روايات شيقة

رواية إيبار الفصل السادس 6 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل السادس 6 بقلم رانيا عمارة 

لقد تناسى الذكريات التي طالما ألقت بسهامها الحادة في روح ريم، فهي لم تكن حتى مجرد ذكرى عابرة في حياته، بل وجد ذاته مع من تشبهه ويأنس معها. تطورت علاقته بها إلى أن تزوجها في مدة قصيرة، لكن الحقيقة تكمن في مجاورتها له منذ أعوام، حتى عندما كانت ريم في عالمه تنيره بهواها وعشقها له، ظهرت الأخيرة كنسر اختطف الجريح ونكص هاربًا به بعيدًا.
حماقته جعلته يعتقد أن من اختارها فاقت بحبها حدود ريم التي أحبته من أعماقها. انغمست ريم في ذكرياتها القديمة، تتذكر ليلة خطبتهما، حينما أخبرها “محمد” بأنها أغلى وأهم النساء التي قابلهن في حياته، فلن يجد من تُخادنُه روحه معها، هي الأولى وستظل الأخيرة بلا منافس.
ليلتها كانت ريم تتخيل مرور الأيام بسرعة إلى أن تصل إلى ليلة الزفاف، تفكر في فستانها الأبيض، من أين ستحضره؟ وهل سيُهاديها محبوبها بفستان ثمين يليق بسموها أم زهيد الثمن؟ وأي قاعة ستتسع حبهما؟ كانت الأسئلة عديدة، وهي تنظر في عينيه بحُب، مستشعرة أنها استلقت على بساط الأمان، لكن القدر لم يسمح لهذه العلاقة بالاكتمال، وكانت النهاية امرأة أخرى تشاركه ما كانت ريم تفعله معه.
حينما عادت من واقعها العاصف، كانت الأسرة تناديها، وتطالبها بالتحرك، لكن هذا التمكث لم يكن بإرادتها، وكأن مشاعرها تحكمت حتى في حركاتها، فعاودت ريم للحركة ببطء، ودموعها تنساب على وجنتيها برفق، تخشى أن تجرح جلدها الرقيق كما انجرح قلبها بقسوة.
عاد الأسرة للمنزل حاملين الأدوية التي اشتراها عمرو بعد الخروج من المستشفى. أحسّت “أسماء” أنه شاب ذو خُلق، يستحق الخيرات، فقبل أن تدخل من البوابة، توقفت للحظة، وقالت له بابتسامة ممتنة:
_شكرًا يا عمرو تعبناك معانا النهارده.
ابتسم “عمرو” بهدوء، وقال بخجل:
_متشكرينيش يا طنط، ده واجبي وكان لازم أعمل كده.
ردت “أسماء” بابتسامة طفيفة:
_تسلم منجيلكش في حاجة وحشة.
نطق “عمرو” مبتسمًا، كأنما حَظِيَ بعائلة جديدة، يستشعر في وجودهم الأمان الذي افتقده، فقال:
_ربنا يخليكي، لو احتاجتوا أي حاجة رنوا عليا، هتلاقوني عندكم في أي لحظة.
تفوهت الجدة “روحية” بإنعام، فقالت ببسمة أبانت تجويف فمها بعدما فقدت أسنانها، وكل سنٍّ يحكي أسرار الزمان:
_طيب أدخل نعملك كوباية شاي، ولا تاكل معانا لقمة عشان يبقى عيش وملح.
ضحك “عمرو”، وقال بخجل:
_تسلميلي يا ست الكل، أنا لازم أمشي عشان عندي شغل، هاجي بكرا إن شاء الله أطمن على ريم مع الست الوالدة.
تفوهت “أسماء” برِضى، ترى فيه ما ينقصها مع زوجها شوقي، ذاك الذي لا يهتم لعِلَّة زوجته، وأبناؤه كل ما يهمه في الأمر تحقيق جَمامه لا أكثر:
_تنورونا، هنكون في اِنتظاركم.
رد “عمرو” وهو ينظر في عيني ريم المُتعبة، وقال باحترام:
_أنا همشي بقى، سلام.
نطقت “أسماء”، والجدة “روحية” في آنٍ واحدٍ:
_مع ألف سلامة.
خرج عمرو بخطوات حثيثة، فركب سيارته، وقبل أن يتحرك، رمى نظرة إعجاب على ريم، لكنها لم تلاحظ، بل كانت منشغلة في آلامها، ثم غادر إلى عمله الذي استهلك معظم أوقاته، فلم يجد ما ينزع عن كاهله المسؤولية ولو لدقائق، فكانت أكبر طموحاته في الفترة الحالية لو أن يمنحه مديره في العمل إجازة تخفف عنه الأعمال المتواصلة، هكذا ظهر عمرو كشاب طموح ومحبّ للعمل.
كانت كل خطوة تسيرها ريم صعبة، وكأنها تسير فوق المسامير، فتغرز في قدميها فينزف الدم، إلى أن وصلت إلى سريرها في غرفتها، فاستلقت عليه بهدوء، ومرّرت والدتها يديها بحنان فوق جبينها كما لو تمنحها الحنو والرأفة.
