روايات شيقة

رواية دواعي امنية مشددة الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم منال سالم

رواية دواعي امنية مشددة الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم منال سالم 

 

الفصل التاسع والعشرون ( الجزء الأول ) :

أبطأ مسعد السيارة حينما أوشك على الاقتراب من البناية القاطن بها باسل .. وظل يتفقد الطريق بحرص حتى يتجنب التصادم مع أي سيارة ، خاصة أن مساحة الطريق كانت ضيقة للغاية .
ورغم الهدوء الحذر الواضح على وجه إيناس ، إلا أن روحها كانت مشتعلة من الداخل ..
فنيران كرهها له لم تهدأ ، بل كانت دوماً مستعرة لكنها لم تظهر هذا لأحد .. حتى الأقرب إليها لم يشعروا بما كانت تعانيه ..
أوقف مسعد السيارة ، والتفت برأسه للجانب ليرمق جميع أفراد عائلته بنظرات شمولية وهو يقول :
-انزلوا انتو هنا ، وأنا هاشوف راكنة قريبة للعربية واحصلكم

أشـــار له والده بيده وهو يقول :
-طب ما تركن قصاد الجراج ده ، أو عندك عربية باسل محدش آآ…

قاطعه مسعد قائلاً بجدية :
-يا بابا مش عاوزين مشاكل مع حد ، خلينا نركن في أي حتة وخلاص ، مش هاتفرق كتير ..

رد عليه أبيه بصوت جامد :
-اللي يريحك !

ثم أومىء برأسه لزوجته وهو يضيف :
-يالا يا صفية ، تعالي يا إيناس

أجابته زوجته قائلة بنبرة شبه مرهقة :
-حاضر .. احنا مجناش هنا قبل كده ، هانعرف بيته ازاي ولا آآ…

قاطعها مسعد بهدوء :
-إيناس جت معايا قبل كده مرة ، وعارفاه ، صح ولا نسيتي ؟

ردت عليه إيناس بتأفف :
-أها ! مش ناسية مكانه

هتف اللواء محمد بنفاذ صبر :
-طب انجزوا ، وبلاش عطلة اكتر من كده !

وبالفعل نزل الثلاثة من السيارة متجهين نحو مدخل البناية ، بينما تابعهم مسعد بنظراته حتى اختفوا بالداخل ، فتحرك بالسيارة باحثاً عن مكان شاغر ليصفها فيه ..
لمح سيارة أخرى تأتي من الطرف المعاكس تحاول المرور ، فأزاح سيارته إلى أقصى الجانب ليعطي قائدها أكبر مساحة ممكنة لكي يمر دون أن يحدث أي تصادم بينهما أو احتكاك ..
ونجح في مسعاه ، ولكنه تفاجيء بشبحها يمر بجواره ..
فخفق قلبه بصورة مباغتة ، وتسارعت دقاته فجــأة ، وتصلبت حواسه بالكامل للحظة ..
أفاق من صدمته القوية سريعاً ، والتفت برأسه للجانب ليتأكد من صحة ما رأى ..
لقد كانت هي .. حبيبته – سابين – التي لم ينساها للحظة ..
هي مرت من هنا ، وهو قد رأها بالفعل .. لم تكن وهماً ـ ولم يكن خيالاً صوره له عقله .. بل كانت هي حقاً ..
وما أكد شكوكه هو صوتها الذي يحفظه عن ظهر قلب واخترق أذنيه بقوة ليصيب أوتار قلبه وهي تشكره بنعومتها المميزة :
-ثانكس !

حدق في سيارتها التي تبتعد رويداً رويداً عنه بنظرات مصدومة ، وفغر فمه في ذهــــول تام ..
لم يدرِ كيف أدار محرك سيارته واستدار بها بصورة عجيبة ليتمكن من اللحاق بها قبل أن تهرب منه للأبد ..
…………………………….

