روايات شيقة
رواية إيبار الفصل التاسع عشر 19 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل التاسع عشر 19 بقلم رانيا عمارة
تحوَّلت الفتاة إلى كتلةٍ باردةٍ حينما سقطت في موقفٍ لم تحتسبه، ودَّت لو أن تنشقَّ الأرض وتبتلعها، لكن عقلها الذي اعتاد التدليس ألهمها سرعة التصرُّف، فقد أخفت الزجاجة وراء ظهرها دون أن تزرع الشك في رأس عمتها، بل وجرأتها المستفزة ظهرت وهي تعانقها كما لو كانت تحبها بالفعل، وتشتاق لرؤيتها.
لكن عمتها، رغم جهودها، أحسَّت بتمثيليةٍ مُريبةٍ صنعتها ابنة أخيها؛ كانت تلوج بعينيها في لحظات العناق بقلبٍ ينبض ريبةً، حتى أذنيها اللتين اعتادتا سماع خطواتٍ غريبةٍ في كل ليلة اكتمال القمر، استمعتا إلى دقَّات الفتاة المتضاربة، وعيناها لاحظتا جسدًا مرتبكًا يتصرَّف بحيرة، وقد تباعدت العمة عنها، وسألتها بتكهُّن:
_في حاجة ولا إيه يا حبيبتي؟ غريبة جاية من غير ميعاد، مش تقولي؟
تلفَّظت الفتاة بتلعثم، جاذبةً قناع الابتسامة إلى وجهها على الرغم من مخاوفها الشديدة:
_وحشتوني يا عمتي، كنت لسه هخبط على الباب بس إنتي سبقتيني وفتحتي….
نظرات العمة المفسِّرة لشكوكها كانت تُظهر الارتجاف والقلق في لغة جسدها، تلك التي صمتت بلا اقتناع لتنصت إلى أحاديثها الزائفة، ما جعل الفتاة تُردف بحروفٍ مخفقة:
_أنا كنت معدية جنبكم لسه جاية من السجل المدني كنت بطلع بطاقة، قولت أعدي عليكم أشوف منة وأقعد معاها شوية لو فاضية.
ارتفعا حاجبا العمة في ذهولٍ، فكانت ابتسامتها توحي بذكاءٍ مستورٍ سينكشف بعد دقائق معدودة، وقالت بفطنةٍ كحصنٍ منيعٍ يمنع مكائد الأغبياء:
_مانتي كل مرة بتقولي كده، بس معلش بقى منة نايمة، أصلها من يجي ساعة كانت واقفة مع الحاج وهو بيركب الكاميرا الجديدة….
تغيَّرت ملامح الفتاة من ادِّعاء السعادة إلى وجهٍ عابس، وكأن ردَّ عمتها دسَّ المزيد من الرعب إلى نفسها الخاضعة، فسألت برهبةٍ:
_كاميرا إيه دي يا عمتي؟
أشارت العمة إلى كاميرا المراقبة المتحرِّكة في زاويةٍ لا تُبصرها الأعين، ثم أخفضت وجهها من جديد نحوها، وقالت بهدوءٍ مُتأهِّبٍ لعاصفةٍ جبارة:
_كاميرا المراقبة يا حبيبتي، ماهو احنا لما لفينا على شيوخ كتير قالولنا إن في حد بيدفن أعمال، وبيرشها على عتبة البيت، قولنا بلاش نظلم حد إكمن الظُلم ظُلمات يوم القيامة، روحنا مركبين كاميرا جديدة بس مقولكيش جايبة كل حاجة صوت وصورة….
بعدما حوصرت في مأزقٍ لا فرار منه، شعرت بغشيانٍ حارٍّ اجتاحها، جعل الكلمات تحتقن تحت لسانها، أطرافها خانتها وهي ترتجف برهبةٍ، فرفعت يديها على حافة السور، وتراجعت إلى الوراء بأنفاسٍ رابية.
نظرت بعينيها في كل مكانٍ عدا موضع العمة، التي ألقتها بنظراتٍ قاسية، وهي تراها خسيسةً لا أمان لها، باعت الثقة من أجل دمارٍ غير مبرر، تنتقم ممن وضعتها في منزلة أختٍ ودودةٍ لها، تحبها وتقدِّرها ولا تكنُّ لها ذرَّة شر.
كانت صدمة العمة فيها أكبر من كل شيء، إذ تقدَّمت نحوها بصلابة، وجذبتها من ثيابها بلا شفقة، وبدأت تصرخ فيها، قائلةً بصياحٍ عاتٍ:
_بتإذي بنت عمتك يا حقيرة؟ عمتك اللي دخلتك بيتها واعتبرتك في مقام عيالها؟ بنت أخويا أنا يطلع منها كل ده؟!
انزلقت الدموع على خَدَّي الفتاة، وتحشرجت أنفاسها وهي تبرِّر ما فعلته بمبرِّراتٍ ساقطةٍ لا تُقنع الأذهان، فقالت بنشيجٍ:
_اسمعي بس يا عمتي، أنا هقولك…..
