روايات رومانسية

رواية اسمي معاني العشق الفصل السادس 6 بقلم سلمي سمير

رواية اسمي معاني العشق الفصل السادس 6 بقلم سلمي سمير 

البارت السادس
اسمي معاني العشق
*****************
مع إشراقة يوم جديد، بدا الأفق يحمل وعودًا بتغيرات ستعيد تشكيل مسارات الحياة.
هبط عمر السلم بخطوات هادئة، وحين اقترب من الطابق السفلي لمح عاصم منشغلاً بأمر ما أمام باب شقته. ألقى عليه تحية الصباح، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ودود.
صباح الخير يا عاصم، إيه اللي شاغلك كده على الصبح؟ مش رايح الشغل ولا إيه؟
التفت إليه عاصم وابتسم، قائلاً بنبرة متفائلة:
لا يا عمر، أنا خلاص قدّمت استقالتي وخلصت كل حاجة. كمان أسبوع وهكون مستقرّ في الفيوم. الأمور كلها تمام، حتى إخلاء الطرف من الشغل خلصته.
ارتسمت علامات الصدمة على وجه عمر، وشعر بأن الرحيل قد بات وشيكًا. قال بصوت حمل في طياته حزنه:
يعني خلاص؟ كل أمورك تمام وهتمشي وتسيبني؟
لاحظ عاصم نبرة الحزن في صوته، ورغم أن قلبه يشاركه الشعور نفسه، حاول التخفيف بابتسامة ونبرة تمزج الجد بالمزاح:
أيوه يا صاحبي. وبالمناسبة، لازم تعمل حسابك تيجي تحضر فرحي، مش هتنازل عنك في اليوم ده، ماشي؟
ابتلع عمر مرارة الموقف وسأله مستسلمًا:
إن شاء الله… طيب، والشقة؟ عملت فيها إيه؟
أجاب عاصم باقتضاب:
كلمت عمّ رجب يدور على مستأجر جديد، وكلها كام يوم وهيجيب واحد.
تردد عمر قليلاً قبل أن يسأل بصوت أقرب للهمس:
طيب… وسعاد؟ هتعمل معاها إيه؟
زفر عاصم بضيق قبل أن يجيب:
عاصم: خلصت كل أوراقها وطلعت لها شهادتها. لو لقت شغل يناسبها، هتشتغل. هي قالت إنها مع اللي ربنا يكتبه، بس بصراحة عمي مش مرتاح لفكرة شغلها.
توقف عمر للحظات وكأنه يجمع شتات شجاعته، ثم نظر إلى عاصم بعينين تحملان الحزم والتردد معًا. عاصم… أنا موافق.
نظر إليه عاصم مستغربًا:
موافق على إيه؟
أخذ عمر نفسًا عميقًا ورد بصوت هادئ:
موافق إني أتجوز سعاد.
اتسعت عينا عاصم في ذهول، ثم قال بدهشة:
إنت بتتكلم بجد؟
ابتسم عمر نصف ابتسامة وقال:
أيوه، بتكلم بجد. جوازي منها هيخليني دايمًا على اتصال بيك. وبصراحة، أنا بحترمها وبعزها، وواثق إنها هتعوضني غيابك. وطبعًا، أكيد هتيجي تزورنا من وقت للتاني، مش كده؟
احتضن عاصم صديقه بفرحة عارمة وقال:
الله يا عمر! عمري ما أتمنى لأختي حد أحسن منك. فرحتني أكتر من فرحة فرحي نفسه!
ابتسم عمر بتواضع وقال:
طيب، يبقى تقول لعمّ رجب يشوف ساكن لشقتي. وأنا هاخد شقتك وأوضبها ونتجوز فيها لأنها أوسع. وانت وأختك تقدروا تقعدوا في شقتي لحد ما الأمور تستقر.
أمسك عاصم بيد عمر بحماس وقال:
تمام، أحسن حل. لكن الأول لازم أقول لسعاد علشان نقرا الفاتحة رسمي.
