روايات شيقة

رواية إيبار الفصل التاسع 9 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل التاسع 9 بقلم رانيا عمارة 

غرس الشك في قلبه دوامة لا مفرّ منها، فانتابته الهواجس واستبدّت به أكثر من ذي قبل، إذ أكدت كلمات ريم المارقة شعوره بحدّة، فاعتقد أن ريم تخفي دلالات هروب چيهان لتدفع عنها العواقب الوخيمة التي ستسقط على كاهلها قريبًا، بعدما راود شوقي إحساس بوجود ألاعيب خفية تعبث به، لم يكن هناك دليلٌ قاطع يثبت صحة إحساسه، لكنه بدأ يتشبث بخيط اختفائها كما لو كان محققًا يتقصّى في قضيته الخاصة. وتحول سكونه إلى قلقٍ مرعب، حين دخل خلف ريم إلى غرفة النوم، يسير كأن النيران تتأجج في أعماقه، وخلفهما كانت أسماء تمسح دموعها بأطراف أناملها برفق.
في تلك اللحظة، نظر “شوقي” داخل الخزانة، فتأكد مما سمعه، لم تخنه عيناه كما خانته أذناه من قبل وهي تصغي إلى أقاويل كاذبة. مدّ يديه داخل الخزانة يتفحصها بدقة صارمة، وبعد لحظات من اليقين، التفت نحو ابنته وزوجته، ثم رمقهما بنظرات ساخطة، وتحدث بلهجة قاسية خالية من المشاعر:
_عرفتوا إن كلامي كان صح؟ أنا عمري ما أقول كلمة وتنزل الأرض أبدًا… چيهان متخطفتش، دي هربت بمزاجها!
ردت “أسماء” باعتراض، وهي تصيح قائلة:
_يا أخي حرام عليك، قولتلك متتكلمش على بنتك كده! بنتك أشرف من الشرف، ولو إنت كلامك مبينزلش الأرض، فقلب الأم عمره ما يغلط أبدًا، وأنا بقولك بنتي مهربتش، بنتي في خطر!
عقبَّت “ريم” على حديث والدتها، مُستنكرة شك والدها في شقيقتها، فهذه الريبة كانت تكسرهما من الداخل، وتزرع الألم في نفسيهما، وقالت:
_يا بابا بقولك إن هدوم چيهان كانت هنا الصبح! أنا بقولك شايفاها بعينيا!
لكن رؤية “شوقي” للخزي الذي وضعتهم فيه چيهان جعله موصد الحواس؛ لا يرى سوى ما يطرحه عليه تفكيره، ولا يسمع إلا ما ترتاح له أذناه. فكان الكلام لا يتسلل إلى عقله، بل يعتبره محض ثرثرة تُخفي في طيّاتها تستّرًا على كارثة چيهان.
ما أقسى أن يشعر الأب، بعدما أفنى طاقته في تربية أبنائه، أن كل ما فعله تبخّر بلا جدوى؟ تذكر أيام شبابه التي أنفق فيها أمواله كما لو كان يدحر ثروته في خزانة قعرها مخلوع، لتكون الحصيلة في النهاية هروب چيهان، واختلاطها بذوي الأخلاق المنحرفة على دروب مشؤومة صاغتها أيادٍ جانحة. فالصدمة جرحٌ خفي، لا ينزف دمًا، بل يسيل دهشةً وذهولًا، لذلك صرخ بصوتٍ عالٍ:
_مش عايز أسمع صوت واحدة فيكم! واللي هتدافع عنها هعرف إنها متفقة معاها تداري عليها عمايلها السودة! وبلغوها إني لو لقيتها هدفنها مكانها عشان أغسل عاري بإيدي….
ثم التفت إلى جهة أخرى، يسير وهو ينقش في طريقه احتدامًا متأججًا، وتابع بقسوة:
_بنتك فضحتنا، مش بعيد ترجعلنا قريب بقُرطة عيال، وساعتها تبقى عيلة الدميري راسها اتدفنت في الطين طول العمر، بس أنا مش هسكت ولا هرتاح غير لما أوصلها، وهعرفها إني قصرت في تربيتها وجه اليوم اللي أربيها فيه كويس.
كانت حصيلة هذا الشجار الشرس، أن راحت “أسماء” تطأ وجهها بيديها، تصفع ذاتها كأنها تنتقم من قلبها، وقد داهمها إحساس بأنها عالقة في كابوس كارثي، تتمنى لو أن أحدًا يوقظها منه بطريقته الخاصة، حتى وإن كانت متوجعة. صرخت صرخاتٍ عالية تهز الأبدان، وهي تسير خلفه في نوبة هستيرية من البكاء، وقالت بنبرة نفي:
_چيهان مش كده! بنتي مستحيل تعمل حاجة زي دي، يا أخي ارحمني بقى من كلامك اللي زي السكاكين ده، چيهان أنا مربياها أحسن تربية و…..
