روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم رانيا عمارة 

اِحتاجتُ إلى وداعٍ أخيرٍ، ولو بنظراتٍ بسيطةٍ تحتضنُني،
لن تمحو الفزعَ أو تُزيل الرعبَ من حَوزتي.
في سمائي طائرٌ حلَّق بجناحيه، يدفع عني ضَراء جوارحي، وعليلُ الهوى يُطوِّقني، فيُخبرني بما لم أَتخيَّل تحمُّله.
رَسمةُ الشَّجى بيديكَ رسمتُها بدلًا من لوحةٍ كان قلبي مُستقرَّها،
فرشاةٌ جرحت روحي حينما عَلِمت بمَودَعِ صُنعها.
“چيهان” التي تلقَّت خبرًا قاسيًا، انحدر عليها كما تنحدر الجبالُ على البحار، تُعكّر نقاءها، فتظلُّ علامةً قاسيةً تجرح كل من يُفكِّر في الإبحار. أَحسَّت باضطرابٍ ذهنيٍّ صاعق، ارتجف بدنُها، وتقلَّب من السكون إلى زوبعةٍ زلزلت كيانها. ابتلعت ريقها بارتباكٍ قيد حركتها، وعيناها اللتان تجولان في كل صوبٍ تنغلقان شيئًا فشيئًا، وهي تستند إلى الجدار بكفّها المُرهف، وتضع الكفَّ الآخر على صدرها كأنها تستحثُّ الكلمات على الجلاء.
وقع في أحضان السجن بذنبها الذي لم ترتكبه، اندفاعه وتهوّره ألقيا به في مرارة السُّم. يطوف سؤالٌ في الأفق: ماذا كان سيحدث لو أنه رفض بهدوء وتركه وشأنه، كتصرفٍ سليمٍ، خالٍ من المشكلات؟
تمنَّت لو أنها تقُّص صفحة الأمس من قاموس حياتها، وبعضُ القطرات تتسرّب من عينيها على الرغم من حرصها الشديد. تمرُّ بلحظاتٍ قاسية، وناجي لا يزال حيالها منتظرًا إجابتها. لكنها دخلت الصالة بهدوء، وأحضرت عبوةَ العلاج وزجاجة الماء، وعادت إليه بخطى مكروبة. وحينما وقفت إزاءه، مسحت دموعها بسرعة، وتمالكت أعصابها، وقالت بنبرةٍ ضعيفة:
_خد العلاج ده اديهوله بأي طريقة، هو لسه تعبان ومخفش….
تنهدت ساعيةً لجمع كلماتها المتفرقة، وتابعت بأسى وهي تسلّمه مستلزمات رمزي:
_حاول توصلهوله، أكيد مش هيستحمل اللي حصله ومحتاج حاجة تقويه.
رفعت يدها على الجدار وأغلقت عينيها، والدموع تسيل على وجنتيها دون إرادة منها. لم تعرف سبب بكائها بعد وصول الخبر، لكن كل ما يهمها أن ينعم بنومة مريحة في سجن جاف لا يحوي أي مقومات للراحة.
راقب ناجي تحركاتها بحزن، وبين قبضته علاج رمزي والمياه، فلم يُبدِ ردًا، بل خرج في صمت لينفذ ما كُلّف به. أما هي فأغلقت الباب وراءه، ووقفت في منتصف الصالة تنظر إلى كل الزوايا بحسرة عنيفة تكبس أنفاسها، حتى جلست على الكرسي جاهشة بالبكاء المرير.
يداها الاثنان فوق وجهها يتلامسان في حرارة مؤلمة، فانتفض جسدها، ونزلت يدها اليسرى على قلبها، منتحبة بنبرة لا يسمعها سواها، ثم رفعت بصرها باستياء، وسيل الدموع في تزايد حتى ابتلت ثيابها بها.
اكتظ الهواء بالكآبة في غيابه، كانت كمن فقد سلاحه الذي يعينه على مواجهة المُعاديين. تركها وحيدة في بلدة لا تعرف فيها أحدًا سواه، ناسًا على الرغم من سخائهم وطباعهم المجيدة، إلا أنها لم ترتح حتى الآن. تشعر ذاتها دخيلة بينهم، وكان وجود رمزي يزيل هذا الشعور ويمنحها أمانًا حقيقيًا افتقدته الآن.
كانا أغلب الأوقات يتشاجران في جدالات متأججة، ولا أحد منهما متقبل أسلوب الآخر، إلا أن عاطفتهما تجاه بعضهما البعض لانت الفترة الأخيرة، فسلكت مجرى أكثر لطافة من قبل.
في الأسفل، بمنزل فهيم، قد اجتمع مع أخيه “عاصم”، زوجته غزالة، وأبناؤه في بهوهم الواسع، ووجوههم تلمع تحت أشعة الشمس المتسللة من النوافذ المشرعة. يتناقشون فيما حدث لرمزي، محاولين حل المشكلة العويصة، وقبالتهم صينية مكتظة بأكواب الشاي بنكهة الرحيق المميز.
حزن “فهيم” على فقدانه لرمزي في الفترة القادمة، ذلك الذي سيترك وراءه فراغًا كبيرًا، فكان متكئًا على ذراعه بشفقة، يود لو ينتشله من ريبة السجن ليعاود بينهم من جديد، فتنتشر الغبطة بوجوده.
