك “بكرة لما تكبر هتعرف ” .. ببساطة هذا إقرار منك بضعف موقفك أمامه .. وبكل بساطة تقول له عفوا لقد فشلت في جدالي معك .. أنت محق يا بني فيم تقول .. وعادة ما يصدق قناعاته الخاطئة بسببك أنت **

** ليس لأنك تريد لابنك أن يصبح طبيبا أو مهندسا أن تكون على صواب وتريد مصلحته .. ابنك سيد قراره .. اتركه يفعل ما يحب طالما كان على صواب .. أفسح لابنك مجالا للإبداع **

** لا تأمر ابنك بفعل أشياء لا تفعلها أنت .. كأن تأمره بألا يكذب وهو يراك كاذبا .. وتأمره أن يهتم بالنظافة ولا يلقي القمامة في الشارع في حين تفعلها أنت أمامه بكل فخر .. عفوا .. إن لم تستطع التحكم في نفسك فكيف بالله عليك عليك تريد التحكم في ابنك .. وليس دورك أن تتحكم في ابنك **

———————-

وعادت “ريحانة” .. بعد عشرة أيام أفادتها بشدة .. عادت قوية مستقلة .. لن تضغط على نفسها حين تكلم “باسل” .. ولن تبكي وحدها .. ولن تفعل شيئا لأجل أحد .. ستعيش بعض الوقت لنفسها .. تنعم بهدوء الحياة حولها وإن أسموه برودا فليسموا ما يشاءون .. المهم أنها سعيدة .. قابلت جدها في الحديقة فركضت نحوه تعانقه بشدة .. ولأنها دخلت تصيح .. فقد سمعها أهل البيت كله .. وخرجوا على صوتها .. فوقفوا جميعا ينظرون لها من شرفتهم المطلة على الحديقة .. سعد “يوسف” برؤيتها وصاح قائلا :
– كفاية يا بنتي .. هو انتي غايبة بقالك سنة ..

ولم تطق “ريم” الانتظار فركضت هي الأخرى للأسفل لتصل لها .. وكان “باسل” مشاهدا صامتا .. أو فضل أن يبقى مشاهدا مستمتعا برؤيتها .. وسعيدا بفرحتها ..

عانقت “ريم” بشدة ثم صعدت لخالتها تسلم عليها و”يوسف” .. ثم خرجت لها “روح” ترتمي بين ذراعيها .. ثم أخيرا ظهر الفارس الهمام .. اقترب منها قائلا :
– ازيك يا ريحان .. حمد الله ع السلامة ..

ابتعدت عن “روح” ثم وقفت تنظر له قائلة :
– انا بخير الحمد لله .. الله يسلمك ..

الملاحظة الأولى .. لم تضطرب ولم تجفل وهي تحدثه ..
الملاحظة الثانية .. لم تنفعل عليه كرد فعل دفاعي ..
الملاحظة الثالثة .. مبتسمة ابتسامة صافية غير مفتعلة وغير مجاملة ..

يحب حركة عينيها حين تجفل .. وحمرة خديها حين تخجل .. عض شفتيها حين تضطرب .. لماذا اختفت كل هذه الأشياء ..
سحبتها “ريم” من أمامه وأخذتها لغرفتها .. حنق على “ريم” لأول مرة .. واختفى في غرفته .. بينما نظر لهما “يوسف” وهو يهز رأسه ساخرا ..

في غرفة “ريم” جلستا على سريرها وقالت “ريم” :
– كدة اهون عليكي تبعدي عني المدة دي كلها ..

قبلت “ريحانة” وجنتها قائلة :
– ولا عمرك تهوني عليا .. بس كنت محتاجة الفترة دي جدا .. وكمان هروح تاني بس فترة اطول شوية .. جيت استأذن جدو الأول ..

وجمت “ريم” قائلة :
– ليه .. انا ما صدقت انك ترجعي .. محتاجاكي جنبي اوي الفترة دي ..

ابتسمت “ريحانة” قائلة :
– في اي وقت هتحتاجيني هتلاقيني عندك .. وعمري ما هتأخر عنك ابدا .. بس نفسي اكون جنب جميلة الفترة الجاية ..

قالت “ريم” باسمة :
– جميلة .. سلمي لي عليها .. نفسي اشوفها اوي ..

ردت “ريحانة” :
– الله يسلمك .. قولي لي عاملة ايه مع طارق ..

ضحكت “ريم” قائلة :
– مجنناه وهو مجنني .. احتمال نعمل الفرح في مستشفى المجانين ..