كانت أسماء أشبه بمن يلاحق الإعصار بدلًا من الفرار منه، تندفع خلفه رغم الهلاك الذي يلوّح في الأفق. فتوقف “شوقي” لحظة في مكانه، ثم استدار نحوها، كأنما يعلن حربًا قاسية ستندلع قريبًا، وقال بصوت تتوهج فيه نيران شرسة تنفلت من أعماقه:
_مش عايز كلام قولتلك! مسمعش صوتك إنتي وبنتك وتفضلوا ساكتين، وإلا قسمًا عظمًا ههد الدنيا فوق دماغكم، اتقوا شري!
وسط اللحظات المؤلمة، حجبت طرقات الباب المتتالية أصواتهما العالية أثناء الشجار؛ شوقي يصيح غاضبًا، وأسماء تصرخ باكية. اندفع شوقي خارج غرفة النوم، مدفوعًا بالفضول لمعرفة الطارق، وما إن فتح الباب حتى تفاجأ بأخيه عصام ووالدته روحية يقفان أمامه، تتملّكهما الرغبة في معرفة أسباب الصراخ، فقد رجّت الأصوات أركان الحي رجًّا، واخترقت حدتها سكون المكان، وأربكت الطيور النائمة فوق الأشجار بعد يوم طويل من التحليق بحثًا عن الطعام.
اقترب عصام من شوقي، وطوّقه بذراعيه رغمًا عن توتره، فكادت ملامحه المحتدة أن تنطق بما عجز عنه لسانه، ثم جلس معه على الأريكة، ينظر إلى وجهه العابس. أما “الجدة روحية”، فعلى الرغم من تعثر خطواتها، والوهن الذي أرهق جسدها، إلا أنها عانقت زوجة ابنها بحنان وسألتها قائلة:
_مالك بس يا بنتي؟ صوتكم عالي كده ليه؟
كأن الحروف قد انصرفت من داخلها، ولسانها عاجز عن النطق، فامتلأت طاقتها بقهرٍ يشبه زوبعة تحمل عبقًا باردًا يزداد حرارة مع الوقت، وقالت بنبرة مهزوزة يتخللها الاستياء:
_چيهان مبتعملش حاجة غلط، أنا بنتي مخطوفة وممشيتش بمزاجها زي ما هو بيقول!
نطق “شوقي” بجلجلة، غير مقتنع بأحاديث زوجته البلهاء:
_بتك هربت ولما أقول هربت يعني هربت! وبكرا كلامي أنا اللي هيطلع صح يا أسماء!
خرجت “روحية” عن شعورها، وشاركتهم حفلة العويل، تصبّ غضبها على شوقي، علّها تعيده إلى رشده وتنتشله من بئر أوهامه، مستخدمة سلاحها كأمٍ تنصح وترشد، بعقلٍ متسلّح برصانته:
_أسكت يا شوقي واعمل احترام ليا أنا وأخوك! وإنت إيه اللي هيخلي بنتك تهرب؟ ده إنتوا كلكم كويسين مع بعض وزي الفل، إيه اللي حصل يخليك تقول كلامك ده؟
مهما قال هذا أو ذاك، لم يقتنع شوقي إلا بما تمليه عليه عقليته المثقلة بالشك، حتى انخرط “عصام” في الحوار، يبدي رأيه ويشاركهم أفكاره، وقال:
_استهدى بالله يا شوقي، متخليش الشيطان يأثر عليك، ما هي چيهان متهربش غير وإنت مصبحها وممسيها بعلقة، والصراحة أنا شايفك من يومك معيش عيالك عيشة تمام، ماليلهم بيتهم خيرات ربنا، ومدلعهم آخر دلع.
أشرقت نظراته الطالحة في عينيه، كأنه حسود يقذف سهام البغض من مقلتيه. حتى ذاك الذي تظنه سندًا وأنت كالأعمى، لا ترى عيوبه، وتعتبره رمز الوفاء، مَن ترفض تصديق خيانته إن عُرضت عليه كنوز الدنيا ليبيعك، فتراه يرفض بيقين لأنه لا يجد مَن يستحق تاج الإخاء سواك… تكون الحصيلة أنه حاقد، يتمنى زوال كل ما تملكه، ولو كان يجري في عروقه نفس صلة الدماء.
لامست أسماء هذه النظرات، رغم حالتها العسيرة، حين قال “عصام”، وفي صوته نبرة كراهية لا تخطئها الأذن:
_البت من دول لو حصل وهجّت تستاهل الدبح، احنا الحمدلله بفضل ربنا سيرتنا دايمًا قشطة، متجيش الست چيهان تبوظلنا كل اللي بنيناه في سنين، ما هو لا أبوها ولا عمها يسمحوا بقلة الأدب دي إنها تحصل!
