روايات حصرية
رواية راكسيرا الشعاع الاخير كاملة وحصرية بقلم كوين اسمهان
رواية راكسيرا الشعاع الاخير كاملة وحصرية بقلم كوين اسمهان
+
الكون و أنا… نعلم بأنها لم تكن رائحة الأرض
ما بعد المطر؛
19
بل عطر جسدكِ!
31
☼
+
سان سلفادور | قُبيل الغروب…
+
ثُلَّةٌ من أصحاب البدلات القاتمة يصطفُّون حول رجل مهم لم يتوقعوا سقوطه، إنقسموا إلى فريقين، هؤلاء يفضُّون أزرار قميصه، و يضغطون على صدره و بطنه أين أصابته الطلقتان الغادرتان، و الآخرون يقتصُّون من المهاجمين بشراسة…
+
بدأت عينا المصاب في الزوغان، نضح منه العرق، فبات جلده الأسمر يلمع تحت خيوط الشمس الراحلة ببطء، و طفقت الصيحات فوق رأسه تذوب و تتقطع…كأنه يُحتضر!
+
“الزعيم ٱصيب!”.
+
“نبضه يضعف!”.
+
“تماسك سينيور! سنثأر لك، فقط إبقَ يقظًا!”.
1
“إنهم يفرُّون!”.
+
“اللعنة! حاصروهم!”.
+
“ساعدوني في حمل الزعيم إلى السيارة!”.
+
“هل وضعه خطير؟”.
+
“لا أعرف لكن النزيف حاد!”.
6
إنتصفت عيناه في فتحة ضيقة، و زمجر بعناد رغم سوء حاله:
+
“إبتعدوا أيها الحمقى! دعوا بعض الهواء يفِدُ إلي! إن مِتُّ فسيكون ذلك بسببكم؛ لا بسبب الرصاص!”.
29
تهيَّبوا صوته الخشن حتى و هو أشبه بميت، و تفرقوا فورًا مذهولين من صلابة جسده المفتول بينما يزيحهم جانبًا ليتنفس بعمق، تأكد بغضب أن المهاجمين حاولوا إغتياله و في نفس الوقت أخذوا منه أكبر شحنة سلاح كان سيضمنها لإسم عائلته، و لاذوا بالفرار! لا ريب أنهم رجال «أنتونينو»، لا يخدم هذا الفخ مصالح غيرهم، عصابة بيرمودا الأوغاد! عبرت قسمات وجهه ومضة ألم حين حاول مفارقة الأرض، مد أحد رجاله يده كي يساعده، غير أن الزعيم سدَّد نحوه نظرة مرعبة، و جاء صوته أرعب و أعنف:
+
“إياكِ أن تلمسني!”.
16
تراجع فورًا عن نية المساعدة، فلو فعل و لمس الزعيم، لوجد نفسه مكانه طريح الأرض، لا أحد يعصي أوامره، لا أحد ينظر داخل عينيه القاتمتين، و لا أحد يتجرأ على مد يد العون له حتى و إن كان العون أشدُّ ما يحتاج إليه، فزعيمهم من النوع الذي يفضل الفناء على الجهر بضعفه و مشاعره الخاصة، إن كان يمكن تشبيهه بأي شيء، فهو تماما مثل الماس الأسود… سواده ملفت… و كسره مستحيل!
6
أشعة الشمس الخافتة كانت تكلل لمعان شعره الأسود الممشط إلى نهاية عنقه بتناسق… حين أمر الرجال كأنه لا ينزف و ليس على شفير الإنهيار:
+
“خذوا جميع السيارات… و لا تذروا شبرًا في سان سلفادور دون نبش، أريد إستعادة الشحنة قبل حلول الظلام!”.
خطا بتحامل نحو سيارته، و حين تبعه إثنان تعودا على مرافقته أينما حل و إرتحل كحارسين شخصيين له، رفع يده كإشارة منه لهما ليعودا أدراجهما إلى بيته، و فتح باب سيارته ليركبها بمفرده، حرك أحدهما فمه بكلمتين فقط:
+
“السينيورا أمرت…”.
7
“لا أحد يأمر سواي!”.
14
صفق بابه بعنف، و أوقد الحياة في المحرك مضيفًا في نبرة حادة:
+
“لا تنقلا للسينيورا تفاصيل إصابتي!”.
9
غادرتهم سيارته البوغاتي كوحش يفترس الطريق بهمهمته الحادة، فما كان بين أيديهم إلا السير على الطريق الذي يرسمه لهم كما ألفوا، إمتطوا سياراتهم السوداء أيضا، و تفرقوا عبر مسالك شتى في قلب المدينة، كل منهم يبحث حيث تبدو له الفرضيات قائمة لوجود الشحنة المفقودة!