هز عمر رأسه موافقًا وقال:
تمام، حقك. وأنا جاهز لأي حاجة. ولو عايز ننزل نجيب الشبكة النهاردة ونحدد ميعاد الفرح، ما عنديش مانع.
ابتسم عاصم وقال بجديّة:
الشبكة ماشي، لكن ميعاد الزفاف لازم أرجع لعمي الأول وأعرف رأيه.
أومأ عمر موافقًا وقال:
تمام. اللي تشوفه، أنا تحت أمرك.
****************
طلب عاصم الإذن من عمر بالدخول ليسأل سعاد. قاده إلى غرفة المعيشة واستأذنه بلطف قبل أن يتركه ينتظر.
خرج عاصم من عند عمر متجهاً نحو غرفة أخته، وطرق الباب قبل أن يدخل ليجدها جالسة على طرف السرير تغالب دموعها، ولكنها فشلت في السيطرة عليها. سألها عاصم بقلق:
مالك يا سوسو؟ ليه الدموع دي؟
نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع قبل أن تنهض وتحتضنه وهي تبكي بحرقة:
ولا حاجة، يا عاصم… صعبان عليا نفسي أوي.
ربت عاصم على ظهرها محاولاً تهدئتها وقال بحزم مفعم بالحب:
خلاص، مفيش دموع تاني… ولا سفر كمان معايا.
توقفت سعاد عن البكاء فجأة ونظرت إليه بدهشة:
يعني إيه؟ مش هتسافر؟
ابتسم عاصم بمحبة وخبث :
لا يا ستي، أنا هسافر، بس إنتِ مش هتسافري.
ضاقت ما بين حدقتيها، وارتعش صوتها بغضب ممزوج بعناد:
مش عايزة أتجوز، وانت عارف كده كويس! هو واحد بس اللي بتمناه، ومش هرضى بغيره!
غمز لها عاصم بابتسامة ماكرة، وصوته الواثق يتباطأ كأنه يتلذذ بإشعال نار اللهفة والحيرة التي تلتهمها:
طيب الواحد ده طلبك النهارده، وهتتم خطوبتك عليه. جهزي نفسك واختاري ميعاد الفرح. وأهو، ننزل نجيب الشبكة النهاردة بالمرة.
كفكفت سعاد دموعها ونظرت إليه بذهول، صوتها متقطع بين التصديق والدهشة:
إنت بتتكلم بجد؟ عمر… عايز يتجوزني؟
ضمها عاصم إلى صدره بحنان، صوته مفعم بالثقة والمرح:
أيوه. إيه؟ هتوافقي ولا هتعملي فيها مكسوفة وتعتَرضي؟
رفعت عينيها المرتبكتين نحو محيا أخيها، تبحث فيه عن تأكيد صادق. همست بتردد، كأنها تخشى أن تحطم كلمتها الحلم:
يعني…
ابتسم عاصم وقبّل رأسها بحنان قبل أن يرد مازحًا:
يعني مفيش تفكير! جهزي نفسك بدل ما أخرج وأسِيبك وأبلغه رفضك.
قبضت سعاد على ذراعه بسرعة، كأنها تخشى أن يفلت الحلم من بين يديها، وصاحت:
على فين؟ أنا مصدقت… استنى! هغير وأجي معاك!
******
بعد دقائق، خرجت سعاد برفقة عاصم، ودخلا على عمر الجالس في غرفة المعيشة منتظرًا. تقدمت سعاد بخطوات خجولة وجلست أمامه، رأسها مائل للأسفل، لا تجرؤ على النظر إليه.
سألها عمر بابتسامة دافئة:
إيه رأيك يا سعاد؟
قبل أن تجيب، تدخل عاصم مبتسمًا بثقة:
موافقة طبعًا! هي هتلاقي أحسن منك؟
انخفضت عينا سعاد بحياء، وارتجف صوتها وهي تهمس بخفوت:
اللي قاله عاصم… أنا موافقة عليه.
رسمت ابتسامة حزينة على وجه عمر، فهذه اللحظة التي تمناها الجميع، كانت بالنسبة له نهاية حلم. قال بفتور وهو يحاول إخفاء اضطرابه:
طيب… نقرأ الفاتحة؟
رد عليه عاصم بحماس مشرق:
يلا! مفيش وقت. خير البر عاجله!