وبينما كان كالوقود يصب الزيت على نيران المشكلات، نهضت “أسماء” صارخة في وجهه، تدافع عن شرف ابنتها، تلك التي لم تخطئ، بل زجّت بها الحياة في مآزقها دون خيار منها، وقالت بحدّة:
_إياك تجيب سيرة چيهان بحاجة وحشة! محدش فيكم هيعرف بنتي أكتر مني! وبكرا الأيام تثبتلكم إنها عفيفة!
جلجل “شوقي” بصوته الجلف في وجه زوجته، وقتما نهض بقسوة عارمة، يوبّخها على طريقتها القاسية مع أخيه، وقال بحدة:
_كلمة كمان وهوريكي شغل الجنان اللي على حق! صوتك ميعلاش على أخويا بدل ما أقل منك قصاد الكل!
صاحت “روحية” فيه، تقاوم آلامها وتقدّم عمرها، وتخرج حروفها بمشقة، ثم نطقت بحزم:
_عيب عليك يا شوقي، اعمل احترام لأمك حتى يابني، اتكلموا بشويش، الدنيا مش هتخرب….
ثم تشبثت روحية بذراع أسماء، ودخلت بها إلى الحجرة، حريصة على أن تُباعد بين البنزين والنيران المتقدة، خشية أن ينفجر معمار الأسرة معلنًا انهياره. هناك، جلست إلى جوارها على السرير، تضمها بحنان الأم البديلة في غياب والدتها. أما ريم، فدخلت خلفهما وأوصدت الباب برفق، وجلست معهما تستمع لنصائح الجدة الذهبية، وهي تأمرها بالطاعة، حتى وإن كان الزوج ذو نفسٍ خبيثة.
في مجتمعٍ عربي يتحامل على النساء أكثر من الرجال، حتى لو كان الرجل يحلّ محل إبليس، لا يمنح حبًا ولا طمأنينة، بل يثبت براعته في تجسيد عنفه على من هو أضعف منه نفسيًا وجسديًا. فالمرأة في نظرهم دومًا مخطئة، وإن وجدوها راقدة تحت التراب، ألقوا عليها التهم بأنها ماتت دون كفن يسترها.
خلال الشهر الماضي، حرصت چيهان على تنظيف دار “منيفة”، جدة رمزي، مدفوعة بشفقة على امرأة مسنّة لا تقوى على الحركة، كأنما تآكلت صلابتها مع سنوات العمر. أزالت الأتربة وغسلت الجدران، تقديرًا منها لسخاء الجدة التي استقبلتها بمحبة. كانت چيهان تستلقي جوارها كل ليلة في الحجرة الضئيلة، حيث القمر يظهر قبالتهما من النافذة، فيدخل نورُه الهادئ ممزوجًا بنسيمٍ بارد ينعش الأرواح.
أما رمزي، فقد اعتاد النوم على الأريكة الصغيرة في الصالة، يفتح نافذته لينعم بنوم هادئ وسط برودة الطبيعة، في منزل يفتقر للمراوح والمكيّفات. بجوار المطبخ، حجرة ضيّقة لا تتسع لأكثر من شخصين، وضع فيها رمزي متعلقاته وكتبه الخاصة بتحضير الجان. لم تكن الحجرة تحوي سوى نافذة صغيرة بحجم كف اليد، تُقابلها جدارٌ حجَب الهواء، ما جعل النوم فيها ضربًا من العقوبة بسبب حرارتها الخانقة.
انقطع التواصل بين رمزي وچيهان بعد آخر كلمة قالتها له، فازداد عناده وقرر ألا يتيح لها الحديث معه، عقابًا قاسيًا في نظره. إلا أن الطريف أنها لم تكترث لتلك الخصومة، بل عاشت بشكل طبيعي رغم محاولات الجدة للصلح، فتأكل، وتتحرك، وتضحك، ما زاد من غيظه أكثر.
وفي اليوم التالي، كان رمزي جالسًا في غرفة العمل، ضيّقة الجدران، وبجانبه شمعة تتراقص أبخرتها في الهواء، فتمنحه حافزًا غريبًا للانغماس في عمله. انعكس شعاع الشمس على وجهه بلطافة، بينما كان يقرأ من كتابه بصوتٍ خافت، منهمكًا في إنهاء طقسٍ خاص به. وقبل أن يتلفّظ بالكلمة الأخيرة، سقطت الزهرية في الصالة، وتطايرت شظاياها على الحصير، فصرخت چيهان بذعر، ونهضت خائفة، فضحكت الجدة “منيفة” وقالت بمزاح:
_لا تخافي، هاذي بس شغلة خفيفة من سوالف رمزي!
بسطت “چيهان” كفها على صدرها بخوف من هول الفزع، لكنها قررت مواجهة رمزي بشجاعة. خطت خطوات ثابتة نحو غرفته، وفتحت الباب دون استئذان، فوجدته يتمتم بجُملٍ غامضة، والدماء متناثرة على الجدران من حوله.
