روايات رومانسية

رواية اسمي معاني العشق الفصل الثاني 2 بقلم سلمي سمير

رواية اسمي معاني العشق الفصل الثاني 2 بقلم سلمي سمير 

في صباح يوم جديد، أشرقت الشمس بهدوء وكأنها تحمل معها وعدًا ببداية جديدة، بينما كان القلب مثقلًا بالتساؤلات التي ظلت بلا إجابة. ليلة طويلة من التفكير انتهت بقرار صعب، قرار يخالف كل ما تربى عليه من عادات. شاب صعيدي لم يعتد التدخل في شؤون الآخرين، يقف الآن أمام باب جاره، تسبقه رغبة جامحة في كشف الحقيقة. كان الفضول أشبه بريح عاتية، تدفعه رغم كل الحواجز.
فتح عاصم الباب لتطل منه ملامح ودودة. كانت دعوة مبسطة للدخول وكسر الحواجز بين الجيران:.
صباح الخير يا عمر! إيه يا عم؟ مختفي فين؟ محدش بيشوفك خالص.
جاء الرد من عمر بصوت متردد بعض الشيء، يحاول تبرير غيابه:
معلش غصب عني ، برجع متأخر من الشغل يدوب الحق اذاكر. مبقاش في وقت للحياة والله يا عاصم
ثم انا بسال اهو وجيت اصبح عليك قبل ما انزل للكلية،
ضحك الآخر وقال بحماس:
طب ما تيجي تفطر معانا؟
أنا كمان نازل الكلية، بالمره ننزل مع بعض.”
حاول عمر الاعتذار:
مش عايز أزعجكم.”
لكن الرد جاء حاسمًا من عاصم، بلا مساحة للتردد:
يا راجل ادخل ! ماما عايزة تشوفك. كل شوية تشكر فيك وتقول إنك أحسن الف مره من الشباب اللي كانوا ساكنين فوقنا وعاملين دوشة.”
وافق عمر متلهفًا ودخل الشقة، كان المكان بسيطًا، لكنه مريح ودافئ. ظهرت الحاجة فتحية، بابتسامتها الطيبة، وهي ترحب به بلهجة مليئة بالحفاوة:
أهلاً وسهلاً يا ابني، نورتنا.”
ابتسم عمر بخجل ورد بحذر:
“الشرف ليا يا ماما… تسمحيلي أقولك ماما؟”
ردت الحاجة فتحية بعفوية وصدق:
طبعًا، إنت زي عاصم وسعاد. أنا أمكم كلكم. إنت منين في الصعيد؟”
رد عمر بفخر:
من المنيا. أنا وحيد أهلي. أبويا مزارع بسيط، كل حلمه يشوفني مهندس وأرفع راسه.”
ربتت علي كتفه بحنان ام:
ربنا يفرح قلبه بيك يا ابني. أنا أصلي من الفيوم، بس عندنا أراضي هناك. يعني صعايدة زي بعض.
اجاب بعمر بسعادة:
تشرفت جدًا والله.
ابتسمت وهي تشير إلى مائدة الطعام:
طيب تعال افطر مع عاصم، وبعدها تنزلوا مع بعض.
قبل أن تنهي قولها ات صوت ناعم قادم من الداخل قطع الحديث:
ياماما انا خلصت
التفت الجميع نحو الباب، حيث طلبت الحاجة فتحية من ابنتها أن تأتي للسلام على الضيف.
تعالي ياسعاد سلمي على المهندس عمر
في تلك اللحظة، وقف عمر يتأمل الباب بعينين يملؤهما الترقب. أمله أن يرى من خطفت قلبه. لكن حين ظهرت الفتاة، كانت المفاجأة غير ما توقع.
فتاة صغيرة، في الخامسة عشرة من عمرها، عيونها بنية واسعة، وبشرتها قمحية.