+
أشعة الشمس الخافتة آنذاك كانت تسترسل في تكليلها شعره حتى عبر زجاج سيارته الحالك، و كانت أيضا… تتسلل من نافذة أحد الفنادق و توازي عيني تلك الفتاة الناعستين بينما تضحك، لم يعد بريق لونهما العسلي ظاهرًا بعدما إنغلقتا تماما و لعلع صوت قهقهتها، موظف الإستقبال طبعا لم يرق له رد فعلها، لقد كان محقا منذ البداية بشأنها، مُذ رآها ليلة البارحة تتجول حافية وسط باحة الفندق تتأبط خفيها و تحدث السماء، أجزم أنها واحدة من إحتمالين…
+
طائشة…
+
أو… معتوهة…
11
…أغلق دفتر حجوزات النزلاء خاصته بعنف، فأسفر ذلك عن إبتلاع الشابة لقهقهتها، و إلتفات البعض إليهما!
1
“أعتقد سينيوريتا أن الكلام الذي لفظتُه واضح، لا حق لكِ بعد الآن في الإنتفاع من خدماتنا!”.
+
أدركت أن الأمر جدي عندما أرجع إليها بطاقة الهوية و النقود القليلة التي بقيت معها قائلاً أنها لا تنفع!
+
“هل تقصد بكلامك… أنني… مطرودة من الفندق؟”.
2
أرجعت شعرها البني القصير خلف أذنيها، فبدت أصغر سنا من أعوامها العشرين و هي تصغي إلى جوابه:
+
“أنا لا أطردكِ سينيوريتا، أنا أوضح لكِ أنكِ لا تستطيعين الإقامة هنا! لكنكِ إذا أبديتِ عنادًا في مواجهة قرار إدارة الفندق، فلا تشككي أبدا في إحتمال لجوئنا للقوة!”.
7
رفعت حاجبيها الناعمين تستنكر بعنت:
+
“لا يمكنكم تحريكي من هذا الفندق قيد أنملة لأنني حجزت و دفعت أجار غرفة لي هنا لثلاثة أشهر!”.
+
“هلا كررتِ إسمكِ سينيوريتا!”.
+
“سولارا بورتاغو”.
38
راجع آخر مستجدات الحجوزات للمرة الثانية، و هز كتفيه معلقا:
+
“كما قلتُ سابقا… لقد تم إلغاء الحجز منذ ساعة!”.
+
“لكن ذلك لم يحدث، ها قد وصلتُ لتوي من جولتي في الخارج، و كما ترى لم آت إليك و لم ٱلغِ الحجز!”.
+
أخذت تحاججه بكل السبل، قبل أن يحطم قلبها بعبارة كانت الأقسى بين كل ما سمعته:
+
“الحجز ٱلغي قبل ساعتين من طرف أصدقائك! و قد أكدوا أنكِ مثلهم عائدة إلى الأرجنتين!”.
11
شحبت دون رد تحاول بجهد إستيعاب الخدعة الخبيثة التي تعرضت لها، خدعوها! الأنذال! سافرت بمعيتهم لتستمتع بعطلتها و تكتشف بلادًا جديدة كما أقنعوها، و ها هم يرحلون و يتخلون عنها، لماذا؟ فيمَ أساءت إليهم؟ هل أحضروها منذ البدء إلى مكان تجهله عن عمد ليسخروا منها؟ كان كل همهم إذن أن يحطموا سلامها و يصنعوا منها أضحوكة الدهر!
4
إستعادت صوتها و قالت أخيرًا بإنكسار:
+
“أين متاعي؟”.
1
“هناك!”.
+
أشار إلى حقيبة واحدة بحجم صغير على يسار كنبة الإنتظار خلفها، ثم أدار لها ظهره معلنا رغبته في التخلص منها سريعًا، فإلتوت شفتاها الشبيهتان بالتوت البري الناضج للأسفل، و هرعت صوب حقيبتها تتحرى أي نقص محتمل!
+
كانت سولارا قد حزمت فيها ما خف من ثيابها و مستلزماتها الضرورية، و تركت داخلها أيضا مُدَّخراتها المالية من وظيفتها في شركة هواتف أرجنتينية!
+
“مُدَّخراتي؟!”.
6
شهقت غير مصدقة، إنهمرت دموعها بيأس تردد:
+
“أين هي؟ مُدَّخراتي؟! كل ما تعبت من أجله لأحظى بإجازتي إختفى!”.