صفعتها عمتها كفًّا حارًا على وجهها، ارتدَّ صداه في المنزل، معبِّرةً عن حالها العسير الذي لم يعُد يحتمل مبرِّراتٍ صُورية، قائلةً:
_اخرسي، إياكي أسمع حِسك! إنتي ليكي عين يا بت تردي كمان؟ اللهي أشوفك المرض بياكل في جسمك زي ما عملتي في بنتي، شوفي ربنا ستر عليكي كام مرة وإنتي مصممة تدمريها، ملعون أبوكي يا شيخة….
خرج أبناء السيدة من غرفهم: فتاة واثنان من الشباب، جميعهم تبدأ أعمارهم من العشرين، يخطون بخطى سريعة نحو والدتهم الصارخة، تلك التي بدأت تصفَع وجهها وتبكي بقهر على حال ابنتها، إذ تردَّد بانهيار:
_اتصلوا بخالكم بسرعة! أنا لازم أوريه عمايل بنته السودة، لازم يعرف حقيقتها ويشوف كل حاجة قصاد عينيه….
بين صراخٍ مرير، وأيادٍ تشبثت بجانيةٍ ملعونة، قضت سنوات عمرها بين خفايا الظلم، معتقدةً أنها ستهرب من الانكشاف بحصافتها، لم تعلم أن رصيدها من الستر كان يتناقص شيئًا فشيئًا حتى نفد تمامًا.
تقدمت “منة” الضحية نحو والدتها التي عانقتها بعنفٍ محب، وهي لا تزال تصرخ، فتخرج منها آهات الشجا، بينما أحد الشباب رفع هاتفه يجري اتصالًا بالخال، فلا يعرف كيف سيبدأ معه شرح المشكلة، وقد تلفظت والدته بصرخاتٍ عنيفة، قائلة:
_يا منة يا بنتي حقك عليا من اللي هي عملته فيكي، كنتي بتموتي بدل المرة ألف قصاد عينيا، ومحدش فينا عارف يوصل لحاجة، والملعونة دي بتتوددلك عشان تإذيكي وإنتي مش حاسة، ربنا أراد إن رصيدها من الستر يخلص، وكل حاجة تتكشف قصاد عينينا.
حاولت المُذنبة الفرار، حتى فلتت من أقباض أولاد عمتها، وجرت إلى الخارج وهما يلاحقانها، فخرجت العمة بسرعة ووقفت على الدرج، وقالت بتكليف تحذيري:
_خدوا بالكم منها، أوعوا تسيبوها، لازم الفيديوهات اللي معانا تتقدم للشرطة، وأنا مش هسيب حق بنتي ولو على موتي!
كان إصرارها يدفعها للقصاص ممن تسبَّبوا في دمار حياتهم، ففي كل مرة تأوهت ابنتها من وطأة المرض، كانوا يركضون بين المستشفيات المختلفة من أجل استدلال خبر بسيط يمحو القهر من صدورهم، آلاف الأموال المدفوعة في العلاج البدني والروحي، كادوا أن يبيعوا المناديل على المطبات وهم يشحذون ثمن العلاج من المارة. ضاقت حياتهم من جميع الزوايا بسبب بشرية خناسة فقدت كل معاني الرحمة، فكانت تدرك حالة ابنة عمتها الحرجة، وبدلًا من التعاطف معها والتوقف عن السبل الجاحدة، كانت تزداد طغيانًا.
شهد الشارع أحداثًا وكأنها من فيلم أكشن، وقتما هرعت الفتاة في أحياء ضيقة، وأبناء عمتها يلاحقونها بلا توقف حتى اختفت عن أنظارهم، ما شكَّل إحباطًا فوق كاهليهما، فنظرا لبعضهما بيأسٍ وعادا إلى المنزل، والإصرار لمجازاتها كان أكبر مما هو عليه.
هناك في دار مصعب، طرقت الفتاة الباب، ففتحه لها وكأنه إبليس في هيئته البشرية، يرمقها بنظرات خَنوعة كأنها غير مرحبٍ بوجودها في هذا الوقت. مسحت الفتاة دموعها، وقالت بنبرة حزينة:
_عمتي شافت كل حاجة على كاميرا المراقبة، إنت ليه مقولتليش إن كل ده هيحصل؟
دخل “مصعب” بثبات وجلس على الأريكة المتهالكة، وصخب عقارب الساعة يتردد من حولهما، مصدرًا ألحان القلق. اتبعته الفتاة ووقفت قبالته، والدموع تتلألأ في عينيها، لتجده يقول بلا اكتراث:
_فاضيلك آني ولا شو؟ آني مليش دخل تنفضحي ولا تظلي على حالك، خدمتك خذيتيها، وما عاد بينا سيرة بعد.
