روايات رومانسية
رواية لن يشفي الجرح ( بين العشق والنيران ) الفصل الثاني عشر 12 بقلم شاهندة

رواية لن يشفي الجرح ( بين العشق والنيران ) الفصل الثاني عشر 12 بقلم شاهندة
الفصل الثاني عشر
_________ سَبـْــع شِــداد ___________
حالة طوارئ أصبحت تعيشها (ييفيا), تفاقم الوضع ، فأقفلت المحلات، وأقفلت المدرسة ، واختفى الناس من الشوارع ، فلا يتعدى وجودهم بعض أمتار من مساكنهم ، أيام شِِداد تعيشها البلدة ، اشتدّت فيها حاجة هؤلاء إلى
كل شيء ، الأكل والشرب والنوم ..وأهم شيء الحرية والسلام على أرضهم !
مرت بعض الليالي الهادئة إلا من هرج الجنود أثناء تجولهم سواء بسياراتهم أو على الأحصنة ، وتلك الصافرات التي يطلقونها من أجل حضر التجول ..
الليلة المنتظرة ! ليلة إستلام الأسلحة والذخيرة
كان ( سيرجيو) قد رتب كل شيء ، تسلل هو ورجاله الموثوقين إلى المكان الذي اتفق عليه مع الموردين ، فكان معه ( بارتولوميو ، كوريو ، موريه ، وخوسيه ) بالإضافة إلى بعض
الشباب الأقوياء من بينهم ( ميغيل ) ..
الجو حار لا يلطفه سوى بعض النسيم البحري الذي ينفح كل فترة …
المخاطرة كبيرة في هذا الوقت ، ومخيمهم بلا زعيم لكنه مشدد الحراسة إلى حين عودتهم ..
بعد لحظات استلم( الروم) ماجاءوا لإستلامه ، حملوه بصناديق خشبية ، لم يكن عدد البنادق كبير فلم يتجاوز أربعمائة بندقية آلية ، كانت موزعة بين أربعة صناديق يتعاون على حملها رجلان ، أما الذخيرة فكانت في عشرة صناديق كبيرة ثقيلة ، فكانت تمثل لهم مشكلة في حملها
فكان عددهم لا يتجاوز عشرين شخص ، وأن ينقلوها على مرتين مخاطرة كبيرة لن يستطيعوا الإقدام عليها ،
تكومت الصناديق أمامهم ، احتار الزعيم في أمره وراح يحوم كأنه يفكر :
_ ماذا ستفعل بهذه الورطة الآن ؟
ساد الصمت للحظات ومن ثم تقدم (بارتولوميو) كأنه يتفقد الصناديق ، حاول رفع صندوقا من صناديق البنادق ووضعه فوق احد صناديق الذخيرة ثم قال:
_ ميغيل ! ساعدني بنيّ!
حمل الإثنين الصندوقين ،فمال الذي بالاعلى فكاد يسقط لولا سرعتهما في وضعهما أرضا بالوقت المناسب ..
_ أحزمتكم ياقوم !
وأشار إليهم بيده ..
ليقول (كوريو )ببلاهة:
_ الأحزمة !
قال:
_ نعم ! الأحزمة ! سنثبت بها الصندوقين فوق بعضهما ، وهكذا نستطيع حملهما دون أن يقعا
ستكون أربعة صناديق مزدوجة والستة الباقية منفردة وهكذا سيكون العدد يتطابق علينا ونستطيع نقلها دفعة واحدة ، وبما أن الشباب أشد قوة منا هم من سيتولون حمل الصناديق المزدوجة بالتناوب ، ولكن قبل كل هذا سيأخذ كل واحد منّا بندقية مُلقمة تحسبا لأي طاريء،
من كل صندوق سنأخذ خمسة !
( روبيرتو..استيفان..) اخرجا الأسلحة ولقماها بحذر ،( ميغيل ..رودريغو ) ساعداني في ربط الأحزمة …
دقائق قليلة وأصبحوا جاهزين للتحرك ، مجدوا الآلهة وتحركوا في الطريق الخلفية الوعرة نحو مخيمهم فطلب منهم الزعيم السير بتأني حتى لو كلفهم ذلك ليلة كاملة للوصول …
رهبة الليل ..وحرارة الجو ، والعرق الذي يغرق الأجساد يزيدهم عزيمة ، كانوا يتحركون بصمت ثقيل تحت ضوء القمر الذي ينير المكان ، وفجأة وصل مسامعهم صوت هدير محرك سيارة ، تشتت إنتباههم و التفتوا حول المكان للبحث عن أي شيء يتوارون خلفه..
