رواية دواعي امنية مشددة الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم منال سالم
رواية دواعي امنية مشددة الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم منال سالم
الفصل السابع والثلاثون :
في منزل مسعد غراب ،،،،
ضرب مسعد كفاً بالأخر متعجباً من حالة العصبية والانفعال التي أصابت والدته ، ولم ينتبه إلى عودة أخته من الخارج ..
نظرت هي نحوه بإندهاش وهي تتساءل بفضول :
-هو في ايه ؟ صوتكم جايب الشارع كله
رد عليها وهو يلوح بذراعه :
-تعالي يا نوسة ، فاتك كتير !
أسندت كتبها ونزعت حقيبتها عنها ، وهتفت متأكدة :
-ما أنا حاسة بكده ، وتوقعت إن الصريخ ده من عندنا !
-مظبوط !
تساءلت بفضول دون أن تترك الفرصة لأخيها ليجيب عليها :
-مالها بقى ماما ؟ بتزعق ليه ؟ قولي بسرعة يا مسعد قبل ما أنزل الجيم وآآ…
قاطعها قائلاً بتذمر :
-بالراحة وواحدة واحدة !
جلست إيناس على مسند الأريكة ، ومالت بجسدها للخلف ، وحدقت فيه بثبات ، ثم سألته بهدوء :
-ماشي ، في ايه بالظبط ؟
أشـــار بإصبعه وهو يجيبها :
-شوفي أنا عملت زي اللي داس على اللغم وجرى !
انفرجت شفتيها معلنة عن إندهاشة عجيبة وهي تردد :
-أوبا ، باين الموضوع كبير
وضع مسعد يده على فروة رأسه وفركها عدة مرات مجيباً إياها بسخرية :
-جدا ! حبيت أنشر الإيجابيات ، و قولتلها أنا عاوز أعمر الكون ، فانفجرت في وشي !
شهقت إيناس مصدومة وهي تسأله متوجسة :
-لأحسن تكون كلمتها في موضوع سابين ؟!
أجابها مبتسماً بتصنع :
-اه هو بعينه ، وكمان آآآ…
قاطع حديثهما صوت رنين هاتف إيناس ، فنهضت من على مسند الأريكة ومدت يدها نحو حقيبتها لتلتقطها ، ثم أخرجت الهاتف منها ، ونظرت لأخيها بجدية قائلة :
-ثواني يا مسعد أرد على صاحبتي
رمقها بنظرات شبه منزعجة وهو يقول على مضض :
-ماشي يا ست المهمة ردي عليها !
أولته ظهرها ، ثم ضغطت على زر الإيجاب ، وهتفت قائلة :
-ايوه يا أماني ، بترني عليا من بدري وآآ…
توقفت عن الحديث للحظة لتصغي للطرف الأخر ، ثم أردفت قائلة بجمود :
-طيب حاضر !
استدارت مجدداً في اتجاه مسعد ، ورمشت بعينيها وهي تقول بدلال مصطنع :
-معلش يا مسعودي هاروح أكلم صاحبتي جوا وبعد كده هاجيلك تحكيلي اللي حصل بالتفاصيل !
رد عليها ساخراً :
-ماشي ، ده لو أمك محكيتش للحي كله ونزلته خبر عاجل في شريط الأخبار اللي تحت !
رفعت إبهامها أمام وجهها قائلة :
-أوكي !
نفخ مسعد بصوت مسموع ، ثم ردد بتوجس ظاهر وهو يفرك طرف ذقنه بتوتر :
-استر ياللي بتستر
………………………………………
أغلقت إيناس الباب خلفها ، ثم أكملت مكالمتها الهاتفية قائلة بجدية :
-خير يا أماني ؟
سألتها رفيقتها بغموض :
-انتي لوحدك ؟
تعجبت إيناس من إصرار رفيقتها على أن تتأكد من بقائها بمفردها خلال تلك المكالمة تحديداً ، وردت عليها بتبرم :
-أكيد يعني ، ها في ايه بقى ؟!
أجابتها أماني بحذر :
-طيب بصي في حاجة حصلت ولازم تعرفيها !
زاد فضولها لمعرفة ذلك السر ، فصاحت بعصبية قليلة :
-حاجة ايه دي ؟
سردت لها أماني بإيجاز ما حدث في الوحدة العسكرية من ذهاب وائل لأخيها من أجل التقدم لخطبتها ، وتعرضه للانتقاد اللاذع والهجوم الشرس ، فصاحت الأخيرة بغضب جم مقاطعة إياها :
-نعم ؟ بتقولي عمل ايه ؟ هو اتجنن ؟ ازاي يعمل كده من نفسه !