ردت الفتاة بصراخٍ، متسائلةً بتعجب:
_يعني إيه ملكش دخل؟ هو أنا لواحدي اللي اتفضحت؟ مانت كمان اتفضحت زيي وأكتر كمان.
نهض “مصعب” من على كرسيه بخفةٍ تفسر شروره المكبوتة، وأجابها بوعيدٍ واضحٍ، خوفًا من أن تفصح سره حيال الناس أجمعين، قائلًا:
_مصعب لو نطجتي اسمه جدّام مخلوج، والله لابعتلك خمس مچوسين يلبسوا چتّتك ويلفّوكي فالشارع عريانة جدّام العرب، ولا وازيدك من الشعر بيت، بخلي السرطان ياكل راسك وتموتي مكانك، ما بخبّي ولا بچامل، لا وآني زعلي نار، لو اشتعل عليكي يخلي دنياك سواد… ها، فهمتي ولا أعيد؟
جففت الفتاة دموعها، وأحنت رأسها للأسفل باستسلام، فهي غير قادرة على أن تدخل ذاتها الضعيفة في حرب مع ساحر شنيع لا يقدر عليه سوى ربه، حتى أنها لم تجيبه، فتابع بخشونة:
_يلا من درب وچهي، وراي مشاغل غيرك، وإن چيتي تعالي وإنتي تفيديني بالمال، أما دلع الحريم ذا روحي سويه عند غيري!
خرجت الفتاة من منزل الساحر برجفةٍ ترعد حواسها، فلا منجى يعينها على الهروب من أزمتها، ومن نفذ لها مخططها هو أول من نزع يده من المشكلة لتصبح مواجهة لجائحتها بمفردها.
في حين صعد “مصعب” إلى طابقه الثاني وكأن شيئًا لم يكن، ألقى بجسده على السرير يرتاح من ضغوط العمل، ويداه اللتان تحت رأسه تمنحانه شعورًا من الارتياح، واليد الأخرى تسحب الغطاء فوق جسده الكهل وسط العتمة، لكن هاتفه الذي يعكر صفوه بنغماته الصاخبة أعلن نداءه، فقبض عليه، مضيقًا عينيه والنعاس يغمره، واستجاب للمكالمة، إذ في منتصف حديثه مع لعينة تتعامل معه منذ سنوات، أرادت تعكير سعادة “ريم” بعدما علمت مشروع زواجها، لكن “مصعب” بدوره الذي يختار ثغرات تحطيم القلوب، نصحها قائلًا:
_اصبري وخلّي بالك طويل، يوم تفسخ كتب كتابها بعد ما رتبّت كل شيء، بتوچع أكتر لو تفسخ وهي للحين على البر.
ردت المرأة بتمني لو أن تنتهي الزيجة وسط الفرح المتلألئ والقلوب المباركة، حتى تصل الأمور إلى مجرى أكثر تعسُّرًا:
_محروقة يا سي مصعب أوي، أقسم بالله مجرد ما أسمع سيرتها النار بتقيد فيا، هو هيبقى كل حاجة عندها؟ طب وأنا فين؟ أنا اللي اتهانت واتضربت واتشتمت بأفظع الألفاظ، ده أنا أهلي دول بخلا في مشاعرهم قبل الفلوس….
كلما تخيلت مكانة ريم الراقية: اجتماعيًا، ماديًا، جماليًا، وعاطفيًا، اشتد الغيظ وكأنه يطوقها بحزام ناري حول عنقها، ما دفعها لإشعال المزيد. كان ذلك يمنحها شعورًا مؤقتًا بالارتياح لكنه لا يزول بعد كل ذلك، وتابعت بنبرة ساخطة:
_كملت تعليمها ودخلت كلية وأنا كنت ببوس على إيديهم ورجليهم أكمل بعد الدبلوم، يقوم أخويا يخيرني يإما الجواز يإما التعليم، لكن هي كل طلباتها مُجابة، حتى الحب عايزة يكون ليها نصيب فيه هو كمان، طب وأنا أبقى مميزة في إيه عنها وهي واخدة كل حاجة كان نفسي فيها؟
مسح “مصعب” كفه على وجهه بإرهاق، وقال:
_ولا هتاخد ولا هتشوف يوم خير، طمّني وخلي بطنك فيها بطيخة صيفي، هتعيش وتموت وهي لحالها، ولا هتشم ريحة الچواز، وكل اللي يدخل دارهم يطلع وهو كاسر جلبها، إنتي لا تحرجي دمك ولا تتغاظي، وخليكي تكلميني بعدين، ده وجت النوم!
تفوهت المرأة بنبرة مكسورة، مبينةً حزنها:
_ماشي يا سي مصعب، لما تنام وتصحى مفوق اتصل بيا بس رن رنة سريعة عشان أبويا وأمي مياخدوش بالهم!
أغلق مصعب المكالمة بحركة مهينة دون أن ينهي الحديث معها، هو الذي اعتاد على تدمير حيوات الناس لا يعجز عن إظهار مساوئ شخصيته حتى مع عملائه المتميزين. فلحظات النوم لا تعوض بملايين الكون، وكأن الوسادة تنتظر انتهاء مكالمته لتحتضنه بحنان لا يستحقه.