ابتسمت “ريحانة” قائلة :
– حبيبتي ربنا يسعدكم ويفرحكم .. ويتمم فرحتكم على خير ..

تنهدت “ريم” قائلة :
– اللهم امين .. تعرفي انه هيعمل بيتنا هنا علشان افضل جنبكم ..

علقت “ريحانة” بسعادة :
– ربنا يبارك لك فيه ويجعله نعم الزوج ليكي .. رنيم بقالها كم يوم مبتردش على موبايلها ليه ..

وجمت “ريم” قائلة :
– انا اصلا مشوفتهاش من يوم خطوبتي .. ولا حتى كلمتها ..

عقدت “ريحانة” ما بين حاجبيها قائلة :
– ليه كدة يا ريم ..

رفعت “ريم” كتفيها قائلا :
– والله من غير ما اقصد .. الاسبوع اللي فات كله كنت مشغولة مع طارق وساعات بنخرج وماما مشغولة معانا .. وبعدين نور ولدت .. فانشغلت معاها دة غير شغلي ..

هزت “ريحانة” رأسها موافقة ثم قالت :
– خلاص يبقى نرجع تاني لليوم اللي كنا بنتقابل فيه كل اسبوع .. علشان حتى اضمن اشوفكم الفترة الجاية .. وانا هسأل يوسف عنها لأني شاكة في امرهم بصراحة ..

ابتسمت “ريم” قائلة :
– يا ريت والله يا ريحانة .. انا كمان زعلانة من نفسي اوي اني مكلمتش رنيم الفترة اللي فاتت وقلقانة عليها اوي ..

ثم تنحنحت قائلة :
– ريحانة .. انتي ايه اللي مغيرك كدة ..

ابتسمت “ريحانة” قائلة :
– عارفة لما تكون رسالتك في الحياة انك تخلي اللي حواليكي سعداء بس قبل كدة لازم تكوني انتي نفسك سعيدة .. انا بحاول اعمل كدة ..
ثم وقفت قائلة :
– دلوقتي بقى اخطفي لي يوسف هنا عاوزة اقرره واعرف عمل ايه في رنيم ..

ابتسمت “ريم” وهي تنظر لـ”ريحانة” ثم قالت :
– ربنا يوفقك ويساعدك ويعينك ع اللي انتي عاوزة تعمليه .. ويوسف مش محتاج خطف .. اديله رنة هتلاقيه طب علينا ..

فعلت كما أخبرتها “ريم” وجاءهما “يوسف” .. دخل عليهما وحين اقترب من مجلسهما على السرير .. قام اثنتاهما وبحركة مباغته اتفق عليها أوقعتاه على السرير .. قامت إحداهما بتكتيف إحدى ذراعيه واختصت الأخرى بالذراع الآخر .. فصر أسنانه قائلا :
– عيب اللي عملتوه دة .. انا بس لو حركت دراعي هحدفكم انتم الاتنين ..

ابتسمت “ريحانة” قائلة :
– لا يوسف حبيبي خليك ريلاكس .. ما قصدنا الا المزاح يا اخي ..
وانحنت تقبل رأسه ..

فابتسم قائلا :
– طيب ابعدوا عني .. وقولوا عاوزين ايه ..

ابتعدت كلتاهما فاعتدل جالسا ثم قال :
– خير ..

تأبطت “ريحانة” ذراعه وهي تقول :
– رنيم ..

قال ساخرا :
– اشمعنا ..

قرصته “ريم” قائلة :
– منعرفش عنها حاجة بقالنا فترة .. ومبتردش على تليفونها .. وبما انك بتكلمها كل يوم وبتشوفها قولنا انك هتطمنا عليها ..

كان مطمئنا عليها ظنا منه أن أخبارها معهما .. وإن حدث شئ لها فسيعرف منهما .. فكيف به يفاجأ الآن أنهما لا تعرفان شيئا عنها .. فقال :
– كويسة .. بس ليه مبتردش عليكم .. ممكن تكون زعلانة منكم ..

وجمت كلتاهما وقالت “ريم” :
– بجد ..

نجحت حيلته فوقف قائلا :
– روحوا زوروا صاحبتكم بقى وصالحوها ..
تمنى لو قال “طمئنوني عليها ” ..

———————–

اطمأن “يوسف” أنها بخير من خلال أختيه .. ولكن يبدو أن أباها لاحظ أن هناك شئ بينهما فدعاه إلى الغداء .. ولأن “يوسف” حريص على أن مشاكلهما تبقى بينهما لم يعترض وفي نفسه كان يتمنى رؤيتها .. هي الأخرى عندما علمت على قدر سعادتها برؤيته على قدر حزنها منه ..