عبر عن حزنه قائلًا بنيران الزَوال:
_لا حول ولا جوة إلا بالله… لو شوفتوه البارح، كان عجلكم وجف من فعله، لو كان چوزها نفسه ميسويش اللي سواه.
أجابه “عاصم” بنفس التبرُّم، شاكيًا من خبر لوَّن حياتهم بالأسى، قائلًا:
_أكيد رمزي خَبَل في راسه يوم ضرب الواد صجر، مالجاش غيره؟ ده له معزّة عند العِمدة ضرغام… بس برضه العِمدة ما يسچنه هيّن، شكل رمزي زعّج بوچهه، وهو معروف بعصبيته وميبلعش حد يتمختر عليه.
سألت “غزالة” عن وضع رمزي المشؤوم، قائلة باكتراث:
_وهو كيف بيجعد خمسطاشر يوم في الحبس؟ والله ما فيه واحد يجدر يبات هناك ليلة واحدة.
كانت الرغبة في سريرة “فهيم” أن يتجه مع أخيه عاصم إلى دار شيخ القبيلة، يطلبان منه السماح أو حتى تخفيف المجازاة، فيمنحه فرصة جديدة. وقد قال لأخيه:
_احنا نروح للعمدة ضرغام نطلب منه السماح، وإن شاء الله يرضى ويسامح، وجتها رمزي يطلع ويرچع لينا بالسلامة.
نهض “عاصم” معلنًا تأهبه لطلب الإغضاء من شيخ القبيلة ضرغام برفقة أخيه فهيم، وفي قلبه رهبة كبيرة من أن تنقلب الموازين ضدهما، لكنه رغم مخاوفه قال:
_يلا بينا، احنا نسوي اللي علينا والباجي على الله.
“سنشد عضدك بأخيك” ظهرت بينهما رابطة متينة من التعاون والإخوة الصادقة، يعاونان بعضهما في أوقات الضيق التي حتّمت ظروفًا قاهرة على الجميع، سارا في طريقهما حاملَين النيّة الصادقة في انتشال رمزي من أزمته.
أختهما الصغرى التي نزفت قلوبهما بالدماء بعد وفاتها، كانت قد أوصتهما على “رمزي” في ليلة قريبة من لقائها ربها في مَغنى الآخرة، في وقت مفاجئ بلا مقدمات، والجميع جالسون بصفاء ذهن؛ النساء يستمتعن بالأحاديث، والرجال يتابعون المسلسلات على شاشة التلفاز، رفعت كفها على رأس صغيرها حين كان يبلغ الثانية عشرة من عمره، عبثت في شعراته بأنامل حنونة، وهي تخبرهم بخوفٍ واضح ألا يتوه رمزي في زحام الحياة، راغبة في أن تودّعه وهو بين جناحي الأمان.
تسمرت جميع الأنظار نحوها في الحال بدهشة، فلِمَ تخبرهم بما يدسّ الذعر في مهجاتهم في تلك اللحظة دونًا عن غيرها؟ لكنها، وباستياءٍ ينساب من حروفها، أعادت قولها لتخبرهم بأن النهاية باتت قريبة جدًا.
لكن إخوتها، بدورهم الداعم، شرعوا في بثّ الطمأنينة في أعماق فؤادها. تمرّ الليالي ويحدث ما تلفّظت به بالحرف الواحد، وكأنها رأت ما لا يلحظه غيرها.
الوصية دينٌ على المَدين، ولا بدّ من تنفيذها بحذافيرها، لكن علاقتهم الطيبة برمزي لم تُبنَ على هذا الأساس، بل لأنه شغل حيّزًا من الحب في حياتهم.
ظهرت غيداء في حجرتها الحالكة على غير عادتها، مكروبة، لا تستطيع الخروج بطاقة مستهلكة ردعتها عن المعيشة بإيجابية كالسابق، ما زاد عبئًا على ظهر بعير أعقف.
في مدينة اشتهرت بالمأكولات البحرية، أرض الرُواء، والبحار بأمواجها المتلاطمة، وهواؤها الرطب الذي زحزح الرياح على وجوه شوقي ومَن يرافقونه في رحلة آسرة بعد عملٍ مرهق، وقد أنهوا وجباتهم اللذيذة، وانتقلوا إلى إحدى المقاهي على نفس الخط.
تترطّب أجسادهم بمشروبات صيفية منعشة، والأحاديث تتراقص بنعومة على آذانهم المُنصتة، إذ عبّر شوقي عن اهتمامه بفايز، ذاك المرتدي جلبابه، والعِمّة تطوّق رأسه، يصف تاريخه الطويل بين أهالي البدو في الواحات، فسأله “شوقي” وهو يرتشف مشروبه:
_وإنتوا منين بقى في الواحات يا أستاذ فايز؟
الاهتمام يدفع العلاقات إلى مراحل متميزة من الصداقة، وهذا ما لمحه فايز في عيني شوقي، الذي كان أمامه يمثّل أهل الحضر، مهتمًا بهيئته، يحمل شخصية مميزة تجعله منفردًا عن الآخرين.
وبينما يشرب “فايز” مشروبه البارد، أجاب بثقة:
_حنا من واحة الداخلة، وعندنا خوان متزوچين في الخارچة، حنا ما شاءالله عددنا زين، سبع خوان، منّهم ثلاثة في العوينات، والباجي متزوچين في دار العيلة بالخارچة.