بالفعل، تمت قراءة الفاتحة، معلنين خطوبةً غمرتها أجواء الحب والفرح. إلا أن خلف هذه الابتسامات كانت هناك مشاعر مختلطة تنبض في القلوب، لكلٍّ منها حكايته التي تمزق القلوب المًا او فرحه
********
في وقت لاحق، وبينما كان الجميع يستعد لخطوات التحضيرات، اقتربت سعاد من عاصم تطلب منه شيئًا بنبرة خجولة:
عاصم، ممكن أطلب منك طلب؟
سألها عمر بحيرة وود:
خير يا حبيبتي، اطلبِ.
ابتلعت ارياقها وقالت بتردد:
إنت عارف إن عمر نفسه يفتح مكتب هندسي، ومحتاج فلوس كتير علشان يبدأ. أنا عايزاك تعرض عليه ياخد نصيبي في الورث ويستخدمه لفتح المكتب، وأنا أكون شريكته فيه… وأهو كله لأولادنا في المستقبل.
نظر إليها عاصم بإعجاب وقال:
فكرة جميلة، بس إنتِ هتبقي مراته. ليه ما تعرضيش إنتِ الفكرة؟ أكيد هيوافق.
هزت راسها بانزعاج وقالت موضحا:
مظنش هيوافق لوقلت ليها، عمر نفسه عزيزة، ومش هيقبلها مني. لكن إنت صاحبه، ولو حس إنك خايف على فلوسي هيوافق.
هز عاصم رأسه مؤيدًا وقال:
عندك حق. خلاص، هكلمه. متقلقيش.
ابتسمت سعاد براحة واطمئنان، فقد وجدت في شراكة عمر السبيل لكسب قلبه ونيل حبه كم تحبه
********
في الشقة التي باتت شبه مكتملة استعدادًا لاستقبال العروس، كان عمر يعمل بنشاط لتجهيز آخر التفاصيل. وبينما كان يضع رتوشًا أخيرة على أحد الجدران، دخل عاصم وأخذ يتفحص المكان بإعجاب.
الله ينور يا عمر! بجد، خليت الشقة تحفة.
ابتسم له عمر بامتنان، وأطلق تنهيدة حمد قائلاً:
الحمد لله، خلاص. شوية رتوش بسيطة وتبقى تمام. بعد كده تقدر تحدد ميعاد الزفاف وتتوكل على الله، وأنا هأسلم الشقة اللي قاعدين فيها. معلش، شقتي أصغر من شقتكم، لكن دي الظروف.
ضغط عاصم على كتفه برفق، ثم أضاف بابتسامة هادئة:
على إيه بس؟ احنا كنا قاعدين فيها فترة صغيرة على ما تخلص الشقة. وبعدين أنا كده كده مسافر، ومراتك هتبقى معاك هنا. المهم، كنت عايز أكلمك في موضوع مهم.
سحب عمر مقعدًا بالقرب من صديقه، وجلس مقابله. نظر إليه بجدية وسأله:
خير؟ اتفضل يا عاصم، موضوع إيه؟
تحدث عاصم بعد تردد بسيط، وصوته يصبح أكثر جدية:
بص يا عمر، إنت عارف إن سعاد ليها نصيب في الورث. وبصراحة، أنا مش شايف إنها هتعرف تحافظ على مالها كويس. فكان عندي اقتراح…
شعر عمر بشيء من القلق يتسلل إليه مما سيكون وراء حديث عاصم، وعينيه تغلقان قليلاً كأنه يستعد لشيء غير متوقع. سأل بتوجس، وخوفٍ من الأتي:
اقتراح…. إيه؟
غمغم عاصم بريبة خوفا من رد فعله عما سيقول:
إيه رأيك تاخد نصيبها وتفتح بيه المكتب الهندسي اللي نفسك فيه؟ وتبقى شريكة معاك فيه، بدل ما الفلوس تروح أو تضيع في حاجة مالهاش لازمة.