على نحو آخر، الفتاة التي سحرت ابنة عمتها خرجت بتردد إلى الشارع، وكأنها سقطت في بئر أفكارها اللصبة. لم تجد مأوى لها بعد الكارثة التي ارتكبتها، فالشر لا مهرب منه، لابد أن يسقط الظالم في بؤرةٍ حفرها للمظلوم. فالإنصاف الإلهي يبدع في تصفية الحسابات ولو امتدت السنوات.
قد تفاجأت بوالدها مقابلًا لها، مترصدًا لها بنظرات مستذلة بعدما سمع حكايات شيبت ما تبقى من شعراته، يدقق في ملامحها كأنها غريبة عنه، يجهلها، لم تكن ابنته التي كاد أن يبيع ثيابه من أجل تربيتها الحسنة. تبدو في هيئة شيطان، وهي ترتعش بخوف من ردة فعله، فعقلها لا يجد توقعًا حقيقيًا لما سيحدث. قد جذبها من ثيابها بقبضة حديدية، وسألها بصراخ معاتب:
_إنتي مش بنتي، لا لا، إنتي شيطانة، ياريتني كنت قتلتك ولا يجي اليوم ده، خليتي شكلي أحقر من الحقارة قصاد عمتك وجوزها وعيالها….
صرخ فيها صرخةً عاتيةً، متابعًا:
_إيه الجبروت اللي فيكي ده؟ جيبتيه منين؟
ارتجفت الفتاة وانتحبت ذعرًا، وهو يواصل بجلجلة:
_مفيش حاجة في الدنيا تشفعلك على اللي عملتيه في منة… منة بنت عمتك؟ ليه عملتي كده؟ ليه؟
أجابته الفتاة وهي تصرخ، محاولةً فكَّ قبضته عنها:
_عشان هما بيعاملوها حلو لكن إنتوا لا، بيجيبولها اللي هي عايزاه، عندها هدوم أكتر من اللي عندي بكتير، شنطتها فيها فلوس تعيش عيلتين مش عيلة واحدة، بتاكل وبتشرب ومبسوطة وأنا لا….
قاطعها والدها في الحال وانهال عليها بالضرب، متابعًا بضجيج عالٍ جذب الأنظار:
_اخرسي مسمعش صوتك، يا بجحة يا قليلة الرباية، والله لأربيكي من أول وجديد وأندمك على كل اللي عملتيه، وهتقولي حقي برقبتي.
طعنته في قلبه طعنةً حادةً بفعلها الشائن الذي لم يتوقعه منها يومًا.
من أنتِ؟ ولماذا؟ كيف منحكِ الحقد جرعةً هائلةً تنتقمين بها إلى هذا الحد من القسوة؟ لا مبرر يعطي الحق مهما كان أن يدفع مريضًا نفسيًا للجوء إلى ساحر خرج عن رحمة الله، ذاك الذي يدنس الآيات القرآنية بأفعالٍ مشينة، بل ويتجه إلى ممارسات تزلزل عرش الرحمن سخطًا. كل شيء من بدايته إلى نهايته شرك بالله، والمغفرة من الرحمن في تلك الحالة لا تأتي إلا إذا سامحه المظلوم وتناسى ما حدث، لكن من سيضع سنوات الدمار التي عاشها تحت قدميه من أجل سماح مشركٍ ضال؟ هنا الظلم أعظم لأنه ماضي مستمر عكر لحظاتٍ لم تستحق الهلاك.
بدأ الوالد بتوبيخ ابنته بقسوة، يعنفها لعله يصحح فيها ما تغافل عنه في السابق، بل وسلمها بذاته إلى قسم الشرطة، حيث كانت العمة في انتظاره تقدم الأدلة بقلبٍ يحترق. فالآن المذنبة في انتظار عقابها: الإلهي، القانوني، والأبوي، وكل منهم لن يرحمها كما لم ترحم مستذلةً لم تؤذها في شيء.
حاولت الفتاة طلب المغفرة لكن بلا جدوى، فالروح التي جفت من الرحمة على يدها لن تعطيها ما ترغبه، لأن فاقد الشيء في معظم الأحيان لن يعطيه، لكنها قاعدة غير ثابتة.
حينما أحست أن طاقتها تخرج هباءً رغبةً في السماح، انحدرت دموعها متذكرة عدد المرات التي أغشى الله أعينهم عن الحقيقة، وكانت تزداد ثقةً في خفاء أمرها المشين، لكن الله الذي تتغير الموازين بإشارة واحدة منه، لو اجتمع أهل الأرض أن يمنعوا انكشافها، سيسقطون في النهاية في منحدر الخيبة.