استفسر “هشام”، مندهشًا من عددهم الهائل، فقال بفضول:
_ما شاء الله، الله أكبر، ويا ترى حافظ أسامي العدد ده كله ولا بتنساهم؟
ضحك “فايز”، وأجابه بمزاحٍ لطيف، يعدّ أخوته على أصابع يده، قائلًا بابتسامة:
_كبيرنا الحاچ مبروك، الله يرحمه ويغفر له، واللي بعده ربنا يعطيه طولة العمر والعافية، الحاچ فهيم، وييچي بعده على طول الحاچ عاصم…
استمتع الجميع بحديثه، وكأنه يسرد عليهم قصته الممتعة، ليتابع متذكّرًا:
_اللهم ذكرني يا رب… الباشا سطّام، الله يحفظه، عايش هناك في الخارچة مع مرته وعياله…
اندهش “شوقي” من أعدادهم المُشكِّلة عزوةً متينة، يتعاونون عند السقوط في الأزمات أو تعدّيات الأعداء، وكأنهم جزءٌ واحد لا أشخاصٌ متباينون، فقال:
_ما شاء الله، ربنا يبارك.
نطق “فايز” بوجهٍ بشوش، واسترسل فيما يتذكّره:
_يا رب… بعدين أختي، الله يرحمها ويچعل مثواها الچنة، الست فطيمة، وبعدها آني اللي جبل الأخير، أما الأخيرة فهي ست عِفة، هذي شابتنا، الله يحفظها.
اختلطت ضحكاتهم ببعضها، وكأن اجتماعهم منبعٌ لبهجةٍ افتقدوها في الفترة الماضية، حيث أبهرهم فايز بقدراته الذهنية وهو يتذكّر فريق تتار لا مجموعة إخوة، في عصرٍ متقدّمٍ يُنصَح فيه بتقليل النسل حفاظًا على الكثافة السكانية، تلك التي شكّلت عائقًا أمام العمل وفتحت أبوابًا واسعة للبطالة.
لكن البدو، بطباعهم المتشابهة مع أهل الصعيد والريف، يُحبّذون تكوين أسرٍ كبيرة تمنحهم شعورًا بالمشاركة الدافئة والتعاون الأسري.
قال “شوقي” بضحكة خفيفة، معلّقًا:
_ربنا يحفظهم، الظاهر الحاج الله يرحمه كان بيرفع حديد.
تضاحك الجميع بصوتٍ عالٍ، أحدث ضجّة مرحة في المكان، وجعل الأعين ترتكز نحوهم، فقال “هشام” مشاركًا الحديث:
_حديد إيه بس يا عم شوقي؟ ده على اللي أستاذ فايز بيقوله ده، أقل حاجة كان بيتمرن بأهل البيت.
قهقه “فايز” بخفّةٍ وعذوبة، وقال بمزاح:
_لا والله، أبوي كان رچال بسيط، وما كان في زمانه رفع أثجال ولا صالات رياضة زي اليوم، كان ياكل خُضرة، ولحمة، وكوارع، وما عمره حط نجطة سُكّر في بدنه… ولما توفى، توفى بصحته، كأنه شاب ما كمل عشرين….
ثم رفع كفّه على رأسه، وأردف بنبرةٍ يملؤها الحنين:
_الله يرحمك يا بوي يا حنون.
الأب الحنون يترك بصمةً مع أبنائه لا تتكرّر، يغمرهم بحنانٍ جليّ، يجعلهم يتذكّرونه إلى أن تتحرر آخر أنفاسهم، فيكون الحزن ساطعًا على وجوههم مهما حاولوا التمثيل أمام الأغراب؛ فميراثه الحقيقي لهم هو التحنان والرحمة، اللذان لا يُقدّران بملايين الكون.
تأثّر الموجودون ودعوا له بالرحمة، بما فيهم هشام، قبل أن يتلقّى مكالمة حادة من زوجته “هناء”. حين تومض شاشته باسمها، يشعر وكأن الخطر يداهمه؛ جدالاتها تصنع الفوضى في رأسه، تجعله أشبه بمجنونٍ كاد أن يُلقي حتفه على قضبان السكك الحديدية، ليتخلّص من إزعاجٍ يلاحقه، حتى ولو في آخر بقعةٍ على الكوكب.
نهض مبتعدًا، وأذناه مستعدّتان للإصغاء إلى صرخاتها المعتادة، وبالفعل، قالت بشكوى:
_ماشي يا هشام، رايح تروق على نفسك وعاملها بحجة الشغل وسايبني أنا هنا للهم؟
وطأ “هشام” يده على رأسه بغضب، وسألها، قائلًا:
_يادي النيلة عليا، طب لما بتبقي في البيت بقول يمكن أمي ضايقتك ولا اتخانقتوا كالعادة، لكن لما تبقي في بيت أهلك وبتشتكي يبقى الموضوع فيه إنه.
صرخت “هناء” بانفعالٍ نابعٍ من شخصيةٍ متسلّطة، لا تحيا سوى بفرض آرائها على الآخرين، فنطقت:
_محروقة من أمك ومش عارفة أنسى، عمالة آكل في نفسي من إمبارح ومش جايلي نوم، وبُص بقى عشان نكون على نور، احنا لازم نعزل ويبقى لينا حياتنا لواحدنا، ده لو إنت عايزني أرتاح.