في هذه اللحظة، شعرت “ريم” بأن ما يحدث معها ليس بطبيعي، لم يكن كل موقف محض صدفة، فكل شيء كان يسير بخطة، ربما هناك يد خفية تتحكم في حياتها وفقًا لمطالبها.
بدأت الحركة الخفية تتزايد في الجهة اليسرى من جسدها، وخاصة الساق، ذبذبات قوية تبدأ في وقت معين من كل يوم، وآلام الكتف الأيسر كمنشار يمشي على عظامها، فوضعت يدها على موضع الألم، ونطقت بتردد:
_أنا مش قادرة أتخيل إن كل اللي بيحصلي ده طبيعي، تالت علاقة ليا تنتهي بالفشل، والنزيف اللي بيجيلي في أوقات معينة حتى الحركة اللي في جسمي، والأحلام والكوابيس… الحاجات اللي بحس بيها في البيت، كله ده معقول يكون صدفة؟
وتابعت بشك يدور في ذهنها بلا توقف:
_لا أكيد مش طبيعي… ماما أنا حاسة إن في حد عاملي عمل عشان يوقفلي حياتي، أنا دايمًا الشك في قلبي بس خايفة أتكلم وتطلع مجرد هواجس مش أكتر.
نطقت “أسماء” باقتناع، فما يدور برأس ابنتها من شكوك بدأ يُصيبها هي الأخرى، لذلك قالت باستياء:
_المشكلة يا ريم إننا ملناش في السكك دي ومنعرفش عنها حاجة، واللي أكبر من كل ده غياب أختك… احنا محطوطين في ظروف ما يعلم بيها إلا ربنا، وكل ما أفاتح أبوكي في الموضوع يقول إنه عنده ضغط شغل… أنا قلبي بيتقطع عليها، جوايا قهرة كبيرة وخايفة عليها أوي… ده أنا حتى مش عارفة هي عايشة ولا…..
وتابعت بحسرة والدموع تتلألأ في عينيها:
_مش قادرة أنطقها ولا قادرة تطلع مني.
قالت “ريم” بشفقة، وهي حزينة على دموع والدتها، لكن ما باليد حيلة:
_أنا قلبي بيقولي إنها عايشة، معرفش ليه الإحساس ده بيجيلي بس حاسة بكده… أنا عندي فكرة لما عمرو يجي بكرا نكلمه في الموضوع ده ويمكن هو يتحرك بدل بابا ويدور عليها… الولد ده طلع شهم بجد.
ردت “أسماء” ببكاء حار:
_وأنا هفضل مستحملة النار دي كلها تاكل في قلبي لحد بكرا؟
ثم نهضت وبداخلها رغبة في أن تسكن بعيدًا عن هجمات الهواجس الشرسة، لكنها قبل أن تخرج أطفأت الأنوار، ومن بعدها أوصدت الباب برفق، ودخلت غرفتها، واستقرت على سريرها حيث الأفكار تلاحقها وتوطأ رأسها كالمطرقة الحادة، تدق كل خلية في عقلها وترهقه. لم تكن تعلم هل تتحمل وفاة ابنها الأكبر في ظروف قهرية قصمت ظهرها من بعدها، أم غياب ابنتها وهي بين عتبات الحيرة حول وفاتها أم أنها حية ترزق، أم ستجدها من زوجها القاسي الذي لا يشعر بآلامها؟ أم ستتحمل أيًّا منها؟
أحيانًا الحياة تقسو ليس من أجل الانتقام، بل لأن القوة ترغب في ترك أثرها في نفس من استهانت به الأيام.
أما عن “ريم”، نظرت لحقيبة الأدوية بلا اكتراث، فهي لم تجد علاجها الحقيقي فيها، بل الواقع يكمن في علاج الأذى الروحاني الذي كان له دور مُخرب في كل زوايا حياتها.
استخرجت هاتفها من حقيبتها بأيادي لا تزال مرهقة، ترتجف من وطأة الألم. لم تكن تدرِ لماذا احتفظت برقم محمد حتى الآن في هاتفها، ربما اعتقادًا منها أنه ينير قائمة الاتصالات كما كان ينير روحها في السابق. كان تصرفًا ساذجًا منها، وهي تقرر إرسال عتابها فيصِل كرسول من القلب للقلب. فبينما أظافرها المزينة بالطلاء اللامع، كانت تدون ما يعتمل داخل صدرها من انكسار، وهي تكتب بدموع متواصلة، قالت:
_مكنتش متخيلة إنك هتنساني بالسرعة دي، لأ وكمان تتجوز وتنسى الماضي… نسيت كل اللي كان بينا؟ ازاي هان عليك تسيبني بدون أي مبررات؟ ده إنت مهانش عليك حتى تقولي الأسباب اللي تخليك مش طايقني للدرجة دي….
ثم مسحت دموعها بأطراف أصابعها، وواصلت:
_لقيت فيها إيه زيادة عني؟ كنت تعرفها واحنا مع بعض صح؟ ليه معملتش حساب اليوم ده؟ ليه مخوفتش على مشاعري إنها تتجرح لما أشوفك معاها؟ أنا كنت ممكن أصدق إنها أختك على الرغم من إني عارفة أخواتك كويس، لو مكنتش سمعتها منك وإنت بتقوله إنها مراتك….