وأثناء تناول طعامهم حرص كلاهما على أن يبدوان طبيعيين أمام أبويها .. فقد عودهم “يوسف” على مرحه معها .. رغم أنه لم يستطع أن يكون على سجيته ولكنه حاول .. وحتى يكمل والدها ما فعله تركهما وحدهما ..

وبقيا في صمت .. دون كلم أو نظرة .. وبعد وقت طويل يئست فيه “رنيم” من صمته قالت :
– تفتكر يا يوسف هو دة الحل .. كل مشكلة تحصل بينا تسيبها وتهرب ..

قاطعها قائلا :
– اهرب ..

ردت :
– لو ليها مسمى تاني عندك قوله .. سميها زي ما تسميها .. لكن انا مش متعودة ع الطريقة دي .. انا اقصر طريق عندي المواجهة .. زي ما انت مش عاجبك طريقتي اللي انا عايشة بيها بالظبط .. بيتهيألي فيه حاجة اسمها حوار .. المفروض تيجي تعرفني وجهة نظرك .. وتسمع مني ..
ودون مقدمات ترقرق الدمع في عينيها وهي تكمل :
– ولو دي هتكون طريقتنا مع بعض يبقى ننفصل دلوقتي احسن ..

نظر لها ولعينيها خاصة ثم قال :
– هو دة اسلم حل عندك ننفصل ..

ابتسمت ساخرة وهي تقول :
– وليه متقولش ان دة افضل الحلول ليك انت .. انت لو فارق معاك الموضوع اوي كدة كنت جيت كلمتني .. مش تقاطعني كأني عاملة جريمة ..

عقد ما بين حاجبيه قائلا :
– انتي ليه مش شايفة انك عملتي حاجة غلط ..

تنهدت وهي تقول :
– يوسف .. انت متجوزني تصلحني مثلا .. انا عايشة عمري كله كدة .. بابا عمره ما حاسبني على حاجة زي دي .. انا مقلتش اني هفضل كدة ومش هتغير .. ومقلتش ان انا صح .. انا ببقى خايفة في الاماكن دي .. بس انا اتعودت اني اكون اد المسئولية .. اتعودت مردش طلب لحد .. وانا اللي اديتهم انطباع عن نفسي اني قوية ومفيش حاجة تقدر عليا .. وانا اللي اديتهم انطباع اني مش محتاجة حد حواليا ومش بحتاج لمساعدة حد .. وانت الوحيد اللي ببقى معاه نفسي .. وانت الوحيد اللي معاه بنسى وهم القوة اللي انا عاملاه وببقى طبيعية .. وانت الوحيد اللي كنت بقول انه فاهمني ومعاه مش هضطر اعمل حاجة انا مش ادها ..

قاطعها قائلا :
– كنتي ..

كانت دموعها أغرقت وجهها فدفنته بين كفيها وهي تحاول كتم صوتها .. فاقترب يجلس جوارها وهو يحاول إبعاد يديها عن وجهها فقالت :
– حرام عليك يا يوسف .. انا من يوم ما عرفتك وانا مش ببطل عياط .. مع اني مكنتش كدة قبل كدة ..

ابتسم وهو يقول :
– ما انتي لسة قايلة انك بتبقي معايا نفسك ..

فرفعت وجهها تنظر إليه قائلة :
– بس يا يوسف .. بس .. انا والله زعلانة منك .. زعلانة منك فوق ما تتخيل ..

ضم رأسها لصدره قائلا :
– خلاص بقى .. وبعدين ما انتي اللي مبتسمعيش الكلام ..

ما فعله أسكتها حتى أنها حبست أنفاسها من الخجل .. وببطء ابتعدت عنه قائلة :
– مبسمعش الكلام ازاي يعني .. مش كفاية اني معرفتش المحضر حصل فيه ايه ..

ضحك قائلا :
– الظابط اتعاقب يا ستي واتوقف شهر عن العمل .. كدة كويس يا شريرة هانم ..

مسحت ما تبقى من دموعها قائلة :
– شريرة ليه .. انا كنت ظلمته يعني .. ما هو اللي مش متقن في شغله ..

احتضن وجهها بكفيه قائلا :
– طيب خلاص متعيطيش تاني بس .. بتحلوي كدة وانتي مش ناقصة حلاوة .. هتلزقي ..