دارت عقارب الساعة حتى وصلت إلى الثالثة من منتصف الليل، ورمزي لا يزال منعزلًا في الصحراء، فاشتدت برودة الرياح ولامست عظامه مسببة آلام المفاصل والعضلات، فعاد بالجمل إلى الخيمة متألمًا، وخطى خطوات ملتوية إلى دار خاله “فهيم”.
كان السكون يخيم على كافة المنازل والأحياء، إذ الجميع ساكنون على سرائرهم في غفوٍ عميق، والأضواء عاتمة. فصعد عبر المصعد الكهربائي، وفتح باب الشقة، ودخل، فجلس على الأريكة وسط الظلام، واضطجع على الأريكة متأوهًا، فلا سرير يضمه إليه بحنو، ولا غطاء يمنع عنه صقيع الأجواء.
أنزل الوسادة الصغيرة تحت رأسه، وهو يرتجف من البرودة على غير المعتاد، فالجميع دومًا ما يعانون من طقس ملتهب، لكن يبدو أن العاصفة وفدت بعلة رمزي الجديدة التي أرهقته وجعلته يرقد متألمًا.
ظل على حاله حتى الصباح، يتقلب تارةً إلى اليمنة، وأخرى إلى اليسرة بألمٍ، وكل حركة تكتب سطرًا جديدًا من معاناته، حتى أشرقت الشمس بنورها الوهاج، وانسابت أشعتها في منتصف الصالة، والهدوء لا يزال يعم المكان.
في تلك اللحظة خرجت “چيهان” من الحجرة بخطى متعثرة، والنعاس لا يزال يكسو عينيها، متثائبة برقة في صوتها، حتى وقع بصرها عليه وهو نائم على الأريكة يتألم على غير العادة، فهي لأول مرة تجده في قبضة العلة، فتقدمت نحوه بتردد، وسألته بهدوء:
_إنت تعبان؟
استفاق “رمزي” من نومه على صوتها، فانبثق الأمان في قلبه لثوانٍ، ثم اعتدل في جلسته وقال بوضوح:
_آه شوية، بس مش هيفرق معاكي في حاجة.
نطقت “چيهان”، وهي ترغب في أن تقدم له راحته على طبقٍ مرصع بالحنان، قائلةً بصيغة عرض:
_طب أدخل نام جوا، أنا خلاص صحيت ومش هانام تاني.
لكن “رمزي” رفض، خوفًا من أن تفضل البقاء في موطنها المريح في أي وقت، لذلك قال:
_لا أنا هفضل زي مانا، سايبلك الأوضة تعملي فيها ما بدالك.
حكت “چيهان” بأصابعها وجهها بلمسة ناعمة، ومسحت عينيها، بينما هو انقلب على جانب آخر يبحث فيه عن راحته، فقالت:
_بس أنا مش محتاجة حاجة من الأوضة، يعني تقدر تنام هناك براحتك….
اعتدل رمزي، فحوّل رُقاده إلى جلوس، وعبث بشعراته الناعمة بقوة، ومسح بيديه على عظامه المتألمة، وهي لا تزال ترمقه، فتابعت بذكاء:
_هعملك حاجة سخنة تشربها، شكلك خدت برد من كتر قعادك في الصحرا.
دخلت چيهان المطبخ محدود الأركان، باحثة عن الليمون والنعناع لتصنع له مشروبًا ساخنًا يطرد البرودة الراقدة في عظامه. فتحت الخزانة وأخرجت منها البراد، وملأته من صنبور المياه، وأوقدت الموقد السطحي برفق، لكنها في لحظة لامست النار بإصبعها دون قصد، فصرخت متألمة وتراجعت فورًا، ثم فتحت الصنبور ووضعت المكان المصاب تحت المياه الجارية.
حين سمع “رمزي” صرختها، دخل مهرولًا رغم آلامه، وجذب أصابعها نحوه ليرى ما أصابها، فكان الحرق واضحًا ومؤلمًا بشدة. هناك شعور دفعه لمعاونتها في إبقاء يدها تحت المياه المتدفقة، وفتح الخزانات باحثًا عن الدقيق، متسائلًا بقلق:
_مفيش طحين هنا ولا إيه؟
بينما كانت المياه تغمر أصابع “چيهان” لتخفيف الألم، أجابته بوجه متوجع:
_لا مفيش، بس هتعمل بيه إيه؟
فتح “رمزي” جميع الخزانات، وجثا على ركبتيه يتفحّص خزانة الأسفل بدقة، وقال:
_الطحين بيخلي الحروق تخف.
لاحظت چيهان الفزع في عينيه، فارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها، وهي تسمع صوت خطواته خلفها وهو يتحرك باحثًا عن أي مكوّن يخفف من وطأة الحرق. التفتت إلى الوراء تطلعه، فاستدار هو الآخر، وتقابلت الأعين في نظرات لطيفة لأول مرة، كانت ثوانٍ، لكنها من روعتها بدت كأنها ساعات من الصبابة.