8
إحمرت عيناها مدركة أن من ظنتهم أصدقاء لها وجهوا لظهرها طعنة لا تنسى و لا تغتفر، لم يتركوها في بلاد غريبة لوحدها فحسب، لم يكفهم ذلك، يبدو أنهم ينقمون عليها بجنون، و إلا لما بلغ بهم الأمر إلى حدود السرقة!
1
رفعت عينيها الذابلتين للموظف مجددا و إقتربت منه سائلة:
+
“هل هناك فندق آخر أقل تكلفة في الجوار؟”.
+
شخر بلهجة مترفعة آلمتها:
2
“ما معكِ من نقود تافهة لا يستأجر حتى خم دجاج حقير!”.
7
كالت إليه نظرة حانقة، و من فرط ألم الغدر الذي إستبد بها، هجمت عليه و سحبت ربطة عنقه بشدة مسببة له إختناقا هاصرًا، و بينما بح صوته و إحتقنت عروقه، و لهث طالبًا النجدة، كانت هي قرب أذنه تردف:
+
“أنا أيضا ٱجيد إستخدام القوة حين يتعرض حقير مثلكَ لكرامتي! من المُباح لك طردي لكن ليس مُباحا أبدًا أن تحولني إلى نكتَتِك المسلية!”.
14
هرع نحوها رجلا أمن، و بقية الموظفين يحاولون إفتكاك ربطة عنق الرجل من قبضتها، فجأة تذكرت الوعد الذي قطعته على نفسها قبل تركها الأرجنتين… «عيشي الأشهر الثلاثة المتبقية بكل حب، جِدي سلامكِ، و إنعمي بحياة حقيقية لمرة واحدة على الأقل!»
4
أفلتت عنق الموظف، و تمتمت بإعتذار خفيض، ثم إنسحبت خارج الفندق تجرُّ خلفها حقيبتها، و تصلي للسماء أن تجد نُزلاً صغيرًا تبيت فيه حتى الغد!
2
نظرت حولها بعد مسيرة طويلة وسط شوارع مكتظة بالمارة، و أيقنت أنها لن تفلح في مسعاها، فكل النُزل التي زارتها منذ قليل رفض موظفوها إستقبال نزيلة أجنبية دون قبض ٱجرة الغرفة بشكل فوري، و سرعان ما بدأت تفقد طاقتها، و تتضور جوعًا و هي تلج منطقة سكنية شعبية يرجع تاريخها الأول لعام 1960، فقررت أن تبتاع بالنقود البخسة التي ظلت معها سندويشا صغيرًا بعدما جذبتها رائحة شواء عند رأس شارع منازله عتيقة و بعضها متهالك، بللت شفتيها بطرف لسانها موقنة أنها لن تتحمل الجوع أكثر، قدم لها البائع الشاب ما طلبته في منديل ورقي، و أخذ منها آخر ما تبقى من مال لقاء السندويش، و…!
+
لم تكمل نسج تلك الفكرة، و لم تقضم حتى القليل من السندويش، فقد مر فتى على دراجته الهوائية، و نشله من قبضتها دون رحمة! ركضت خلفه للحظات مولولة:
+
“هاي أنت! أمسكوه! لص! نشَّال! ربَّاه… عد أرجوك!”.
9
توقفت عن الركض لشعورها بوخز في رأسها، و همهمت ببؤس حقيقي:
+
“لقد دفعتُ مقابله كل نقودي!”.
8
عادت أدراجها إلى بائع السندويشات، ربما يكون رحيمًا بها، ربما يوافق على صنع غيره من أجلها إن شرحت له الظروف التي تمر بها، غير أنها تفاجأت به يلملم أغراضه و يدفع عربته و هو ينظر خلفه كل حين بوجه مخطوف اللون و نظر مفزوع! عجبت لأمره! و حزنت لجوعها المتفاقم، و في اللحظة التالية أدركت كم هي محظوظة، حين إستوعبت من بعض المارة أنه موزع كوكايين، و أنها نجت بٱعجوبة من جرعة مدسوسة داخل ذلك السندويش، فتلك كانت طريقة التوزيع بين الأحياء الشعبية، يدسون السم الأبيض داخل المشروبات و الأطعمة السريعة للأبرياء، و حالما ينتشي هؤلاء و يدخلون دائرة الإدمان، يتعرضون للتهديد، إما الإنضمام للشبكة و المشاركة في التوزيع أو توريطهم مع رجال القانون!