ردت أماني مدافعة عنه :
-هو كان عاوز ياخد خطوة معاكي !
هتفت إيناس منفعلة وقد احتقنت عيناها :
-ده على أساس إني موافقة أرتبط بيه ؟
أضافت أماني قائلة بحذر :
-المشكلة إنه عرف إنك مخطوبة
شهقت إيناس مستنكرة ما سمعته تواً ، وهتفت قائلة بتشنج :
-ايه ؟ مخطوبة !! مين المتخلف اللي قال كده
أجابتها أماني بغموض أكثر :
-خطيبك !
ارتفع حاجبي إيناس للأعلى بصدمة ، ورددت صائحة :
-نعم ، انتي فاقية يا بنتي ؟
ردت عليها أماني بجدية :
-والله ما كلامي ، ده واحد كان مع أخوكي عصبي ومش طايق نفسه
انكرت إيناس ذلك التصريح الزائف هاتفة بشراسة :
-كدب محصلش !
ردت عليها أماني متساءلة بغرابة :
-ووائل هيقول كده ليه ؟
-معرفش
أضافت أماني موضحة :
-يا بنتي ده منهار من اللي اتعمل فيه من خطيبك !
صاحت فيها إيناس بعصبية منكرة ما قالته :
-برضوه هتقولي خطيبي ، قوليلي مين الكداب ده ؟
أجابتها أماني بنبرة شبه حائرة :
-مممم.. بصي هو تقريبا قال ان اسمه آآ.. باين باسل أو باسم .. يعني حاجة زي كده !
وكأن كلمات رفيقتها الأخيرة كالسهام المسمومة التي أصابتها في مقتل ، فمجرد ذكر اسمه يصيبها بحالة مزاجية سيئة ، فماذا عن تصريح خطير أهوج كهذا ..
لذا صرخت مصدومة بلا وعي وقد اتسعت مقلتيها بشدة :
-ايييييييه ؟ مين ؟!!!!
……………………………………
ولج مسعد إلى داخل غرفة والدته محاولاً تلطيف الأجواء معها ، وإقناعها بأنها قد أساءت فهمه ، فوجدها واضعة للهاتف على أذنها وتردد بعصبية :
-أنا عارفة مابيردش ليه ؟
هتف مسعد محاولاً لفت انتباهها إليه فقال :
-يا ماما !
رفعت عيناها نحوه ، ونظرت له بتأفف ، ثم صاحت فيه مزمجرة :
-امشي من هنا ، مش عاوزة أشوفك !
اقترب مسعد منها وهو يرسم على ثغره تلك الابتسامة العريضة ليمتص غضبها ، ثم انحنى برأسه ليقبل كتفها ، وهمس لها بنبرة دبلوماسية :
-اهدي بس واسمعيني !
عاتبته والدته قائلة :
-بقى أهون عليك تقهر قلبي
مسح على ظهرها برفق وهو يقول :
-يا حاجة ربنا ما يجيب قهر ، اديني فرصة أحكيلك على كل حاجة !
هزت رأسها محتجة وهي تصيح بصوت هادر :
-أبداً ، الشوية اللي بنت الخواجات عملتهم عليك وخدتك تحت باطها مايخلوش عليا !
نفخ مسعد قائلاً بإحباط :
-لا إله إلا الله ! طب استني أما يجي بابا وهو يفهمك !
رفعت حاجبها للأعلى متفاجئة بما تفوه به ، وتساءلت بعبوس :
-هو أبوك كمان عارف بنصيبتك ؟
حرك مسعد رأسه نافياً :
-لا والله ، بس هو كان آآ….
قاطعته قائلة بإندفاع وهي تربت على فخذيها :
-أتاريكم مطبخينها سوا !
استنكر مسعد سوء ظنها الدائم ، وتخمينها الغير صائب ، وهتف بضجر :
-ياني ، لبستي اللوا مصيبة وهو برا الليلة كلها !
تابعت هي قائلة بسخط :
-آه يا ميلة بختي ، يا مرك يا صفية ، يا شماتة الناس فيكي !
-يا لهوي على ندب الحظ
في نفس التوقيت ولج والده إلى الغرفة على إثر صوتهما المرتفع ، واندهش من حالة الحزن والوجوم الظاهرة على وجهي كلاهما ، وتساءل بفضول :
-خير يا جماعة بتزعقوا ليه ؟
التفت مسعد برأسه نحوه ، ورد بتلهف :
-كويس إنك جيت يا بابا عشان آآ…
قاطعته صفية قائلة بحدة وهي تتحرك في اتجاه زوجها :
-كنت عارف باللي ابنك عمله وساكت !