أشار (خوسيه ) إلى بعض الأشجار المقطوعة المكومة بجانب الطريق ، لكنها تبعد بعض أمتار
والصوت يقترب أكثر فأكثر ، لكنهم هرولوا بكل طاقتهم نحوها ..
كانت دورية من الجنود الثمالى يجوبون المكان
بصخب في سيارتهم ، وبالرغم من ذلك لمحوا ظلال أطيافا متحركة في الظلام ، توقفت السيارة فجأة وقال السائق لرفاقه:
_ هناك شيء ما ! لقد رأيت حركة خلف تلك الأشجار ..
استرجل خمستهم من السيارة وأشهروا مسدساتهم ..قال احدهم:
_ من هناك ؟ سأطلق النار إن لم تظهر وتعرف عن نفسك ! وقبل أن يقول لاحد جنوده
” أطلق صافرة الدعم “
كان (ميغيل) قد ظهر من أحد جوانب مخبأهم ورفع يديه وقال :
_ أنا حطاب فحسب !
لينهال البقية عليهم من الجانب الآخر بعد أن تشتت إنتباههم مع( ميغيل ) رميا بالرصاص إلى أن أردوهم جميعا ، وفروا مسرعين قبل أن تأتي الدورية الآخرى على صوت الطلق …
وصلوا إلى المخيم بشق الأنفس ، وترامو على الأرض منهكين ، أسرعت نحوهم( لويندا) تسقيهم الشاي الذي أعدته من أجلهم :
_ عمل الرجال قد إكتمل !
وطلبت من الحراس التجمع سريعا مستطردة:
_ لقموا الأسلحة بسرعة !
أيتها النسوة تقدمن لتأخذن نصيبكن ، وخبئنه كما أوصيتكن ! صباح غد غائم ، ستحوم فوقنا سحب الغيث المغتاظة فلا تمطر ، ولا تدع ضياء الشمس ينفذ إلينا …
بسرعة ! فهم قادمون كالإعصار !
تدفق الأدرينالين بعروقهم فأصبحوا يعملون بهمة عالية وفي أقل من ساعة إنصرف الجميع إلى خيامهم كأن شيء لم يكن ، ليمر ماتبقى من الليلة بهدوء …
*****
في إستفار ..
مرت ثلاث ليال على (داميان) وهو لايزال يصارع سقمه وبجاوره كل من إبنه وخادماه ،
كان ينتقل (جيوم ) بين البيت والثكنة بشكل دوري ، كان على تواصل مع الجنرالات الذين وقفوا مكتوفي الأيدي في غياب قائدهم قليلي الحيلة ، كانوا يزودونه بكل المستجدات في تقارير مفصلة ، لقد ضيق عليهم الإسبانيون الخناق بعد وضع قاعدتهم العسكرية ب ( ييفيا)
فأصبح طلبهم للدعم شبه مستحيل ،عليهم التفكير بطريقة أخرى غير متوقعة لضرب وتفريق شمل عدوهم ..
لم يهتم ( جيوم ) كثيرا للأمر ، بل وجد فيه خيرا على الأقل ستكون هدنة مؤقتة لحين معافاة والده ، كل ماكان ينتابه من القلق كان على سكان( ييفيا) ..
سكان (ييفيا )؟! …مخيم الغجر ؟!( لويندا) ؟!
( إيستاف) ؟…كان قلقه عليها يشغل تفكير ، حين يشتدّ به الضيق يجلس أمام زهرته البرية يضعها أمامه على الطاولة ..
يسألها عن حالها ، ويخبرها عن حاله ..
يعتذر منها مئات المرات ..
يتبادل معها حديث شيق ..
يضحك من خفة ظلها وبرائتها ..
يتعجب من منطقها ومنظورها للحياة..
يطلب منها الإعتناء بنفسها …
وحين لايزيده الحديث إلا مرارة يعيدها إلى الشرفة ويعيد الإعتذار إليها وينصرف ..
*****
أشرقت الشمس باكرا ، وإشتدّ قيظها باكرا، فبدأ النهار باكرا ، ضجة كبيرة قلبت ( ييفيا ) رأسا على عقب ، أجراس الكنيسة تتعالى ،تصاحبها صافرات الطواريء ،وهدير المحركات ..