ألقت هاتفها على السرير والنيران تخرج من سفحها على هيئة نحيب عالٍ، فبكت بحرقة وجسدها يرتجف من هول الألم النفسي… لكن بعد دقائق، صمدت كأن طاقتها شُحنت بجرعة هائلة من القوة، أدركت حينها أن لا داعي لكل هذا الندب، فما فاتها لم يُكتب من نصيبها. ثم في لحظة غير متوقعة، بعد أن كتبت الكثير من الكلمات المعبرة عن مشاعرها المتيمة نحوه، مسحت الرسائل قبل أن ترسلها بحركة قوية، وحظرته من هاتفها ليس لأنه سيرغب يومًا بالتواصل معها، بل لتردع ذاتها الضعيفة عن التفكير فيه.
بدأت الذكريات الموجعة تتوافد في ذهنها، تذكرت أشياء لا علاقة لها بالحب والعاطفة، لكنها استرجعت تفاصيل خسارة كل شيء تحبه، حتى دائرة الأصدقاء. ودّت لو أنها تنخرط فيها لتقضي على شعور الوحدة، لكن فشلت. خمسة أصدقاء خسروها خسارة قاسية، منهن من خانت، وغدرت، وكذبت، وضمرت لها الحقد والكراهية بلا أي منطق.
العلاقة تبدأ في بداية الأسبوع وتنتهي في آخره، النفور الاجتماعي ليس بطبيعي أبدًا، كما لو أنهم يعاملونها ككلب مصاب بداء الجرب، يبتعدون عنه ويعاملونه بجفاء. لكن هذه كلها أسباب منطقية، لكن غير المنطقي أن ينفر البشر منها بلا سبب، على الرغم من جمالها، ذكائها، حُسن منظرها واهتمامها بنفسها.
شعرت أن الجميع يحملون لها الكراهية، حتى عائلتها، إذ لا نصيب لها في العائلة، الحب، والأصدقاء.
تلاشت أفكارها بعد بكاء مستمر، وصلت مدته لساعة ونصف، فاحمرت عينيها وأنفها وتورمت شفتيها ووجنتيها، وزارها الصداع. وإلى جانبها، كان سرير شبيهًا بمقلب القاذورات حيث تجتمع المناديل بكثرة حولها في شكل عشوائي.
لكن الغريب أنها تشبثت بهاتفها وقررت إرسال رسالة لعمرو على تطبيق “الواتس آب” تشكره فيها على اهتمامه بها، فهي وجدت منه ما لم تجده في العائلة، إذ قالت:
_ازيك يا عمرو؟ أنا ريم وخدت رقمك من على الورقة اللي في كيس العلاج… كنت عايزة أعتذرلك عن طريقة كلامي معاك النهارده، وأشكرك على وقفتك جنبي في الظروف اللي زي دي على الرغم من إننا منعرفش بعض كويس بس كنت مبسوطة إني اتعرفت عليك.
كأنما “عمرو” كان ينتظر منها هذه الرسالة بفارغ الصبر، حيث أزاده الفرح غرورًا وهو لا يصدق أن ريم بذاتها تتواصل معه كما كان يتمنى. فسرعان ما رد عليها بلُطف، وقال:
_أنا بخير الحمدلله أهم حاجة إنتي، طمنيني عليكي ضروري….
وأرسل لها رسالة أخرى يقول:
_أولًا متشكرنيش أنا قولتلك إن عندنا إخوات بنات وعايزين ربنا يكرمنا، ثانيًا أنا بالعكس مش زعلان من اللي حصل خالص بالعكس أنا حسيت إنك متربية جدًا ودي حاجة مش موجودة في بنات دلوقتي، وأنا علفكرة اللي أحب أشكر والدك ووالدتك على تربيتهم ليكي.
انشغلت “ريم” في الحديث مع عمرو كأنه انتشلها من عالم القهر إلى بستان من الفرح والانشراح، فردت عليه قائلة:
_شكرًا لذوقك، مش لاقية كلام أقوله.
رد “عمرو” بابتسامة، فاقترن بحديثه رموز تعبيرية مضحكة، وهو يقول:
_أنا إن شاء الله هجيب والدتي ونيجي نطمن عليكي بكرا، وبالمرة نتعرف كلنا على بعض، دي لو حاجة مش هتضايقك يعني.
ردت “ريم” بموافقة، فرحبت به قائلة:
_لا طبعًا تيجوا تنورونا، هستناكم.
كان عمرو في أشد الاكتراث إن تناولت علاجها أم تكاسلت عنه، فبدأ الحديث يدور حول أخبارها بعد العودة للمنزل، وكأن حديث عمرو كالممحاة التي أزالت عنها أحزان الماضي، يمنحها جرعة من التجدد والإيجابية التي فقدتها السنوات الماضية.