شبكت ذراعيها، ورفعت حاجبيها بعناد، وقالت بصوتٍ حاد:
_برضه بتحضر القرف ده تاني؟! أنا مش قولتلك متمشيش في السكة دي؟ أنا ليه أعيش في الرعب ده بسببك؟
لم يلتفت رمزي إليها، بل واصل تلاوة كلماته وهو أشد سخطًا من ذي قبل، فتابعت “چيهان” بإصرار:
_أنا بكلمك وعلفكرة لازم ترد عليا! أنا خلاص زهقت من العيشة دي، أنا هرجع لأهلي يعني هرجع ليهم ولو فيها موتي، مش هيكون في دمار أكتر من القهر اللي أنا فيه ده!
أغلق “رمزي” الكتاب بقبضتيه الحادتين، ونهض خافضًا رأسه خشية أن يصطدم بسقف الحجرة المنخفض، ثم خرج في صمتٍ دون أن يرد، وقد كانت كلمات چيهان الأخيرة كظلٍ يلاحقه حيثما ذهب.
توقف في منتصف الصالة، بعينين تائهتين في احتدامٍ صامت، لعلها تدرك حجم ضيقه منها. لكنها لحقت به بخطى أكثر صلابة، وذراعاها ما زالتا متشابكتين، فوقفت خلفه، وهو يقول بصوتٍ خشن:
_مفيش كلام بينا يا بت أسماء… كل اللي بينا إنتي عارفاه كويس، واللي يفهم غير كده يبقى عبيط….
لم تفهم چيهان مقصده، فرمقته بنظراتٍ متعجبة، علّها تلتقط خيطًا من معنى كلماته، لكن في لحظة غير متوقعة، التفت نحوها بنظرات أكثر هدوءًا، لا يحدق فيها بل صوب عينيه نحو الجدار، كأن النظر إليها يفتت ما تبقى من مشاعره، ثم أردف بنبرة هادئة، لكنها تحمل في طيّاتها سخطًا دفينًا:
_أنا مستغرب نفسي الصراحة، ليه كلامك دبحني أوي كده وأنا قلبي ده أنشف من الحجر؟! ليه باجي على نفسي عشان أساعدك؟ وهطلع من كل ده بإيه؟ ازاي أبيع أبويا عشان واحدة عمري ما عرفتها غير من قريب….
ثم حدق في عينيها بفَورة، وتابع بصياح:
_هاخد منك إيه؟ هتفيديني بإيه وأنا في نظرك ملعون للدرجة دي؟ أنا دخلت نفسي في مشاكل يا عالم هقدر أحلها ولا لا وفي النتيجة ولا كأني بعمل حاجة… عشان تشوفيني خاطفك وبأذيكي وأنا بعمل كل ده عشانك!
استغربت چيهان من جرأة حديثه أمام الجدة، بعد تمثيلية مُبدعة استمرت شهرًا كاملًا بأنهما زوجان يعيشان تحت سقف المودة، رغم خلافاتهما. في تلك اللحظة، شعرت “چيهان” بتضارب الأفكار، كأن دوامة في ذهنها اقتربت من أن تفتك بها. الحيرة كانت تملأها، فسألته بنبرة خافتة:
_إنت ازاي بتتكلم قصادها عادي كده؟! هو مش المفروض إنك قايلها إننا يعني….
رمقت الجدة منيفة، فوجدتها تدخل المطبخ في صمتٍ تام، فتابعت باندهاش:
_مع إني رافضة حاجة زي دي، بس إننا أعوذ بالله متجوزين.
ضحك رمزي “بسخرية”، فأعاد كلمتها، قائلًا بامتعاض:
_أعوذ بالله؟ من جال لك إنك يوم بتلحقِي تتچوزي زَيي؟ آني رمزي الطوخي يا نسيبة! كل الحريم تِتْمَنّى جُربِي، وإنتي تيچي وتجولي أعوذ بالله؟
نطقت “چيهان” بصياح، قائلة بتضايُّق:
_متتكلمش معايا بالطريقة دي! كل الستات يتمنوا إلا واحدة وهي أنا! عشان مش أنا اللي أتجوز ساحر بيإذي الناس، وبيمشي في سكك مشبوهة!
تقدّم “رمزي” نحوها بخطواتٍ ثقيلة، بينما هي تراجعت إلى الوراء بخوف، تترصّد أفعاله المتهورة، فنطق بحدة:
_يعني آني كنت طلبت نخطبك؟ كنت ناوي تساويلي هالسينما كلها؟ كل ذا عشان كذبت على ستي وگتّلها إنّا متچوزين، بس علشان أحفظ صورتك جدامها وما تحچي عليك بشي يعيب؟ هاذ چزاي؟
رمقته چيهان برهبة، وهي ترى الوجه الأشنع له، ذاك الذي لم يظهر منذ أول ليلة قابلته إلى يومنا هذا. كانت دقات قلبها تتسارع بخوف، وأنفاسها تتباطأ كأنها تحاول الهروب من الموقف، قد شبكت ذراعيها على الجدار، وعيناها ترتجفان وهي تراقبه.