5
أسرعت سولارا بالإبتعاد عن ذلك الشارع و هي تجزل الشكر للسماء، أبرقت الغيوم التي تجمعت هنا و هناك فجأة، فبات عثورها على مأوى أشد ضرورة من ذي قبل، و بينما إنطلق غيث السماء بفيض، إنطلقت هي بخبب على الأرض، مبللة الثياب، تنظر يمينًا فيسارًا حاجبة عينيها بكف يدها عن المطر، علها تجد ضالتها! بلغت حدود طريق مرتفع تحفه أسوار غريبة، و ما إن رفعت رأسها و حدقت بالمبنى إكتشفت أنها تقف أمام منزل ضخم، لكنه بدا لها كئيبًا و موحشًا، كأنه مهجور منذ زمن، لا سيارات أمامه، و لا أنوار داخله، بوابة حديقته الكبيرة موصدة بسلسلة صدئة يستحيل فتحها بيديها العاريتين، لكنها لمحت إحدى النوافذ مكسورة الزجاج، كأن المنزل قد تعرض لسطو ما فيما سبق، نظرت مجدَّدًا حولها تتأكد أن لا أحد يراها، و لم تفكر لثانيتين في قرارها، لقد منحتها الحياة فرصة لتجد السعادة، و لن تخسر فرصتها الوحيدة تحت أي ظرف، ستحظى الليلة بمأوى قبل حلول الظلام، حتى و لو إضطرها هذا لإقتحام منزل مهجور!
+
أجل! ذلك حقا ما قررته و بدأت بتنفيذه، تسلقت أول الأمر السور الحديدي ببراعة، و حين قفزت لتجد نفسها داخل الحديقة، مضت تصفق لنفسها ضاحكة!
+
«سولارا أهنئكِ في تقليد القُرود ببراعة!».
13
لكنها سريعا تخلت عن سرورها، و ركزت على إجتياز النافذة المكسورة بنجاح، ألقت حقيبتها أولاً، ثم أغمضت عينيها متوجسة مما قد تجده في الداخل، و أزاحت بقايا الشظايا الزجاجية العالقة بحواف الإفريز، لتستند بردفيها على الحافة، و تنزلق إلى ظلمة المنزل ببطء!
+
وجدت نفسها عقب ذلك متكورة فوق أريكة ما، عظيم! تمت عملية الإقتحام بالنجاح! الآن حُلَّت مشكلة المبيت في العراء، و لم يتبق سوى مشكلة التضور جوعًا، لا يعقل أن تجد أي شيء يسدُّ الرمق في مكان مهجور، على الرغم من كل ذلك، تمسكت سولارا بشعلة الأمل التي لا تخبو، و مضت باحثة عن المطبخ مستعينة بكشاف الهاتف الخلوي بسبب إنقطاع تيار الكهرباء، لعل أصحاب المنزل اللذين هجروه بطريقة ما… تركوا مؤونة للطوارئ… هذا وارد!
+
أقنعت نفسها بقوة ذلك الإحتمال، مع خوفها من أن تصطدم بفراغ ساحق في أرجاء المطبخ، و هذا للأسف ما نالته بعد كشف مدقق على الثلاجة و الخزائن! لم تعثر على بيضة فاسدة حتى، و لا معلبات حبوب، و لا أي شيء قابل للإستهلاك، الشيء الوحيد الذي أراحها نوعا ما هو نزول مياه نقية من الصنبور الذي فتحته في مغسلة المطبخ، صرخت فجأة و هتفت لشدة إمتنانها، و مضت تروي ضمأها بنهم، حتى تبلل صدرها أكثر بسبب القطرات التي إنزلقت إليه من ثغرها المتعطش، و ها هي ذي ترقص و تهز خصرها فرحًا لأنها… و رغم كارثية الوضع… إرتوت!
+
كان عثورها على مياه نقية بادرة خير، و بارقة أمل، لن يروي ذلك عطشها فحسب، بل ستجد فرصة لتغتسل بعد يوم متعب، تسلقت الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، و عثرت لنفسها على حمام داخل إحدى غرف النوم الواسعة، تجردت من ثيابها هناك، تاركة فقط قطعتين داخليتين بنيتين بمثل لون شعرها، و وقفت مغمضة العينين أسفل المرش، تستمتع برذاذ المياه المتساقط فوق جسدها المتشنج، إستعادت ذكريات جمة، ومض برأسها صداع مزعج، و رغم ذلك ظلت تبتسم شاكرة، لا تريد أن تحزن مجددًا، لا تريد إختبار آلام إضافية، تكفيها طفولتها التعيسة في الميتم، و عملها كخادمة في فيلا سيدة متسلطة، ثم هربها من قسوتها، و عثورها بٱعجوبة على وظيفة جيدة بشركة الهواتف، أين شعرت بالحياة تبتسم لها، لكن ذلك لم يدم، شعورها بالصداع و الدوار منذ أسبوع لم يكن شكلاً من أشكال إبتسام الحياة، و الكلمات التي رددها الطبيب بعد ذلك لم تكن أيضا تمتُّ بأي صلة للحياة أصلاً، لقد حطمها بكل بساطة حين نقل إليها تفاصيل المرض الذي تعاني منه!