هناك بعيدًا عن البشر بين صفير الجبال، كما اعتادت چيهان على تلاوة القرآن الكريم في كل حين، كانت الشمس قد اغتربت، والأشعة الحارقة في السماء مالت نحو الخفوت شيئًا فشيئًا، فهدأت حركة الطيور عن قبل، حيث استقر كل طائر فوق الشجرة، وهناك من غفى في عشه بين صغاره.
في هذه الأثناء، كانت چيهان جالسة تقرأ الآيات القرآنية، ليس لأنها تحوي صفات التقوى باشتداد، بل لأنها تخشى على نفسها مس الجان. خاصة إن حدث، فلن تجد سوى الدمار الذي لم تعد تحتمله في حياتها.
وقف “رمزي” على عتبة الكهف، وخرج على بعد أمتار، لم يكمل سوى دقيقة حتى عاد محملًا بالأطعمة، خشية أن تفارق الروح جسد چيهان إن ظلت على هذا الحال فترات طويلة، ثم دخل إليها بخطوات جافة تكاد تكسر الأرض من حدتها، وقال بجفاء:
_أنا جيبت أكل لا تموتي مني ويقولوا إني السبب ولا حاجة.
نهضت “چيهان” بقوة، تريد أن تجلَّي سخطها من سفح ذاتها الحانقة، وقالت بفَورة:
_أنا مش عايزة منك حاجة، أنا مش طالبة منك غير إنك تسيبني أمشي من هنا، إنت عايز مني إيه؟
بينما ارتفعت نبرتها وهي تصيح، وضع رمزي الطعام برفق على الأرض واستقام لها لينصت بكل تهكم إلى حفلة الشجار التي نصبتها، وهي تردف بصراخ:
_هو إنت فاكرني عبيطة؟ إيه يخلي واحد زيك كل ليلة بيعمل أعمال بالكوم، سبحان الله فجأة يقرر إنه يساعدني ويحافظ عليا من شر أبوه الساحر المؤذي إلا لو ليك مصلحة من ورا ده كله.
نطق “رمزي” بسخط، إذ قال بانفعال هادئ من نوعه:
_يا بت الناس متدخليش في اللي ملكيش فيه قولتلك بدل المرة مليون، الأهم عندك إن مفيش حاجة تإذيكي غير كده متشغليش بالك عشان متتعبيش من التفكير الكتير.
ازدادت “چيهان” صراخًا، فقالت بإعوال كصدى الأمواج الجارفة، لم تتخيل أنها ستسقط ضحية يومًا بين قبضتي ظالم لا يهاب الله:
_مشيني من هنا قولتلك، لو ممشتنيش هموت نفسي وذنبي هيكون في رقبتك!
ارتعد جسد چيهان وقتما استمعت لكلماته حينما قال لها بتوبيخ:
_وتموتي كافرة؟!
فقالت له بصدمة:
_وإنت من إمتى يفرق معاك الحلال من الحرام؟ إنت أغرب إنسان شوفته في حياتي، أنا مش قادرة أفهم شخصيتك دي، هو إنت معانا ولا معاهم ولا مع مين بالظبط؟!
أثنى رمزي ظهره ليحمل الطعام، فكان وقت الرحيل قد حان الآن، ولم يعد هناك وقت للتردد. كل ثانية تمضي تزيد من حجم الأخطار، لم تكن رغبة رمزي في المغادرة نابعة من رغبتها، بل لأن مطلبها تماشى مع الظروف القسرية التي فرضت نفسها عليه.
بحث مصعب عنهما في كل ركن من أركان الأرض، كلف الإنس والجن بالبحث، وسخر كل ما يملك من سلطة ليوجه الجميع بالتحرك. كانت تلك محاولته الأخيرة للعثور على چيهان. فليلة السابع والعشرين من الشهر العربي لا بد أن تُفتح خزائن الثراء، حتى وإن كان الثمن دماء النساء جميعًا. أما الخطة البديلة، إذا لم يتمكن مصعب من العثور عليها، فسيضطر للبحث عن عذراء أخرى ليضحي بدمائها.
نهض “رمزي” ممسكًا بيده عبوة الطعام، وحدق في چيهان بنظرة قاسية، ثم قال بصوت حازم موجه إليها:
_هنروح مكان تاني، أوعدك إنك هترتاحي فيه عن هنا، المكان بعيد بس هتنبسطي.
اعترضت “چيهان” على فكرة الذهاب معه إلى أي مكان، لم تشعر بالأمان معه، حتى وإن قدم لها أطنانًا من الطمأنينة، فكان الخوف يسيطر عليها في كل لحظة. ظلت تحدق فيه صامتة، بلا كلمة تخرج من فمها، ثم شبكت ذراعيها في بعضها، وقالت بصوت مرتفع:
_مش هاجي معاك قولت، سيبني أمشي وأنا اللي أوعدك مش هجيب سيرتك لحد، بس خليني أمشي!
تلفظ “رمزي” مندهشًا من خيالها الواسع الذي جعلها تظن أن المناص سيكون سهلًا، فقال باستهزاء:
_ليه، هو دخول الحمام زي خروجه؟ وبعدين خدي بالك إنتي بتعطليني وأنا ورايا مشاغل كتير، يعني يا تتحركي معايا من سكات يإما هتندمي!