قطب جبينه متعجباً ، وضاقت نظراته وهو يسألها بعدم فهم :
-في ايه يا صفية ؟
ردت عليه معاتبة وقد احتدت نظراتها :
-ده أنا مراتك وآآ…
لم تكمل عبارتها للنهاية حيث اقتحمت إيناس الغرفة وهي تصيح بإنفعال :
-مسعد !
مال أخيها برأسه للجانب لينظر إليها ، فوجد تجهماً مقلقاً يسكو جميع خلجات وجهها ، فضغط على شفتيه للحظة ، ثم سألها بإمتعاض :
-عاوزة ايه ؟
لوحت بذراعها في الهواء بتشنج مجيبة إياه بصوت غاضب :
-هو صاحبك اتجنن في مخه وعامل نفسه خطيبي ! ازاي تسمحله يقول كده من غير ما تربيه وتقطع لسانه ؟
حدق اللواء محمد في ابنته بغرابة متعجباً من تصريحها اللاذع ، وتساءل بحنق بعد أن شعر بجهله بما يدور في منزله :
-هو في ايه ؟ أنا مش فاهم حاجة ، عرفوني باللي حاصل بدل ما أنا عامل زي الأطرش في الزفة !
تأمل مسعد أوجه عائلته ونظراتهم المتنوعة ما بين غضب وحيرة واستنكار ، وهمس لنفسه :
-دي عيلة مجانين وربنا !
…………………………..
في الوحدة العسكرية ،،،،
حاول باسل إلهاء عقله لبرهة عن التفكير في تخمين رأي إيناس عقب معرفتها بعرض خطبته لها .. وأفرغ معظم طاقته في التدريب المتواصل وممارسة التمارين العنيفة ..
ومع ذلك لم ينجح ، فصورة ذلك السمج الذي طلب خطبتها كانت تلاحقه بإستمرار فتزيد من حدة غضبه ، وبالتالي يزداد شراسة في أفعاله ..
-اه لو كان سابني مسعد عليه
هتف بتلك العبارة وهو يكز على أسنانه بشراسة ..
حاول أن يضبط انفعالاته أكثر ، وحدث نفسه بإصرار :
-مش هسيبك تضيعي تاني مني .. انتي ليا وبس يا إيناس !
ثم تابع تدريباته بقوة أكبر ….
………………………………..
في منزل مسعد غراب ،،،
وقف مسعد حائراً بين أفراد عائلته يراقب ردة فعل كل شخص منهم على حدا .. فوالدته حانقة وثائرة بسبب اعتقادها في زواجه بدون علمها ، وأخته تكاد تطيح برؤوس من يقف أمامها لمجرد معرفتها بتقدم باسل لخطبتها .. أما أبيه فيبدو مغيباً عما يدور من حوله ويحاول جاهداً استيعاب الموقف ، و تهدئة الأوضاع وعقد هدنة مؤقتة ريثما يفهم كل شيء ..
تأملهم بنظرات دقيقة ثم صاح فجأة بزمجرة شبه حادة بعد أن يأس من السيطرة على الموقف :
-طالما محدش عاوز يسمعني ولا يديني فرصة يبقى بناقص وجودي هنا !
ساد صمت مفاجيء والتفتوا جميعا نحوه ، فتابع بغرابة :
-وقت ما تهدوا هتفاهم معاكو .. سلام !
لم يضف المزيد وتحرك بخطوات أقرب للركض في اتجاه باب المنزل ليعود إلى وحدته العسكرية ..
ركضت إيناس خلفه وهي تتساءل بصوت هادر :
-انت يا مسعد سايبنا ورايح فين
لم يلتفت إليها ، وأجابها بهدوء حذر :
-خارج ، لكن بالمنظر ده هتبقى خناقة وهنقول كلام يزعلنا كلنا من بعض !
تابعت هي قائلة بتجهم شرس :
-ماتمشيش من غير ما آآ…
لم يصغِ إليها ، فقد ظن أن تصرفه هذا هو انسحاب سلمي ليعطي الجميع الفرصة للهدوء والتريث قبل إصدار اﻷحكام النهائية …
………………….
في منزل سابين ،،،،
لم تهنأ سابين بنوم مستقر منذ تلك الليلة التي عرف فيها حبيبها كل شيء ..
كانت تخشى عليه من اﻷذى ، واﻵن باتت تخاف من خسارته للأبد ..