7
إقتحم السكون صوت عجلات تتوقف بعنف قرب المنزل، فكرت أنها سيارة حتما لا تحمل شخصا له علاقة بهذا المبنى المهجور، لكن دماءها تجمدت حين سمعت قرقعة سلسلة ما، ثم صرير بوابة عريض، و تبع ذلك إنفتاح باب آخر، ليتلو كل تلك الأصوات وقع خطوات رصينة و بطيئة تصعد الدرج، شعرت سولارا أنها في ورطة حقيقية، ماذا لو أن القادم لص مسلح ينوي السطو على المنزل؟ أوقفت تدفق المياه، و سحبت ستار الحمام مخفية نفسها، و مكثت تفكر بحل ما، حسنا! إذا ثبت أنه لص، فهذا جيد نوعا ما، سيأخذ ما يريده من الغرف، و لن يفكر في إقتحام الحمامات لأنها لا تكتنز أشياء ثمينة في أغلب الأحيان، لكن الصدمة شلتها بشكل كامل حين بدأت الخطوات الرصينة تقترب أكثر، و إنفتح باب الغرفة نفسها التي دخلت حمامها منذ قليل، كممت فمها مرتعشة، باتت أكيدة أن شعر رأسها إستوى واقفًا من شدة الفزع، نبضات قلبها تقرع صدرها المبلل بجنون، و لفتها برودة ساحقة فور سماعها مقبض باب الحمام يدور!
3
إنكمشت على نفسها أكثر و هي تسمع صوتًا رجوليًّا يُلقي شتيمةً ما! أدركت من نقره المزدوج على الجدار أنه يتأكد من إنارة الحمام، ليكتشف إنقطاع التيار الكهربائي، و يردد ساخطًا:
+
“اللعنة! هذا ما كان ينقصني!”.
+
بدأ الرجل بخلع ملابسه و هو يكتم آهات ما حينًا و يشتم حينًا آخر، لم تكن سولارا تراه بوضوح، و لا كانت أيضا تعي سببًا جليًّا لتألمه و غضبه، لكنها حدست أمرين بسرعة بديهتها، الأول أن هذا الرجل ليس لصًّا أبدًا و لا ريب أنه مالك المنزل لتصرفه بأريحية تامة… و هذا سيء جدا لأنها تجرأت على إقتحام ملكيته، و الثاني و هو أنه يستعد للإستحمام بعد ثوانٍ… و هذا الأسوء!
10
سمعت صوت إرتطام حزامه بالأرض، فأيقنت أنه تجرد من كل شيء، أو أغلب ثيابه على الأقل مثلها، فتراجعت عن المرش دون أن تتبين مخرجًا من ذلك المأزق، لم تجد حلاًّا سوى أن تظل هناك في الظلام بصمت و دون حركة، إلى أن ينهي حمامه و يغادر الغرفة، و تستطيع هي أيضا مغادرة المنزل برمته، فكرت أيضا في كشف نفسها له، لكنها لم تعرف بالضبط أي نوع من البشر هو، هل سيصدق واقع أنها كانت مضطرة لإقتحام منزله… أم سيأخذها للسلطات السلفادورية بتهمة إنتهاك حرمة ملكية خاصة؟!
1
و بينما هي مشتتة الذهن، فجأة… لمع ضوء ساطع فوق رأسيهما، نسيت سولارا تماما ذلك الإحتمال، لم تضع في حسبانها عودة التيار الكهربائي، و إنكشاف أمرها بتلك الطريقة المخزية، شهقت في البداية برعب حين وجدت نفسها وجها لوجه معه، و أغمضت عينيها للحظات دون أن تنظر إليه مليا و هي تثرثرُ بخجل:
22
“الويل لي! إسمع… أنا… كنتُ فقط بحاجة لمأوى! لم ٱعجب بمنزلك… و لا نية لي في السطو على أي شيء هنا، حتى مطبخكَ الخاوي كان مخيبًا للآمال! أعني… أنه رائع جدا حتى و هو عديم النفع! آه ما الذي يخرج من فمي؟ لحظة! دعني أشرح هذا بشكل أفضل! أنا لست سيئة! كنتُ نزيلة في فندق قريب و خسرت حجزي! سأرحمكَ من سرد قصتي الطويلة الآن، أرجو فقط أن تتفهم أنني كنتُ جائعة جدا! و مفلسة! آه و ظهر منزلك أمامي! تأكد بنفسكَ أنني لم ألمس أي شيء به، إرتويتُ فقط من صنبور المياه، و ها أنا ذي هنا بغرض الإستحمام! أعرف أنني أثرثرُ كثيرًا… لكن عليك أن…”.