رمقته “چيهان” بنظرة تحمل بين طياتها سهام الامتعاض، فواصل حديثه وهو يسحبها معه بالإكراه:
_يلا خلصي، معنديش وقت!
غادرت چيهان معه صامتة، وكان الموقف أشبه بالراعي الذي يسحب غنيمته خلفه بحبال الإرغام، مستغلًا صمتها وعقلها المحدود الذي لم يكن قادرًا على التفاعل أو حتى الاستفسار عن الموقف. كان كل شيء فيها يرفض المغادرة معه، باستثناء سيقانها التي مشيت خلفه، أما وجهها المبتئس وعينيها الساخطتين فكانتا تنظران بتضايق، لا تعرف إلى أين ستأخذها هذه الأحداث.
كان الليل قد ألقى بظلامه على السماء، بينما كان ضوء القمر يلامس الأرض من حولهما. كانت الأبدان ترتعش عند سماع صدى عواء الذئب، لكنها شعرت في تلك اللحظة بلمسة هادئة تُطمئنها بأن الأمان يكمن فقط مع رمزي. بدأ عقلها يتساءل: لماذا لم ينتقم منها كما وعد؟ شعرت بصدق اعتقادها بأنه لا يزال يحمل في داخله بعضًا من إنسانية دفينة.
كانت سيقانهم تطبع آثار النعال على رمال الصحراء المدهمة، تصدر الصوت القاسي المزعج. كان واضحًا أن الرحلة ستكون أطول من المتوقع، لكنهما كانا في حيازة التعويذة التي صنعها رمزي لدرء الخطر عن أنفسهما.
في مكان قريب، حيث الرجال يبيعون الرخام لمتاجر السيراميك، كانت تقف ثلاثة سيارات نصف نقل بألوان: الأحمر، الأبيض، والأسود، مصطفة في توازي. كان الصبيان يتحركون، وقد تدنست ثيابهم خلال رحلتهم في الحياة، بينما كان الفقر يرافقهم كرفيق دائم لا يفارقهم. بعيدًا عنهم، كان هشام يقف بين يديه دفتر صغير وقلم جاف يدون مبيعات اليوم.
كان شوقي جالسًا على كرسيه يحتسي الشاي، لا يُبالي بما يحدث في حياته. كل ما يشغله هو راحته، ويفضل أن يخدمه الناس وهو متكئ على كرسيه كما لو كان ملكًا. بالنسبة له، الناس ليسوا سوى عبيد يتحركون حوله لتحقيق مطالبه.
نظراته كانت مليئة بالتهكم، غارقًا في التأمل، بينما كان إلى جانبه شاب يُدعى “منعم”، تخرج من كلية الحقوق، آملًا أن ينافس أكبر المحامين في البلدة، لكن القدر ساقه ليصبح تاجرًا في مصنع رخام وسيراميك، سحقته المادة فانهارت أحلامه المعنوية.
هشام كان الوحيد الذي يحمل مكانة خاصة في قلب شوقي، يحبذه عن الجميع ويضعه في مكانة ابنه تمامًا. لم يتأخر عنه أبدًا، بل كان يمنحه كل ما تطمحه نفسه. لم يهتم بالتحقيقات معه حول المبيعات الأخيرة، بل ترك كل شيء منحًا إياه الأمان بلا شك.
تقدم “هشام” نحوه، وجلس قبالته، وقال بمزاح:
_مش هتأكلنا ولا إيه يا عم شوقي؟ ده احنا بقالنا يجي ساعتين تلاتة مدوقناش لقمة.
ضحك “شوقي”، كمن يخفي أوجاعه الداخلية، ثم استخرج من جيبه ثلاثمائة جنيه، وقال بسخاء غير محدود:
_خد ٣٠٠ جنيه أهو واطلبلنا أكل، هتأكلنا إيه؟
أجابه “هشام” أثناء تناوله المال، وقال بتفكير عميق، لعله يستنبط من أعماقه كلمة صادقة:
_اللي تحبه… بس أنا من رأيي نجيب رغيفين حواوشي وطحينة وازازة حاجة ساقعة، ونقفلها بحتتين بسبوسة.
ضحك “شوقي” وقال بتحذير:
_محدش مبوظلي الدنيا غيرك إنت يا هشام، يالا إنت عارفني بضعف قصاد الكلام الحلو ده، وأنا نفسي أخس شوية لأحسن السكر يعلى عليا.
تلفظ “هشام” باكتراث، ناطقًا بروح مازحة:
_بعد الشر عليك، كل من البسبوسة خفيف خفيف ومش هيحصل حاجة.
رد “شوقي” بقهقهة، وهو يستخرج مائتي جنيه إضافية، قائلًا:
_طيب خد دول كمان وخلي عندك نظر وهات لمنعم والعيال.
ثم منح شوقي المال لهشام، حيث نهض الأخير في أتم الاستعداد للذهاب إلى المدينة. لكن قبل أن يغادر، رفع ذراعه بإيماءة دالة على تحية الوداع، وقال:
_طيب السلام عليكم.