احتج عمر بنبرة قاطعة:
عاصم، انت بتقول إيه؟ مستحيل!
فلوس أختك هي حره فيها تتصرف فيها زي ما هي عايزة. أنا مليش دعوة بيها، ولا يمكن أقبل كده.
ربت عاصم بهدوء علي كتفه ووضح له وجهة نظره: افهمني بس. إنت هتبقى جوزها،ومع الايام ربنا هيرزقكم الذرية،والمال هيبقى ليك ولأولادكم. هي ما بتديكش الفلوس كمنحة ولا عطاء، هي بتشاركك زي أي شريك. والفرق الوحيد إنكم شركاء في المال وفي الحياة كمان. إيه الغلط في ده؟
رد عمر بتوتر وتحفظ علي المبدأ:
ياعاصم، أنا اتجوزت أختك علشان خاطرك وعلشان بعزك، لكن مالها؟
مقدرش أمد إيدي عليه. أنا مش طمعان في حاجة، وكل اللي يهمني إننا نفضل أصدقاء، وإن النسب ده يزيد صداقتنا مش أكتر.
إجابة عاصم بحده وجدية :
اسمعني يا عمر، أنا مش هضغط عليك، لكن محدش هيحافظ على مال أختي غيرك. الفلوس دي بتاعتها، وهي حرة في تصرفها. وأنا مش بقول كده علشان أفرض حاجة عليك، أنا عارف إنك وافقت تتجوزها علشان الصداقه اللي بينا تفضل موصوله.
لكن وصيتي ليك: أوعى تأذيها أو تظلمها، ولو حصل كده، مش هسكت ليك فاهم.
فياريت تفكر في الشراكه دي لمصلحتك ومصلحتها،
رد عمر بهدوء بعد تفكير:
عاصم، أنا مقدر كلامك، ووعد مني، أنا عمري ما هأذيها. او اظلمها، ولو علي الشراكه مدام هي شايف إن ده الصح، أنا موافق. وربنا المستعان.
بابتسامة مطمئنة ضمه عاصم وهتف:
خلاص يا عمر، على بركة الله. شوف مكان لمكتبك وابدأ، عايزين نفرح بيكوا وبنجاحكم. أنت تكبره بمجهودك، وهي بمالها.
اؤما عمر برأسه ووقال بخفوت:
إن شاء الله. ربنا يوفقنا جميعًا.
حينها شد عاصم علي يده ليصافح عمر بحرارة، بينما شعر كلاهما بالاطمئنان تجاه المستقبل، حيث الصداقة والنسب امتزجا ليصنعا رابطًا أقوى وأجمل.
*********
ثم زفاف عمر وسعاد وعاصم وشهد، بفندق من اكبر فنادق القاهرة، كانت القاعة مليئة بالأضواء والأهازيج التي تعكس الفرح والاحتفال.
الجميع يهنئون العروسين، بينما تبدو السعادة واضحة على وجه سعاد، ممتلئة بالأمل في بداية حياة جديدة مع من أحبته لسنوات.
بعد انتهاء الحفل، أخذ عمر سعاد وسافرا لقضاء شهر العسل. وعاد عاصم وشهد الي الفيوم،
في المساء بالفندق، جلس عمر بجانب سعاد بعد يوم طويل. كانت تشعر بسعادة غامرة، بينما كان هو يكافح لإخفاء اضطرابه الداخلي.
نظر إليها عمر بابتسامة مترددة:
مبروك يا سعاد. أوعدك إني هحافظ على مالك، وأعملك بما يرضي الله. مش بس كده، هحافظ عليك زي ما وعدت أخوكي.
امسكت يده بسعادة وابتسامة خجولة:
أنا سعادتي وفرحي الحقيقي إني أخيرًا بقيت معاك. ومراتك، مش محتاجة أكتر من كده.
حاول عمر أن يبادلها المشاعر، لكنه شعر بثقل الوعد الذي قطعه على نفسه. جاهد ليبعد عن ذهنه ذكرى “ندى”، الفتاة التي حلم بها لسنوات، والتي كان يتمنى أن يقضي ليلة العمر معها.