تورمت عيناها من كثرة البكاء .. حتى أن الصغيرة ببرائتها وضحكاتها المرحة لم تستطع إخراجها من حالتها الكئيبة تلك ..
حدقت هي أمامها في الفراغ بأعين دامعة ، وهمست لنفسها بندم :
-كنت مضطرة موسأد ابعد عنك زمان ، بس اﻵن مش إقدر !
قفزت الصغيرة جينا أمامها وهي تتساءل بمرح :
-مامي .. دادي ( سيأتي مرة أخرى ) come again!
هزت سابين رأسها نافية وهي تجيبها بصوت منتحب :
-نو جينا .. دادي فلاي away ( حلق بعيداً )
هتفت الصغيرة ببراءة :
-أنا love ( أحب ) دادي !
ثم عبس وجهها قليلاً وهي تتساءل بتوجس :
-دادي don’t love me ( هو لا يحبني ) ؟
استشعرت سابين من حديث الصغيرة احساسها بكرهه لها ، فخشيت أن يؤثر هذا على حالتها النفسية ويصبح هذا معتقداً راسخاً في عقلها، فهتفت مستنكرة وهي تضمها إليها :
-نو نو .. دادي بيحبك كتير ، بس هو busy so much ( مشغول الفترة الحالية )
ابتسمت الصغيرة بسعادة :
-اوكي مامي !
مسحت سابين على وجنة الطفلة بنعومة ومالت عليها لتقبلها بحنان أمومي غريزي ، ثم ضمتها إلى أحضانها ومسحت على شعرها برفق وهي تتنهد بإستياء عميق …
……………………………..
في الوحدة التدريبية العسكرية ،،،
ما إن عرف باسل بعودة مسعد حتى ترك ما في يده وذهب إليه ليعرف منه أخر المستجدات ..فقد كان يحترق شوقاً ويتوق بتلهف كبير ليعرف رأيها ..
تفاجيء هو بحالته المتجهمة المسيطرة على تعابير وجهه ، ونظرات الحزن التي تكسو عيناه .. فانقبض قلبه بخوف كبير، وازدرد ريقه بتوتر ، ثم سأله متوجساً :
-ايه الاخبار ؟
لم يجبه اﻷخير وزفر بتنهيدة مطولة تعكس جزءاً ضئيلاً مما يضمره في صدره من آلم وضيق ..
قفز قلب باسل في قدميه ، وسأله بقلق واضح :
-ما ترد عليا يا مسعد حصل ايه ؟
رد عليه مسعد بتساؤل فاتر :
-في ايه بالظبط ؟
هتف باسل بحدة وهو يشير بعينيه :
-في موضوعي طبعاً !!!!
رمقه مسعد بنظرات خاوية ، وأجابه بتهكم :
-تفتكر انت هايكون ايه يعني ؟
جف حلق باسل ، وتهدل كتفيه للأسفل ، وتساءل بنبرة شبه حزينة :
-يعني … آآ .. إيناس عرفت وآآ رفضت ؟
التوى ثغر مسعد بضحكة ساخرة ، ورد عليه بعدها بسخط :
-رفضت دي اخر كلمة قالتها بعد ما قلبت الدنيا وخربتها ، ويمكن دلوقتي زمانها طايحة في كل اللي في الجيم ، ده إن مكانتش عملتلهم عاهة!
عقد باسل ما بين حاجبيه مردداً بتعجب قليل :
-الجيم !
أوضح مسعد مقصده قائلاً :
-اه .. ماهي بتدرب 3 أيام في الاسبوع في الجيم اللي ورانا بشارعين !
هز هو رأسه متفهماً إحساسها برغبتها في التنفيس عن مشاعرها المحتقنة ضده ، ورغم ذلك لم يشبع هذا فضوله في معرفة سبب رفضها لعرضه ، ولذلك تساءل بنبرة بائسة :
-طب مقالتش السبب ؟
أجابه مسعد بتذمر :
-ما انا قايلك انها مش بتطيقك ولا بتقبلك وآآ…..
قاطعه باسل بحدة ظناً منه أن سبب رفضها إياه لوجود شيء ما يربطها بذلك الثقيل زميلها في الكلية :
-طب هي بتحب الواد الملزق الـ… آآ
رد عليه مسعد مقاطعاً إياه قبل أن يتطاول بفظاظة ويسب وائل :
-ولا جابت سيرته أصلا .. بس اللي هتيجنني هي عرفت ازاي وأمي مكانتش لحقت تقولها!