رد “شوقي” و”منعم” بصوت مسموع، قائلين:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ركب هشام السيارة الخاصة بفريق العمل، وأدار محركها، ثم انطلق بها إلى الطريق العام ليشتري الأطعمة من مطاعم البلدة. ففي جبال الصحراء، لا يوجد سوى العقارب والثعابين السامة، تلك التي تكفي لمسة منها لإلقاء الضحية إلى دار الآخرة، كما حدث مع مصعب الذي كان يجسد العقرب نفسه. بعد أن أنهى عمله في داره، وأرسل الأسحار السوداء على ضحايا جدد بطلب خاص ممن اسودت قلوبهم بالحقد، وسيطر عليها الشر، توجه إلى دار مسعود في زيارة هامة.
كان منزل مسعود يقع في وسط بلدة الأغنياء، حي مليء بالقصور، لكن قصره كان الأجمل بينهم، فقد اكتسب الطلاء الأبيض اللامع، ومقابض الأبواب كانت مكتسية بالذهب. كان الرجل بسيطًا في مظهره، لكن منزله كان دليلًا على ثراءه. الأشجار الزاهية تزين الحديقة الواسعة، وفيها الكراسي المبطنة بالأقمشة، والطاولة التي تحتوي على أكواب الشاي والفاكهة.
بينما كانا يتحدثان عن اختفاء رمزي، أفشى “مصعب” سرًا سيغير الموازين لصالحه، فقال بثقة:
_بَلقى عليه، ما له غير هالمكان، وراچع راچع. خُصوصي يوم يعرف إنّي سحبت الخِدمة منّه ليلة البارِح. وهو، يا حسرة على جلب أمه، مفكّر اللي معاه من ناحيته، ما يدري إنّهم من طريجي أنا.
بعدما ارتشف “مسعود” مشروبه الساخن، سأل بدهشة:
_يعني عِرفت وين خاشّين روحهم؟
أجابه “مصعب” بثقة واضحة على إيماءات جسده:
_أمال؟ والليلة دي بسمّي الأمانة، وعلى هالأساس نجولك مبروك على اللي چالك يا سي مسعود.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتي “مسعود”، وكأن الهم الثقيل الذي كان يثقل كاهله قد زال بفضل مصعب، فتحدث بأمل:
_لو كلامك صح، عندي لك خمسة مليون مرّة واحدة لو خلصت الموضوع ليا. المصلحة دي هترچع عليّ وعليك بالنفع… حتى رمزي اللي ما يعرف مصلحته، لو كان سمع الكلام كان زمان نابه من الحب چانب.
ضحك “مصعب” ضحكة طالحة كأنها نبعت من منبع الأبالسة، فقال بازدراء:
_رمزي حسابه عسير معايا، لو كان عطاني المرة بالحب كنت فرشت له الأرض ورد. لكن بعد اللي صار، ما له عندي ولا مليم ساغ. ويا ويله من اللي چاي، ما هو مش عشان مصعب يضحك عليه من عيال ما راحوا ولا جاوا.
الساعة تقترب من اللحظة الحاسمة، والخطر يزداد سوءًا على رمزي بعدما استحوذ عليه مصعب بقوته، بعدما زرع فيه اعتقادًا خاطئًا بأنه في أمان طالما ظن أنه يحيطه. لكن الحقيقة كانت كارثية، فقد كان خُدام رمزي هدية مصعب له حينما اكتشف الأسرار التي كان يجب ألا يطلع عليها. لكن بعدما استخدم رمزي هذه القدرات ضد من علمه أصول المهنة، كانت بمثابة قرصة مؤلمة في يد مصعب، تلك التي كانت تكمن فيها نار غيظ مكبوت، إن خرجت ستحرق العالم.
ورغم أنه لم يكن يعرف طريق الوصول إلى “رمزي”، سحب خدمته، ليصبح الآن مجرد إنسان عادي بلا امتيازات تميّزه عن الآخرين. كان دومًا في طريقه يشعر بظلٍ خفيف يلامسه كنسمة باردة، يتتبعه بلا انقطاع، ولكن الآن اختفى فجأة، ولم يعد هناك من يحذرونه همسًا في طريقه. أشياء كثيرة انقطعت عنه، جعلته يدور في دوامة من القلق، فنظر إلى القمر بتردد، كمن يبحث عن شيء فقده.
كل شيء أصبح بلا تيسير، والجميع كان يلوح في أفق مصعب. حيث استدار رمزي نحو جيهان وهما يسيران تحت نور القمر، وقال لها بتحذير:
_أبويا باينله سحب خدمته، وكل شيء بقى مكشوف.
سألته “چيهان”، فقالت بجسد يرتجف خوفًا:
_يعني إيه؟
رد “رمزي” شارحًا لها الأمر بإيجاز:
_يعني أنا دلوقتي زيي زيك زي أي حد، أهو ده اللي أنا مكنتش عامل حسابي له…..
وتابع بتضايق:
_بقى كده تسحب الخدمة يا بويا؟ ده أنا عشان أعمل غيرهم عايزلي يجي شهر على الأقل، وبعدين ده أنا نسيت كتاب التحضير في دار مصعب يعني عشان أجيبه هعمل لنفسي حوار ويا عالم هخرج ولا لا.