عندما دخلت سعاد لتبدل ملابسها استعدادًا للنوم، وقف عمر في شرفة الغرفة، متكئًا على السور. كانت نسائم الليل تحمل معه ذكريات الماضي. حدق في الأفق المظلم، وكأنما يبحث عن إجابة لتساؤلاته.
حدث عمر نفسه معاتبا طيف معشوقته الساكنه قلبها: ليه يا ندى؟ ليه مكنش أنت نصيبي؟ كان المفروض الليلة دي تكون بتاعتي أنا وإنتي… بس خلاص سعاد هي نصيبي. وانا عدت عاصم إني أحافظ على أخته وأعاملها بما يرضي الله. هي تستاهل كل خير، لكن أنا؟ معقول هقدر أكون الزوج اللي تستحقه؟
بعد لحظات، عادت سعاد وجلست بجانبه، تطلب منه أن ينضم إليها. استجاب لها، وحاول أن يمنحها القليل من الحنان، ليبدأ معها علاقتهما الزوجية. كانت هي مليئة بالشوق والرغبة، ترى في عمر فتى أحلامها الذي انتظرته طويلاً، بينما كان هو يؤدي دوره مع شعور بالذنب يقتله ويقتل فرحته بليلة زفافه.
بعد أن نامت سعاد مرهقة بين ذراعيه، نهض عمر بهدوء مرة أخرى واتجه للشرفة. وقف هناك وحيدًا، يناجي قلبه المتعب ويستعيد وعوده.
عاد وحدث نفسه بملامه:
سعاد طيبة، وبريئة، وحبتني من قلبها. هي ملهاش ذنب إني لسه بفكر في غيرها. أنا وعدت، ولازم أوفي. لازم أكون الزوج اللي تستحقه، حتى لو ده على حساب قلبي.”
كانت تلك الليلة بداية صراع داخلي بين الماضي والحاضر، بين وعد قطعه وواقع يعيشه، وبين حب انتهى وحياة جديدة عليه أن يتقبلها.
************
بعد مرور عام على زفاف عمر وسعاد، تحولت أجواء الفرح إلى توتر وخلافات يومية متكررة. كانت الحياة بينهما تبدو وكأنها تتجه نحو طريق مسدود، رغم محاولاتهما المستمرة لتجاوز الفجوة العاطفية.
في أحد الأيام، كانت سعاد تقف أمام عمر، وقد بدا على وجهها التعب والاستياء:
حرام عليك انا مطلبتش منك غير شويا اهتمام يا عمر. حسسني إنك معايا بروحك، مش جسدك وبس. دا حتى لما أول حمل ليّا سقط، ما حسيتش منك بأي مشاعر، لا فرحة ولا حزن. إزاي يعني؟”
تأفف عمر من تذمرها المستمر، وقال بصوت حزين ممزوج بالإرهاق، كأن الألم يخرج من أعماقه:
سعاد، ارحميني. أنا مبقِتش عارف أعمل معاكي إيه. العملية كلفتني كتير، وإنتٍ ما كنتيش بتحافظي على نفسك. أعاتبك؟ أزعل؟ ولا أتصالح مع الوضع؟ الطفل كان خسارتك زي ما هو خسارتي.
زادت حدة غضب سعاد، وصرخت به حانقة عليه، كأن الغضب ينفجر منها:
مش ذنبي! إنت السبب! اهتمامك بشغلك ومكتبك اللي كبر على حسابي هو اللي ضيع الطفل اللي كنا بنتمناه. أنا اللي عملت العملية وكنت هموت فيها، وكل ده علشانك. نفسي أعرف مش حاسس بيا ليه؟
وضع عمر يده على رأسه بندم عميق، وكأنه يحاول تحمل وزر ما حدث:
خلاص، حقك عليا. أنا آسف يا سعاد. هحاول أتغير. إيه رأيك نتعشى برة النهاردة؟ ونسافر يومين نغير جو ونصلح اللي بينا؟
ردت سعاد بصوت مكسور، يحمل برودة ومرارة:
بجد؟ ولا مجرد كلام زي كل مرة توعد وتخلف؟
أنا خلاص تعبت يا عمر من الوعود الفاضية.