احتقن وجهه نوعاً ما ، وضاقت نظراته وتحولت للشراسة وتمتم من بين أسنانه بغلظة :
-اكيد الـ …. ده كلمها وعرفها !
هز مسعد رأسه نافياً وهو يقول :
-لا معتقدش ، هي صاحبتها طلبتها قدامي وشوية واتقلب حالها !
صاح فيه باسل بعصبية :
-اومال رفضتني ليه ؟؟ !!!!!
حرك مسعد كتفيه نافياً :
-معرفش !
بدا على وشك الإنفجار ، وهدر بغضب زائد :
-يا مسعد ريحني بدل ما أنا بأهري في نفسي كده
رد عليه رفيقه بنفاذ صبر :
-مش اما ارتاح انا الاول
سأله باسل بإمتعاض :
-طب انت عملت ايه في موضوعك
حدق فيه مسعد بنظرات متأففة ، ورد عليه مستنكراً تجاهله لوضعه المتأزم :
-لسه فاكر تسألني .. صحي النوم يا باشا !
أغمض باسل عينيه ، وأخذ نفساً عميقاً حبسه لثوانٍ قليلة داخله ليستعيد هدوئه ، فهو يعلم أن الإنفعال لن يحل شيئاً .. ثم زفره دفعة واحدة ، وفتح عيناه ، ووقف قبالة رفيقه ،
ثم وضع يده على كتف رفيقه ، وضغط عليه قليلاً وهو يقول :
-معلش يا صاحبي غصب عني !
أخفض مسعد عينيه ، ورد بيأس :
-اهوو موضوعي أنأح من بتاعك بمراحل
أضاف باسل قائلاً بجدية :
-اكيد الحاجة صفية مسكتتش !
لوى مسعد فمه بسخط وهو يرد عليه :
-قول هي ماقالتش ايه !
سأله باسل بإهتمام وهو محدق به :
-طب وإنت ناوي على ايه ؟
رد عليه بتنهيدة مطولة :
-ربك يدبرها من عنده !
حاول مسعد الابتسام ليهون على نفسه المسألة ، وأضاف متفائلاً :
-وعلى رأي المثل تبات نار تصبح رماد !
ابتسم رفيقه له وهو يرد :
-ايوه .. مظبوط !
………………………………
في الصالة الرياضية ،،،،
لم تستطع إيناس كبح نوبة غضبها الهائج ، وبدت متشنجة على غير المعتاد وفاقدة للتركيز ..
لاحظت مدربتها هذا اﻷمر ، فاقتربت منها ، ونظرت لها بدقة فرأتها ترتكب أخطاءاً جسيمة ربما تؤدي لإصابتها دون وعي ، لذا حذرتها قائلة :
-إيناس كده مش ينفع خالص .. انتي بتأذي نفسك !
انتبهت هي إلى صوتها ، واعتذرت قائلة :
-سوري يا كوتش
تابعت المدربة قائلة بجدية وهي تشير بسبابتها :
-ركزي وإلا كده انتي بترهقي عضلاتك وجسمك بدون فايدة حقيقية !
أومـــأت برأسها ايجاباً :
-حاضر
أكملت المدربة حديثها بإبتسامة رقيقة :
-في كورس يوجا بدأ من يومين ايه رأيك تشتركي فيه ؟
اعترضت إيناس بجدية :
-ماليش في جو اليوجا وحركات الشلل والصمت دي !
انزعجت المدربة من تفسير إيناس الخاطيء لتلك الرياضة التأملية ، وصححت لها مفهومها :
-انتي فهماه غلط .. رياضة اليوجا مهمة جدا للاسترخاء وتصفية الذهن وآآآ….
شعرت إيناس بالملل من حديثها الغير مجدي ، فهي بالطبع لن تشترك في تلك الرياضة ، وحاولت أن تبدو لطيفة وهي تقول مجاملة :
-ان شاء الله ، هابقى اشوف !
أصرت المدربة على رأيها قائلة :
-حاولي بس انتي تشتركي فيه !
زفرت إيناس بيأس من إلحاحها ، وردت عليها بنبرة قاطعة :
-ماظنش ، أنا مبسوطة كده
مطت المدربة شفتيها مستنكرة رفضها الغير مبرر ، ثم أضافت :
-صدقني انتي محتاجاه وهيفرق معاكي جامد !!
انتصبت إيناس في جلستها ، ونظرت في الفراغ أمامها ، ثم هتفت بنزق :
-اللي أنا محتاجة بجد هو إني اشترك في كورس رماية ، وضرب نـــــــــــار !!!!
……………………..