7
توقفت سولارا أخيرا عن الرقص بلسانها حين فتحت عينيها بشكل كامل، و صوبت نحو الرجل نظرات دقيقة، لا! لم يكن رجلاً! بل كان الرجولة بعينها تقف أمام عينيها! كأنها عثرت على سيد الرجال مرة واحدة، منكباه مكوران حول عنقه كأنه واحد من محاربي الفايكينج، ذراعاه منحوتتان، عقدة حاجبيه الكثَّين تترجم عصبيته، و وميض عينيه الكبيرتين السوداوين ينقل إليها كم هو شخص طموح و جريء، نزلت ببصرها المشدوه عابرة شفاهه المطبقة بحدة، و ذقنه المكسوة بشعر طفيف، لتجد عينيها تفترسان صدره العريض و بطنه المشدودة، أين لاحظت جرحين غائرين ينزفان سيولاً حمراء تجري بمعية المياه المترقرقة من المرش لتتحول إلى دوامة ماء و دم و تنفذ عبر مسالك التصريف أسفل قدميه! و أين لاحظت تفاصيلا حميمة لا يجب أن تنظر لها!
4
و كان هو الآخر يجاهد ليثبت بعدما وجد نفسه فجأة في حضرة فتاة أجمل من الشمس، و أكثر ضجيجًا من المطر الذي يضرب سقف منزله الآن، هل تعي هذه الساذجة أنها إنتهكت حرمة أخطر رجل سلفادوري على الإطلاق؟ تأمل هو أيضا كل إنش منها، وجدها شاحبة و نحيلة مقارنة بالفتيات الطبيعيات، لكن شعرها القصير المبلل حول أذنيها الناعمتين جعلها تبدو بريئة و طفولية، و صوتها الرفيع أيضا كان يتموج بتناغم وصولاً لمسمعه، حاجباها الناعمان أيضا يشدان بصره، و العسل الذائب في عينيها المائجتين بالدهشة و الأسف يشعرانه برغبة في السقوط نحو الفراغ، الرصاصتان حتما أذهبتا رشده، فيم يفكر بحق السماء؟ تمتم الرجل أخيرًا بسخط مخيف و هو يسحب منشفة ما ليستر نصف جسده السفلي عن عينيها المتسعتين:
1
“من أنتِ؟ و ماذا تفعلين بحمامي؟”.
+
أسرعت بإرتداء ثوبها الزهري القصير، و أجابته بأصابع متشابكة من فرط الخجل و الإعجاب به بينما كان هو يبحث عن صندوق الإسعافات ليقتلع الرصاصتين من موضعهما:
+
“سولارا بورتاغو! عشرون سنة من الكفاح في هذا العالم!”.
9
يا لها من طريقة غريبة و جميلة للتعريف بنفسها، سيكون كاذبًا إن لم يعترف بذلك في أعماقه على الأقل، لكنه ظل صامتا يطالعها بتركيز و تشكيك، فأعداؤه كُثُر، و لا يستبعد أن تكون مجرد طعم جميل ٱرسل له بهدف جمع معلومات عنه، أم أنها إحدى حيل عائلته لجعله يرتبط بها و يتزوج كما يأملون؟!
+
مدت يدها نحوه لمصافحته، لكنه تجاهلها واجم الوجه، فإستطردت بمرح و غرور:
+
“عليك أن تكون شاكرًا حين تتسلل الشمس إلى عتمتكَ يا سيد الظلام!”.
+
رفع بصره إليها بحدة، ثم إنصرف بعينيه عنها، و تجاهل سؤالها عن هويته، فالأهم الآن هو أن ينتزع الرصاصتين بنفسه، ثم سيرى ما يفعله بخصوص هذه المتسللة الحمقاء!
+
خرج إلى الغرفة متجهمًا… و إستلقى على أريكة صغيرة هناك، في يده مشرط و ملقط، شفتاه بين أسنانه، و حبات العرق تتدحرج على جسده بتزايد جعل سولارا تشفق على حاله، لكن الشفقة لم تكن شعورها الوحيد، لقد سلبها هذا الفاتن المتجهم صوابها بجسده القوي، و دمائه الغزيرة، عرفت أن الألم رهيب، و مع ذلك أشادت بشجاعته و صبره إلى أن نجح في التخلص من الرصاصتين، رماهما بعيدًا، و سمعها تخاطبه و رأسها منحنٍ عليه بفضول:
+
“هل أنت شرطي؟”.
+
كشر فجأة و سرها أنه أجابها أخيرًا:
+
“كلا!”.