تنهد عمر بقوة، ثم ضمها إلى صدره بحنان عميق، وكأن عاطفته ترفض الانفصال:
لا، ده وعد يا سعاد. بس ياريت تفكري تاني في إننا نحاول نجيب طفل. ده حلمي زي ما هو حلمك.
طالعته بحيرة وحب قاتل يمزق قلبها، وقالت بتردد، وكأنها لا تستطيع اتخاذ القرار:
أنا مش هقدر أعمل العملية تاني. كنت بموت في المرة اللي فاتت. كفاية، شكلنا ملناش نصيب في الخلف.
ضمها إلى صدره بقوة، محاولًا بث الأمان والطمأنينة في قلبها الملتاع بحبه:
فكري بس. أنا نفسي في طفل يملى حياتنا ويكون سبب في سعادتنا اللي افتقدناها.
تنهدت سعاد بقلة حيلة، وصوتها يكتنفه الخيبة:
لما أشوفك بتتغير وتهتم بيا بجد، هفكر.
ــــــــــــــ
مرت الأيام، لكن الوعود انكسرت مجددًا. كان عمر يحاول إرضاء سعاد فقط لأنه شعر بالمسؤولية تجاهها، وليس لأنه استطاع أن يحبها. أما سعاد، فبدأت تفقد الأمل في علاقتها معه بعد فشل محاولة أخرى للحمل..
في أحد الأيام، عادت سعاد متأخرة من سهرة مع صديقاتها، فوجدت عمر في انتظارها غاضبًا:
خلاص بقي، أنا زهقت! مش كفاية كده؟ كل يوم خروجات وسهر ومصاريف على الفاضي؟ بدل ما تفكري في طفل يقرب بينا ويجمعنا مع بعض.
ردت عليه بهدوء مستفز:
فلوسي أصرفها زي ما أنا عايزة. مكتبك كبر وبقى شركة بفضل نصيبي، وده أقل حاجة آخدها. وبعدين، إحنا محتاجين نعيش في مكان أفضل من هنا.
اشتعل الغضب في عين عمر وقال محذرًا:
قلتلك ألف مرة، راحتي هنا. الناس اللي بحبهم هنا. مش هغير مكان سكني مهما ربنا اداني فاهمه.
ردت عليه سعاد بسخرية وتهكم:
الناس اللي بتحبهم؟! قصدك اللي باعوك من سنين؟ ولا اللي لسه مش قادر تنساهم؟
أمسك عمر ذراعها وهزها بعنف، ثم سألها بحدة:
قصدك إيه؟ بتلمحي لإيه يا سعاد؟ انطقي!
رمقته بنظرة حاقدة، ثم صرحت بما كان يثقل صدرها:
لسه بتحبها، مش كده؟ ندى! لسه في قلبك، وأنا اللي حبيتك ولا لقيت منك حاجة غير الوجع.
نفضت ذراعها من يده وصاحت بغضب:
أنا زهقت من حياتي معاك، وبقولها قدامك مش هعمل عمليات تاني علشان الحمل. مش عايزة طفل، مش عايزة حاجة تربطني بيك أكتر من كده. فاهم؟
حدق فيها عمر بغضب، وقال:
سعاد، بلاش العند ده معايا. مش هسمحلك تدفعي الأمور لحد ما نندم كلنا. أنا وعدت أخوكي إني هحافظ عليكي، لكنك بتخليني أكسر كل وعودي معاه وكل حاجة بينا.
ردت بهدوء غاضب وتهكم:
وأنا خلاص مبقتش محتاجة وعودك، تعبت. هعيش لنفسي، زي ما أنت عايش لنفسك من البداية.
بينما يستمر الصراع الداخلي في قلب كل منهما، يصبح واضحًا أن العلاقة بينهما تحولت إلى ساحة من التوتر والإحباط، حيث يطارد كل منهما ظل الماضي، دون أن يتمكنا من بناء حاضر مستقر.
**************
يتبع ………
زر الذهاب إلى الأعلى