لا يتحدث بلهجته البدوية إلا في أشد لحظات حنقه، فطالما تحدث بلهجتها، أيقنت أنه صافي الذهن، يحلق في سماء السعادة. لكنه عاد إلى حجرته المحدودة، وأوصد الباب بامتعاض، وجلس يمارس أعماله. أضاءت الحجرة كأنها تحتفل بعودته، لكنه لم يلاحظ الضوء، فقد غاص في عتمته الخاصة.
فتح كتابه الرچيم، يحضّر أرواحًا جديدة، منغمسًا في عمل لا يجلب إلا الويل، يُنقص رصيد ستره، ويقرب النهاية من خطاه. أما چيهان، فوقفت قبالة الحجرة في صمت، تراقبه، تعلم جيدًا أنه يراها ولو أُوصد الباب بأمتن الأقفال، فقد بلغت روحانياته جبال الهيمالايا. يطور من إمكانياته كل ليلة، في محاولة لهزيمة والده مصعب وأعوانه الأشرار.
وبعد دقائق من المتابعة الصامتة، مرّت نحو المطبخ فلم تجد الجدة، فجالت بعينيها تبحث في أركان المنزل عنها، كما لو أنها تبحث عن فكرة تائهة في ثنايا عقلها. أخبرت نفسها ربما خرجت الجدة لشراء الخضروات، لكن فكرة واحدة بددت هذا الاحتمال: عجزها، فكيف لها أن تخرج وحدها إلى الأسواق وهي لا تقوى على الحركة في منزلها؟
جلست چيهان على الأريكة، وبعد عشر دقائق، دوّت طرقات الباب في أرجاء المنزل، فانتباها الفضول وذهبت تفتح الباب. تفاجأت بالجدة “منيفة” واقفة، وبجوارها فتاة محجبة، ذات ملامح صارخة الجمال، قوامها ممشوق، وجسدها متزين بعباءة لافتة للأنظار. دخلت منيفة برفقة الفتاة، وقالت بابتسامة:
_تفضّلي يا غيداء، الدار دارِك يا عزيزة، يا بت الطيّب، بتشرّفينا.
اندهشت چيهان من نبرة صوت غيداء الحانية، كأن صوتها يُسكب من إناء لطف، وملامحها تنضح وداعةً لم تعهدها في امرأة غريبة. جلست “غيداء” برفق إلى جوار منيفة على الأريكة، وابتسمت ابتسامة دافئة، ثم قالت بصوت خفيض كنسمة فجر:
_الله يسلمِك يا راس الطيب، ماني عارفة كيف أرد معروفك عليّ….
بينما كانت تنظر حولها للبحث عن رمزي، تابعت بفضول:
_وينه رمزي؟ لي زمان ما شِفته، جلبي مشتاجله واجد.
رفعت چيهان حاجبيها في سخرية، كمن أفرغ كل اهتمامه على حديث معين، مستمعة لما ستقوله “منيفة”.
فقالت الجدة بابتسامة:
_روحي ناديه يا چيهان، خلّيه ييچي يسلّم عبنت خاله، مشافتوش من زمان طويل، وهي چاية الليلة عشانه.
ابتسمت چيهان ابتسامة مستهزئة ثم عبست فجأة لتثبت لهما أنها ليست جارية في هذا الدار، بل ملكة متربعة على عرشها، فرمقت غيداء بنظرة تحقيرية، ثم دخلت الحجرة وأوصدت بابها دون أن تنفذ ما قالته لها “منيفة”. تسللت برودة من الإحراج إلى صدر الجدة، فربّتت على ذراعها بحنان، وقالت ببسمة هادئة:
_لا تشغّلي بالك يا غيداء، آني بروح أناديه لك.
كانت الحياة تداعب چيهان بضغوطات بسيطة لكنها تحمل في طياتها معنى كبير، شعرت بيد خفية تطوق عنقها فتخنقها، إذ خرجت منها نيران الانزعاج، وهي تتابع الأحداث من شق صغير في الباب، إذ الجدة تسير برفق إلى حجرة رمزي تطرق بابه، وتخبره بوجود غيداء ابنة خاله، كأن شوق “رمزي” لها بات منذ سنوات حتى قارب الهلاك، سرعان ما خرج، ووقف قبالتها يبادلها الأحاديث بوجه مشرق لم تعتد عليه چيهان، فكانت كلماته معها باردة كالثلوج.
سمعته يقول لها ببسمة واسعة:
_نوّرتي الدار كلّه يا غيداء، معجول كبُرتي وعُودك شدّ لدرجة الچمال هالقد؟!