لم يكن الوقت ولا الموقع ملائمَين لثرثرةٍ لا تجلب له سوى صداع الرأس وضيق التنفّس، فقال بوجهٍ عابس:
_يا ستي الله يكرمك ويرضى عليكي ده مش وقت الحوارات دي، أنا دلوقتي في الشغل، لما أرجع نتكلم في الموضوع ده.
تفوّهت “هناء” بصخب، غير آبهةٍ بكونه زوجًا لها:
_تقصد إني بنكد عليك ومخلياك مش متهني بعيشتك؟ وهو أنا في حد غيري كان استحملك في فقرك وهمك يا هشام؟ دلوقتي بقيت وحشة ومش طايق تسمع مشاكلي؟ مانا ياما سمعت مشاكلك….
أبعد الهاتف عن أذنيه خوفًا من أن يُشخَّص بعد قليل في عيادة الطبيب: خرق في طبلة الأذن على يد “هناء” المُهيمنة، لكن وعلى الرغم من ذلك، سمع عجيجها وهي تواصل بغيظ:
_ده أنا اللي من غيري تتوه، أنا اللي بخططلك كل حاجة وبنورلك طريقك الأسود اللي مش باينله ملامح، مش كفاية إنك بتدخلي البيت كل شهر بأربع آلاف جنيه بس؟ ما كان قدامي المريش اللي هيعيشني عيشة مرتاحة، لكن أنا اللي اخترتك عن…..
رفع “هشام” الهاتف إلى أذنه، وخرج عن صمته، وهو يصيح بانفعال:
_ما خلاص خلصنا، راديو واتفتح؟ ما تبطلي وجع الدماغ ده بقى وبلاش كلام تندمي عليه بعدين، سيرة الزفت ده متتفتحش تاني، لو كنتي شايفاه أحسن مني في حاجة كان زمانك اختارتيه وسيبتيني أنا، لكن ما دام ربنا كتبلنا نصيب مع بعض يبقى ارضي بنصيبك، وإن كان على الفلوس، فانا هعمل إيه يعني؟
التفت نحوه بقلق، يرمق شوقي الذي انشغل مع الرجال وسط صخب الأغاني، ليتأكّد أن الجو المحيط آمن، وتابع بصوتٍ خافت:
_في إيه في إيدي أعمله أكتر من اللي عملته؟ أروح ألم الفلوس كلها في جيبي عشان يقول عليا حرامي ومش قد العِشرة؟ ده أنا يا شيخة لو يوم دخلت عليكم من غير فلوس تقلبيهالي مناحة وقلبة دماغ، أقطع نفسي عشان تتغني وترتاحي؟
جاءه الرد صادمًا حينما قالت “هناء” بصياح عاتي:
_آه اسرقه أحسن ما نموت من الجوع أنا وعيالك، ولو معملتش اللي بقولك عليه، هروح أنا بنفسي آخد اللي يكفينا وزيادة… لو خايف فأنا مبخافش.
أنهى “هشام” المكالمة متيقنًا أن هناء تعاني من تقلبات مزاجية حادة، دون أن يُجيبها، وكأنه اكتفى من شحناتها السلبية التي كدَّرت صفوه. دس الهاتف في جيب بنطاله بحركة ساخطة، وتحرك إلى الأمام وهو يقول:
_شغل الجنان ابتدا، والله شكل نهايتها هتبقى على إيديكي.
عاد إلى الطاولة بملامح متجهمة لاحظها الجميع، ومن ضمنهم شوقي الذي سأله باهتمام عن أحواله المتقلبة بعد مكالمته معها.
الجميع يسعد بزواجٍ هادئ مع نصفه الآخر، شريك حياته الذي يصبّ عليه الحب صبًّا، يسعون لرسم مستقبلهم الجميل، وتصحيح أخطاء الماضي والحاضر، عدا هناء، التي اهتمت بجمع الأموال أكثر من اهتمامها بزوجها، الذي يعاني من تقلباتها الحادة معه؛ إذ تارة تبتسم في وجهه، والمائة الأخرى تبسط عش الزوجية بالنزاعات.
دماره هو من ابتكره حينما مضى على عقد الزواج، وكأنه حينها حمارٌ مغفل في هيئة بشري.
بينما على أرض الخلافات، كان فهيم وعاصم يقفان إلى جوار بعضهما في بهو منزل الشيخ ضرغام، بعدما طلبا منه العفو عن رمزي، مؤكدين أنه نادمٌ على ما ارتكبه، وأن ما حدث خطيئة بسيطة تستحق السماح. لكن الشيخ “ضرغام”، على الرغم من رفضه في بداية الأمر، وافق احترامًا لهما.
عاد الأمل إليهما، وهما يشعران أن خطواتهما باءت بالنجاح، وليس كما صوّرت لهما هواجسهما.
دخل الغفير إلى سجن العمدة، وأحضر رمزي، وخرج به. هناك كان الجميع في انتظاره، لكن رمزي حينما التقت عيناه بعيني الشيخ ضرغام، اجتاحه إعصارٌ من الغضب، بعدما ألقاه بين جدران السجن القاتم.