هناك خمس جثث لأكفء الضباط غارقة في دمائها تحوم حولها الغربان والنسور والصقور ، هناك من تجرأ وقام بقتلهم ، أخذ الجنود جثث قادتهم إلى المعسكر ، وبدأت دوريات التفتيش قبل إلصاق التهمة في الفرنسيين ، من المؤكد القتلة جواسيس لفرنسا وسيتم حرقهم أحياء
اولئك الأوغاد! ..
شهدت البلدة حركة كبيرة سيارات وأحصنة وجنود بكل مكان ..بكل شارع ..بكل بيت ! راحوا يفتشون عن أي شيء يدين أي أحد ، امتد سطوهم ليصلوا إلى مخيم الغجر فدخلوه
أشتاتا يفزعون الأطفال ، ويطلقون طلقات عشوائية بالسماء …
تجمع رجال القبيلة جميعا بقلب صلب لرجل واحد ، وكذلك النسوة لا تظهر على ملامحهن سوى القوة والبرود مما أخبت لذة الترهيب في قلوب الجنود الإسبانيين ، فتشوا جميع الخيم والاسطبلات أيضا ، فلم يجد شيء وانصرفوا خالييّ الوفاض ..
ابتسم الروم بانتصار يلعنون أولئك الجنود الذين
انتهكوا حرمة مخيمهم في وضح النهار ، لو كان الوضع مختلفا لأردوهم في أرضهم ..
***
سبع شداد تمرٌ على البلدة ، لسبعة أيام كاملة تعيش بحصار تام ليلا نهارا ، يفتشون كل شخص يمشي في الشارع أو يحاول كسب رزقه
سبع شداد ، تضاعف فيها الحقد ، واشتعلت نيران الكراهية بين سكان البلدة وهذا المحتل ،
لطالما كانت( ييفيا) بعيدة عن أية أطماع ، وقعت الآن بين ثوران هائجان أعمتهما حمرة الدماء ..
*****
بدأ الجنرال (داميان) في التحسن ، أصبح يستفيق من حين لآخر ، أصبح يشعر بما حوله ،
يسمع الأصوات ويجيب أحيانا على إبنه أو (تونيا) إذا ما سألاه عن حاله ..
كان جنرالاته على دراية بما يحدث في (ييفيا) لكنهم لا يستطيعون المخاطرة بدون أوامر قائدهم ، وصل بطش الإسبان إلى منع السكان من دخول الكنيسة ، والتحرش بالنساء ، وتجنيد الشباب رغما عنهم أو قتلهم إذا إعترضوا ..
إهتاج سكان( ييفيا) وخرجوا في مظاهرات بقيادة الأب( فابيان) ، حركة كبيرة طغت على الشوارع ، سئم الشعب من العيش في الخوف والظلم ومنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم ، كانوا مسالمين لأطول فترة ممكنة ..
لم يتدخل (الروم ) في هذه الإحتجاجات واكتفوا بلإهتمام بشؤونهم فحسب ،
استمرت الإحتجاجات يومان كاملان ، رفع فيها السكان شعاراتهم برفض بقاء الجنود على أرضهم ، ارتفعت أصوات الانقلاب يطالبون بخروج الدخلاء من بلدتهم ، استمر الوضع في سلمية لمدة يومان لينقلب عليهم الجنود ، فهاجموهم ، قتلوا ماقتلوا ، وأسروا ما آسروا ، وانفض التظاهر بصعوبة كبيرة ، كان الأهالي مستعدين للتصدي بكل طاقتهم يحاربون الشدة في كل شيء ومن كل شيء …
هدأت المدينة بعد ثلاثة أيام وارتدت أسود الحداد ..
انشغلت( لويندا وإيستاف) في معالجة المصابين في مستوصف الكنيسة بطلب من الأب (فابيان) مع مجموعة من الراهبات وطالبات الطب والممرضات ، كانت الأوضاع كارثية ، عجز كبير في الأدوية والمصابين كثر ، أعشاب( لويندا) وعقاقيرها التي تستخدمها لا تكفي هؤلاء …
******
وصلت اخبار الإحتجاجات والأزمة الواقعة (بييفيا) إلى ( جيوم ) فامتطى حصانه كالمجنون يتوجه إلى هناك ،ضاربا عرض الحائط كل الإحتمالات التي يمكن أن تجعل منه يقتل أو يقع أسيرا في يد الأعداء ، لحق به (بيير) بالسيارة يحاول ردعه لكنه لم يبالي بشيء ،واصل طريقه إلى أن دخل حدود( ييفيا)
استرجل من فوق حصانه وربطه إلى جذع الشجرة كما توقف صديقه أيضا ..