ضحكت “غيداء” بخجل، وبادلته المغازلة، فقالت برقة:
_وإنت حلوت واجد يا رمزي وصرت سيد الرچال… طمني عمي مصعب، شو أخباره؟
حرك “رمزي” أصابعه بين شعراته الناعمة، ونطق بابتسامة ضاحكة كالقمر في فضاء المحبة:
_أبويا بخير، طمّني على خالي، شو صار في صحّته؟ خفّ ولا لسه عايش على العلاچات؟
أجابته “غيداء” باستنكار، فقالت برضاء جليّ في صوتها:
_بخير، خفّ وصار زي الحصان… والله فرحانة إني شُفتك، الفرح مو داخل إلا جلبي.
ابتسم رمزي مستعيدًا الذكريات التي عاشها في الصغر مع أبناء أخواله وخالاته، إذ كانوا يمرحون سويًا دون الاكتراث بمشكلات الكبار، كان كل ما يشغل أذهانهم هو انتشال كرة القدم من أيد الآخرون في ساحة اللهو والمرح. إذ قبالة دار الأجداد قديمًا بهو من الفضاء يجتمع فيه أطفال العائلة: الذكور والإناث، يقضون أوقاتًا ممتعة في صنع أصناف وهمية من الوحل ويبرعون في تصميم لوحات فنية تغري الأنفس الجائعة، وآخرون يتسلقون إلى شجر التوت، حيث تتراقص حباته على الشجر بدلال.
عاد من ذكريات الماضي إلى “چيهان” تخرج من الحجرة، مُتجهة نحو بوابة المنزل، لكنها قبل أن تخرج ساد الصمت وتوقفت الأحاديث، وجميع الأعين متمعنة نحوها، فقالت للجدة بابتسامة غير مكترثة:
_أنا هخرج أجيب حاجة وراجعة، تحبي يا طنط أجيبلك حاجة معايا؟
ردت “منيفة” بابتسامة تفسر استغناءها عن خدماتها بطريقة مهذبة:
_لا يا زينة، تسلميلي، خذي بالك من روحك ولا تتأخّري علينا!
تلفظت “چيهان” باستجابة، وهي تخرج من عتبة الدار، قائلة:
_حاضر.
بمجرد نُتوئها من المنزل، استقام رمزي، ووقف قبالة الباب في صمت بلا حرف، كأنما يرى تحركاتها على الجدار الموازي له، مترصدًا لها كالنسر المتتبع فريسته، أما هي سارت تترنح بعيدًا وهي تعلم في وجدانها خير علم أن كل خطوة منها محسوبة، فهو يراها كما لو كان متكئًا بذراعه حيال شاشة سينمائية.
زاد القلق داخله من فكرة هروبها على الرغم من يقينه التام بأن ذلك لن يحدث، إذ في يديه كتاب مفتوح يرى فيه الماضي والحاضر وخطط المستقبل، لم يمنحه قلبه شعورًا بالراحة إلا حين تبصرها عينيه ويتأكد من سلامتها، فظل واقفًا على سيقانه إلى أن خرج واستقر على عتبة الدار منتظرًا عودتها بلهفة.
في حي العائلة الذي يمتاز بالعواصف المستمرة، حيث رمت رياح الخماسين رؤية ضبابية عانقت الأراضي، ما جعل تمييز عناصر الحي أقرب إلى مَن ينظر إلى حائط سد بلا فجوات، إذ كانت الحركة بين الطرق بمثابة تحدٍّ لأصحاب الأبدان الخفيفة، من أقل انتفاضة هواء سبحت أجسادهم في السماء كأوراق الشجر.
كان شوقي وعصام مُضطرين للذهاب إلى العمل تحت أي ظروف، فخرجا سويًا من الدار حتى وقفا بين طرائق الحيرة، لا يدركان الاتجاهات الصحيحة، فاتفقا على السير من اتجاه محدد فلا تتشتت الأذهان، وتتوه الأعين، وبعدما سارا بأيادٍ مرفوعة، حاجبة للأتربة، نجحا في الوصول إلى السيارة، ومن ثم ركباها وغادرا، فكان شوقي يقود المحرك بتمهل خوفًا من الاصطدام فيما لا تراه الأعين، فاتبع بصيرته الداخلية التي دلته على الاتجاهات الصائبة.
بينما في محل العمل، لم يكن شوقي يتوقع ما ينتظره هناك، فكان هشام جالسًا على مكتبه في الهواء الطلق، يتابع أعمال الصبيان، ويجلس بجواره زميله “منعم”، ورجل غير مألوف الوجه، كان يبدو عليه الريبة وهو يصر على مقابلة شوقي ليحدثه في أمر بالغ الخطورة، وبمجرد أن وصل شوقي وعصام، صافحا الموجودين بحرارة، وجلسوا سويًا.
دقق “شوقي” النظر في ذاك الرجل، وسأله باهتمام، فقال:
_خير يا حاج؟ عايز إيه إن شاء الله؟ أؤمرنا!
ابتلع “الرجل” ريقه، مستعدًا لبدء معركة كلامية قد تشعل الأجواء بغير المتوقع، فقال بخجل:
_أنا عارف إنك متعلمنيش، وأنا كمان منعلمكش إلا من يجي شهرين بس أنا كنت طالبك في كلمتين مهمين يمكن تفيدني بحاجة.