ابتعدت عنه وهي تبتسم بجانب شفتها قائلة :
– شكرا ..
ثم عادت لتدفن وجهها بين كفيها وتبكي مجددا .. فربت رأسها قائلا :
– فيه ايه تاني ..

فقالت من بين دموعها :
– يوسف حرام عليك اللي بتعمله فيا دة والله حرام .. يعني علشان بحبك تعمل فيا كدة .. يا ريتني ما حبيتك ولا شوفتك .. يا ريتني ما اتجوزتك ..

ظلت تهذي وظل يسمعها بسعادة مختلطة بشجن .. ماذا فعل فيها لتبقى كذلك .. كيف آذاها .. ولماذا جرحها .. وبعد أن انتهت .. ضم رأسها لصدره ثانية .. وهو يربت رأسها حتى هدأت ..
ثم قال :
– مش قلت لك انك بتحبيني وبتموتي فيا كمان ..

ابتعدت عنه وهي تدفعه في صدره قائلة :
– خلاص بقى انت ما بتصدق ..

————————-

استأذنت “ريحانة” للعودة لبيت أعمامها ووافق جدها .. بحثت عن “يوسف” حتى يوصلها ولم تجده .. وفي طريقها وجدت “باسل” فاقترح جدها عليها أن يوصلها هو .. رفضت لأنها أرادت أن تجعله يشعر بغربته تجاهها .. ووصل له ما أرادت .. ولكن جدها أصر .. فوافقت على مضض .. وقبل أن تذهب معه أخرجت من حقيبتها أوراقا ثم قالت :
– باسل لو سمحت .. معلش هطلب منك خدمة اصلي دورت على يوسف ومش موجود ..

نظر لها قائلا :
– هو فيه فرق بيني وبين يوسف ..

استغربت صوته وهي تقول :
– لا طبعا انتم الاتنين اخواتي .. مكنتش عاوزة اتعبك معايا بس ..

رد ساخرا :
– ما انتي لسة قايلة احنا الاتنين اخواتك .. لو متعبتش لاختي هتعب لمين ..

لم تهتم لسخريته وقالت :
– طبعا عارف جميلة بنت عمي ..

ظهر على ملامحه الجدية وهو يقول :
– اه طبعا ..

أعطته الأوراق التي تحملها قائلة :
– دي التقارير الخاصة بيها .. كل العمليات اللي عملتها في عنيها .. وكل الفحوصات .. انا عارفة ن دة مش مجالك خالص .. بس انا عارفة انك كمان مطلع جيد على الجديد في الطب .. فممكن بعد اذنك تقولي هي لو عملت عمليتها ممكن تنجح وتشوف ولا لا ..

أخذ منها الأوراق .. ثم أخذ ينظر فيها ويقرأ المكتوب بدقة .. وبعد فترة رفع عينيه لها قائلا :
– على حد علمي انها كانت المفروض تخف من اول عملية عملتها .. بس فيه خطأ حصل .. لو ممكن تسيبيهم معايا واعرضهم على متخصص يكون افضل وهو اكيد هيفهم احسن مني .. بس فيه امل ان شاء الله ..

لمعت عينيها قائلة :
– بجد يا باسل .. ممكن تفتح وتشوف تاني ..

أومأ باسما .. فما فتأت تتمتم بكلمات الشكر .. بينما هو شرد فيها .. مازالت تحاول أن تكون سببا في سعادة الجميع .. وتهتم لأجلهم .. مازالت تسعى لسعادة الجميع ..

مالا يعرفه أنها لم تعد كما كانت .. فقبل كانت شمعة تحترق لأجل الجميع .. وتلك ثقافة خاطئة .. لكن الآن فهي باستطاعتها السعي لسعادة الآخرين ولكن قبلهم تحافظ على سعادتها هي ..

قبل أن تركب معه سألت :
– هي فين روح .. كنت عاوزاها تيجي معانا اصلي ملحقتش اقعد معاها ..

ابتسم وهو يقول :
– انتي فعلاعاوزة روح علشان كدة .. ولا علشان متكونيش معايا لوحدك ..

ما أسوأ أن يستطيع الآخرون قراءة أفكارك .. ركبت في الخلف وهي تقول :
– انا اسفة اني ساعات بتطفل على تربيتك لبنتك .. انا عارفة انك بتخاف عليها مني .. بس انا مقصدتش انقلها عدوى الخوف اللي عندي ..