_ سأتسلل إلى الداخل مشيا ! إنتظرني هنا (بيير) ! لا أريدك أن تتعرض للخطر بسببي ، إن لم أعد قبل حلول الظلام عد إلى( إستفار ) !
قال(بيير):
_ (جيوووم ) !! انتظر…
ركض جيوم ولم يترك له فرصة لمنعه ، سار في الطرقات بتحفظ يتخفى بين الأشجار أو الصخور كلما شعر بحركة تقترب من بعيد ، كان الحصار على البلدة مشددا والجنود يمرون باستمرار بشكل دوريات ، كان من الصعب جدا عليه التوغل أكثر في عمق البلدة ومخيم الغجر في آخرها ،فلا بدّ له أن يقوم بالمخاطرة …
الأمر أشبه بأن تدخل إلى عرين الأسود الجائعة وأنت بكامل عقلك ! راودته فكرة، لكنها كانت جديرة بالمجازفة ، البيوت كانت متلاصقة جنبا إلى جنب إلى غاية نهاية الشارع ، ومايميزها أنها كلها بذات الإرتفاع ،أي يمكنه تسلق هذا البيت الذي أمامه الآن والقفز من سطح إلى آخر إلى نهايتها ، الجنود يتجولون في الشوارع لا يظنهم سيهتمون بالنظر إلى الأعلى ، مايهمهم هو إلقاء القبض على المتمردين أي يركزون على الشوارع والزقاق غير مبالين بالأسطح ..
باشر في أداء مهمته الشاقة وبخفة راحة يقفز من سطح إلى سطح إلى آخر بيت ، ثم تسلل إلى الجانب الخلفي وراح يتسلل في الطرقات كاللص إلى أن وصل إلى مخيم الغجر ، فلف نصف قطر خلفه إلى أن وصل إلى خيمة (لويندا) فك دعائمها ودخل للغرفة السرية ، فوجد كل من ( لولان و لاتويا) تقومان بصنع الأدوية ، بدق وغليّ كم هائل من الأعشاب والزيوت ، انتفضت الفتاتين إثر رؤيته وأصيبتا
بصدمة من أثر دخوله فجأة، لم يترك لهما الوقت للأسئلة ..
_( إيستاف )! هل ..هل هي بخير ؟ أين هي ..؟
ارتدت ( لاتويا ) قناع البرود وقالت وهي تواصل عملها قائلة:
_ بما يهمك أمرها أيها الغريب ؟ ارحل من هنا !
كنت مصاب وتمّ معالجتك ، قمنا بعملنا ، وقمت بعملك ، لا شيء يربطك بنا ! لا شيء يربطك بإيستاف ! لقد تسببت لنا بالعقاب ورحلت حتى من دون شكرنا !
شعر ( جيوم ) بخجل شديد من كلام (لاتويا)..فقال:
_ أعتذر لكما ! أعلم أنني أخطأت في حقكن جميعا ، حتى إعتذاري هذا لن يكون كاف ، لكن كانت لي أسباب قاهرة جعلتني أرحل دون أن ألتفت لشيء ، أرجوكما ! أريد التحدث مع (إيستاف ) لدقيقة حتى !
شعرت( لولان ) أنه صادق ..فقالت:
_ (إيستاف) بمستوصف الكنيسة ! لكنك …! لن يسمح لك بدخول المستوصف ، يمكنك الدخول إلى الكنيسة وهناك أطلب من أحدهم أن يستدعيها من أجلك ، مَثِل أنك مصاب وهي من كانت تعالجك وتريد إستشارتها !
أمسك بيد (لولان )وقبلها ..قائلا:
_ أنا ممتن حقا لكما !
حاول الاقتراب من( لاتويا) لكنها أشارت له أن يبتعد ، فأرسل لها قبلة في الهواء وهو يبتسم ، ثم خرج من حيث دخل …
كان التسلق والقفز على البيوت للوصول إلى الكنيسة أمر شاق بالفعل ، لكن دافعه كان يمده بالقوة لفعل ذلك ..