اختلج قلبها من ضلوعها من فرط الجمام، كاد يثب فرحًا، لكن وجهها العابس أوحى بعكس ذلك، وحتى هو، وسط انشغاله، أحسّ بنسيم جميل يمرّ على بدنه.
خرج “رمزي” من المطبخ وكأنه استرد عافيته، وقال:
_هروح أجيبلك مرهم للحروق وراجع.
عجبًا له، إذ كان راكضًا كالمحتضر في لحظاته الأخيرة، لا يستطيع حتى لمس علبة المناديل الورقية، وفجأةً زارته العافية، وألقى العلّة وراء ظهره، ليخرج بنفسه ويحضر لها علاجًا للحروق، مع أن بدنه الضعيف في هذا الوقت كان أولى أن يُشترى له علاجٌ قبل غيره.
فتح الباب وخرج من الدار، تاركًا على وجه چيهان دلالات استفهام، تتساءل: هل كان سقيمًا فعلًا، أم أنه يخادعها بعلة لا وجود لها في جسده؟ لكنها، وإن لم تسمع منه كلامًا، فتصرفاته كانت توحي بالصدق.
لم تحب چيهان أن تواجه هذه المشاعر التي طالما فرت منها فرارًا، فعادت عابسة كما كانت، تقنع نفسها أن ما يحدث أمور طبيعية، ولا ينبغي أن تُحمَل على محمل آخر لا تود الإفصاح عنه.
وبعد دقائق، أعدّت له المشروب، وبقيت في المطبخ تنظر من نافذته الصغيرة نحو الصحراء الباهية من حولها، حيث بدأ بعض الرجال يستيقظون من استرخائهم ويتحركون مع الجمال. لكن المدهش أن تمر خمس عشرة دقيقة دون عودة رمزي، ما أنبت الرهبة في وجدانها، وللمرة الثانية تقنع نفسها أن الخوف أمر طبيعي، ولا ينبغي أن يُفسَّر بتوجّهٍ آخر.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها حين سمعت رنين دلاية المفاتيح، والباب يُفتح بهدوء، إذ دخل “رمزي” منهكًا، وقد اشتد عليه الألم أكثر من ذي قبل، بعدما زار خمس صيدليات، فوجد أغلبها موصد الأبواب، لكنه في آخر زيارة له سعد بأن أحدها يستقبل الزبائن، وكأن الأمل اكتنف زواياه.
وقف قبالة چيهان، وأعطاها عبوة العلاج، وقال بحروف متأرجحة على حافة الوصب:
_جيبتلك الدوا بتاعك.
فتحت “چيهان” العبوة، واستخرجت منها مرهم الحروق بدهشةٍ بالغة، ثم رفعت نظرها إليه وسألته بفضول:
_مجيبتش علاج لنفسك ليه؟
غادر “رمزي” المطبخ بإرهاقٍ بدني جلي، كجَلاء الشمس في الصباح، وجلس على الأريكة، فخرجت چيهان خلفه بكوب المشروب الذي صنعته له، فقال:
_ملقتش الدوا اللي أنا عايزه، المهم إنتي…
ناولته چيهان المشروب، فتلقّاه بين قبضتيه المرتجفتين، وأزاح رأسه إلى الوراء بألم، بينما كانت تقف قبالته تنظر إليه برأفة، متأثرة بحاله، بعدما كان يُضرَب به المثل في القوة والصلابة، وقد واصل:
_الدكتور قالي متخليش الحرق يجي عليه حاجة سخنة عشان ميزيدش.
الحقيقة تكمن في أنه لم يملك سوى ثمن مرهم الحروق، إذ كان علاجه يبلغ نفس السعر، فكان أمام خيارين عسيرين: نفسه أو هي، لكنه اختار چيهان، مقدمًا لها أفضل علاج تستحقه، مُظهرًا اختياره لراحتها حتى لو على حساب راحته.
ارتشف أول رشفة من المشروب الساخن، ونظر في عينيها، وقال بامتنان:
_تسلم إيديكي.
ابتسمت “چيهان” ابتسامة خجولة، وحركت عينيها بعيدًا، وقالت بحياء أنثوي:
_ربنا يشفيك.
الأفعال هي مقياس المحبة وليست كثرة الكلمات، جميعنا نملك ألسنة تُطلق مئات الكلمات يوميًا، لكن ليس الجميع يحمل فعلًا صادقًا. الأزمات فاضحة للحب، فهي وقت ذهبي يُكشف فيه الإعزاز الحقيقي من التزييف البارع، لذلك العلة أوضحت المُحب من مدعي المحبة.
تحركت “چيهان” نحو المطبخ من جديد، وقبل أن تدخل، لوّحت برأسها نحوه، وقالت باهتمام:
_أدخل ارتاح شوية، ولو عوزت حاجة ناديني.