في منزل باســــل سليم ،،،

قرع اللواء محمد الجرس ووقف في المقدمة لينتظر من يفتح الباب له ولعائلته ..
بعد أقل من دقيقة ، كانت الخادمة ترحب بالجميع وتشير لهم بالدخـــول .. ولكن تعمدت إيناس التباطيء في الدخول وتعللت بإصلاح رباط حذائها ذي الكعب العالي كي تلج متأخرة ..
دخل اللواء محمد أولاً ، واختطف نظرات سريعة في المكان من حوله ، ثم توجه بأنظاره نحو أصحاب المنزل الذين كانوا في انتظار وصول أخر المدعوين ..
رسمت السيدة صفية على وجهها قناع المجاملة الذي تجيده في تلك النوعية من المناسبات .. وأطلقت زغرودة سعيدة وهي تطأ بأقدامها صالة المنزل لتلحق بزوجها ، فانتبه الجميع لها .. وخاصة باسل الذي بدى مضطرباً على غير المعتاد ..
ابتلع ريقه ، ونظم أنفاسه ليحافظ على ثباته الانفعالي في الوقت الحالي .. فلا حاجة به لرفع نسبة الأدرينالين في دمائه من شيء تافه .. هكذا ظل يردد لنفسه في صمت ..

تعجب خـــالد من تصرف تلك السيدة التي لا يعرفها بعد أن التفت بجسده ناحيتها ليتفحصها بإهتمام ، ومال على أخيه ليســأله عن هويتها ، فأجابه باسل بخفوت :
-دي أم مسعد صاحبي

أضاف خالد بمزاح جاد :
-واضح إنها جاية تعمل معاك الواجب !

أجابه باسل مبتسماً بتصنع :
-أصلها بتعزني أوي

هز خالد رأسه متفهماً وهو يقول :
-أها .. ده باين فعلاً

حذره باسل بجدية :
-اسكت بقى عشان جاية علينا
-اوكي

هتفت صفية بنبرة فرحة وهي تشير بيديها في الهواء :
-ألف مبروك يا باسل ، والله فرحنالك كلنا من قلبنا ، ربنا يتمملك على خير يا رب !

-الله يخليكي يا طنط !
قالها باسل وهو ينهض عن الأريكة الواسعة التي كان يجلس عليها ، ومد يده لمصافحة السيدة صفية ، ولكنها جذبته بقوة لتقبله من وجنتيه بحرارة ، فهو بمثابة أخٍ ثانٍ لابنها .. وتابعت بسعادة :
-عقبال مسعد لما نفرح بيه زيك
-إن شاء الله
رد هو عليها متراجعاً بجسده للخلف بعد أن ادعى الابتسام ..

وتلقائياً بحثت عيناه عن إيناس ، لكنه لم يرها بعد .. فظن أنها رفضت الحضور ، فعبس وجهه قليلاً وأصيب بالإحباط ، وظهرت في عينيه لمحات شبه حزينة …

تحرك خالد من مكانه ليشعل سيجاراً ليدخنه بعيداً عن الواقفين ، فاتجه نحو الخـــارج ، وقبل أن يشعلها بقداحته تشكل على تعابيره الهادئة علامات الإندهاش ، واتسعت حدقتيه في صدمة حينما رأى تلك الفتاة تقف على أعتاب منزله تتأمل هيئتها في المرآة الكبيرة المعلقة على الحائط ..
أرخى يده للأسفل ، وأعاد وضع القداحة في جيب سترته ، ثم رسم على وجهه الجدية ، واتجه نحوها بخطوات ثابتة ..

استدارت إيناس بجسدها لتجد ذلك الشاب الذي التقت به قبل يومين أمامه ، ففغرت شفتيها مصدومة ، وتسمرت في مكانها غير مصدقة أنه بالفعل أمامها ..

رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد أنها لا تتوهم رؤيته ، وصدقت شكوكها حينما أردف قائلاً بنبرة رخيمة :
-أظن أنا مش جاي أعاكس ولا أفرض نفسي على حد ، انتي اللي جاية برجلك عندي !