فهو لم يقتنع بتنفيذ العقوبة عليه من الأساس، وشعر أنها إهانة كبيرة في حقه. حينها نظر الشيخ ضرغام إلى رمزي، وكأنه منتظرٌ منه الاعتذار ليطلق سراحه، فرفع رأسه بشموخ، وقال:
_خوالك الاثنين چُم يتحايلوا عليّ عشان أطلّعك، وجالوا إنك ندمان على اللي سويته… جول لي بالصدج، الندم چاك وعرفت غلطك ولا بعدها ما دريت؟
بذخ “رمزي” رأسه في شموخ وكبرياء عظيم، وأكد أن ما حدث لم يُغيّر فيه شيئًا سوى الغضب الذي وصل إلى ذروة الاحتدام، قائلًا بغلظة:
_ما عاش ولا كان اللي يخلي رمزي الطوخي يندم، لو رچع بيا الزمن لا كنت سوّيت نفس اللي سوّيته وزيادة كمان.
اِمتلكت الدهشة فهيم وعاصم، وهما على شَفا الذهول مما قاله، ليتدخل “فهيم” في الأمر، ويقول بعتاب:
_إيه يا رمزي، إيش اللي بتجوله ده؟ ما تبي ترچع بينا زي الأول؟ ولا عاچبك الجعدة هنا؟
اشتد الغرور عليه أكثر مما كان، وظهر كباسل لا يهاب أعظم الزعماء، ورأسه لا تزال مرفوعة بشموخ، ليقول بنبرة هادئة غير متأثرة:
_ما في شي في هالدنيا كلها يستاهل إنكم تتذللوا جدام بني آدم زيّنا يا خال.
ابتسم الشيخ “ضرغام” كلمحة هادئة لما سيحدث من انفجارات تمتد تأثيراتها على الجميع بضرر بالغ، وكأنه للمرة الأولى يتعامل مع متمرد يخالف قواعدهم الثابتة، إذ ظهر كنبتة صبار وسط حقل من الورود، فقال هو الآخر بعناد لا يتزعزع:
_وعشان نشوف هالدماغ عندك، هنزود فترة سچنك عشر أيام زيادة، والزيارات ممنوعة، خلاص صار الأمر.
قُضي الأمر، فلا جدالات بعده ولا محاولات للتصحيح، ومهما حاول أخواله طلب السماح، كان ذلك دون فائدة. الأضرار كثيرة، ومن ضمنها تضييع أوقاتهم وإنهاك ألسنتهم، فالأمر نافذ والمطلب مرفوض.
ما جعل الخال “عاصم” يعاتبه بضيق، بعدما جعلهما كالحشرات المتناهية في نظر شيخ القبيلة، وكأن رمزي لم يحترم حضورهما، ما جعله يقول بغضب:
_ليش كذا يا رمزي؟ ليش بتصغرنا جدام العمدة؟ يا رب تحلها من عندك، خلاص ما بجى في إيدنا شي نسويه.
اِستدار العمدة ضرغام برأسه في زاويةٍ أخرى بغرور، تاركًا المهمة للغفير ليجذب رمزي ويتجه به إلى موطنه الحقيقي، بين أضلع حبسٍ انفرادي لا يخترقه الهواء. أزاحه قبالته بحدة، لكن رمزي قاوم وصرخ في وجه الغفير، معلنًا حربًا عنيفة بينهما قريبًا، إلى أن دخلا الطرقة التي كعنوانٍ لكتاب مظلم، سطوره خُطّت بالهلاك.
هنا تُروى حكايات الاضطهاد التي عاشها معظم أهل البلدة، منذ أن أنعم الشيخ ضرغام بحُكمها. جدران باهتة، تدنّس طلاءها بحروفٍ أعقفة، وكأنها أسرارٌ ملحودةٌ نبعت من طيّات المظلومين. منهم من ودّع الحياة بعد صراخٍ مَضاء، أوْلَجَ إحساسًا شكسًا بأنه وسط صحراء لا يحيى فيها بشر، ولا يستجيب أحدٌ لعويله. تجلّت قوة الشيخ ضرغام على الجميع، حتى الفئة الأخرى التي كُتب لها الفرار بعد شهورٍ نهبت طاقاتهم، فخرجوا من ذاك السجن مهزومين، وكأنهم تحوّلوا إلى أصحاب الكهف، ليخرجوا إلى عالمهم الحقيقي، لكن بلا قُدرة.
رقش القدر فرصةً جيدةً لرمزي، لكنها لم يُحسن استغلالها. كبرياؤه قاده إلى تصرفاتٍ جددت عذابه، وهو يستربع بين زوايا حجرةٍ مظلمة، لا يقابله فيها سوى شعاع شمسٍ بسيط، وكأنه الأمل الوحيد وسط العتمة.
بدلًا من خمسة عشر يومًا، ظلّ في تمديدٍ ليصل فجأةً إلى خمسٍ وعشرين يومًا، قِصاصًا له على ردوده المعاندة للشيخ ضرغام، وإن ارتكب خطأً جديدًا، فليس مستبعدًا أن تصل عقوبته لأشهر، وهذا ما سيفتح الفرصة لمصعب أن ينفذ وعوده الحقيرة لهما.