______
بيت الرب ! حيث يلتقي الآثمون والتائبون ، بيت الرب يفتح ذراعيه ليستقبل الجميع ..
كانت (إيستاف وامادا) تشعلان الشموع ،ثم جلستا أمام المذبح تتلوان صلواتهما بتضرع ..
ما إن دخل جيوم الكنيسة حتى شعر بسكون غامض يلفه ، كأنه يتواجد بأأمن مكان على الأرض ، حيث السلام والنور ..
وقع بصره على( إيستاف) فعرفها ، جلس على أحد المقاعد متخفيا حين رآى إحداهن ترافقها..
استقامة (إيستاف) وسارت نحو الجانب الآخر من الكنيسة حيث غرف الإعتراف ..
دخلت الغرفة وجلست صامتة لبعض الوقت، ليصلها صوته، فعرفته …
قال:
_ كنت قد تذكرت ! لذا رحلت …
قالت:
_من أنت ؟
قال:
_ العدو !
قالت:
_ ولما عدت ؟
قال:
_لأنني هزمت وخسرت هنا !
قالت:
_هكذا هي الحرب أيها الغريب ! لن يكون النصر حليفك دائما ..
قال:
_ لكنني لم أخضها بعد ..
قالت:
_ وخسرتها قبل أن تفعل ! يالك من عدو ضعيف !
قال:
_ آسف !
قالت:
_ علامَ ؟
قال:
_ على رحيلي بهذا الشكل ..
قالت:
_ لا تعتذر ! الأعداء لا يفعلون ، يدمرون كل شيء، يخلفون ورائهم خرابا وألما وشدائد لا تنفرج ..
قال:
_ ( داميان جلير ) ! أنا إبنه !
قالت:
_ هل تشعر بالخزي من كونك سليله ؟
قال :
_ الخزي ؟! إنه والدي ! الخزي الذي أشعر به هو أنني لا أستطيع جعله يعدل عما يفعله !
أنا ضد أفعاله وليس شخصه ..
قالت:
_ نحن لا نختار أهلنا ، ولا نستطيع تغيير أفكارهم ومشيئاتهم ، نحن لا نختار أن نكون أخيارا أو أشرار ، إنها مشيئة الرب !
كونك إبن العدو لا يجعلك عدوا إلا إذا شاركته مجازره ، وإن رفضت ذلك فإنك ترفض إنتمائك إليه …
قال:
_ أشعر بالحيرة ! كنت أظن أن حقيقتي ستغضبك !
قالت:
_ لا لم أغضب ، لكنني شعرت بالخذلان ، كان بإمكانك القول بأنك سترحل ، لقد كنت غريبا بأي حال ..
قال:
_ ظننتك ستكرهينني لمجرد أنني إبن والدي !
قالت:
_ لا أكرهك !
قال:
_ إذن تحبينني !
عاد الصمت من جديد يلف المكان ، حتى قطعه جيوم بقوله :
_ لم أشعر بهذه الألفة مع أحدهم منذ وفاة والدتي ! أشعر أنك عالمي الخاص البعيد عن صخب الكراهية ، عن مخالب الأحقاد ، وعن رائحة دم الضعفاء ، أنت سلامي ..لم أشعر بهذا السكون الذي أشعر به الآن منذ الكثير ..
أنا أحبك ( إيستاف) ! وسأحارب من أجلك ..
قالت:
_إذن ستكون أشد وحشية من القائد الأعلى !
قال:
_ وإن يكن مادمت سأحظى بك !
ابتسمت (إيستاف) حتى سمعها بوضوح ..وهي تقول:
_ ستخسر إذا ! الحب ليس حربا للإمتلاك ، إن أردت أن أكون لك كن مسالما ، حافظ على مبادئك التي أعرفها ، أنا على يقين من روحك الطاهرة ، لا تلوثها بالأطماع ..حتى وإن كنت أنا
أكبر أطماعك !
اعتني بنفسك أيها الغريب ! غادر الآن ستتكاثف الدوريات بعد وقت قليل من الآن ..
قال:
_ إذن سيكون عشقا بين الأرواح لا ملكية فيه ولا حرب ، سيكون مسالما لكنه سيفتك بنا !
قالت:
_ لتكن مشيئة الرب إذن !