قفز قلبها في قدميها من الصدمة ، ووضعت يديها على شفتيها لتردد بتوتر رهيب :
-إنت !

التوى ثغر خالد بإبتسامة شبه مغترة ، وأشـــار بذراعه في الهواء قائلاً :
-أهلاً وسهلاً بيكي في بيتنا المتواضع !

أنزلت يديها عن فمها ، وتلفتت حولها بعدم تصديق متساءلة :
-ده .. ده بيتك ؟!!!!

رد عليها بإيجاز وهو يقترب منها :
-ايوه

أبعدت إيناس عينيها عنه ، وعقدت ما بين حاجبيها بإستغراب ، وتمتمت بصوت خفيض مع نفسها :
-مش معقول

وقف خالد قبالتها ، وراقب ردة فعلها بفضول كبير .. ثم هتف بابتسامة مهذبة :
-غريبة صح !

رفعت رأسها لتنظر إليه عن قرب ، فأطال هو من نظراته الممعنة بها .. وظهر عليه الإهتمام بهيئتها الجميلة .. وزادت ابتسامته اتساعاً وهو يضيف :
-مممم.. مش بيقولوا الدنيا صغيرة !

توردت وجنتيها قليلاً من الاحراج .. وحاولت سريعاً أن تربط أطراف الخيوط معاً .. وهمست بعدم تصديق :
-مش ممكن !

لاحظ هو ذهولها الواضح في نظراتها إليه ، وتابع بصوت خفيض لكنه ثابت :
-أعتقد إنك مش قادرة تستوعبي ده لسه ! أنا ممكن أوضحلك أكتر

هتفت بشهقة عالية بعد أن توصلت للإستنتاج المؤكد :
-معنى كده إنك انت .. آآ…

انتبه هو لنظراتها المحدقة به ، وأعجبه حماسها الممزوج بخجلها ، وكذلك تبدل انفعالاتها في لحظة واخرى ، وردد متساءلاً بإهتمام وهو يدس يده في جيب بنطاله :
-أنا ايه ؟

أشارت بسبابتها نحو صدره وهي تسأله بصرامة غريبة :
-انت أخو باسل ؟

تعجب من أسلوبها المتحول ، وقطب جبينه مجيباً إياها بتساؤل أخر :
-باسل ! هو انتي تعرفيه ؟

هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد قائلة بجدية :
-اه ، يبقى صاحب أخويا مسعد

حرك خالد رأسه متفهماً سبب وجودها في منزله ، ومع ذلك لم يشبع هذا فضوله لمعرفة كيف لم يتعرف إليها طالما هي أخت رفيق أخيها .. فسألها بإهتمام أكبر :
-أها ، بس غريبة ، دي أول مرة أشوفك هنا ؟

نظرت له إيناس بنظرات حادة ، وردت عليه بحنق ظاهر في نبرتها بعد ان استشفت إشارة ضمنية منه لكونها سهلة المنال :
-أكيد طبعاً لازم تشوفني أول مرة ، ماهو أنا مش هاجي أزور أخوك يعني ، هو مش صاحبي أنا ، ولا أنا أعرفه أوي !

استشعر خالد الحرج مما قاله ، وتأكد من انزعاجها من سؤاله الغير دبلوماسي .. وظن أنه تسرع بل أخفق حينما ردد مثل تلك النوعية من الأسئلة التي لا تجوز خاصة في تلك المواقف والصدف الغريبة ..
كور قبضة يده ، وقربها من فمه ، ثم تنحنح بصوت خشن ، واعتذر قائلاً :
-احم .. سوري ، مقصدش ، انتي دايماً متسرعة وبتفهميني غلط ، أنا أقصد إن باسل مقاليش إنه يعرف بنات حلوين زيك

لم تهتم هي بما قاله ونظرت له شزراً ، فتابع قائلاً بحذر:
-قصدي ان اخوات أصحابه جُمال وشيك !

ردت هي بتأفف ظاهر بصورة جلية وهي تشيح بوجهها للجانب :
-أها أبيه باسل

صُدم خـــالد من اللقب ، وتمتم بلا وعي :
-أبيه !