نظر “شوقي” لمن حوله، وأدرك ضرورة أمر الرجال بترك المكان ليتحدث الرجل بسعة صدر، فقال:
_طيب روح يا هشام إنت ومنعم اعملولنا صف شاي على ما نشوف الحاج عايز إيه!
انتصب “هشام” ومنعم في أماكنهما لينفذا الطلب، فقال هشام بابتسامة مخفية:
_اللي تؤمر بيه يا عم شوقي.
الآن ساحة الحديث مجهزة، وشوقي وعصام مستعدان للانصات إلى ذاك الرجل الذي لم يصادفاهما وجهه من قبل، فاعتدل “الرجل” في جلسته، ونظر في عيني شوقي بتردد، ثم قال بجرأة:
_أنا جاي أسال عن واحد اسمه رمزي الطوخي، الواد ده نصب عليا في شحنة جرانيت بنص مليون جنيه، وبالأمارة يوم ما جيت هنا أحجز الشحنة كان هو أول واحد مقابلني، ده أنا لما سألته عنك وقولتله إني عايز أقابلك قالي إنك في سفرية ومش راجع غير بعد خمس أيام.
نطق “عصام” بذهول، مستنكرًا هذا الاسم فلم يسمع عنه من قبل، قائلًا:
_لا يا حاج، كده في لبس، احنا معندناش حد بالإسم ده، وكمان الإتفاق مبيكونش غير يا مع الحاج شوقي يإما مع أستاذ هشام!
رد “الرجل” بإصرار، كونه تعامل مع رمزي في مرة سابقة كانت من أسوأ العمليات التجارية في حياته:
_ما هو ده اللي أنا فهمته بعدين إن الواد ده مش شغال معاكم واصطاد في الماية العكرة، ويومها خدني في العربية ووداني مكتب بعيد بحجة إن المكان هنا دوشة ومش هنعرف نتفق، وأنا إكمني راجل طيب وعلى نياتي صدقته وروحت معاه، ولما اتفقنا وشربني الحاجة الساقعة حسيته ابن حلال والكلمة سيف على رقبته…..
نظرا شوقي وعصام لبعضهما في صدمة هائلة، بينما الأخير يواصل بجدية:
_طلب مني أروحله المرة اللي بعدها على المكتب اللي هناك، وطلب أدفعله حق الشحنة مقدم، أنا قولتله خليها تمشي بالعربون لحد ما تسلم وتستلم قالي احنا ناس مية مية ومالناش في السكك العوجة، بيني وبينكم حاجة قالتلي إنه صادق، روحت دافع الفلوس كلها كاش، وعلى اتفاقنا يسلمهالي الأسبوع اللي بعده.
قاطعه “شوقي” في الحال، والسخط يفور من صدره، إذ سأل بفضول:
_ومجيتش ليه يا حاج في ساعتها تتأكد إذا كان الواد ده صادق ولا كداب؟ ليه سكت كل ده؟!
تابع “الرجل” سرد الحكاية، قائلًا بتركيز:
_مانا جايلك في السكة يا عم الحاج! لما الشحنة اتأخرت اتصلت بيه قالي إن في مشكلة في البضاعة وهيحلهالي، ففضلت أسبوع كامل مستني وبرضه مفيش حاجة وصلت، ولما روحتله لقيت المكتب مقفول والعناكب معششة، جيت أتصل بيه مردش ولا سأل فيا، روحت باعتله رسالة إن الشحنة لو موصلتش أنا هعمل محضر في القسم، لكن هقول إيه بقى ولا هامه، ولما قفلت معايا روحت جايلك عالطول!
سأله “عصام” باهتمام، محاولًا أن يستفسر عن المشكلة من جوانبها المتعددة:
_الكلام ده حصل إمتى بالظبط؟
أجابه “الرجل” بتفكير، ناظرًا إلى الجدار كأنه يستخرج الكلمات من أعماق ذهنه:
_يجي أسبوعين، ولما روحت سألت في المنطقة الناس قالولي إنه اتجوز وسافر…..
وواصل بصياح، مطالبًا بحقه:
_أنا عايز حقي منه! وصلوني بأهل مراته يرجعولي حقي من حباب عينيه! ده أنا شقيان بالفلوس يا عالم، ده أنا طفحت الكوتة! وهو بالساهل كده يجي يسرق فلوسي على حِسكم ويهرب؟!
بدأ يطرق بكفه على المكتب بغيظ يضيق صدره، فاجتمع الناس حوله، بما فيهم هشام ومنعم، إذ تركوا ما في أيديهم، وصبوا اكتراثهم في محور الشجار القائم، فكان “الرجل” يردد بعجيج بلا توقف:
_أنا عاوز أهل مراته، حد يوصلني بيهم! حقي اتاكل يا رجالة! محدش فيكم حاسس باللي جوايا! حقي، عايز حقي يا حاج!