أصبحت لئيمة .. نقلت مشاعره ببراعة من مكان لآخر .. فهذه نقرة وتلك نقرة أخرى .. ولكن الاثنين يؤلمانه .. أن تريد “روح” معها لأنها لا تريد أن تبقى وحيدة معه .. وأن تعلم أنه كان يخاف على ابنته منها ..

انطلقا بسيارته .. وبعد فترة قال :
– انتي ليه هترجعي عند ولاد عمك تاني .. مع ان دي اول مرة تطولي هناك كدة ..

ابتسمت قائلة :
– حسيت اني مقصرة مع اعمامي فحبيت اكون معاهم لفترة .. وقلت لجدو اني هبقى اعدي عليه كل يوم بعد شغلي علشان مش هقدر اقعد الفترة دي بعيد منه ..

ابتسم قائلا :
– مش هتقدري تبعدي عن جدك بس ..

ردت ببساطة :
– لا طبعا وخالتو ويوسف وريم ورنيم وكلكم يعني .. وروح طبعا دة بعد اذنك ..

اختفت ابتسامته قائلا :
– بعد اذني .. يعني انتي مصدقة اني ببعد روح عنك .. وبعدين كل دول مش هتقدري تبعدي عنهم ..

لماذا لم تخص اسمه مثلهم .. ولماذا تضع بينهما كل تلك الحدود ..
تخطى ما قال وما قالت .. ثم قال :
– اخبار البرنامج اللي بتصمميه ايه ..

ابتسمت قائلة :
– الحمد لله .. فيه امل اني اعمل حاجة ..

ابتسم قائلا :
– انتي الامل كله .. وانا دايما واثق انك تقدري تعملي حاجات ..

وجمت ثانية وهي تقول :
– باسل .. انت متأكد ان جميلة هتشوف تاني وعنيها هتبقى طبيعية ..

أجاب :
– خلي املك في ربنا كبير ..

بقيت على وجومها قائلة :
– بس هي مش راضية تعمل عمليات تاني .. اعملها ايه علشان توافق ..

أجاب :
– لو عندها سبب نفسي .. ممكن نخلي يوسف يرشحلها دكتورة نفسية كويسة .. وممكن يكون سبب فشل عملياتها اللي قبل كدة انها مش متقبلاهها نفسيا ..

وصلا .. فتركت السيارة قبله .. حمل حقيبتها وسار جوارها حتى دخلا .. وجدا “جميلة” تجلس في مدخل البيت .. فذهبت نحوها “ريحانة” وقبل أن تصل إليها قالت “جميلة” :
– انتي مش قلتي يومين وراجعة .. تفضلي عند جدك 3 ايام ليه ..

ابتسمت “ريحانة” وهي تقبل عليها قائلة :
– لو تقوليلي بس على سر الصنعة .. ازاي بتعرفينا من غير ما نتكلم ..

همست لها “جميلة” :
– مين اللي جاي معاكي وواقف متحركش دة ..

ضحكت “ريحانة” قائلة :
– دة باسل جاي يوصلني ..

وقفت “جميلة” تستند على “ريحانة” ثم قالت :
– اتفضل يا دكتور باسل .. بابا وعمو فوق ..

أومأ “باسل” برأسه قائلا :
– ازيك يا انسة جميلة ..

ردت “جميلة” :
– الحمد لله بخير .. تحب انادي لبابا ..

وضع “باسل” حقيبة “ريحانة” أرضا وهو يقول :
– متشكر جدا .. انا جيت اسلم لكم ريحانة بس وهمشي علطول .. خلي بالك منها ..

أومأت “جميلة” وهي تشد على يد “ريحانة” قائلا :
– مش هقدر اقولك من عنيا بس اكيد هي في قلبي ..

التفت “باسل” وهو يلقي نظرة أخيرة على “ريحانة” قائلا :
– بعد اذنكم السلام عليكم ..

بينما التفتت “ريحانة” لـ”جميلة” قائلة :
– بقى كدة مش عاوزاني اكون في عنيكي ..

ابتسمت “جميلة” قائلة :
– لو عندي عيون مش هتغلى عليكي .. وبعدين قلبي مش مكفيكي ..

قبلت “ريحانة” كتفها قائلا :
– طيب ايه اللي مقعدك هنا بقى يا جميل ..

عادت “جميلة” لتجلس على مقعدها قائلة :
– بنات عمك جايين هما وولادهم دلوقتي .. وحشوني اوي من الاسبوع اللي فات .. ومش قادرة استناهم فوق .. نزلتلهم هنا ..
ثم قالت :
– امال ليه يا ريحانة بتقوليلي ان باسل بيعاملك زي اخته ..