أوضحت له إيناس مقصدها بإمتعاض :
-أصل أنا بأعتبره زي أخويا الكبير !

رفع خالد يده على رأسه ليمررها سريعاً بين خصلاته ، ثم ابتسم مازحاً :
-لا .. مش حلوة كلمة أبيه دي ، إنتي كده بتكبريني معاه ، يعني لو هو أبيه ، يبقى شوية وهاتقوليلي يا جدو خالد ، ولا ايه رأيك ؟ ينفع أبقى أنا جدو ؟!!!

ضحكت إيناس مقهقهة على دعابته الأخيرة ، فأثارت بصوتها انتباه ذلك الذي كان يتحرك ناحية غرفة الضيوف ليستقبل عروسه التي أوشكت على الانتهاء من زينتها وتنتظر هناك ..
توقف في مكانه ، وبدى كالصنم للحظة ..
حبس أنفاسه ، وتجمد كلياً وهو يكاد لا يصدق وجودها ..

تأهبت حواسه مرة أخرى حينما علت ضحكتها المميزة ، واشتعل شيء ما به .. وظهر الوجوم الممزوج بالغضب على تعابير وجهه ..
لم يشعر بقدميه وهما تتحركان نحو صاحبة الصوت المألوف ، و……………………………
……………………………..


الفصل التاسع والعشرون ( الجزء الثاني ) :

حــــاول مسعد اللحاق بتلك السيارة التي سمع منها صوت حبيبته المختفية منذ سنوات ..
لم يكن وهماً أو سراباً كما قد يظن غيره ، بل هو متيقن تماماً مما سمع ..
ولحسن حظه أن السيارة التي تقودها كانت سرعتها إلى حد ما بطيئة فتمكن من الاقتراب منها حتى أصبح مجاوراً لها ، وسلط أنظاره بالكامل عليها ، نعم لقد كانت هي ” سابيـــن ” ، هو لم ينسَ ليومٍ واحدٍ ملامحها التي حفرت في ذاكرته ..
تسارعت دقات قلبه لرؤيتها .. وتجمدت تعابير وجهه حينما رأها تزيح خصلات شعرها ليظهر جانب وجهها بوضوح كامل ..
نعم هي هنا بالقاهرة ..
هي حقيقة ظاهرة أمامه ..
هي حلم حياته الضائع ..
أفاق من تحديقه بها حينما رأى ما صدمه أكثر ..
اتسعت عيناه في ذهـــول كبير عندما وقعت أنظاره على تلك الطفلة الصغيرة التي تقفز بمرح بالمقعد الخلفي وتلوح بكف يدها له وكأنها تلقي عليه التحية ..
وقع قلبه في قدميه ، وزاد اتســـاع مقلتيه أكثر .. وانفرجت شفتيه بصدمة ..
في نفس التوقيت كانت سابين قد استدارت تلقائياً للجانب وهي تبتسم عفوياً … فرأته ..
تلاشت ابتسامتها فوراً ، وصدمت بشدة ، وحل عليها التجهم والذهول .. وفي لمح البصر كانت تضغط على دواسة البنزين لتزيد من سرعة السيارة لتبتعد عنه ..
صرخ مسعد بإسمها عالياً يحمل القوة :
-سابين !!!!!!

ولكنها نجحت في الفرار منه بحرفية تاركة إياه عالقاً في إشارة مرورية ..
ضرب بيده المقود بعصبية كبيرة لأنه فقدها .. لكن لم يغب عن ذاكرته التقاطه لثلاثة أرقام من لوحة سيارتها ، حتى وإن لم تكن كاملة ، وكذلك الحروف المطبوعة فوقها.. لكنها تعد طرف الخيط الذي سيوصله إليها ..