رفع رمزي يده إلى وجنته، وأخذ يتنهد بعمق، شهيقًا وزفيرًا، يلامس بروزات الجدار الخشنة برفق، عابثًا بها دون قصد، ورأسه قاربت على الانبجاس.
هلك بدنه، وأطرافه مضمومة لبعضها بحزن، يرمق شعاع الشمس المتسلل، وكأنه يواسيه في ظُلمته. كان خائفًا من غيبٍ ينتظرهما، ليفسد كل ما صنعا في رحلتهما الشاقة.
خشي على چيهان من ظُلمٍ لن تتحمله إن وقع عليها، فقد تركت الجميع، واستغنت عن العالم في حضوره، مطمئنة قبالة عينيه التي تغرزها بسِهام الأمان. لكن الآن، مصيرها مجهول، ما زاد من وطأة الارتعاب في سريرته.
في الخارج، خطا الأخوان: فهيم وعاصم، خارج دار العمدة، وقد أثقل كاهليهما بمرارة الفقد. يشعران بالفشل لأول مرة بعدما خانتهما توقعاتهما.
بدأت الشمس تميل إلى الغروب، وعاد كل شيء إلى موضعه. شعاعها البنفسجي ينشعب في السماء، والسحاب تمر ببطء، كما يمر الزمن على رمزي تمامًا.
تحرك “ناجي” حاملًا عبوة العلاج وزجاجة المياه على الطريق الرئيسي، وهو يقترب من دار العمدة بالتدريج. تكبر الصورة وتتضح، ورجاله يتحركون بأسلحتهم كنسورٍ مترصدةٍ لأي عدو، لكنه، بقلقٍ اجتاحه، قرر أن يغيّر مساره، ليسير في طريقٍ مغاير، متنايًا عن أعينهم.
ظل يخطو لمدة لا تقل عن خمس دقائق. هناك، على رِدف منزل الشيخ ضرغام، مكانٌ لا يحرصه غفير، وكأنه محلولٌ عن داره الرحيب. في نهايته نفقٌ صغيرٌ ضيقٌ يصل إلى مكان سجن رمزي، كأنبوبٍ صفيحيٍّ متأزق، لا يستطيع عبوره سوى طفلٍ في العاشرة من عمره. لكن نحافة جسد ناجي عاونته على الولوج، وعلى الرغم من ذلك، كان يجد تعسرًا في المرور، وجلبابه يحتك بجدران الأنبوب، فيتّسخ بالأتربة والقش.
حقق المستحيل من أجل رمزي، وهو مُصرٌّ أن يسلّمه أمانته في سلام. لكن عينيه، التي تمركزت برأسه بترقب، جعلته حريصًا ألا يراه أحدهم. فبعد خمسة أمتار، خرج من الأنبوب، مقشعرّ البدن مما أحسّه بين الظلام، ثم نفض جلبابه دون أن يصدر صوتًا، ليجد الغفير يجول بسلاحه، منشغلًا بالحديث مع زملائه. كانت فرصةً سانحةً أن يقف بجوار الجدار ويتحرك برفق، دون أن يلحظه أحدهم، حتى خطا بهدوءٍ مطبق إلى مكان السجن.
كانت الطرقة واسعة، تطل على حديقةٍ مهجورة، مملوءةٍ بالأشجار، وحياله أربعة سجونٍ حيرته في معرفة مكان رمزي المحدد، فلا يدري بأي حجرةٍ التهمته.
بدأ يرفع صوته قليلًا، بحيث يكون في محيطه فقط، ونادى بصوتٍ محترس:
_رمزي… رمزي… رمزي!
تجوّل إلى الأمام بقلق، وهو لا يزال غارقًا في رهبته، وتابع:
_رمزي يا ولد عمتي، لو سامعني رُد علي، الله يسلمك، طلع إيدك من الشباك عشان أعرف إنت فين!
حينما استمع “رمزي” لندائه، نهض مسرعًا وأخرج نصف ذراعه من فراغات الحديد، وقال بأمل في صوته:
_ناچي ولد الخال؟
التصق الاثنان بجدارٍ يفرّق بينهما، فكان عائقًا يثير الامتعاض في قلب رمزي. حينها، بدأ “ناجي” يهمس بصوته، وهو يرفع الزجاجة وعلبة الدواء، محاولًا العبور بهما من بين الحديد الضيق:
_خد يا رمزي علاچك والموية، چيهان زعلت عليك كثير لما عرفت اللي صارلك، ووصّتني أوصلك علاچك.
حاول “رمزي” جذب زجاجة المياه والعلاج، واحدًا تلو الآخر، وقال باستياء يكاد أن يزرف الدموع من عينيه:
_آني اللي بوصيك عليها يا ناچي، حافظ عليها لحد ما تعدي هالفترة، وإذا أبويا چا أو صار شي، بعدهم عن بعض، ولا تخليه يعرف إنها موچودة، لا تخرچها، وحطها في بالك، هي أغلى شي!
قال “ناجي” باستجابة، مؤكدًا حرصه على الحفاظ عليها إلى لحظة خروجه من أزمته:
_لا تخاف عليها يا رمزي، إنت بس خذ علاچك، وآني بحاول أچي أطمن عليك من غير ما حد يحس.