_________ سَبـْــع شِــداد ___________
حالة طوارئ أصبحت تعيشها (ييفيا), تفاقم الوضع ، فأقفلت المحلات، وأقفلت المدرسة ، واختفى الناس من الشوارع ، فلا يتعدى وجودهم بعض أمتار من مساكنهم ، أيام شِِداد تعيشها البلدة ، اشتدّت فيها حاجة هؤلاء إلى
كل شيء ، الأكل والشرب والنوم ..وأهم شيء الحرية والسلام على أرضهم !
مرت بعض الليالي الهادئة إلا من هرج الجنود أثناء تجولهم سواء بسياراتهم أو على الأحصنة ، وتلك الصافرات التي يطلقونها من أجل حضر التجول ..
الليلة المنتظرة ! ليلة إستلام الأسلحة والذخيرة
كان ( سيرجيو) قد رتب كل شيء ، تسلل هو ورجاله الموثوقين إلى المكان الذي اتفق عليه مع الموردين ، فكان معه ( بارتولوميو ، كوريو ، موريه ، وخوسيه ) بالإضافة إلى بعض
الشباب الأقوياء من بينهم ( ميغيل ) ..
الجو حار لا يلطفه سوى بعض النسيم البحري الذي ينفح كل فترة …
المخاطرة كبيرة في هذا الوقت ، ومخيمهم بلا زعيم لكنه مشدد الحراسة إلى حين عودتهم ..
بعد لحظات استلم( الروم) ماجاءوا لإستلامه ، حملوه بصناديق خشبية ، لم يكن عدد البنادق كبير فلم يتجاوز أربعمائة بندقية آلية ، كانت موزعة بين أربعة صناديق يتعاون على حملها رجلان ، أما الذخيرة فكانت في عشرة صناديق كبيرة ثقيلة ، فكانت تمثل لهم مشكلة في حملها
فكان عددهم لا يتجاوز عشرين شخص ، وأن ينقلوها على مرتين مخاطرة كبيرة لن يستطيعوا الإقدام عليها ،
تكومت الصناديق أمامهم ، احتار الزعيم في أمره وراح يحوم كأنه يفكر :
_ ماذا ستفعل بهذه الورطة الآن ؟
ساد الصمت للحظات ومن ثم تقدم (بارتولوميو) كأنه يتفقد الصناديق ، حاول رفع صندوقا من صناديق البنادق ووضعه فوق احد صناديق الذخيرة ثم قال:
_ ميغيل ! ساعدني بنيّ!
حمل الإثنين الصندوقين ،فمال الذي بالاعلى فكاد يسقط لولا سرعتهما في وضعهما أرضا بالوقت المناسب ..
_ أحزمتكم ياقوم !
وأشار إليهم بيده ..
ليقول (كوريو )ببلاهة:
_ الأحزمة !
قال:
_ نعم ! الأحزمة ! سنثبت بها الصندوقين فوق بعضهما ، وهكذا نستطيع حملهما دون أن يقعا
ستكون أربعة صناديق مزدوجة والستة الباقية منفردة وهكذا سيكون العدد يتطابق علينا ونستطيع نقلها دفعة واحدة ، وبما أن الشباب أشد قوة منا هم من سيتولون حمل الصناديق المزدوجة بالتناوب ، ولكن قبل كل هذا سيأخذ كل واحد منّا بندقية مُلقمة تحسبا لأي طاريء،
من كل صندوق سنأخذ خمسة !
( روبيرتو..استيفان..) اخرجا الأسلحة ولقماها بحذر ،( ميغيل ..رودريغو ) ساعداني في ربط الأحزمة …
دقائق قليلة وأصبحوا جاهزين للتحرك ، مجدوا الآلهة وتحركوا في الطريق الخلفية الوعرة نحو مخيمهم فطلب منهم الزعيم السير بتأني حتى لو كلفهم ذلك ليلة كاملة للوصول …
رهبة الليل ..وحرارة الجو ، والعرق الذي يغرق الأجساد يزيدهم عزيمة ، كانوا يتحركون بصمت ثقيل تحت ضوء القمر الذي ينير المكان ، وفجأة وصل مسامعهم صوت هدير محرك سيارة ، تشتت إنتباههم و التفتوا حول المكان للبحث عن أي شيء يتوارون خلفه..
أشار (خوسيه ) إلى بعض الأشجار المقطوعة المكومة بجانب الطريق ، لكنها تبعد بعض أمتار
والصوت يقترب أكثر فأكثر ، لكنهم هرولوا بكل طاقتهم نحوها ..