كز على أسنانه قائلاً بإصرار عنيد :
-مش هضيعك تاني مني ، هاعرف أوصلك حتى لو هربتي مني لأخر الدنيا !
…………………………………

في منزل باســــل سليم ،،،،

تحرك باسل نحو صاحبة الصوت الأنثوي المعروف ، وإن كان قد خمن هويتها قبل أن يراها إلا أنه لم يكن متأكداً من حضورها لحفل خطبته ..
انهارت عهوده ووعوده لنفسه بنسيانها وتجاوز تلك المرحلة من حياته بمجرد سماع ضحكتها التي استفزت مشاعره بشدة ، واثارت حنقه ، بل إنها ألهبت فؤاده ..
لم يظن أن يحدث به هذا ، وهو على وشك وضع خاتم خطبته في إصبع من اختارها شريكة حياته ..
ســؤال لاح بقوة في عقله رغم انكاره له ،
أيعقل أنه مازال يَغير عليها حتى وإن كان على وشك الإرتباط بغيرها ؟

-مش معقول !
قالها خــــالد وهو ينظر بإندهاش عجيب نحو إيناس التي تابعت بجدية :
-والله مش بأهزر ، أنا فعلاً في كلية سياسة واقتصاد !

رد عليها بتحمس واضح في نبرته :
-وأنا شغال في السلك الدبلوماسي ، وخريج نفس الكلية !

ارتسمت علامات الصدمة والتعجب على وجهها ، وردت عليه :
-صدفة عجيبة فعلاً !

كان باسل قد استمع إلى جزء من حوارهما ، وكتم غضبه الغير مبرر ، وســار في اتجاهها ، ولكنه لم يحظَ بفرصة رؤيتها بوضوح ، فقد حجبها عنه أخيه بجسده ..

استشعرت إيناس وجوده ، وشعرت بقليل من الرهبة ، وارتجف جسدها قليلاً .. لكن هناك شعوراً غريباً بل الأحرى مزعجاً بدأ يتسرب إليها ..
إحساس قلق ممزوج بالخوف والإرتباك تخلل في ثناياها ..
فالذكريات بينهما كان تتضمن الإهانة والعنف وردود الفعل المبالغة ..
تشبثت بجانبي فستانها بأصابعها وكأنها تحتمي فيه من عاصفة غضب قادمة ربما تطيح بالجميع ..

هتف باسل فجــأة بصوت يحمل الغضب أكثر منه الحدة :
-خالد ، إنت واقف مع مين ؟

رد عليه أخيه بعد أن التفت نحوه برأسه وابتسامة عريضة متشكلة على ثغره :
-مش هاتصدق قابلت مين ؟

ثم تنحى جانباً لتظهر إيناس بمظهرها المبهر أمامه ..
حدق فيها مصدوماً..
لقد اختلفت كلياً عما مضى
لم تعد تلك الصغيرة الطائشة ذات الشعر المشعث ، بل أصبحت أنثى ناضجة مفعمة بالحياة
أخذت إيناس نفساً عميقاً ، وحبسته لثوانٍ في صدرها لتتمكن من السيطرة على ثباتها وهدوئها أمام من تبغضه .. ومن ثم زفرته على مهل ، ثم رسمت ابتسامة متسلية على شفتيها الحمراوتين وهي تهلل قائلة بسعادة مصطنعة :
-ابيه باسل ! ألف مبروك على الخطوبة ، بجد فرحت من قلبي ليك !

( أبيه ) تلك الكلمة المستفزة التي دقت ناقوس الخطر في كيان باسل ..
هي تتعمد التصريح بها جهراً لتعذبه أكثر بها ..
عجز للحظة عن الرد عليها مرغماً ، أيفضح نفسه أمام أخيه الأكبر في ليلته المميزة تلك بردة فعله نحوها أم يتماسك ويحافظ على جموده ويظهر لها عدم تأثره بها ؟
اشتعلت نظراته ، وبدى وكأنه ينفث دخاناً من أذنيه ..
انتبه لحديث أخيه وهو يضيف :
-عاوز أقولك يا باسل إن أخر حاجة كان ممكن أتوقعها إني أشوف الآنسة هنا في البيت عندنا ، صدفة غريبة فعلاً !