نطق “رمزي” بحزنٍ يغمر روحه، قائلًا بتوصيةٍ عزيزة:
_لا حد يعرفها إني هتسچن خمسة وعشرين يوم يا ناچي، لا تجولها شي، خلّيها فاهمة إنهم ١٥ يوم بس.
رد “ناجي” وهو يلتفت حوله بقلقٍ من أن يظهر الغفير في أيّ لحظةٍ غير متوقعة، قائلًا بعجلة:
_سمّ طال عمرك، ما راح أجول ولا حرف…
انجلت خطوات هادئة تقترب من “ناجي”، ذلك الذي بمجرد استشعاره للخطر ودّع رمزي بخوفٍ، وكلماته تتأرجح بذعر على لسانه، وأردف:
_بمشي الحين جبْل لا ينكشف أمري، بچيلك يوم ثاني، دير بالك على روحك!
فرّ ناجي هاربًا، يسير بخطى سريعة لكنها محسوبة، حتى تكدس بدنه داخل الأنبوب الضيق بسرعة، مقاومًا التعثُّر والأتربة العالقة على زواياه، وصدى الغفير يتردد في أذنيه وهما يتحدثان.
رجُلان من البدو، مطوقان بجلبابهما، وعلى أكتافهما الأسلحة المثبتة استعدادًا لأي هجمات، إذ شعروا بأن دخيلًا اقتحم هذا المربع، ليقول أحدهما للآخر بشك:
_كان فيه أحد هِنا ولا وش السالفة؟
أجابه الأخير وهو يلتفت حوله بترصّد:
_يمكنها بِسة ولا عِرسة طافت من هِنا.
خرج ناجي من الأنبوب بعدما كنسه بجلبابه وقت العبور، وعاد إلى داره بانهاكٍ لم يره طوال حياته، تاركًا رمزي يواجه الصعوبات بمفرده.
في سفح السجن، حيث يرقد رمزي وحيدًا، جلس على الأرض وبين ساقيه دواءه وزجاجة المياه، حتى رفعهما بيديه قبالة وجهه، ناظرًا لهما بحنينٍ غريب، ربما كان يستنشق عبيرًا فائحًا يذكره بأحدٍ كان يرتاح في صحبته، حتى فتح الزجاجة وتناول دواءه، فلم يفرط في علبة الدواء التي اشترتها چيهان من أجله، بل ضمها إلى صدره وكأنها تمنحه دفءً يفتقده بين برودة الحزن، يقربها لوجهه بتلهفٍ.
إن كان الحنين في قُنَّة بَليته،
في بداياتٍ لم تمرّ دقيقتهُ،
فما نوعُ شوقٍ باترٍ لروحٍ
في نهاياتٍ تعسّره؟
رسى الزمان في مراسي صبابته،
وشوقها هواءٌ يحرك سفينته.
هناك،
الأسى يغمر چيهان،
مثل غمرة الحزن التي غمرته،
والحبُ العنيد يبتر ما تبقى من شططٍ،
فتبكي موضعها،
وتتحرك في كل صوبٍ،
وها هو هناك…
يجمع شتات صبوه.
أما الحب الصريح، الذي أنار درب ريم المُظلم بعد ليالٍ من شجى الرسوب، وسنوات من قهرٍ مستمر لا ينقطع، فقد جاء “عمرو” سندًا يُعينها على النهوض، يجدها تسقط فيرفعها بيد العون، ترسب فيغمرها بورود النجاح، راغبًا من أعماقه أن يراها أفضل نساء الأرض، فتحقق مرادها، وتصل إلى غايتها.
قد جاءها برفقة عائلته مستعدًا أن يحظى بزواجٍ في رحلةً عظيم يشاركانها عمرو وريم، فاجتمعتا الأسرتان بعد ليالٍ في صالة منزل شوقي، تعارف جديد وجلسة أظهرت تلائم العائلتين مع بعضهما في أجواء من الفرح.
عمرو الذي ارتدى بنطالًا أسود وقميصًا بنيًا بسيطًا، والساعة تزين معصمه، تلك المعلنة استعدادها لخروج العروس ريم لتصافح الجميع بما فيهم عريسها الذي انتظرها بفيض الحماس.
الأنوار ساطعة، وأخوات العريس يجلسن بجوار بعضهن على أريكة واحدة، كل واحدة منهن تنتظر خروج العروس في ليلة قراءة الفاتحة، ذلك العقد الشفوي الذي سيمنحهم الفرصة للانغماس في زواجٍ مميز يحمل الخيرات والمحبة، يشارك هذا الحدث الرائع عصام وهشام اللذان جاورا شوقي في يومه.
خرجت أسماء مع علياء وابنتها هناء إلى الخارج، هي في المقدمة والأخريات وراءها بابتسامة واسعة، إلى أن عانقت أسماء والدة العريس “حياة”، تلتقيان للمرة الثانية لكنها مختلفة، فالآن ستندمج الأنساب سويًا ليصبحوا أسرة واحدة في المستقبل، والأيادي تربّت على الظهور ببهجة.
في تلك اللحظة صافحت علياء وهناء أخوات العريس، وكلهن يتعرفن على بعضهن بشغف، والرجال يتابعون هذه اللقاءات في صمت، لترحب “أسماء” بوالدة العريس قائلة ببهجة:
_أهلًا بيكي يا مدام حياة، نورتينا إنتي والحاج والبنات.