ابتعدت عنه “چيهان”، ما كان يجبرها على البقاء معه تحصينه لها لكنه الآن غير قادر على تحصين ذاته، فقالت بنفور:
_إنت دلوقتي حجتك معايا انتهت، ياريت تسيبني في حالي، ومشوفش وشك تاني… أنا حياتي بتدمر بسببك إنت وأبوك… إنتوا مش لاقيين في الدنيا دي كلها غيري اللي تإذوه؟ ابعدوا عني بقى وريحوني!
ثم التفتت وسارت في طريق مغاير بمفردها. في تلك اللحظة، انحنى “رمزي” برأسه إلى الأسفل بحزن وقال بعتاب:
_بعد ما حميتك منه ومن أذاه، جاية تمشي دلوقتي يا بت أسماء؟ خلاص مبقاش ليكي مصلحة معايا مش كده؟
غادرت چيهان دون أن تلتفت إليه، فهذه هي اللحظة التي انتظرتها طويلًا، اللحظة التي ستفر فيها من كل سلبي أرهقها. تلألأت عينا “رمزي” بدموع بسيطة، لم يكن يصدق أن اليأس سيتمكن منه يومًا. فليس الصعوبة في الرحلة، بل في فشلها الذي يحطم ما تم زرعه من مجهودات شاقة ونزاعات نفسية.
قرر أن يحذرها للمرة الأخيرة، فقال بنداء:
_صدقيني مش هيسيبك، هيخلص عليكي لو لقاكي، أنا عملت اللي عليا ونصحتك وإنتي وشوقك.
بعدما وجد رمزي أنه لا جدوى من السيطرة عليها، غادر من طريق آخر. أما چيهان، فسقطت في بؤرة غائرة بمنتصف الجبل، فلم تشعر بذاتها وفقدت عقلها، كأن قوى ما تلبست جسدها وجعلتها في عالم نائي عن اليقظة. لكنها نهضت من جديد، لكن ليس بإرادتها ككل مرة، فسارت في طرق طويلة، متفادية الحجارة على الأرض، والأشجار التي كادت أن تصطدم برأسها.
دندنت على الطرق الواعرة إلى أن وصلت دار مصعب. هناك كان في انتظارها خلف الباب، على أحر من نار الجمر، من اللحظة التي ستقطر فيها دماؤها في الوعاء إلى لحظات الرغد بين القصور المتباينة.
مرت الليلة ببطء، فانشق الكون بنهار جديد، حيث في تمام الساعة الثانية ظهرًا في منزل عائلة الدميري، كان عمرو قد نفذ وعده. جلب والدته السيدة “حياه”، التي كانت في مشارق الخمسين عامًا. بشرتها بيضاء وصافية، وجسدها ممتلئ، تفضل ارتداء العباءات السوداء.
بينما كان والدا ريم يجلسان معهما في صالة الاستقبال، وعلى الطاولة أمامهم علبة من الحلوى تقديرًا من قلب عمرو لهذه الأسرة التي لامس فيها الجو العائلي البسيط.
جلست ريم بخجل بجوار والدتها، بينما كان “عمرو” يتحدث مع والدها ويتبادل الحديث، لكنه ظهر كشخص طريف يتحدث مع أحدهم بينما يحدق الآخرون بتركيز. فعيناه لم تفارقا ريم منذ أول ليلة رآها، ولم يتخيلها سوى زوجته المستقبلية. فقد ازدادت مقامًا في عينيه بعدما رفضت عرضه بأن تركب سيارته. شعر بأنها مختلفة عن كل الفتيات التي قابلهن في حياته.
وقد قال لشوقي بابتسامة:
_والله أنا برضه حاسس إني شوفتك قبل كده يا عم شوقي… بس متقلقش حوار بنتكم چيهان عندي أنا وإن شاء الله هستعين بزميلي في الداخلية يشوف الموضوع ده.
رد “شوقي” بامتنان، بعدما أشرقت روحه بأمل جديد:
_ياريت تبقى عملت فيا جميل مش هنساهولك طول عمري.
مالت “أسماء” برأسها في زاوية بسيطة لتأمر ابنتها بالنهوض، فهذا بيت الجود كأنه خزانة من خيرات لا تنتهي. همست في أذنيها برفق، تحدثها بنبرة غير مسموعة للآخرين، قائلة:
_قومي يا ريم جهزي العصير والفاكهة، ولو في حلويات في التلاجة حطيها.
ردت “ريم” بصوت خافت:
_ماشي.
دخلت ريم المطبخ كالفراشة المدللة، وفي كل خطوة تخطوها، يترقبها عمرو بطريقة حاذقة تجعله مستترًا وراء نظراته المعجبة دون أن يلاحظه أحد، كأنه استغل فرصة حديث والدته مع شوقي وأسماء.
استخرجت ريم زجاجة المشروبات وأفرغتها في الأكواب، ثم وضعت الفواكه بشكل منظم في الأطباق. بحثت عن الحلوى كما أمرتها والدتها، لكنها لم تجد المطلوب. فبدأت في رص التحف الفنية داخل صينية واسعة، وهندمت ثيابها برقة، ثم خرجت حاملة الضيافة.