انتبهت “ريحانة” قائلة :
– نعم ..

ابتسمت “جميلة” قائلة :
– كان بيبصلك وهو بيقول بعد اذنكم السلام عليكم ..

نظرت لها “ريحانة” بشدة قائلة :
– عرفتي ازاي .. جميلة انتي بتشوفي وبتضحكي علينا ..

ضحكت “جميلة” قائلة :
– بشوف بقلبي .. صوته اتغير في الجملة دي .. ودة مش صوت واحد بيكلم اخته .. انا كنت حاسة بحاجة زي كدة لما حكيتي لي على تصرفاته معاكي في الفترة الاخيرة ..

سألت “ريحانة” :
– حاسة بإيه ..

وقفت “جميلة” قائلة :
– البنات اتأخروا وانا لسة مصليتش الضحى .. قومي وبعدين نكمل كلامنا بعدين ..

أمسكت “ريحانة” يدها فنزعتها “جميلة” وهي تقول ضاحكة :
– يا بنتي قلت لك اني حافظة بيتنا .. متخافيش مش هيجرالي حاجة .. دة انتي ممكن تقعي وانا اللي انقذك ..

ابتسمت “ريحانة” وهي تسير جوارها حتى وصلت لحقيبتها فانحنت تحملها .. سبقتها يد قائلة :
– عيب يا بنت عمي .. كفاية نورك في بيتنا سيبينا نخدمك بقى ..

ابتسمت “ريحانة” وهي تقف تنظر للرجل الواقف أمامها قائلة :
– شكرا يا خالد .. جزاك الله خيرا ..

بينما ابتسمت “جميلة” قائلة :
– حمد الله ع السلامة .. فين ولادك مشفتهمش النهاردة ..

سار “خالد” أمامهما قائلا :
– متشوفيش وحش .. انتي عارفة النهاردة الجمعة بيصحوا متأخر .. دلوقتي هينزلوا مع امهم ..

فقالت “ريحانة” :
– ربنا يبارك لك فيهم ..

أمن كلاهما على دعائها .. وأثناء صعودهم تعثرت “جميلة” في ردائها .. فانحنت “ريحانة” وكذلك “خالد” عليها بلهفة .. وحاولت “ريحانة” أن تساعدها في الوقوف بينما ابتعد “خالد” لعلمه أن هذا شئ يؤذيها .. حاول منع “ريحانة” ولكن كان قد سبق السيف العزل ..
حين قالت “جميلة” بحرج بالغ :
– ريحانة .. انا مش بحتاج مساعدة من حد .. لو سمحتي سيبيني ..

حاول “خالد” تلطيف الموقف فقال :
– هي متقصدش يا جميلة .. انتي عارفة ريحانة لو كنت انا اللي وقعت كانت هتيجي تسندني علشان اقوم .. وتخيلي بقى الموقف لو ام العيال نزلت ولقيتنا كدة ..
ثم غمز لـ”ريحانة” حتى لا تأخذ كلامه على محمل الجد .. بينما وقفت “جميلة” تتحسس وجه “ريحانة” قائلة :
– انا اسفة متزعليش مني .. ومتزعليش من خالد هو عاوز يخفف عني فهيجيبها فيكي ..

ضحك “خالد” وهو يكمل صعوده قائلا :
– انتي مفيش حد يعرف يضحك عليكي ابدا ..

بينما ابتسمت “ريحانة” وإصرارها يزداد أنها لن تترك “جميلة” إلا وهي تعيش بسعادة ..

———————

مر يومان .. تنهي “ريحانة” عملها لتعود وتصر على “جميلة” الخروج معها .. وأمر التنزه أو الخروج بالنسبة لـ”جميلة” أو لمن هو أعمى مثلها سهل جدا .. ففي مدينتهم “ليس على الأعمى حرج” في الخروج والتنزه وحده .. حيث نظمت الطرق والشوارع كلها بممرات خاصة للعميان .. ممرات تخبرهم الاتجاهات والانحناءات وتخبرهم أنه هنا سلم صعودا كان أو هبوطا .. المعاق له احترامه في مدينتهم ويراعى حقوقه .. فهو فرد متساوي الحقوق والواجبات مع غيره ..

لذلك كان من السهل على “ريحانة” إقناع “جميلة” بالخروج معها .. ولكن إلى متى ستستطيع إقناعها بما تريد فعله


زر الذهاب إلى الأعلى