+
غريب! إن لم يكن شرطيا في مهمة سرية، فما سبب تعرضه لطلق ناري كاد يودي بحياته، خطر لها إحتمال مختلف، فإزداد حماسها بشكل أدهشه، و هتفت كأن بها مس شيطاني و هي تراه يضمد جسده:
6
“لا تقل أنكَ رجل عصابات!”.
+
توقف فجأة عما يقوم به، و أرسل نحوها نظرة غامضة، زادها البرود في عينيه نشوة، و أضافت مصفقة بيديها و هي تقرفص أمامه لتساعده في لف الضماد:
3
“أتخيلكَ زعيمًا عنيفًا يركعُ الكل لمجرد سماع صوته!”.
3
عبرت عينيه نظرة تسلية فجأة، و راق له أن يظل حتى الفجر ضحية ثرثرتها، فسأل بنبرة مبهمة:
4
“لماذا تتخيلينني الزعيم؟”.
+
بدت غير مصدقة لذلك السؤال، فغرت فمها، و ضحكت مجيبة:
+
“ألا تنظر لنفسكَ في المرآة أبدًا، ألا يخبركَ من حولك أنك مخيف و ضخم و جذاب أيضا، أنت تختصر أحلامي يا رجل!”.
26
برقت عيناه القاتمتان و كاد يبتسم بحق إثر صراحتها العفوية، فعلق بهدوء:
+
“لا أرى أي خوف على وجهك!”.
+
“المرأة مخيرة بين قدرين، إما أن تخاف الرجل، أو أن تملك قلبه!”.
6
عضت لسانها على تماديه، و مع ذلك لم تأبه كثيرًا، و تابعت الثرثرة:
+
“لا يليق بكَ إلا لقب الزعيم!”.
+
كان في حيرة من أمره، لم يسبق أن مر بتجربة مشابهة، يبدو أنها لن تتوقف عند إقتحام منزله و حمامه، فها هي بثرثرتها الصريحة و صوتها الرقيق تقتحم شيئًا مجهولاً داخله، ترك الإستلقاء على السرير، و قاوم شعوره بالدوار باحثًا عن سترته التي نزعها داخل الحمام، ثم إستخرج منها غرضين، و سار متجها نحو النافذة، إستغربت صمته، و في نفس الوقت، وجدته ملهما لإستكمال صورة الرجل الذي بحثت عنه بأحلامها!
+
فاجأته بوقوفها مجددا قربه و هي تسأله بطريقة كانت لتجعل أي رجل ينفجر ضحكًا:
+
“إذن يا سيد الظلام، لصالح أي عصابة تعمل؟ أرجوك لا تحطم آمالي و تنفي كونكَ رجل مافيا!”.
6
إنحرفت أطراف شفتيه في نصف إبتسامة لم ترها سولارا بوضوح، و أجابها بينما يستخرج لفافة من علبة المالبورو خاصته و يفتح قدَّاحته الذهبية مطلقا شعلتها:
+
“أنا لا أعمل لصالح أي عصابة، بل سائر أفراد العصابة يعملون لصالحي!”.
+
إمتص السيجارة المشتعلة، ثم إستدار إليها، و مد يده أخيرًا لمصافحتها و هو يقدم نفسه بإقتضاب:
+
“ماتياس سلفاتروتشا، زعيم عصابة إم إس 13!”.
18
شعرت سولارا أنها محض شبح بينما تقبض على يده القوية، أحست بتيار كهربائي يهز معدتها إثر لمسته، و كان ذلك الإنطباع الذي تركه واقع أنه زعيم مافيا على وجهها آخر ما توقعه ماتياس، أين الخوف الذي يجب أن يسيطر على فتاة رقيقة مثلها؟ أين الهلع و الركض بعيدًا و هي تحس بخشونة يده خلال أول مصافحة؟ و أين المنطق و هي تدنو منه بجرأة و إعجاب جليين و تمضي متحسسة عروق ذراعه البارزة كما لو أنها تُحصيها، لتهمس باسمة الثغر فجأة فيما ترنو لعينيه الكبيرتين ببصرها المشدوه:
+
“هل أنتَ حقيقي أم أنني أحلم؟! أشعر أنني سيُغمى علي”.