وقف في مكانه متحجرًا للحظة. تلك ليست الفتاة التي رأها بالأمس فمازالت ملامحها محفورة في ذاكرته. شعور من خيبة الأمل مر سريعًا، لكنه سرعان ما تمالك نفسه عندما قالت:
السلام عليكم.
رد عمر عليها وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا:
وعليكم السلام.
ابتسمت الحاجة فتحية وهي تقدم التعارف:
ده جارنا عمر يا سعاد، من النهارده اعتبريه زي أخوكي عاصم. ادخلي رحبي بيه
ابتسمت الفتاة بخجل وقالت:
أهلاً وسهلاً يا أستاذ عمر.
رد عمر بابتسامة خفيفة:
أهلاً بيكي. الشرف ليا إني أكون زي أخوكي.
نكست راسها بخجل:
وأنا كمان اتشرفت بيك. إنت في هندسة، صح؟ أنا نفسي أدخل هندسة لما أخلص الإعدادية.
ابتسم من خجلها وسألها:
إن شاء الله تبقي مهندسة قد الدنيا. إنتِ في سنة كام؟
ردت بلهفه:
أنا في الشهادة الإعدادية.
تمني لها التوفيق قائلًا:
ربنا يوفقك و وان شاء الله تحققي حلمك.
قاطعت الحاجة فتحية الحديث وهي تذكر الفتاة:
يلا خلصي علشان ما تتأخريش على المدرسة. ندى طبعا هتستناكِ، علشان عندكم امتحان النهارده!”
عند سماع اسم ندى، تغير كل شيء. كان الاسم كالصاعقة، أعاد إليه كل مشاعره التي حاول كبتها. تساءل بصمت:
هل تكون هي؟ الفتاة التي خطفت قلبه؟
ظل في داخله شعور متناقض. أمله أن يلتقي بها من جديد بات أقرب من أي وقت مضى.
كان الاسم كالسهم، اخترق أعماق ذهنه وترك أثرًا لم يستطع تجاوزه. للحظات، خيم الصمت عليه، لكنه سرعان ما ألقى بالسؤال، رغم التردد الذي كان يحاصره :
هو انتي ليكي أخت تانية اسمها ندى؟
لم يأتِ الرد من صاحبة السؤال، بل تدخل صوت آخر، يحمل نبرةً مرحة ممتزجة بالاعجاب والانبهار، ليقطع حبل أفكاره:
ندى؟ أخت سعاد؟
يا راجل، دي حاجة تانية خالص! ندى دي تبقى ظلم نوصفها مجرد أخت.
ثم أضاف ضاحكًا:
دي زي ما تقول كده حورية أو ملاك اتوجد غلط في الدنيا دي. ممكن تقول حسناء، وملكة جمال شبرا!
تنهد بقوة واخذ يختلس الكلام كأنها في حضرة الجمال لا يستطيع ان ياتي بوصف يعطيها حقها:
ندا دي عيون إيه؟ وبياض إيه؟ دي حاجة كده ما حصلتش ولا هتحصل في العمر غير مره!
استمر الحديث كأنه يحاول وصف لوحة فنية في جمالها الخلاب
ضحك فجأة ونظر الي سعاد المصدومه:
تصدق اختي بتخاف تمشي معاها في الشارع من كتر المعاكسات اللي بتاخدها. أي واحدة تمشي جنبها تبقى صفر علي الشمال كانها ولا حاجة.
لحد ما أبوها قرر يمنعها تخرج إلا للامتحانات.
لكن لما كانت هنا امبارح متخيلتش انها بقت اجمل كده، سبحان الله! جمالها بيزيد يوم عن يوم.”
كانت تلك الكلمات كافية ليوقن عمر تمامًا أنها هي، الفتاة التي اختطفت قلبه بنظرة واحدة في تلك الليلة المظلمة.
بات كل شيء واضحًا الآن؛ الملامح، النظرات، وحتى الإحساس الذي لم يفارقه منذ تلك اللحظة.