جلست مع والديها والضيوف من جديد، هكذا انتهى دورها وبدأ دور والدتها وهي توزع المشروبات وأطباق الفواكه اللامعة في أيديهم.
اندهشت “حياه” من فطنة ريم، وحصافة عقلها، ومظهرها اللافت. فهي كانت حلمًا لأي شاب، فلم يقتصر الذهول على عمرو فقط، بل شمل والدته أيضًا، فقالت بابتسامة:
_ما شاء الله عليكي، ربنا يحفظك يا حبيبتي.
ردت “ريم” ببسمة، والخجل يتملكها:
_يارب يا طنط.
التفتت “حياه” نحو شوقي، وقالت له بحماس:
_إن شاء الله تبقوا تيجوا تزورونا وبالمرة تتعرفوا على الحاج والولاد… دول هيفرحوا بيكم أوي.
أجابتها “أسماء” بتأكيد، متمنية أن تكبر دائرة معارفهم بمن ارتاح لهم القلب. كان هناك شعور يدلها أن هذه الأسرة تشبه روحهم تمامًا، قائلة:
_أكيد يشرفنا والله… ده إنتوا نورتونا النهارده.
رد “عمرو” بابتسامة تغمر شفتيه:
_ربنا يخليكي يا ست الكل، احنا اللي اتشرفنا بمعرفتكم… أتمنى تكون معرفة الخير.
قال “شوقي” ببشاشة وجه:
_الله يخليك يا عمرو… اشربوا العصير بقى!
ضحك “عمرو” بخفة، وقال ببسمة:
_حاضر.
ارتشف عمرو ووالدته المشروبات مع الأسرة، فكان الاطمئنان يدق بابهم لأول مرة منذ ليالي طويلة من القلق. الحياة في الماضي ازدادت بالمشكلات، وبدلًا من أن تتقلص حتى تتوارى، كانت تتفاقم شيئًا فشيئًا، ما عكر مزاج الأسرة.
أحست ريم وكأن هذه الزيارة انتشلتها من نيران الحزن، وضعتها في مكان أشبه بالجنة. ربما قد دارت عجلة الحظ بعد أن أصابتها النحوسات في حياتها، لتمنحها فرصة جديدة للحياة.
أن تنتهي علاقاتك فجأة بلا أسباب، كأنما زُرعت الدنيا سكينًا باترًا في قلبك المتألم. كلما سعدت، ألقت عليك مصائب لا حصر لها، وكأنها تعاندك، وترى الفرح لك ما هو إلا هدية كبيرة لا تستحقها. لكن حينما تعود الفرصة، يكون الوضع مختلفًا. فكل ما حرمت منه عاد محملًا بالعوض الجميل.
بعيدًا عن أجواء الراحة، كانت چيهان مكبلة بالحبال في منزل مصعب الذي طالما حلمت بالهروب منه بلا عودة. لكن الآن، لا توجد اليد التي تنتزعها من قساوة الساحر الفتاك، ذلك الذي لا يتحنن على صغير ولا يرحم كبيرًا.
ما يدل على طغيانه هو تلك الحيوانات الذبيحة حوله بلا رحمة: قطتان صغيرتان، كلب أسود مسكين. قد نزع “مصعب” رؤوسهم عن أجسادهم ليقدمهم قربانًا للجان دون رحمة. حتى الجدران ملوثة بالدماء التي كُتبت بها طلاسم لعينة.
كانت تخرج من غرفته الأدخنة، والجدران ترتجف مع كل كلمة تبزغ من فمه الماجن بروائح الخمر والسجائر. فأضواء المنزل الخافتة، وحلكة أجوائه كانت كفيلة بأن توضح لچيهان ما سيحدث لها بعد قليل.
كانت جالسة على الأرضية مذعورة، غير قادرة على الفرار، حيث تندم على أنها ضربت بنصيحة رمزي لها عرض الحائط. تفكر في ما سيحدث إن ظلت برفقة ساحر بوجه شنيع قد يقضي على حياتها في أي لحظة.
بعد دقائق، خرج مصعب من غرفته بخطوات ثقيلة ليبدأ في تنفيذ المهمة، لكنها صرخت وحاولت التراجع، في حين هو ينظر بسخرية. فمهما حاولت، لن تستطع الهروب، فلم يعد هناك وقت إضافي لتأخير المهمة.
رفع السكين على عنقها وجسدها يرتجف خوفًا. كانت دقات قلبها تسمع من شدة المخافة، وهو صامد لا يكترث لذعرها. تمتم التعاويذ وهو يقرب منها الوعاء البلاستيكي، ثم قال لها بجفاء يتعارض مع الطبيعة الإنسانية:
_فريتي مني وايد، بس اليوم جاكِ أچلك. ما هتجدري تهربي مني مرة ثانية، اللي كان يساندك خلاص هرب. بس أنا بعرف أچيبه زي ما چيبتك.
زر الذهاب إلى الأعلى