12
عاد يخفي شفتيه الباسمتين بدخان سيجارته، مدركًا أنه يحدث فتاة غريبة و شهية بشكل لا يصدق، إنها الأولى من نوعها في حياته، مدركًا أيضا أنها مجرد شابة بسيطة لا تعرف شيئًا عن تعقيدات ظلامه، تنظر له كما لو كان بطلاً حقيقيا، بينما هو يتزعم أكبر عائلة سفاحة و مسيطرة على تجارة السلاح في القارة الأمريكية، فكر لوهلة ما الذي عليه فعله بشأنها، و من جهة ٱخرى فكر في شحنته المسروقة، و في مصيره بعد الإصابة بهاتين الرصاصتين، لن يموت بكل تأكيد، لكنه ليس على ما يُرام تماما، شعر بحرارة جسده ترتفع، و لاحظت سولارا ذلك، فلمست جبينه كما لو أنها تعرفه منذ زمن، و مزحت كعادتها:
+
“حرارتكَ مرتفعة يا سيد الظلام، هل تجدني مثيرة إلى هذا الحد؟!”.
15
كانت تمزح فقط، و تسري عنه، كان يعرف ذلك، لكنه لم يستطع التجاوب مع ما قالته، و وجد نفسه مجبرًا على الجلوس فوق الأريكة الصغيرة قرب النافذة، قلقت سولارا و سألت متخلية عن مزاحها:
+
“ما بك؟ هل أنتَ على ما يُرام؟ يا إلهي يبدو أنك بحاجة لطبيب!”.
+
“كلا! أنا لم أخضع لكشف طبي بحياتي”.
+
زجرها بصوت مرعد، و لم ينفع ذلك معها، فتابعت متجاهلة موقفه:
+
“هذا يجعلني ٱعجب بكَ أكثر، و يزيد من هوسي، و لكن لا تستطيع أن تكون طبيب نفسك دائما أيها الزعيم!”.
1
رأت الغضب في عينيه، فتداركت قائلة:
+
“أعترف أن حياة رجل مثلك ليست سهلة، لا بد أنك لا تعرف كيف تبدو المستشفيات!”.
+
أضحكه ذلك بأعماقه، لكن شفتاه ظلتا على جمودهما، قبل أن يردف و هو يرى وجهها متموجا بسبب حالته:
+
“ألا تفكرين أبدا قبل التفوه بأي شيء؟!”.
1
“كنتُ أفعل ذلك سابقا كسائر البشر المملين، لكنني قررت أن أقول أي شيء يجول بخاطري منذ أن…!”.
+
“منذ أن…؟”.
+
كرر بعدها مستفهما، فأحجمت عن المتابعة و سرد تفاصيل مرضها قائلة:
+
“لا شيء… إنسَ الأمر!”.
+
بعد لحظات ساء وضعه أكثر، و لم يعد على وعي كافٍ ليتجاوب معها، لكنه إستطاع التمتمة بكلمات مبهمة، بعضها إلتقطته، و بعضها الآخر ظل على غموضه، و كان أبرز ما قاله كلمة جميلة و غريبة بينما يصغي لهطول المطر و يلمس خصلاتها المبللة:
+
«بِيترِيكُور»!
2
وضعت كمادات باردة على حبينه و طلبت أن يكرر ما قاله، ففعل! حاولت جاهدة أن تحلل ما يقصده بتلك الكلمة، و حين فشلت في محاولاتها همست له:
+
“ماذا تعني؟”.
+
فغمغم بعينين منتصفتين و هو يكاد لا يفرق بينها و بين شعاع الشمس الأخير:
+
“تعني… رائحة الأرض… بعد أول المطر… تماما مثلكِ!”.
6
|نهاية الفصل الأول|
+
☂☼
+
سو أهلا أهلا بالحبايب 🤏🪄
+
الرواية الجديدة كما وعدتكم عبارة عن فراشات و مرح و إثارة بنفس الوقت🤭🦋
4
شخصية البطلة🍿🩰🎀
|سولارا شعاع عنيد و مرهف|
3
شخصية البطل 🍯🖤😭
|ماتياس سيد الظلام الخطير|
4
كوكبان مختلفان يتصادمان و ينشئان مجرة خاصة بهما✨🌌
1
لا تسألوني الآن عن مرض سولارا لأنني سأتدرج معكم في هذه الرواية شيئا فشيئا و بسلاسة👀
+
الإبتكار هنا سيكون حصول البطلة على إسم جديد كل فصل، اليوم إسمها بِيترِيكُور رائحة الأرض بعد أول مطر، و ستكون لها عدة أسماء ٱخرى لن تصدقوا مدى جمالها و كلها من تلقيب البطل🙆
6
المختلف هنا أيضا أنكم لن تملوا أبدًا🤩
7
جهزوا دفاتركم لتدونوا معي كلمات جديدة ربما لم تسمعوا عنها من قبل و ربما سمعتم لكن لم تشعروا بجمال معانيها كما سيحدث لكم بين ثنايا هذه الرواية🎗️🫐
4
قراءة ممتعة يا غاليين☕
أحبكم❤️
14