بينما كان “هشام” يهدأ من ثورانه، سأله باهتمام:
_اهدى بس يا حاج! قولنا الواد النصاب ده اسمه إيه، ولا عايش فين ولا إيه حكايته!
كاد “الرجل” أن يسقط أرضًا من هول الصدمة، مستاءً على أمواله الشاردة على أيدي المختلسين، فقال بصراخ:
_اسمه رمزي الطوخي، وبيقولوا متجوز بت اسمها چيهان في السر من يجي أسبوعين كده، وهربان وياها في حتة بعيدة عشان العالم بتدور عليه، ما هو منصبش عليا أنا لواحدي، لا اللي زيي طلعوا كتير!
وقتما انتشرت صرخات الرجل بين الجبال، وقعت الصدمة العاتية على شوقي في لحظة من الدمار، إذ ربط بين غياب ابنته وبين اسم الزوجة المطابق، كان يُكذِّب ذاته ويقنعها لربما فتاة أخرى، لكن “الرجل” المجهول أصر على قطع شكه باليقين حينما استخرج هاتفه، وعرض لهم صورة چيهان، فقال بصراخ مؤلم:
_دي مراته! هي دي! اللي يعرف أهلها يوصلني ليهم! لازم حقي يرجعلي يا حاج! ده أنا مبنامش الليل من كتر القهر، ربنا العالم بيا وبوجعي.
لم تقتصر الصدمة على شوقي فقط، بل شملت الجميع، بما فيهم هشام، وهو يرى الابنة العفيفة لشوقي، تلك التي يضرب الناس بها المثل في الأخلاق الرفيعة والحياء، هي ذاتها التي أسقطت العائلة في بركة واسعة من الخزي.
حينها انتاب شوقي دوار حاد كاد أن يدمره على الأرض، فالكون يطوف حوله بسرعة لا يقدر على تحملها، ولم يكن ينصت لأصوات نزاع الرجال مع بعضهم، فكل واحد أظهر براعته في الصياح بخشونة، والجميع يتساءل عن أسباب هروب چيهان مع ذاك الفاسد الذي نهب شرف عائلتها منها، وكانت الفضيحة كأخبار المذياع في ليلة قاتمة.
لقد دمرت تاريخ الأسرة وتسببت في انهياره إلى الأبد، فكيف سينظر شوقي في أعين الناس بجرأة من بعدها؟ موقف بسيط أكد له ما يطوف في ذهنه، فتأكد أن ما يمر على قلبه ليس إحساسًا عابرًا، بل حقيقة ترغب في الرسوخ.
بعيدًا عن أجواء الصخب والشجارات المزعجة، عادت “چيهان” برفقة شاب يحمل عنها أجولة مملوءة بالطوب الأبيض الثقيل، رغبةً منها في صُنع فرن الطوب بدلًا من استخدام موقد الغاز، وكان الشاب معينًا لها، يسير بجوارها لكن باحترام، فتجلّت عليه مظاهر أبناء الحضر المتسمين بالشهامة، وحينما اقتربا من الدار، وجدت رمزي في انتظارها، حيث يحجب الأضواء بقامته الفارعة، يترصّدها كتنين مجنّح ينفخ النيران من حوله، حتى وصلت وشكرت الشاب بابتسامة، فقالت:
_شكرًا، تعبتك معايا أوي….
وتابعت لرمزي ببسمة خفيفة:
_ده سليمان شغال في القهوة اللي جنب المحجر، ابن ناس ومحترم أصر إنه يشيل عني الطوب لما لقاه تقيل.
لكن قبل أن يردّ سليمان بابتسامة، انقضّ عليه “رمزي” متشبثًا بثيابه بكل قسوة، وكأنه يريد أن يفرغ فيه كبت سنواته بطريقته الخاصة. انهال عليه بوَطآت لا تعرف الرحمة، كأنه يخبره بالفعل عن حجم الكارثة التي ارتكبها حين توهّم أنه الفارس الجَسُور في عيني چيهان.
تلقّى سليمان ضرباتٍ عنيفة في وجهه ورأسه وسائر جسده، وخرجت منه الآهات وهو يستغيث بالناس، لعلّ أحدهم يبعد عنه هذا الإنسان الذي فقد صوابه ولم يعد يراجع تصرفاته الطائشة. أما چيهان، فقد أخذت تعول بأعلى صوتها، تبعد الحجارة من طريقها لتسرع نحو الشاب المسكين وتنقذه من قبضة رمزي. حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تباعد بينهما، لكن محاولاتها باءت بالفشل. وبعد دقائق من شحنة الغضب، تركه رمزي غارقًا في دماء أنفه وفمه، ولم يكتفِ بذلك، بل قذفه بالحجارة، صارخًا:
_هندمك ندم عمرك كله، وهتجيلي تبوس إيدي ورجلي مش هرحمك، وهتشوف وهتقول إني قولت!
زر الذهاب إلى الأعلى