وقبل أن يسترسل في أفكاره، جاء صوت الأم ليعيد الجميع إلى الحاضر:
يلا يا ولاد، خلصوا فطاركم وخدوهم معاكم عشان ما يتأخروش
في تلك اللحظة، رُفع الطرق على الباب. هرعت الصغيرة سعاد لتفتحه،
بعد برهه ات صوتها يحمل بهجة غير خافية:
ندى! تعالي ثواني، أنا خلصت بس هاخد مصروفي
ونازلة معاكي.
**********
لمحها أخيرًا. كانت اللحظة أشبه بحلم تحقق، وكأن الزمن توقف للحظة، ليتيح له فرصة استيعاب المشهد. جمالها لم يكن عاديًا، بل كان يحمل في طياته نقاءً وبراءةً تسرق الأنظار. شعور بالفرح اجتاحه، لم يستطع كتمانه، فتحدث بعفوية ولهفه:
استنوا… ناخدكم في سكتنا.
التفتت اليه الصغيرة سعاد بابتسامة عفوية وقالت:
استني اعرفك ده جارنا الجديد عمر ، في أولى هندسة. هيذاكر لينا لو احتجنا منه مساعدة
مش كده ولا إيه يا هندسه؟
ابتسم عاصم وأضاف بتطفل:
هنساعدكم إحنا الاتنين.
أكمل عمر بثقة وهدوء:
أكيد، طبعًا. تحت امركم،
بدأوا جميعًا السير باتجاه المدرسة. كان الطريق بسيطًا، لكن قلبه كان يعيش معركة من المشاعر. طوال المسير، لم يستطع مقاومة النظر إليها. كانت عفويتها وبراءتها تزيدها جمالًا، وجعلته أكثر يقينًا بأن قلبه لم يخطئ في اختياره،
لكن عاصم ذلك المراقب الصامت لم يكن غافلًا. لاحظ كل شيء، وضحك بخفة قبل أن يعلق قائلاً:
إيه يا عم؟ لحقت تسحرك؟
أنا بقالي سنين بشوفها وكل يوم بتسحر بيها اكثر نصيحه مني، ريح دماغك وخليك في دراستك. دي بنت غلبانة ومؤدبة، ومش هتديك فرصة حتى تكلمها. لما تبقى جاهز للجواز، ابقى جرّب حظك.
معاها واروح اخطبها رسمي
ثم أضاف بنبرة جادة:
يا راجل، دي بيجيلها خطاب من دلوقتي. أنا نفسي مبهور بيها، لكن عمري ما فكرت أتقدم خطوة معاها، علشان أنا غيرك عندي مسؤولية تجاه أختي. لازم أطمئن عليها ألاول
استجمع عمر شجاعته ليرد بنبرة عزم وإصرار:
بصراحة، لأول مرة في حياتي أحس الإحساس ده. مع حد، بس انا هكافح علشانها، وبأذن الله هتكون من نصيبي. الأول لازم أخلص كليتي وأثبت نفسي. وبعدها… اتقدم لها والباقي على الله.”
كانت الكلمات أكثر من مجرد وعد. بدا كأنه يكتب ميثاقًا جديدًا لحياته. ومع كل خطوة، كانت الأفكار تتجلى في ذهنه. همس لنفسه بصوت لم يسمعه أحد:
كنت اعيش لأجل حلم واحد، أنجح وأسعد أهلي وأريحهم من شقاء السنين. واليوم… أضيفت غاية أخرى. أصبحتِ حلمي الجديد، الحلم الذي سأعيش لأحققه، جنبًا إلى جنب مع حلمي الأول.”
ومن تلك اللحظة، بدأت لرحلته. طريقان، كلاهما اصعب من الاخر ومليء بالتحديات، لكنه عازم على خوضهما حتى النهاية .
***********
يتبع…..
زر الذهاب إلى الأعلى