صـــر باسل على أسنانه متساءلاً بحنق :
-وهو انت تعرفها ؟

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول :
-اه .. فاكر لما حكيتلك عن سوء التفاهم اللي حصل من كام يوم مع آآ…

تذكر باسل الموقف الذي سرده عليه أخيه قبل يومين ، وزاد حنقه أكثر ..
هو كان يخاطب إيناس ويتبادل الحديث معها بأسلوبه المنمق الذي يجذب النساء ..
لم يشعر بإرتفاع نسبة الأدرينالين في دمائه .. ورد عليه بنبرة مغلولة متعمداً الإساءة فيها إلى إيناس :
-البت اللي أعدت تشتم فيها وتقول قليلة الذوق ومش متربية ومعندهاش دم ولا ريحة الاحترام !!

ارتفع حاجبي إيناس للأعلى في صدمة مما لفظه تواً ، وصاحت مشدوهة :
-نعم !

تشكلت علامات الإندهاش العجيبة على وجه خالد الذي تفاجيء بما قاله أخيه ، وللحظة استنكر أسلوبه الفظ في وصف الأمر والإدعاء كذباً عليه ، فهو لم يتجرأ على وصــف الأمر هكذا ..

تابع باسل قائلاً بغيظ :
-تقصدها هي صح ؟ البت اياها اللي كنت هتشتمها وأنا قولتلك تكبر منها ، مظبوط ؟!

تلون وجهها بحمرة مغلولة ظاهرة .. واصطبغت عيناها بحنق جلي ..
تشفى هو فيها قليلاً بعد أن رأى انعكاس ما قاله على تعابير وجهها ، ونظر إليها ببرود ، وتكون على ثغره ابتسامة ماكرة ..

احتدت نظراتها المشتعلة منه ، بينما أكمل هو بإستخفاف :
-اصل خالد أخويا صريح ومش بيحب ينافق في حاجة مش عجباه !

لم ترغب هي في إعطائه الفرصة للسخرية منها والإساءة إليها بتلك الصورة المهينة ، فردت بابتسامة مجاملة بعد أن تنحنحت برقة:
-احم .. حصل خير ، وزي ما الأستاذ خالد أخو سيادتك يا أبيه باسل قال كان سوء تفاهم وانتهى !

اتسعت مقلتيه بغيظ أشد ، وتمتم من بين أسنانه :
-برضوه أبيه !!!

أكملت هي قائلة بحماس وهي تتحرك خطوة للأمام لتنظر مباشرة إليه :
-المهم إنك خلاص قررت تتجوز ، فرحنالك كلنا ، وعقبال أخويا !

رد عليها خالد بلؤم :
-وعقبالك انتي كمان يا آنسة آآ..

وضع اصبعيه على طرف ذقنه ، وأردف متساءلاً بنبرة ماكرة :
-تعرفي لحد دلوقتي انتي مش قولتيلي على اسمك ، أظن مافيش مانع ، احنا نعتبر في حكم القرايب !

تصنعت العبوس الزائف ، وردت بنعومة وهي تضع يدها على فمها :
-أوه ، سوري !

ثم مدت كفها لتصافح خالد وهي تكمل برقة :
-أنا إيناس .. أبيه باسل شغلنا وكده !

صافحها هو الأخر ، واحتضن كفها براحتي يده ، وربت عليه برفق وهو يرد :
-اهلا يا آنسة إيناس ، أنا سعيد بالمعرفة دي

شعرت إيناس بإحراج شديد من حركته المبالغة تلك ، فهي لم تقصد سوى المصافحة العابرة ، لكنه حولها إلى شكل حميمي بطريقة ما .. فازعجها هي منه ..
وبصورة جدية سحبت يدها سريعاً ، وردت مجاملة :
-وأنا كمان ، وزي ما بيقولوا ما محبة إلا بعد عداوة

أضاف مبتسماً بعتاب :
-وهو كان في عداوة ! احنا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد !

لمحت هي بطرف عينها النيران المتأججة في باسل ، فتحركت للجانب وهي تقول :
-صح ، عن اذنكم ، هاروح أبارك للعروسة ، ولا هي لسه مش جهزت ؟

التفت خالد نحو أخيه وسأله بجدية وهو يشير بيده :
-عروستك فين يا باسل ؟

اجابه أخيه بضيق وهو مكفهر الملامح :
-لسه جوا ، بتجهز نفسها !

أومـــأت إيناس برأسها بإيماءة خفيفة وهي تقول بخفوت :
-أها .. مبروك ليكو .. عن اذنكم

ثم أسرعت في خطاها لتبتعد عنهما ، فوجدها معهما محرجاً لها ، وأصبح غير مقبولاً بالمرة ..
كادت أن تتعثر في خطواتها حينما داست على ذيل فستانها ، فمد الاثنين ذراعيهما نحوها لمساعدتها ، وهتف باسل بلا تردد :
-حاسبي

ثم تمالك نفسه بسبب تصرفها، وتراجع بحذر ، وازدرد ريقه بإرتباك قليل وهو يتابعها ..
بينما اعتدلت هي في وقفتها ، وتشبع وجهها بحمرة خجلة من تعثرها الأهوج ، وهمست بحرج :
-ميرسي

ثم رفعت طرفه بيدها ، وأكملت خطاها للداخل ..

لاحقتها أنظار باسل المتقدة ، ولكن قطع تحديقه بها صوت أخيه وهو يعنفه بحدة :
-إنت بوظت الدنيا بكلامك ده

استدار باسل برأسه نحوه ، ورد عليه ببرود :
-عادي يعني ، مش هاتفرق معاك !

استشاط خالد غضباً من رده ، وهتف بتذمر :
-انت عارف إن أنا مش باحب كده ، وخصوصاً مع آآ…

قاطعه باسل قائلاً بجدية شديدة وهو يشير بإصبعه محذراً :
-خالد ، إيناس نص عمرك ، واخت صاحبي ، فبلاش جو الـ …آآآ…

قاطعه خالد بهدوء مستفز :
-أنا معملتش حاجة معها ، فمافيش داعي من جو ولي الأمر وناظر المدرسة ده معايا ! وبعدين إنت مش عندك عروستك ، افرح معها ، وركز في اللي جاي احسن !!!!!
………………………

في نفس التوقيت ولج مسعد إلى منزل رفيقه وعلى وجهه وجوم غريب ..
أراد اخفاء ما يشعر به حتى تنتهي تلك الليلة بسلام ، ولكنه لم يستطع ، فتأثير ظهورها بعد كل تلك الغيبة – وكذلك الطفلة التي رأها معها – انعكس عليه كلياً ..
تنفس بعمق ، واستعاد جزءاً من جموده ، وعاهد نفسه بالبدء في مسعاه الجدي وإيجاد سابين فوراً ..

تدارك باسل نفسه حينما رأى مسعد أمامه ، وهتف مرحباً :
-حبيبي ، كل ده !

رد عليه مسعد مبتسماً :
-هاعمل ايه في الزحمة ، مش بإيدي !

ثم نظر إلى الواقف إلى جواره بنظرات سريعة ، فقدمه باسل إليه متعمداً الإشارة إلى كبر سِنه :
-أعرفك ، ده خالد ، أخويا الكبير أوي ! أكبر حد في العيلة !

تعجب خالد من أسلوب أخيه العجيب ، ونظر له بغرابة ، ثم عاتبه قائلاً بضجر :
-انت محسسني إني عندي 60 سنة

برر باسل ما قاله بإبتسامة سخيفة :
-مش بأديك وضعك مع مسعد صاحبي !