ردّت “حياة” بابتسامةٍ مرسومةٍ على شفتيها، قائلة:
_ربنا يخليكي، ده نوركم إنتي يا حبيبتي.
تقدمت “أسماء” من الفتيات لتصافحهن الأخريات، مقدمة الحفاوة على طبقٍ مرصّعٍ باللُطف والكلمات العذبة، قائلة:
_أهلًا بيكوا يا حبايبي، نورتونا.
ردّت “غادة” بابتسامةٍ صافيةٍ يشوبها بعضُ الخجلِ:
_ميرسي يا طنط، ده نور حضرتك.
بعد الجلسة الترحيبية المتبادلة بين الجميع، اجتمعت العائلتان على الأرايك في انتظار ظهور العروس ريم، فكانت في الداخل برفقة منى تضع المكياج حيال المرآة، وبعدما وضعت لمساتها الأخيرة بالفرشاة، فحصت ملامحها بتردد، خاشية أن تكون وضعت مكياجًا لافتًا، فكانت حريصة أن تخصص ليلة الخطبة بمكياج واضح على عكس مناسبة قراءة الفاتحة، إذ لأول مرة تلتقي بباقي أسرة عمرو.
فيما كانت “منى” تترقبها ببسمة هادئة، نهضت ووقفت قبالتها وعانقتها بفرح شديد، وقالت:
_ألف مبروك يا ريم، عقبال يارب ليلة الخطوبة والفرح.
ردّت “ريم” بابتسامة، وغرفتها لا تسع أجنحتها من فرط البهجة:
_الله يبارك فيكي يا منى.
طرقت “هناء” باب الحجرة، ثم فتحت الباب بطريقة تتسع لولوج رأسها لتخبرهما بأن الوقت قد حان لخروج العروس، قائلة:
_يلا، أهل العريس مستنيين برا، تعالوا ورايا متتأخروش!
قبل أن تخرج منى وراء أختها، جذبتها “ريم” وقالت بخجل، كأنها غير متأهبة للخروج، قد تحتاج بعض الوقت لتجتاز الرهبة:
_استنوا بس، حاسة إني محرجة أوي، أنا أول مرة أشوف أهل عمرو.
ارتفعت الأصوات من داخل الصالة والجميع منهمكون في تبادل الأحاديث، ما أزاد من حيرتها، لكن “منى” جذبتها من يديها، وأخبرتها بنُصح:
_ولا إحراج ولا حاجة… كلنا كنا زيك بس مع الوقت اتعودنا، اتشجعي وتعالي ورانا على المطبخ، خدي الصينية وأخرجي بشجاعة، وهتلاقي كل حاجة عدت.
راودت ريم هواجس العروس في مشهد مفزع وهي تدخل عليهم بشجاعة مؤقتة، لتتراقص الأكواب وتسقط على الأرض بخزي، أو أن كعبي نعليها يتشابكان في السجادة ما يجعلها تسقط فوق عائلة العريس تنضح وجوههم بالشربات، لكن هناء ومنى أصرّا على تقديم الدعم، فخرجت وراءهما إلى المطبخ بجسد مرتجف.
على الرخامة صينية مكتظة بأكواب الشربات، بما فيهم كوب تميزت حوافه باللون الفضي، فبينما هناء تسلّمها الصينية بين يديها المرتجفتين، قالت “منى” بتنبيه:
_الكوباية اللي حرفها فضي بتاعة العريس، متديهاش لحد غيره.
تعجبت “ريم” من تخصيص كوب محدد للعريس دونًا عن غيره، فسألتها بدهشة:
_اشمعنا؟
نظرتا منى وهناء لبعضهما بنظراتٍ غامضة تحوي داخلها كلمات صامتة، لكن سرعان ما ابتسمت “منى” وقالت بتلعثم:
_عشان يعني التمييز، عشان العريس هو الوحيد المميز في الليلة دي، وبعدين كل الكوبايات زي بعض محدش خد أكتر من التاني.
ونظرت لهناء بابتسامة تثير الشكوك، لتواصل الأخيرة بنفس البسمة:
_أه كله زي بعض، بس خدي بالك وإنتي طالعة لا رجليكي تشبك في حاجة، مش ناقصين فضايح.
كأن “ريم” جذبت كل الهواء إلى رئتيها في تنهيدة عميقة، وبدأت تتحرك من موضعها بقلق، قائلة:
_ربنا يستر.
خرجت، والاثنتان تتبعانها وهما تنظران لبعضهما في سكون، كانت لحظاتٍ لكنها أوحت بحكايات صامتة لا يعرفها سواهما.
دخلت وأعين الجميع مصوبة نحوها، النساء تزغرد وترج الدار بزغاريد الغبطة، إذ مرت ريم على جميع الجالسِين، وكأنها نجمة ساطعة جذبت الأنظار نحوها، متلألئة في فستانها البني البسيط، وأظافرها الملونة بطلاء أحمر كست يداها مظهرًا رقيقًا.
تلفّت على الجميع بصينية المشروبات، إذ أعطت الجميع نصيبهم الحلو من الشربات البارد، لكن حينما جاء الدور على عمرو، ارتجفت أناملها وسقط الكوب على الصينية، وكأن الرحمة الخفية منعت حدثًا فاجرًا صُنع على يد خسيس.
زر الذهاب إلى الأعلى