أومأ رمزي بحركة هادئة توحي برغبته في أن يرقد مكانه دون أن يتحرك، وبمجرد أن أنهى مشروبه، غفت عيناه في سباتٍ عميق. رمقته چيهان متمنية لو كانت تملك بنيةً قوية تتيح لها رفعه ونقله إلى الداخل، لكنها في النهاية ما هي إلا امرأة هزيلة، وإن كانت قوية، فأخلاقها تردعها عن ملامسة رجلٍ أجنبي، محافظة على دينها حتى آخر نَفَس في حياتها.
جلبت له اللحاف ورفعته فوق جسده لتغطيه بأكمله، ثم ارتدت نعلها وسارت بهدوء كأنها تمشي على قشور البيض، حتى فتحت الباب بحرص، متجنبة إصدار أي ضجيج من حوله، وألقت نظرة أخيرة عليه، ثم أوصدت الباب بعناية، وخرجت متجهة إلى المسجد لمقابلة الشيخ نعمان عند تمام الثانية عشرة ظهرًا.
بمهجة مسجد السيدات، حيث يغمر هواءه الشعور بالسكينة، ورئتاه تتنفسان بالتقوى، والنوافذ مشرعة تجدد خلاياه، كأنه بيتٌ يحتضن من ضاقت بهم الحياة، ليجدوا فيه ملاذًا ينتشلهم من حزنٍ دائم، دخلت “چيهان” بعدما خلعت نعلها ووضعته في خزانة الأحذية، ثم انغمست في أعماق المسجد، تشبع عيناها من مناظره الخلابة التي تجدد فرحها.
الزخارف تُظهر جمالية البناء، والسجادة الزرقاء تغطي الأرض باتساعها، والمصاحف المتراصة على الأرفف بنظام، أجواء بسيطة غمرتها براحة لم تقابلها في أي مكانٍ آخر. خطت نحو المرحاض فتوضأت، وتوغلت المياه بين أصابعها وكفيها، مواصلة باقي خطواتها الوَرِعة، حتى خرجت تجفف يديها بالمنشفة، وأدت صلاة الصبح، منتظرة النداء بعد ساعات لصلاة الظهر، وعند سجودها في الركعة الأخيرة، نادت ربها بدعاء نابع من فؤادٍ تعطش للتلبية، قائلة بحزنٍ ينساب من شفتيها:
_لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين… اللهم إن كنتُ قد أذنبتُ ذنبًا بغير علم مني أو وقعتُ في خطأٍ بجهلٍ أو نسيان، فاغفره لي، وامحُه عن صحيفتي، وارزقني توبةً تُطهّر بها قلبي، وتعصمني بها من الزلل، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنت الغفور الرحيم.
بعدما سلّمت وأنهت صلاتها، نهضت بشوق إلى المصحف، التقطت أحد المصاحف الزهرية اللون، وجلست في زاوية ما وسط الهدوء، وفتحت المصحف تتلو سورة يس، فبدأت آياتها بصوت عذب، قائلة:
_بسم الله الرحمن الرحيم… يسٓ (١) وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ (٣) عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ….
واصلت قراءتها، فلا تعلم لماذا انهمرت دموعها، وكأنها تخرج من منبع متأثر. قد محت الآيات القرآنية مرارة روحها لتبدلها بسكينة ورحمة. إذ بعد دقائق أنهت سورة يس، وقرأت آيات أخرى. ظلت على هذا الحال إلى أن اِنصرمت الساعات وحان موعد أذان الظهر كما كانت تتمنى. فنهضت تصلي، وبمجرد أن انتهت نزلت إلى مسجد الرجال، ووقفت بالخارج حتى خرج الرجال في مجموعات. حينها دخلت المسجد لتجد الشيخ نعمان ممسكًا بسبحانه يردد الاستغفار.
تنحنحت “چيهان” خجلًا، وقالت بنبرة مسموعة:
_السلام عليكم.
قال الشيخ “نعمان” باحترام دون أن ينظر إليها:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… الآنسة چيهان مش كده؟
أجابت “چيهان” مؤكدةً شخصها المقصود:
_أه أنا، ممكن أقعد؟
سمح الشيخ “نعمان” لها بالجلوس، فأشار براحة يده، قائلًا:
_اتفضلي.
جلست چيهان حياله، ووجنتاها تلونتا بحمرة الخجل، وكان هو لا يزال يستغفر ربه بصيغة “سيد الاستغفار” حتى قال بنبرة عالية داعيًا:
_اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
مسح بكفه برفق على وجهه، ثم رفع نظره إلى چيهان، وقد حانت اللحظة الحاسمة، إذ كانت الحركات من حولهما خفيفة، ما منحهم مساحة للتعبير عن الآراء. رمقته چيهان بحياء ورأسها مميل للأسفل، فبدأ حديثه قائلًا بموعظة حسنة:
_بُصي يا بنتي بما إن لو ربنا كان أنعم عليا بالخلفة كان زماني عندي في سنك وأكبر كمان….
وتابع بهدوء يغمر نبرته:
_الشاب اللي جالي إمبارح ده اللي جواه مش وحش، لكنه عصبي ومبيحبش حد يأمره بحاجة، عايز القرار يكون جاي منه هو، ولو مقتنع بكلامك مش هيقولك كلامك صح لأنه شايف إن مفيش حد هيقدر يأثر عليه….
بينما كانت منصتة لحديثه، سعل بإرهاقٍ لكنه تابع بحقيقة ساطعة:
_أبوه هو اللي مفيش منه رجا، هيعيش ويموت وهو زي ما هو، ده مش بس ساحر والأعوذ بالله، ده سفاح بيقتل العذارى عشان يفتح بوابات الثراء إكمنه عايز يتغني بأي شكل، لكن هذا الكافر لا يخصنا في شيء… بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُۗ﴾ صدق الله العظيم.
وواصل موضحًا أبعاد رمزي، التي لاحظها من لقاء لم يتعدَّ خمس دقائق:
_أنا عليا أنصح وأقدم الموعظة بشكل حسن لا يتسبب في ضيق ولا ضرر، الباقي ده يكمن في صاحب المشكلة، هو اللي بإيده يتوقف عما يفعله أو يواصل سكك الضلال… لكن أنا بدوري راجل حاربت السحرة والدجالين سنين طويلة، لازم أقعد مع الشاب ده وأتكلم معاه لواحدنا، وأنا متأكد إن ربنا هيهديه على إيدي.
انتحبت “چيهان” بتمني، صار حلمًا كبيرًا لها أن تبعده عن تلك الأفعال المسيئة للدين والبشر، راغبةً أن يتحول حاله نحو الأفضل، فقالت برجاء:
_ياريت يا شيخ نعمان، أنا من أول يوم عرفته وأنا بحاول معاه لكنه بيرفض وبيرد عليا بطريقة جافة جدًا، ومش قابل أي تدخلات مني في شغله وحياته.
رد الشيخ “نعمان” معقبًا على حديثها باعتراض:
_اللي في عينيكي باين، لكن يا بنتي قعادك مع شاب غريب في نفس المكان بيفتح أبواب كتيرة للشيطان، ومش ده اللي احنا عايزينه، ربنا يسترك.
أجابته “چيهان” مستنكرةً أي فعل مشين يدينه، قائلة:
_عارفة والله وأنا رفضت حاجة زي دي كتير لأني مش عاجبني اللي بيحصل، لكن والله العظيم طول الوقت أنا قاعدة في الأوضة وقافلة على نفسي مبخرجش كتير، هو برضه بيكون قاعد على السطح أو بيلف بالجمال في الصحرا مع قرايبه، وساعات بيكون في الخيمة.
رد الشيخ “نعمان”، قاصدًا زرع القلق في نفسها، فقال:
_ماهو بيبعد نفسه عشان ميقعش في الغلط، وده يدل إنه لسه جواه شيء نضيف، ودي النقطة اللي احنا عايزين نشتغل عليها، بس قبل أي حاجة عايزك تحكيلي من البداية عرفتيه ازاي.
سلمت چيهان مفتاح الحكاية إلى يد الشيخ نعمان، تسرد له من أول ليلة حتى يومهم الحاضر، فتأثر وهو يصغي إليها بأذنين حانتين، واضعًا إياها في مقام ابنة لم ينجبها.
وهي بين حين وآخر تمسح دموعها استياءً على نفس لم تستحق أن يُضحى بها لعوالم خفية، ثم تتابع بصلابة لتعود إلى نقطة الصفر من جديد، إذ حالها يتأرجح بين الشجب والثبات.
بين جبال سيناء الشاهقة، في موضع عمل شوقي، دخل منعم إلى ورشة النحت حاملًا حجارة صغيرة بوزن يقارب أربعة كيلوغرامات، إذ وهو يعبر لابد أن يمر بطريق طويل يحوي غرفًا متنوعة، بينها حجرة الحسابات التي يرأسها “هشام”. أثناء العبور، أخبره حدسه أن هناك تواقًا مرتديًا رداء القناعة يعبث بما لا يستحقه، منتشلًا أموالًا ليست من حقه.
وقف جانبًا في زاوية لا يلحظها أحد، مراقبًا هشام رغم ثقل الحجارة النسبي. وجده يلتفت حوله بقلق، بأعصاب متوترة، يفتح الخزانة بتردد ويضع رزمة المال داخل حوذته. تصرفه في تلك اللحظة لم يوحِ بأنه يؤدي دوره كمحاسب، لكن تصرفاته المريبة أثارت الشك في وجدانه.
وليقطع الشك باليقين اقتحم الغرفة متظاهرًا برغبته في استعارة قلم، وبمجرد التقاء عينيه بعيني هشام، بدت ملامحه شاردة وتحرّك بعشوائية غير محسوبة، مما أكد لمنعم شكوكه.
فمن يسير على نهج سليم وواضح لا يعكره غشيان الآخر المفاجئ. أحيانًا الأفعال تفضح ما لا تنطقه الألسنة.
يتبع