انتبه خالد إلى اسمه ، ونظر له بإمعان وهو يرد متساءلاً :
-انت مسعد بقى ؟

تعجب مسعد هو الأخر من تصرفات خالد ، وهتف مازحاً:
-هو أنا فايمص ( مشهور ) ، وأنا مش عارف ؟!
………………………………

في إحدى الزوايا بالمنزل ،،
مالت صفية على زوجها لتســأله بفضول وهي تترقب ظهور العروس المنتظرة :
-هو صحيح ينفع ضابط يتجوز أجنبية زي ما باسل عامل كده ، أصل أنا سمعت من مسعد إنها من آآ…

قاطعها زوجها اللواء محمد قائلاً بصوت خفيض :
-اه ينفع بشرط تصريح مباشر من رئيس الأركان ، ولازم يكون معاها جنسية مصرية

زاد فضولها أكثر ، وتأهبت حواسها لمعرفة المزيد ، وتابعت تحقيقها قائلة :
-يعني العروسة نـ..آآ.. نانا باين ، والله ما فاكرة اسمها معاها جنسية مصرية ؟

أجابها بنفس النبرة الرزينة :
-ده المفروض ، ولو مش معاها وهو عاوز يتجوزها ومصمم عليها بيقدم استقالة وينهي خدمته ، ويكون مواطن عادي فيتجوز براحته من غير أي تصاريح أو موافقات رسمية !

ردت عليه صفية بتفكير متمعن :
-ده الموضوع مش سهل زي ما آآ…

قاطعها قائلاً بإستغراب من إلحاحها الفضولي :
– وبعدين إنتي شاغلة بالك ليه بالأمور دي يا صفية ، اللي بيعمله مايخصناش في حاجة !

ردت عليه وهي تشير بيدها في الهواء :
-أصل دماغي عمالة تودي وتجيب في موضوعه من بدري ، ومكانش داخل مخي ! بت أجنبية ، وهايموت عليها ، وابنك بيقول شكلها مش أد كده ، وانت بتقولي لسه على التصاريح ، معنى كده كل حاجة عندكم في الجيش وليها نظامها وقوانينها ..!!
-ايوه ، هي مش سويقة يا صفية !
التفتت زوجته برأسها عفوياً للجانب لترى ابنتها وهي تتجه نحوهما ، فهتفت بنزق :
-نوسة ظهرت أهي ، كانت مختفية فين دي !

ضغطت صفية على شفتيها ، وأشارت لها وهي تهمس :
-بيست ! نوسة تعالي !

وقفت إيناس إلى جوارها ، وردت بتلعثم :
-ايوه يا ماما!

ســألتها والدتها بإهتمام وهي تنظر إلى وجهها بتفرس :
-كنتي فين ؟

أجابتها إيناس بإرتباك شبه ملحوظ :
-موجودة يا ماما ، بس بأدور على العروسة !

اهتمت السيدة صفية بالجملة الأخيرة ، فهي تريد أن ترى تلك الخطيبة الأجنبية السمراء التي سيخطبها باسل الليلة ، فنظرت أمامها ، واختطفت نظرات شمولية سريعة وهي تغمغم :
-دلوقتي تطلع ونشوفها !

نظر اللواء محمد في ساعة يده ، وهتف بتوتر :
-مسعد اتأخر أوي !

أضافت إيناس قائلة بتعجب :
-كل ده ومش لاقي أي ركنة !! حاجة غريبة

رد هو عليها بجدية :
-الغايب حجته معاه !

هتفت صفية بعد أن شعرت بالتوجس مما قاله الاثنين :
-ما تطلبه يا محمد تشوف هو فين !!

كان على وشك الرد عليها حينما لمح ابنه وهو يصافح زميله ، فهتف بإرتياح :
-أهوو طلع هناك واقف مع صاحبه !

وجهت إيناس أنظارها تلقائياً نحو مسعد وباسل .. ثم أبعدتهما سريعاً قبل أن يراها الأخير وتمسك بها عينيه الثاقبتين .. بينما هتفت صفية بإبتسامة راضية :
-الحمدلله ، ربنا ما يحرمني من دخلة ولادي عليا أبداً …………………………………….!!!



الثلاثون من هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى