Uncategorized
رواية إيبار الفصل الاربعون 40 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الاربعون 40 بقلم رانيا عمارة
الحقدُ لا دينَ له، كانت أولُ شراراتِه في عهدِ قابيل وهابيل، أخوان من نفس رابطةِ الدماء، خرجا من نفس الرَّحم، وعلى الرغم من ذلك، الكراهية والغيرة دفعت قابيل ساعيًا للتخلص من أخيه بدافعِ البغضاء. فما إن ساد الفسادُ في قلوب البشر من بعدها، وكلٌّ منهم لا يُدرك للإيثار عنوانًا، يُحبِّذ ذاته ويختارها على أقربِ الأقربين. زمنٌ توارت فيه المحبة بانتصار الشرِّ الذي قاد الأمهات للغيرة من بناتهن، والآباءَ لكره الخير لرجالهم الذين هم نسخةٌ مصغّرةٌ منهم في الأساس.
هل سيتوقف الأمر على أقاربِ الدرجة الأولى، كبنات العم، والعمّة، والخالة، والخال، وغيرهم؟
زمنُ العجائب، بممحاةٍ من البُغض قضت على ذكريات الطفولة، حينما كانتا طفلتين صغيرتين تلهوان مع باقي أطفال العائلة، دائرةٌ مُحصَّنةٌ من البراءة لا يخترقها باغض.
كبرتْ متناسيةً فضلَ العائلة عليها حينما دعونها “شبرًا ونصف”، ذراعاها بحجمِ فراشةٍ رقيقة، ثم كبرت متحولةً إلى نسرٍ يختطف طيورَ حرة من حياةٍ يستحقون التمتعَ بها.
النيةُ مُسبقةٌ ولا شك، منذ ليالي الخطبة الأولى، فلا يسير الطالحُ في طريقه بقلبٍ واثقٍ إلّا وهناك أيادٍ تدفعه في الخفاء، وتُخبره أن ما يقوم به هو الصواب الذي يستحقه الضحايا، محاولًا تبريرَ سلوكياته المريضة ليُخرج نفسه من قوقعةِ الظالم إلى مظلومٍ مسكينٍ اضطرَّ للقصاص بأسلوبه الخاضع.
الأسحارُ المرشوشة – وأعوذ بالله – تُصنع بمقاساتٍ تناسب كلَّ شخصٍ بناءً على نوع برجِه الفلكي بحساباتٍ يعدها خسيسٌ مطرودٌ من رحمة الله. وإن خطا عليها الآلافُ لن تُصيب إلا من قُصد بهذا العملِ الملعون، ما يُظهر مدى الدناءة التي تقود “خنازير بشرية” إلى التنفيس عن غيظهم المكبوت على هيئة كوارثَ مقصودةٍ في حياةِ الغير.
العروس ريم، فرحتها ذلك اليوم لم تسَع الفندق، وكأنها طائرٌ رقراق يرفرف بجناحيه سرورًا، مُغرّدًا للعالمين بهناء. أخيرًا انحلّت العقدةُ وستلتئم جروح الماضي على يد صاحب النصيب.
الزغاريد رجّت الفندق رجًّا، والعائلة تجلس بجوار بعضِها في صالة الاستقبال الوارفة، النوافذ أكثرُ من عدد البشر، جميعها مفتوحة على مِصراعيها، مانحةً الهواءَ مشاركةَ العائلة في لحظاتهم السعيدة. وموظفُ الاستقبال مرتديًا زيًّا رسميًا، بدلةً سوداء، جالسًا قبالةَ الحاسوب، منشغلًا بالرد على حجوزات الفندق، والزهرياتُ حوله تتنفس بهجةً.
خرج فاروق، والد العريس، من حجرة النوم، مرتديًا بدلةً كحلية بسيطة، شعراته البيضاء علامةٌ على كِبَر عمره الذي قضاه في تربية أبنائه أفضلَ تربية. ووالدةُ العريس “حياة” يلفّها قماشٌ زهريٌّ لفستانٍ بسيطٍ يناسب عمرها.
وبينما في الأسفل كانت الكراسي مزدحمةً بأفراد العائلة من جميع الأعمارِ المتفاوتة، استغل “عصام” جلوسه بالقرب من أخيه شوقي، ومال برأسه نحوه، وسأله باهتمام، قائلًا:
_أما قولي يا شوقي، المأذون هيجي امتى؟ إنت مش قولت إنه هيجي على الساعة خمسة؟ ده احنا دلوقتي خمسة وعشر دقايق.
أخبره “شوقي” بالموعد الحقيقي، مصححًا سوء فهمه، فقال بهدوء حاسم:
_ لا المأذون هيجي على ستة بالظبط، وبعدين ريم شكلها لسه مخلصتش فوق في الأوضة، ولا إنت وراك حاجة ومستعجل؟
ضحك “عصام”، وأبدى استعداده التام لتفريغ كل مهامه ذلك اليوم من أجل ابنة أخيه، ملمًا بأن الفرح لا يأتي كل يوم، إذ ذلك اليوم يستحق الانتظار من أجل لم شمل عروسين رغبا الانطلاق في قطار حياةٍ واحد على نفس الزقّة، فقال بمحبةٍ واضحة:
_لا يا سيدي ولا ورايا حاجة ولا كل الكلام ده، ولو ورايا، أفضي نفسي عشان بنت أخويا الغالي، هي ريم هتتجوز كل يوم يعني؟
ربت “شوقي” على كتف أخيه بودادٍ يُنير القلوب، وقال ببسمةٍ ثابتة على شفتيه:
_عقبال منى، نجيلكم قريب في فرحها بإذن الله.
رد “عصام”، مُتمنّيًا زواج ابنته الأخيرة في القريب:
_يا رب، منتحرمش منك يا شوقي.
بينما كان “أسعد”، الابن الأكبر لعصام، جالسًا إلى جوار أخيه عبد الحليم ووالدتهما، والحفدة تلهو في بهو الاستقبال ببراعمِ طفولةٍ عفوية، لاحظ انستار منى من بينهم، فلاجّ بعينيه في كل صوبٍ، متسائلًا:
_هي مُنى راحت فين يا أمي؟
قابلته “علياء” بالرد، على الرغم من جهلها بموقعها في هذه اللحظة، معتمدةً على توقّعاتها الشخصية، قائلة:
_تلاقيها راحت الحمام، ولا يمكن طلعت للعروسة تباركلها.
انغمس “عبد الحليم” في الحوار، مبديًا اعتراضه على اختفائها، فخرج عن صمته بنبرةٍ حادةٍ تكاد تنهي الأحاديث من حولهم، متلفظًا:
_يعني إيه يا أمي مش عارفة مكانها؟ هو أنا مش قولتلك البت دي متتسابش لواحدها مهما يحصل؟ لو عايزة راسنا تتغرز في الطين عرفينا، ماحنا رجالة مش بقرون لما تجيبلنا الكلام من اللي يسوى وميسواش!
وطأت “علياء” بأصابعها على شفتَيها، وهي تضغط على أسنانها بقلق، وتلتفت حولها خوفًا من أن يرتدّ صوتهُ بخزي في مكانٍ وتوقيتٍ غير مناسبٍ للخلافات الأسرية، فردت بنُصح:
_وطي صوتك يابني، بلاش فضايح، الله يسترك! خلي الكلام ده بينا في البيت مش هنا!
خرجت منى من المرحاض متجهةً إلى الطابق العلوي في صمت، لكن عيون النسرِ المترصّد لها جعلته يتتبّع أي خطوةٍ منها لينهض لها في التوّ والحال، تقدّم نحوها بخطى سريعة كمن يلاحق نشّالًا في لُبّ الأسواق، نشب في ذراعها بحدة، وكأنّه كابوسٌ قابضٌ على روحها، ليسألها بشرورٍ توثب من عيناه:
_رايحة فين؟!
ألوت “منى” فمها باستنكار، وأزاحت يده عن ذراعها بقبضةٍ قوية، وقالت بملامحٍ اكتستْ تجهمًا:
_هو في إيه؟ هو إنت موراكش حاجة في أم الدنيا دي كلها غيري؟ يا ريتك بتركز مع مراتك وعيالك ربع ما بتركز معايا.
نطق “عبد الحليم” بنبرةٍ جافة خاليةٍ من ذرة حب يكنّها أخًا تجاه أخته الصغرى، قائلًا بغيظٍ عارم:
_اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي، وأنا مش مآمنلك، ومش هستنى لما تجيبيلنا كارثة، لما تبقي تتجوزي ابقي اعملي ما بدالك!
تنهدت “منى” بلا مُبالاة، ورمقته بثباتٍ كمن لا يخشى شيئًا، متحدثةً بجرأةٍ عجيبة:
_وأهو ده أكتر سبب يخليني أتجوز قريب عشان أطفش من وشك ومن تحكماتك اللي مبتخلصش….
ثم ربتت على صدره بضرباتٍ محتدمةٍ، وأردفت:
_لما أبويا يموت أبقى حاسبني، لكن طول ما هو على وش الدنيا متتكلمش معايا نص كلمة!
صعدت منى إلى الطابق العلوي عبر الدرج، تنفث بغضب بعدما تحوّلت الأجواء بفعل تحكّماته إلى جحيم، خنقها دُخانه وطوّق على عنقها بسلبية. كان في كل خطوة وكل حين يترصّدها بعينٍ لا تنام، لم يأتِ خوفه هباءً من العدم، لكنه رأى منها في الماضي ما يكفي لأن يقضي على العائلة بعارٍ لن يُغفر، فالناس لا تنسى الخطيئة وتظل عالقةً في آذهانهم إلى الممات.
عاد عبد الحليم إلى موضعه وجلس رافعًا ساقًا فوق الأخرى بتضايق ملحوظ، ساعيًا إلى إخماد نار دون مياهٍ تلطف ما آلّمه بسببها، اكتفى بمشاهدة العائلة والإصغاء إلى حواراتهم، وينظر للأعلى كمن يتابع فيلمًا بطولته امرأةٌ خسيسة تصنع المشكلات عن عمد، فما إن أدرك ما جاءت خصيصًا لأجله ذات اليوم، مستترةً في ستار المحبة وكأنها ممثلةٌ جديرة؟
دقائق حتى طرقت منى باب غرفة ريم، وهي تصغى للموسيقى الصاخبة من داخلها وزغاريد أخوات العريس المتعالية. خرجت لها فاتن بكحلٍ برز جمالها الفاتن وكأنها اسم على مُسمى، كنجمةٍ آسرة في فضاء الفُروهة، فستانها مكتسيٌ باللون العاجي، وحجابها ملفوف للوراء بطريقةٍ مُبتكرة في عصر الحداثة.
عانقت “منى” أخوات العريس الجميلات، ابتداءً بفاتن ثم غادة وفي النهاية دنيا. بدأت يطلقن الزغاريد بانسجام، حتى وصلت إلى العروس وغمرتها بحبٍ دافئ، مقدمة التهاني بفؤاد شغُر سرورًا، قائلة:
_أخيرًا هتتجوزي يا ريم؟ الفرحة مش سايعاني والله، حاسة إني بحلم.
قبلت رأسها وبكت بحرارةٍ باعتبار ريم في منزلةِ أختها العزيزة، تحرّكت مشاعرُ النساء، وأحسنَ بمدى المعزّة العظيمة بينهما، فتقدّمت “غادة” نحوها بتأثرٍ وربّتت على كتف منى بحنانٍ، وقالت:
_لا يا حبيبتي متعيطيش عشان خاطري! أنا كمان هعيط بجد، أنا ماسكة نفسي من ساعتها.
ردّت “منى” بدموعٍ مزيفةٍ نبعت من هوّة أبالسةٍ لعينةٍ، نجحت في إقناع الجميع بمشاعر لا وجود لها بينهما:
_مش مصدقة يا غادة، أصل إنتي متعرفيش ريم غالية عندي ازاي… طول عمرنا من واحنا صغيرين واحنا سوا، ولينا ذكريات كتير حلوة أوي… ريم مش بنت عمي، ريم أختي ويمكن أغلى منها كمان والله.
لم تشعر “ريم” بهذا الحبِّ المصطنع، فقط عبرت بالكلمات بابتسامةٍ لطيفة:
_ربنا يخليكي يا منى، عقبالك.
تراقصت الزغاريد على لسان منى، وقبلت رأس ريم ببهجةٍ لا تُخفى، وجلست على حافة السرير تبدي سرورها، لكن لا أحد يدرك الحقيقة، جميعهم مغفلون، سقطوا في بئرِ ألاعيبها الماكرة لدرجة أن أعينهم قاربت أن تجفّ بكاءً من هول الموقف.
رفعت منى هاتفها تلتقط الصور وتقلب في مواقع التواصل الاجتماعي في انتظار الطلة النهائية للعروس بفستانها الأبيض البسيط. كان المكياج في شعفةِ روعته، مبهرًا بارزًا جمال العروس. نهضت ريم وتعاونت الأيدي في ارتدائه كخطوةٍ ما قبل الأخيرة، والأغاني تعلو، والنساء تصفقن تصفيقًا حارًّا على أنغام الخلفية.
وفي هذا الوقت المشحون بأجواء الفرح التي لن تُكرر، خرجت غادة في طريقها إلى غرفة أخيها، تسير في الطرقة الممتدة ببهجةٍ، ابتسامتها امتدت من الأذنين، والسعادة نُقشت على جبينها حتى وصلت، وطرقت بابه. ففتح لها أحد زملاء العريس، في الوقت الحاسم الذي كان “عمرو” مرتديًا قميصه الأبيض وبنطاله الأسود، قابضًا على هاتفه، يُرسل لها مشاعره في رسالة دافئة، وهو يكتب:
_كلها دقايق بسيطة وتبقي مراتي رسمي، هتتكتبي على اسمي، وقريب هنكون سوا في بيت واحد يا ريم يا حبيبتي… أنا بجد فرحان أوي أوي، متتخيليش سعادتي بيكي عاملة ازاي، متشوق أوي أشوفك بالفستان الأبـ….
قبل أن يُرسل رسالته، تلقّى رسالةً من رقمٍ غريب، محتواها فيديو وأسفلها رسالة نصية طويلة. لم يفهم من الذي يتجرّأ لمراسلته ليلة عقد قرانه على محبوبته.
قرر أن يؤجل فتح الرسالة ويصبّ تركيزه بأكمله حول تفاصيل يومه السعيد، لكن كان لأنامله رأيًا آخر حينما افتتح الفيديو دون مقصد: رجلٌ وامرأةٌ يبدوان في العقد الثاني من عمرهما، لربما الشاب في منتصف العقد أو نهايته، جالسان على فراشٍ مبسوطٍ فوق الرمال ليلًا، مندمجان في الأحاديث بابتساماتٍ متبادلة.
لم تظهر ملامحهما بوضوح، وكأن عدسة الكاميرا التقطت ذات المشهد من على مسافةٍ نائية، وبينما يقرأ الرسالة، كانت كما يلي:
_أنا مليش مصلحة في اللي بيحصل ده، بس قولي ازاي هتكمل حياتك مع واحدة كدبت عليك طول المدة دي ومفهماك إن أختها ضايعة ولا مخطوفة؟ وهي في الأساس هربانة مع حبيبها، وأهو الدليل معاك أهو لا تقول إني بكدب في حرف، چيهان متجوزة وعايشة مع أهله هناك في الواحات، وولا فارقلها حرقة قلب أهلها عليها، وريم عارفة كل حاجة، والدليل قصادك أهو.
أرسل المجهول محادثةً مزيفة وكأنها بين ريم وچيهان، بتاريخ امتدّ من أشهر سابقة، إذ بدت “چيهان” الحديث تقول:
_ريم، أنا جايالك من رقم غريب بس أبوس إيديكي تفهميني، أنا عملت كده عشان مش عايزة حد غيره، بابا عمره ما كان هيوافق عليه، أنا اختارت أكمل حياتي معاه، لأنه يستاهل أي حاجة أعملها علشانه، أنا عايزاكي تطمني عليا ومتخافيش، بس متقوليش لحد عشان خاطري!
كان ردّ “ريم” كالآتي:
_چيهان؟ إنتي فين كل ده؟ إنتي كويسة؟ أنا قلبي بيتقطع عليكي أوي.
عمرو بطبعه يعطي لذاته دومًا مساحةً للتفكير. خرج من الحجرة ساخطًا، لكنه وصل إلى ذروة احتدامه بمجرد أن خطى عتبة الغرفة، كأن سيقانه لسعت بالنيران الحارقة.
خطّت “غادة” وراءه بسرعة، متعجبة من ملامحه القاضبة بمجرد قراءته للرسائل، فمنذ أن خطت غرفته وهي تحدثه، لكنه في عالمٍ آخر من المشاغل، فأعادت نداءها له قائلة:
_عمرو، مش بترد ليه؟ أنا بكلمك من ساعة ما دخلت وإنت متجاهلني، هو في حاجة حصلت؟
تبدّل عمرو إلى شخصٍ آخر، غير متفاهم، لا يرى، لا يسمع، لا يتكلم… يهرول كأنه في سباقٍ يلزمه الفوز. اتبعته وهي تخاطبه بنفس درجة النداء العالية، متابعة:
_المأذون وصل تحت علفكرة، بابا لسه متصل بيا من دقيقة وقالي إنه تحت، والمعازيم وصلوا!
من داخل غرفة العروس، كانت الفتيات يجتمعن حول العروس كعصافيرٍ تغرّد بعذوبة، وبمجرد أن أصغين لطرقات الباب، قالت “دنيا” بحماس:
_العريس شكله جه!
جذبت “منى” ريم لتنهض، كانت توجهها إلى الوضعية المناسبة للتصوير في المظهر الأول، إذ وقفت بظهرها بخجلٍ، وهي تصغى لتعليمات ابنة عمّها التي قالت:
_أيوه خليكي كده، متلفيش غير لما نقولك!
ردّت “ريم” بحماسٍ وإحراج في آنٍ واحد:
_حاضر.
فتحت فاتن الباب وزغاريد النساء ترجّ المبنى رجًا، لكن الغريب أن “عمرو” لم يخطُ إلى الداخل بباقة الورد، بل تقدّم نحوها باستشاطةٍ مشرقةٍ كالشمس في شُروعها، تسمّر بالقرب منها، والجميع غير متوقعين ردة فعله، إذ اعتقدن دخوله بابتسامةٍ لطيفةٍ تشرح ما يعتمل في صدره من سرورٍ بعروسه، ثم قال بنبرةٍ خشنة غير متوقعة:
_لما أبقى في حياتك زيي زي رجل الكنبة، مُغفل واحنا لسه مخطوبين، أمال إيه اللي ممكن يحصل لو كنا اتجوزنا؟
أخفضت دنيا صوت الأغاني، والجميع وجوهُهن مكتسيةٌ بصدمة عنيفة. التفتت “ريم” له بهدوء، فلا تزال غير مستوعبةٍ ما يوثب من شفتيه من كلماتٍ غامضة، وقفت موازية له بابتسامةٍ، معتقدةً أنه يمزح معها، فسألته بمزاح:
_إيه يا عمرو الهزار التقيل ده؟ طب بذمتك ينفع الهزار ده دلوقتي والمأذون خلاص تحت مستنينا؟
تشبثت “غادة” في ذراعي عمرو، وسألته بذهولٍ:
_مالك يا عمرو؟ إنت بتهزر ولا بتتكلم بجد؟
أزاح “عمرو” يدي أخته بقسوةٍ، ورفع بصره إلى ريم باستحقارٍ، قد تحوّل مائة وثمانون درجة، لدرجةٍ زرعت الشكّ في نفوس من حوله، متوجّسون أن تم تبديله بآخرٍ صعب الطباع، لكنه بكل جديةٍ، قال:
_أنا مبهزرش، أنا بتكلم بجد… ازاي قدرتي تخدعيني كل المدة دي بحقيقة كدابة؟ أختك هربت مع حبيبها واتجوزته وإنتي بتشتغليني عشان شكلها؟ طب لو مخبية على أهلك فهنقول عشان خايفة من العواقب اللي ممكن تحصل، لكن أنا تخبي عليا ليه؟ هو ده اللي إنت نصي التاني؟ هو ده اللي مبقدرش أخبي عليك حاجة؟ خبيتي عليا إيه تاني؟ جاوبيني!
تقاربت “ريم” منه بخطواتٍ مرتجفة، وجسدها مكتسيٌ بحرارة الصدمة. أحست بدوارٍ، لربما يمثل مشهدًا غير واقعي، لكن كيف وهو يفتضح أختها الصغرى بحكاياتٍ كاذبةٍ بلا منطق أمام الجميع؟ فابتسمت بهدوء، محافظةً على رباطة جأشها إلى هذه اللحظة، وأصابعها تتحرك على قميصه برجفةٍ خوف، قائلة:
_عمرو احنا هنتجوز صح؟ هنتجوز، هنكتب الكتاب كمان شوية، الناس تحت يا عمرو، المأذون مستنينا ننزله، كلهم فرحانين، وأنا وإنت فرحانين! يلا ننزل!
أقصى “عمرو” يديها من على قميصه بعنف، وصاح في وجهها قائلًا:
_سكوتك معناه إن الكلام حقيقي، أنا مش زعلان إن أختك هربت، أنا زعلان إنك خبيتي عليا وعاملتيني زي أي واحد غريب!
رفع هاتفه يشبع عينيها من مقطع الفيديو الحاوي دلائل واضحة، حتى المحادثة المزيفة، ما جمع النساء حولهما يشاهدنه في ذهولٍ مطبّق، والوجوه جميعها غارقةٌ في صدمةٍ هزت ثباتهم، بما فيهم “ريم” التي صرخت، وقالت باستنكار:
_والله العظيم ما أعرف أي حاجة عن اللي بتقوله ده، الشات ده Fake مش حقيقي، أقسم بالله ما أعرف حاجة عنه….
واستدارت نحو أخواته البنات اللواتي تمسّرن بفعل وطأة الكارثة، مسترسلةً باستغاثة:
_اتكلموا، قولوا أي حاجة! قولوله إن الشات ده Fake، والفيديو ده أنا معرفش عنه حاجة….
وتابعت لعمرو بصراخٍ:
_متسيبنيش، أنا ما صدقت لقيتك، لو سيبتني هموت يا عمرو، متكسرنيش قدامهم! والله العظيم ما أعرف حاجة عن اللي بتقوله ده.
رمقها عمرو بنظراتٍ توحي بامتهانه لها، فلا مبرر لإخفاء الحقيقة. أحسّ أنّه سيكنّ أكبر المغفلين إن استمر في زيجة طرُقها مطموسةً، فلن يبني بيتًا بأعمدةٍ متآكلة. حطمتها ريم بكذبها، فمن اعتاد الكذب في أصغر الأمور، دومًا ما يجد ملجأً له في أعظم أموره.
سرعان ما تدخلت “منى” في الحديث، محاولةً إخماد النيران المشتعلة في الغرفة، فقالت:
_لا يا عمرو، ريم عمرها ما تكدب أبدًا، دي متربية أحسن تربية، واسمع مني أنا!
تفوّهت “غادة” بكلماتٍ بسيطةٍ، تهدئ من وطأة الخلاف:
_أجلوا أي كلام لبعدين، المأذون تحت والناس مستنية يا عمرو! يلا يا حبيبي، ربنا يهديك!
عجّ “عمرو” بطريقةٍ ثائرة، مظهرًا رفضه لأي محاولاتٍ للتسوية، قائلًا:
_أنا مش عايز كلام تاني من أي حد فيكم! أنا مش مُغفل ولا عبيط، الحقيقة ربنا ظهرهالي قبل ما كنت أتدبس في عيلة سككهم مش تمام.
صرخت “ريم” بصدمةٍ جرفت سكونها، فنطقت مجلجلةً بصوتها هي الأخرى:
_احنا سككنا مش تمام؟ شوفت مننا إيه وحش؟ من امتى وإنت بتصدق كلام حد عني؟ مش كنت بتقول إنهم بيحاولوا يوقعوا ما بينا؟ ليه دلوقتي كلامك اتغير وصدقتهم وكدبتني أنا؟ ده أنا مهما أحلفلك مش مصدقني، مش سامعني أصلًا.
أجابها “عمرو” بصراخٍ ارتدّ صداه إلى الأسفل:
_عشان دي الحقيقة اللي أنا كنت معمي عنها، أنا اللي مكنتش عايز أصدق عشان مراية الحب عامية، كدبت الناس كلها عشانك وفي الآخر تطلعي مستغفلاني بكدبة مش مستاهلة، عارفة؟ لو كنتي صارحتيني بالحقيقة مكنش كل ده حصل من الأول!
صفعت “ريم” وجهها، وهي تعوّل إعوالًا حارةً، مدافعةً عن روحها بكل ما أوتيت من طاقة، وقالت بمحاماة:
_إنت مش طبيعي، والله ما طبيعي! أنا أختي خط أحمر ومش هسمحلك تجيب سيرتها بحاجة وحشة مهما حصل، عايز تصدق صدق، مش عايز براحتك!
خرج عمرو من الغرفة بخطى محتدمة، تاركًا كل شيء بلا عودة، فيما أخواته تهرولن وراءه، كل واحدةٍ منهن تناديه، لكنه اندفع بقراره النهائي. فخرج نداء “غادة” له، وهي تقول بصخب:
_مينفعش اللي إنت عملته ده يا عمرو! إيه اللي حصلك؟ مانت كنت كويس… عمرو رد عليا!
العائلة انشطرت نصفين، الأول يعيش الكارثة المحتومة، الثاني في الأسفل يعيش الفرح بمعانيه ولا يدرك ما حدث في الأعلى. خطى عمرو بسرعة حتى خرج من الفندق برمّته، وأخواته تلاحقانه بنداءاتٍ صاخبة، وكأنه أصمّ، لا يسمع سوى الهواجس الشيطانية المترددة في أذنيه.
ترك الصدمة على وجوه العائلات، كل واحدٍ منهم يحاول استيعاب تصرفاته هو وأخواته. نهض بعض الرجال وخرجا وراءه، ساعين إلى فهم أسباب المشكلة، حتى السيدات نهضن وكأن الجرس ينذرهم بورطةٍ كبيرةٍ حلت فوق الرؤوس جميعها.
ما مرت ثوانٍ إلا ودخل هشام مطأطئ الرأس لأسفل، فسأله “عبد الحليم” أمام العائلة بفضولٍ عارمٍ، قائلًا:
_في إيه يا هشام؟ هو في حاجة حصلت ولا إيه؟
أجابه “هشام” بشفقةٍ لما وقع:
_العريس مشى، وأخواته خرجوا وراه.
تساءلت “سهر” بصدمةٍ، وهي تصرخ، قائلة:
_يعني إيه العريس مشى؟ هو في إيه يا هشام؟!
نزلت “منى” ببكاءٍ حارّ، تخطو بحسرةٍ وكأنها صاحبة الشأن، حتى وصلت إلى العائلة، لتخبرهم بغيظٍ شديدٍ:
_والله، ده عريس ناقص وما شاف دقيقة أدب، بقى احنا عيلة سككنا مش تمام؟ ده احنا عيلة، الدنيا كلها تحلف بأخلاقنا… المحترم اللي عامل نفسه ابن ناس طول ما هو ماشي عمّال يقول ألفاظ وحشة علينا كلنا… ده باينله اتجنن في عقله.
اجتمع أهل العريس في دائرةٍ يتناقشون فيما وقع. ثلاثةُ رجالٍ يجرون اتصالًا عاجلًا بعمرو، لكن دون جدوى. اجتمعت النساء وصعدن إلى غرفة العروس ليجدنها في حالةٍ يرثى لها، تتناوب بالصراخ الهيستيري، وخبيرة التجميل تسعى بجهدها لإسكان آلام جروحها المُتضرمة. عانقت أسماء ابنتها بفزع، والنساء تتساءلن بعضهن عن ما حدث، فيما أجابت خبيرة التجميل عن اللحظات الصعبة التي شهدتها بين جدران الشِقاق.
تفاقمت الأزمة أضعافًا مضاعفة، لم تقوَ أيّ من النساء على تهدئة آلامها، بدت كالثور الثائر، تلطم وجهها بجنون، وتسقط أرضًا فتتعاون النساء لرفعها، حتى ذاب مكياجها بفعل دموع الحسرة. نواحها امتدّ حتى وصل لباقي المستويات بالفندق، الجميع في دهشة، حتى الأغراب الذين وقفوا قبالة الباب يتابعون الوضع في صمت، وبينما “ريم” تردد بصراخٍ هيستيري:
_مفيش حاجة بتكملي… مفيش حاجة بتكملي، خدني يا رب خدني… مش قادرة، هموت من القهر!
فقدت ريم وعيها من صدمة الموقف، فسقطت على الأرض مغشيًا عليها، عروسٌ في تابوتٍ يتراقص في جنازة، وجوهٌ سعيدةٌ بالمعلوم، والأخرى مبتهجةٌ بالمجهول المنتظر. تحوّل عقدُ القرآن إلى مرسمٍ عزاء، حتى الموسيقى انقلبت إلى صرخاتٍ تشيب الشعور.
توقّفت الأزمان، والأرجل مُتسمِّرة مكانها، حتى العقولُ امتنعت عن التفكير. تحطّم كلّ شيءٍ في دقائقَ معدودة، انهارت الأحلام بنفس اليد التي رَبَّتت بمواساةٍ على الأكتاف، كمن يقتلُ القتيلَ ويسير في جنازته صارخًا بدموعٍ مُزيَّفة. وفي هذه اللحظات المشحونة بالحزن، اتّصلت سهر بزوجها أَسعد تُبلغه بما حدث لريم، وفي ثوانٍ صَعِد الرجال، مُتكاتفين لرفع ريم ونقلها إلى المستشفى.
كان نُواح “أسماء” بوقًا حزينًا اخترق أصلبَ جدار، وبينما يتحرّكون بريم إلى الأسفل، نطقت بصرخاتٍ تمزِّق السكون:
_ملحقتيش تتهني يا ريم، ملكيش نصيب يا بنتي.
وبعدما وصلوا بها، أدخلوها برفقٍ إلى السيارة، وانطلق الجميع مُتَّجهين إلى أقربِ مستشفى، ومشاعرُ الشَّجن تستحوذ على الجميع في لقطاتٍ قاسية.
هناك، تحديدًا في العُوَيْنات بالواحة الداخلة بمصر، عالَم البدو، بعيدًا عن أجواء الحَضَر المزدحمة بكوارثَ لا متلاحقة. بعد الظُّروف العسيرة التي عاشَتْها صبا بفقدانها لجنينها، مرّ أسبوعان منذ هذا الحدث وهي لا تزال تشعر بانكسارِ مُهجتها. مَهما حاولت المُناصَ من أشجانها انجذبتْ لها دون عزيمة.
فاقترحت چيهان عليها فكرة الخروج إلى أقرب متنزَّه عسى أن تجد فيه راحتها. حبَّذ ناجي الفكرة، وأضاف اقتراحًا آخر بأن يخرجا إلى رفقة رمزي وچيهان، لأنهما وجدا الراحة في صُحبتهما.
وفي ذلك اليوم، خطَت چيهان إلى الأسفل لتنتظر صَبا، وفي طريقها خرجت “غيداء” من داخل المنزل، وقفت على بابه، مُستَميلةً بغموض، ويدُها مرفوعة على خصرها. خرجت كلماتُها بأسلوبٍ مُغَنَّج، وهي تقول:
_كيف حالك يا چيهان؟ والله ما شِفتك من زمان.
ردَّت “چيهان” بابتسامةٍ بسيطة:
_الحمدلله، إنتي عاملة إيه؟
نَظراتها وحركاتها كانتا تُوحيان بريبة، فرفعت يديها على خشب الباب بدلال، وأجابت برقةٍ مُبالَغة:
_زينة… والله زعلانة على صبا وقلبي مقهور عليها.
أبدت “چيهان” تأثُّرها هي الأُخرى، قائلةً بحزنٍ مُستكين:
_وأنا كمان، بس هي الحمدلله بقيت أحسن من الأول وكل ما يعدي الوقت بتتحسن أكتر.
خطت “غيداء” خطواتٍ بسيطةً بالقرب من چيهان، وتفوَّهت وكأنها نُسجت من خُيوط الثعالبِ الماكرة:
_هي بتتحسن آه، بس خلاص ما صارت تبغى تخلف ثاني، قالت هأچل الخلفة لين أكبر شوي وأنسى اللي صار، حتى چات سألتني عن برشام المنع، بس آني ما أعرف أنواع كويسة، إنتي يا چيهان تعرفين أنواع برشام منع زينة؟
اندهشت “چيهان” من سؤالها، فأجابتها مُستنكرةً:
_وأنا إيه عرفني؟ هو أنا كنت اتجوزت قبل كده؟
تنهدت “غيداء” بعمق، وحولهما تفوحُ أنفاس مُدلسةٌ بكيدِ النساء المقصود، فقالت:
_آني بسأل، يمكن عندك علم.
رفعت “چيهان” حاجبها، والتقطت مقصدها، وأوحت لها الكلمات معنىً مقصودًا يدل على إهانةٍ كبيرةٍ في حقها. أَينعم، لم تفهم المقصد بحروفه، لكنها أحسَّت باستكانةٍ مسبةٍ وراءه، فردت بوجهٍ عابس، خالٍ من أي اهتمام:
_لا معنديش علم، من باب الأولى إنك إنتي اللي تكوني عارفة… سلام.
ثم خرجت من المنزل ووقفت ثوانٍ في انتظار صبا وناجي. لم تَمض الدقيقة الثالثة إلّا وقد نزلا من المصعَد الكهربائي. فلم تُرحِّب بهما غيداء، وتعاملت معهما وكأنهما أَغراب، لا أخًا وزوجتَه. ولَجَت إلى المنزل وصكَّت الباب، واتجهت إلى حجرتها بغيظٍ مَلحودٍ في أعماقها. فيما وصل الزوجان إلى چيهان، وبعد ثوانٍ معدودة، وصل رمزي بسيارة الشيخ ضرغام بعدما استعارها منه لساعاتٍ بعِلمه.
ركب ناجي إلى جوار رمزي، وجلست النساء في المقعد الخلفي. وكان الجميعُ حريصين على صَبا من أيّ حركةٍ عنيفة قد تُؤذيها، وهي لم تَشفَ تمامًا بعد. غير أنّ إرهاقها النفسي كان أشدَّ قوّة، وهذا ما دفعهم للخروج إلى الأماكن السياحية بالواحات.
وبينما جلس “ناجي” على مقعده بجوار رمزي، مال بجسده نحوه يُعانقه، ويُصافحه مُصافحة السلام، قائلًا ببسمةٍ هادئة:
_شو أخبارك يا رمزي؟
ردَّ “رمزي” بابتسامةٍ بسيطةٍ على شفتيه:
_بخير، وإنتوا وش أخباركم إنت وصبا؟
أجابه “ناجي”، ممدوحٌ الرحمن على فضله:
_الحمدلله بخير.
تحرّكت أنامل رمزي نحو مشغّل الموسيقى، وتردَّدت أغنيةٌ بشكلٍ عشوائي دون اختياره. كانت نزهةً بسيطةً إلى حديقةٍ هادئة في مدينة الواحات، الخروجة الأولى بين الرباعي بعيدًا عن دائرة العائلة.
رفعت چيهان حِجابها وطوَّقت أطرافه حول ملامحها حتى اختفت، عدا عينيها مثل صبا تمامًا. إذ النساء تحيَّين وتموت مستورات، لا يراهما دخيل، وقد تبدو الملامح ظاهرةً من أسفل البرقع لكن دون وضوح، فكان التخفّي بالنسبة لچيهان أنسب حل حتى لا تسقط في بؤرة من المشكلات إن ميزَ أحدهم ملامحها.
لم يوجّه رمزي حديثه إلى چيهان، لكنه رمَقها عبر المرآة، ناظرًا إليها بين كل حينٍ وآخر، لكنها بخجل كانت تدير وجهها إلى صبا، وتتبادلان الأحاديث التي خفّفت عنها وطأة الحياء. لكن صبا، رغم الوصب الذي عاشته، لاحظت التواصل البصري بينهما؛ تصرفاتٌ مثيرةٌ للريبة بين أخوات يحلّان محل العُشاق المتدحرجين في الغرام.
كأنما الراديو أحسّ بالمشاعر التي أزحمت السيارة تتيمًا، فبدت الكلمات تقول: “وأنا وياه ملكت الكون في مكانٍ مفيهوش بشر وعيون… مكان ما يكون حبيبي هكون”.
تلاقت الأنظار المشعة حبًا في الأجواء، والفؤاد يضخ مشاعر متأجّجة، وكأن العين تحكي ما لا يُحكى. فابتسمت چيهان ابتسامةً طفيفة، وسرعان ما حرّكت وجهها إلى النافذة وكأنها غير مُبالية، ما جعل صبا تحدقها بتعجّب. حتى “ناجي” في المقدمة أحسّ بعواطفٍ متفجّرة بينهما كادت أن تتسرّب فتنفجر السيارة بالجميع من هول المشاعر، فخرج صوته بسخريةٍ لطيفة، وقال بتمويه:
_يبدو يا رمزي يا ولد عمتي، عوّاد غارق في الهوى حيل… بس يا ترى الأمور بتستقر على شنو؟
ضحك “رمزي” بازدراءٍ لمشاعره، فأجاب:
_هترسي على الفراق… ما كل شي الإنسان يتمناه بيلقاه.
سأله “ناجي” بعقلانية، إذ كان معتقدًا أنّ الأمور بهذا اليُسر:
_ليش ما ترسي على الزواچ يا رمزي؟ باين عوّاد واقع في حبها حيل، آني أول مرة أشوفه كذا، طول عمره قلبه قاسي ولا أي مشاعر تتحرك له.
انغمَست “صبا” في الحديث، محاولةً فهم ما يقولانه، فسألت بفضول:
_عوّاد أخوي يحب؟ هو ما خاطب ولا آني فاهمة غلط؟
سَعَل “ناجي” بقوة بعدما حاصرته في زاويةٍ بلا مفر، وحاول اختلاقَ الأكاذيب من أجل النجاة من موقفٍ لا يُحسَد عليه، إذ قال:
_مشي الأمور يا صبا، خليها تمرّ!
اندهشت “صبا”، فأحست ذاتها صماء بين حفلٍ صاخب لا تُسمع فيه الكلمات، فخطفت نظرةً سريعةً نحو چيهان، وتنهدت، وأعادت نظرها إلى زوجها، وقالت:
_وماله؟ تمشي تمشي.
بعد ساعة، وصلت السيارة بالرباعي إزاء حديقةٍ واسعةٍ تطلُّ على مناظر أثرية قديمة تصف مظاهرَ المصريين القدماء قبل آلافِ السنوات. التماثيلُ المنقوشة على الحائط ببروزاتٍ دقيقة، تراكم عليها غبارُ الماضي، ولمستْها ذكرياتُ الفراعنة.
الأرضُ ممتدةٌ باتساع، والأشجارُ متراصةٌ بتوازي، تحمل أشكالًا متنوعة: الدائري، المربع، القلب، قطةٌ وسيمة، وغيرهم، قُصَّت على يد فنانٍ مُبدع أفرغ طاقاته في هيئة رسومات شجرية لافتة.
تكتسي النجيلةُ الأرض، وفوقها الأزهارُ والريحانُ بأريجهِ المُنعش، تصنع الأشجارُ جدارًا عاليًا به فراغاتٌ صغيرة بين الأوراق الكثيفة، والقليل من العصافير تغرّد فوق الأغصان بزَهْزَقةٍ رقيقة.
استخرج ناجي فرشةً وردية سادة بلا نقوشٍ من داخل الحقيبة البلاستيكية، وفرشها على الأرض لتحمي سيقانهم من النجيلة المدببة، إذ اجتمع الرباعي فوقها، كل واحد جالس بوضعيةٍ مريحة.
تسللت يدي صَبا برفق داخل حقيبة بلاستيكية أخرى، وأخرجت منها براد الشاي، والأكواب البلاستيكية، والمعروك السوري: وهو عبارة عن خبزٍ لين، دائري، مفرغ من المنتصف، يُصنع من الطحين والزبدة والحليب والسمسم والخميرة، محشوّ بمفروم التمر والقليل من القرفة، يُقدّم سادة أحيانًا بالقليل من السكر المطحون، لكن الشائعُ يحشو بالتمور المفرومة كصنفٍ سائغ إلى جانب الشاي.
صبَّ ناجي الشاي بأبخرته المتصاعدة إلى داخل الأكواب، و”صبا” تقتلع الغطاء البلاستيكي من طبق المعروك، ثم التفتت نحو چيهان، وأخبرتها بوداد:
_ها يا چيهان، هالمعروك السوري، من إيدي سويته!
سألتها “چيهان” بدهشة، وهي تنظر إلى الخبز بتفكيرٍ:
_تسلم إيديكي، بس يعني إيه؟
أجابت “صبا” بوضوح، شارحةً لها الوصفة بإيجاز:
_مخبوزات طيبة من الطحين والحليب والزبدة، محشية مفروم التمر، عنا هنا بالعايلة نحب نسوي منها كميات، تصير طيبة چنب شاي الزردة أو الشاي بالحليب.
مدَّ ناجي يديه بالأكوابِ إلى “رمزي” وچيهان وصبا، يوزعها بينهم بالتساوي، وبينما يحمل رمزي كوبَه، قال بامتنان:
_تسلم يا ناچي.
بعيدًا وراء الأشجار، خفي ترصّد رمزي وچيهان بالتحديد عن غيرهم، إذ بـ “صقر” يقف وراء الأشجار، معتبرًا إياها حصنًا لا يكشف. فاعتقد نفسه جنيًّا قادرًا على التخفي وهو يقتحم خصوصيات الغير. كان يراقب الرباعي بغضبٍ جلي على وجهه، ولم يفهم سبب اهتمامه بأمر چيهان حتى هذه اللحظة، إلا أنّه رغب في استعادة حقّه المهدور حينما أهانه رمزي بين الرجال، كان صاغيًا إلى حواراتهم الكلامية في حديقةٍ أشعت بأنوارُ المحبة. وبينما يراقبهم، حدث نفسه بنبرةٍ خافتة، قائلًا:
_كل يوم توضحلي زيادة عن اللي قبله، إن ما خليتك تلف حوالين روحك يا رمزي، ما بقيت صقر، اصبر عليّ وإنت تشوف اللي عمرك ما شِفته.
الحياة عسيرة في وجود ذئابٍ مترصدةٍ لجميع خطواتهم، تستخسر فيهم أدنى الشعور بالأريحية، فلم يدرك أحدٌ منهم ما ينتظره وراء الأشجار، كلٌّ منهمكون في التحدث وشرب الشاي بعذوبته الاستثنائية.
وبينما ترتشف چيهان من الكوب، تدحرج على ثوبها ماءٌ بحرارة متوسطة لا تؤذي، أصاب رمزي الفزع قبل أن يُصيبها، وسرعان ما أخرج علبة المناديل لا إراديًا، ومسح على طرف عباءتها المبللة. أحست “چيهان” بحرارةٍ من الخجل تسكن وجنتيها حتى ألقى عليها بسؤالٍ لطيف:
_الشاي حرقك؟
أجابته “چيهان” باستنكار، وهي تزيل المياه من عباءتها بيدٍ تحرّكت على أنغام الحياء:
_لا، جات سليمة الحمدلله.
اكترَثت صبا بچيهان لدرجة أنها أخرجت مناديلها الورقية وبدأت تجفف لها ثوبها هي الأخرى باهتمام. لمحت چيهان حبًا حقيقيًا من كلاهما، وخاصة المعزة الأخوية، وكأن صبا أختٌ لها منذ أن كتب الله لها الميلاد. وجدت فيها ما فقدته في عالمها، كأنما هي نسخة مكررة من ريم، والفارق البلاد.
لم تعلم ما حدث لريم في غيابها، تلك التي انهارت بقهرٍ ظنت أنه لن يتكرر، وأن القدر أهداها بالعوض الحقيقي، لكنها كانت أوهامًا منسَّاقة إليها. مرآة الحب أكبر خدعة، ومرآة العقل أكبر سبيل للفرار من علاقة كانت ستحطمها تحطيمًا.
العائلة منتظرة العروس في صالة الاستقبال بالمستشفى، وأسماء تبكي بكاءً حارًّا في حضن الحماة روحية، وعلى سيفها علياء وزوجات أبناءها. وفي ركن بعيد، تجلس هناء إلى جوار منى، تتحدثان بنبرةٍ خافتة لا تخرج عن نطاقهما، والرجال يقفون بحزنٍ بعيد.
ما زال شوقي غير مستوعبٍ ما حدث، العريس الذي لم يمنحهم فرصة للعتاب بل غادر كضوءٍ متفجّر، ترك شتات الأذى مبعثرًا، متبدل حاله بذهولٍ لدرجة أن يلقي على العائلة مسبةً عظيمةً في حقهم بما يتعلق بهروب چيهان.
كان “شوقي” يصيح في الهاتف وهو يتحدث مع هشام الذي حاول حل النزاع مع أسرة العريس، لكن بدوره، كأبٍ يحمي كرامة ابنته، صاح بصوتٍ صاخبٍ رجَّ المستشفى، وقال:
_يعني إيه يا هشام محصلش حاجة؟ يسيب البت قبل كتب الكتاب بثواني ويخلينا في نص هدومنا وسط قرايبنا وتقولي محصلش حاجة؟
رفع يديه بحزمٍ إلى الأعلى، محتدمًا، ونبرته تزداد صياحًا، فتابع:
_بُص يا هشام، ارجع وإياك تروحلهم تاني، الموضوع ده انتهى، عليا الطلاق لو رجع راكعلنا ما هيحصل، ده غلط فينا في غيابنا، أمال إيه دور ابن الناس اللي كان عامله علينا طول الوقت؟
ربّت أسعد على كتفِه بشفقة، بينما “شوقي” مسترسلٌ حديثه بصرخاته اللافتة للأنظار:
_هو احنا ناس قليلة ولا بندلل على بنتنا يا هشام؟ أنا بنتي تتساب قبل كتب الكتاب بأقل من تلت ساعة، ويمشي زي العيال الصغيرة، لا احترمني ولا احترم عمامها ولا احترم حد فينا؟
في تلك الأثناء المتوترة، خرج “الطبيب” من حجرة الكشف بوجهٍ مطأطأ للأسفل، ليخبرهم جميعًا بقوله:
_الآنسة ريم عندها هبوط حاد في الدورة الدموية، احنا علقنالها محلول وريدي، في خلال تلت ساعة إن شاء الله هتبتدي تفوق.
يتبع…..