بعد مرور يومين ،،،،،
فكر باسل ملياً في طريقة يستطيع بها معرفة إن كانت إيناس تحب غيره أم ﻻ .. فمجرد اعتقاد انها تشارك شخص أخر في حياته تصيبه بالجنون والعصبية ..
عاد بذاكرته للحظات تهوره وإنفعاله المستفز لها ، وندم أشد الندم لتصرفاته الطائشة والعنيفة مسبقاً معها .. وبالطبع أتت النتائج بصورة سلبية للغاية ، واليوم هو يحصدها …
زفر بإستياء كبير .. وذرع غرفته جيئة وعودة حتى يأس من كل شيء ..
بدا إلى حد كبير عاجزاً عن التفكير بذهن صافي ، فجميع أفكاره تنتهي إلى حل ميئوس ..
ضغط على رأسه بقوة بكفيه ، وركل الأرضية بقدمه .. وفجأة توقف في مكانه ، فقد طرأ بباله شيء ما ..
تهللت أساريره ، وتنفس الصعداء ، وهتف لنفسه بحماس عجيب :
-مافيش إلا كده !
زادت ابتسامته اشراقاً وهو يكمل بجدية :
-أرتب الخطة صح ، وساعتها هاتعرفي يا إيناس أنا اقدر اعمل ايه بالظبط عشان تكوني ليا !
………………………
توجه اللواء محمد إلى الوحدة العسكرية لزيارة ابنه ومعرفة تفاصيل كل شيء على روية وبعيداً عن جو المنزل المشحون والمعقد لتضح الصورة بالكامل له ..
هو تمكن من تهدئة زوجته ، لكن رغم هذا لم يعرف بملابسات الأمور ..
التقى بابنه ، فسرد له الأخير ما جرى لاحقاً وما توصل إليه ، فأدرك هو أن مسعد مجرد وسيلة لاتمام اﻹجراءات اﻷمنية الخاصة بتأمين الشاهدة وحمايتها ..
هز هو رأسه متفهماً ، وأضاف بنبرة رزينة :
-اطمن يا مسعد أنا هاتصرف مع أمك وهافهمها بطريقتي !
تساءل مسعد بحزن ظاهر في نبرته بعد أن أصبحت نظراته يائسة :
-تفتكر هتوافق على جوازي منها؟
صمت والده ولم يجبه .. وأخذ يتفرس تعابير وجهه بحنكة ..
أيقن هو أن ابنه متيماً بتلك الفتاة رغم كل شيء ، وينقصه فقد أن يتأكد من حدسه ، لذلك سأله بنزق :
-انت بتحبها ؟
لم يجد مسعد بداً من الهروب من الإجابة ، فرد عليه بإستياء :
-اه
ابتسم والده دون تكلف وهو يضيف :
-خلاص يا بني ، سيبها على الله ثم عليا !
ارتفع حاجبي مسعد للأعلى ، وارتخت تعابيره الحزينة ليحل محلها أخرى سعيدة ، وهتف غير مصدق :
-بجد يا بابا !
أجابه والده بهدوء واثق :
-ايوه يا مسعد .. طالما ده هيسعدك ايه المانع
نهض مسعد ليحتضن والده ، ثم شكره ممتناً لوقوفه إلى جواره ودعمه له في تلك المسألة المصيرية ..
ثم هتف بسعادة جلية وقد ظهرت نواجذه :
-اخيرا بسمة أمل في جو الاكتئاب اللي عايش فيه ده بقالي ياما !
رد عليه والده بثقة :
-بتيجي على اهون سبب يا بني !
وافقه مسعد الرأي ، وردد قائلاً بفرحة عامرة :
-ونعم بالله فعلاً !!!!!
…………………… ……….
لاحقاً في منزل مسعد غراب ،،،،،
تمكن اللواء محمد من اقناع زوجته أنها أساءت فهم كل شيء ، وأوضح لها بدبلوماسية حكيمة كل الظروف ..
مصمصت هي شفتيها غير مصدقة أن ابنها كان فرداً في تلك العملية الخطيرة ، وأنه تمكن بجدارة من حمايتها ، ورددت بنبرة عادية :
-بقى الموضوع كده؟
أجابها بجدية :
-اومال انتي مفكرة ايه يا صفية ، المواضيع دي مافيهاش هزار !
ضاقت نظراتها واحتدت ، وهتفت معاتبة :
-وانت كنت عارف وساكت ؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد :
-أيوه ، لأنها أسرار عسكرية !
تجهم وجهها قليلاً ، وعنفته برقة :
-وأهون عليك تسيبني كل الفترة دي على عمايا !
رد عليها موضحاً موقفه :
-أنا نفسي معرفتش بالتطورات الا من ابنك !
ردت مستنكرة وهي تحرك رأسها للجانبين :
-صحيح يدي الحلق للي بلى ودانه !
تأكد اللواء محمد من استقرار الأمور وتفهم زوجته للوضع ، فتابع قائلاً :
-طيب انتي رأيك ايه في موضوع جوازه منها ؟
ردت عليه بإمتعاض :
-يعني مافيش الا هي !!!!!!
تابع قائلاً بجدية :
-ابنك بيحبها وعاوزها
التوى فمها وهي ترد بسخط :
-بس دي معاها عيلة .. هو ناقص هم .. وعلى رأي المثل يا مربي في غير ولدك يا باني في غير ملكك ..
عنفها زوجها على تفكيرها العقيم قائلاً بحدة :
-يا صفية حرام عليكي ، بلاش الكلام ده ..دي يتيمة وطفلة ..والرسول عليه الصلاة والسلام وصانا على اليتيم وقال أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة !
ردت بإقتضاب :
-عليه الصلاة والسلام ، بس أنا امه وعاوزة افرح بعوضه من صلبه وآآ…
قاطعها قائلاً بتبرم :
-يا صفية بأقولك هي لسه متجوزتش وبنت بنوت !
نفخت هي بصوت مسموع ، وردت عليه متذمرة :
-بس هانقول للناس ايه ؟
استنكر هو تفكيرها المبني على رأي الأخرين وتدخلهم في مسائل حياتهم ، وتشدق متسائلاً :
-انتي يهمك الناس ولا سعادة ابنك ؟
أجابته بتنهيدة مطولة :
-ابني !
ابتسم لها قائلاً بثقة :
-يبقى توكلي على الله ووافقي .. !!!!
ظل العبوس محتلاً القسم الأكبر من وجهها ، فتابع هو بحنو :
-عاوزين نشوف احفاد مسعد يا صفية ، ها موافقة ؟
فكرت هي في حديث زوجها لبعض الوقت ، ووجدت أنه ربما يكون محقاً في بعض الأمور .. إلا أنها لا تستطيع أن تحرم فلذة كبدها من فرحته ..
أخفضت هي نظراتها ، وردت مستسلمة :
-طيب !
أومأ اللواء محمد برأسه قائلاً :
-أما اتصل على مسعد افرحه !
-روح كلمه
قالتها صفية بإبتسامة باهتة وهي تتابعه بعينيها ….
…………………………….
هلل مسعد مبتهجاً حينما أبلغه والده بموافقة أمه على زواجه من سابين ، وصاح بسعادة غامرة :
-ما يجيبها الا رجالها .. ربنا يخليك ليا يا بابا !
أضاف والده قائلاً بحماس مشجعاً إياه :
-شد حيلك انت يا بطل وشوف ايه الاجراءات المطلوبة عشان نعملك فرح وتتجوزها !
رد عليه مسعد بثقة والابتسامة لم تفارق محياه :
-يا بابا هي مراتي .. صحيح على الورق بس برضوه مراتي
هتف والده بنبرة أكثر جدية :
-دي دواعي أمنية .. لازم الاشهار!
رد عليه مسعد بحماسة مفرطة :
-دواعي دواعي وماله ، أنا هاعمل كل حاجة !
أطلق تنهيدة عميقة تعبر عن إرتياح شديد ، ثم أكمل بمرح :
-سلملي على ماما وبوسهالي
رد عليه والده بمزاح :
-لا انت اللي تيجي تعمل ده بنفسك !
هتف مسعد بنبرة عازمة :
-على طول .. اخد بس التصاريح وهتلاقيني فوق دماغها !!!
في نفس التوقيت ، اقترب باسل من رفيقه فوجده في حالة غريبة تختلف كلياً عما تركه عليها قبل لحظات ، فسأله بفضول :
-في ايه يا مسعد ؟
رد عليه بحماسة وقد أشرقت نظراته ،ولمعت عيناه :
-باركلي خلاص هاتجوز صابرين !
ارتسمت علامات الصدمة على وجه باسل ، وردد مذهولاً :
-هما وافقوا عندك ؟
لكز مسعد رفيقه في كتفه بخفة ، وهز رأسه قائلاً بتفاخر :
-ايوه ..البركة في تكتيكات سيادة اللوا والهجوم المباغت اللي دخل بيه على الحاجة صفية ، فضرب قواعدها ، ورفعت رايات الاستسلام
ضحك باسل من دعابة رفيقه ، واحتضنه قائلاً :
-مبروك يا صاحبي !
ربت مسعد على ظهره ، ورد عليه بمكر :
-الله يبارك فيك . وعقبالك مع اللي تستاهلك !
ابتسم باسل بغرور وهو يرد بنبرة واثقة :
-انا عارف عاوز مين ومش هيأس !
-اها ..
ثم أضاف بنبرة عاشمة :
-ادعيلي بس !
هتف مسعد مازحاً :
-انا هاخلي الحاجة صفية بنفسها تدعيلك، وشوف انت بقى اللي بتدعيله هيحصله ايه !!
…………………….
في منزل مسعد غراب ،،،،
هاتفت الحاجة صفية ابنتها إسراء لتبلغها – كعادتها – بأخر ما حدث في العائلة ، وبالطبع كانت الأخيرة حريصة على معرفة كل جديد .. وعلمت بكل ما يخص سابين وقضيتها الشائكة .. وما أتبعه من لجوئها إلى حيلة ارتباطها الوهمي بمسعد كزوج لها لتتمكن من الاختفاء نهائياً من المتربصين بها .. ثم اعترافه بحبه لها ، ورغبته في الزواج فعلياً منها ..
رددت صفية بتذمر :
-ابوكي واخوكي بلفوني !
ردت عليها إسراء بتعجب :
-ياه كل ده حصل واحنا مش عارفين !
هتفت صفية مستنكرة :
-اه يا بنتي .. ده ولا الروايات !!!
أضافت إسراء قائلة بإعجاب :
– ان جيتي للحق ياماما البت امورة وكويسة
تنهدت صفية بإستياء :
-انا مقولتش حاجة ، بس كان نفسي افرح وانقي عروسة ابني بنفسي … تكون نقاوة عيني !
ردت عليها إسراء بجدية :
-يا ماما العروسة للعريس والجري للمتاعيس !
لم تقتنع صفية بما تردده ابنتها ، واعتقدت في وجود من يضمر لها سوءاً ويحسد أبنائها ، ويتمنى لهم الشر .. فغمغم بتبرم :
-آآخ يا خواتي ، محسودة في عيالي !!!!
لم ترغب إسراء في مجادلة والدتها في ذلك الأمر ، وتساءلت بإهتمام :
-طب والبت نوسة ؟ مش ناوية توافق على باسل
ردت عليها بنبرة مستاءة :
-اهوو ده اللي قهرني .. عريس لقطة وابن ناس وكويس !
هتفت إسراء مقترحة :
-طب ما تكلميها تاني .. وأهوم بيقولوا الزن على الودان أمر من السحر !
تنهدت صفية بإنهاك وهي تقول :
-هاجرب مش هانخسر حاجة
…………………………………………
على مقربة من الصالة الرياضية ،،،،،،
حدق باسل في المدخل المؤدي للصالة بنظرات دقيقة مترقباً وصول إيناس بين لحظة وأخرى..
قرر ألا يبدل ثيابه العسكرية بأخرى عادية ، فهو بحاجة ليبدو رسمياً لينفذ خطته ..
تنفس بثبات ، وتفحص المارة بجدية ..
وما إن لمح حبيبته حتى تأهب في جلسته ووضع الهاتف على أذنه وتحدث بنبرة غامضة و شبه آمرة :
-اجهزوا !
أخفض نظارته الشمسية وجلس بإسترخاء وهو يطرق بأصابعه على المقود بحركة روتينية ثابتة بعد أن تأكد من ولوجها للداخل ..
انتظر هو لبرهة بداخل سيارته ليتأكد من بدء تدريباتها المعتادة وانشغالها بها ، ثم ترجل بعدها منها ، وسار بخطوات جادة نحو المدخل …
توقف في مكانه وتلفت حوله بنظرات شمولية إلى أن سلط أنظاره في اتجاه ما ، ثم هز رأسه بإيماءة خفيفة ليتجمع حوله في ثوان معدودة أقرانه في وحدته العسكرية …
شكل الجميع حوله دائرة قتالية بثيابهم العسكرية اللافتة للأنظار .. فجاب ببصره عليهم واحداً تلو الأخر ، وحدق فيهم بإعجاب جلي
التوى ثغره بإبتسامة مغترة ، ثم أردف متساءلاً بهدوء مريب :
-جاهزين يا رجالة ؟!
أجابوه بجدية وكأنهم على وشك الدخول في معركة حامية الوطيس :
-تمام يا باشا ………………………. !!!