كانت دورية من الجنود الثمالى يجوبون المكان
بصخب في سيارتهم ، وبالرغم من ذلك لمحوا ظلال أطيافا متحركة في الظلام ، توقفت السيارة فجأة وقال السائق لرفاقه:
_ هناك شيء ما ! لقد رأيت حركة خلف تلك الأشجار ..
استرجل خمستهم من السيارة وأشهروا مسدساتهم ..قال احدهم:
_ من هناك ؟ سأطلق النار إن لم تظهر وتعرف عن نفسك ! وقبل أن يقول لاحد جنوده
” أطلق صافرة الدعم “
كان (ميغيل) قد ظهر من أحد جوانب مخبأهم ورفع يديه وقال :
_ أنا حطاب فحسب !
لينهال البقية عليهم من الجانب الآخر بعد أن تشتت إنتباههم مع( ميغيل ) رميا بالرصاص إلى أن أردوهم جميعا ، وفروا مسرعين قبل أن تأتي الدورية الآخرى على صوت الطلق …
وصلوا إلى المخيم بشق الأنفس ، وترامو على الأرض منهكين ، أسرعت نحوهم( لويندا) تسقيهم الشاي الذي أعدته من أجلهم :
_ عمل الرجال قد إكتمل !
وطلبت من الحراس التجمع سريعا مستطردة:
_ لقموا الأسلحة بسرعة !
أيتها النسوة تقدمن لتأخذن نصيبكن ، وخبئنه كما أوصيتكن ! صباح غد غائم ، ستحوم فوقنا سحب الغيث المغتاظة فلا تمطر ، ولا تدع ضياء الشمس ينفذ إلينا …
بسرعة ! فهم قادمون كالإعصار !
تدفق الأدرينالين بعروقهم فأصبحوا يعملون بهمة عالية وفي أقل من ساعة إنصرف الجميع إلى خيامهم كأن شيء لم يكن ، ليمر ماتبقى من الليلة بهدوء …
*****
في إستفار ..
مرت ثلاث ليال على (داميان) وهو لايزال يصارع سقمه وبجاوره كل من إبنه وخادماه ،
كان ينتقل (جيوم ) بين البيت والثكنة بشكل دوري ، كان على تواصل مع الجنرالات الذين وقفوا مكتوفي الأيدي في غياب قائدهم قليلي الحيلة ، كانوا يزودونه بكل المستجدات في تقارير مفصلة ، لقد ضيق عليهم الإسبانيون الخناق بعد وضع قاعدتهم العسكرية ب ( ييفيا)
فأصبح طلبهم للدعم شبه مستحيل ،عليهم التفكير بطريقة أخرى غير متوقعة لضرب وتفريق شمل عدوهم ..
لم يهتم ( جيوم ) كثيرا للأمر ، بل وجد فيه خيرا على الأقل ستكون هدنة مؤقتة لحين معافاة والده ، كل ماكان ينتابه من القلق كان على سكان( ييفيا) ..
سكان (ييفيا )؟! …مخيم الغجر ؟!( لويندا) ؟!
( إيستاف) ؟…كان قلقه عليها يشغل تفكير ، حين يشتدّ به الضيق يجلس أمام زهرته البرية يضعها أمامه على الطاولة ..
يسألها عن حالها ، ويخبرها عن حاله ..
يعتذر منها مئات المرات ..
يتبادل معها حديث شيق ..
يضحك من خفة ظلها وبرائتها ..
يتعجب من منطقها ومنظورها للحياة..
يطلب منها الإعتناء بنفسها …
وحين لايزيده الحديث إلا مرارة يعيدها إلى الشرفة ويعيد الإعتذار إليها وينصرف ..
*****
أشرقت الشمس باكرا ، وإشتدّ قيظها باكرا، فبدأ النهار باكرا ، ضجة كبيرة قلبت ( ييفيا ) رأسا على عقب ، أجراس الكنيسة تتعالى ،تصاحبها صافرات الطواريء ،وهدير المحركات ..
هناك خمس جثث لأكفء الضباط غارقة في دمائها تحوم حولها الغربان والنسور والصقور ، هناك من تجرأ وقام بقتلهم ، أخذ الجنود جثث قادتهم إلى المعسكر ، وبدأت دوريات التفتيش قبل إلصاق التهمة في الفرنسيين ، من المؤكد القتلة جواسيس لفرنسا وسيتم حرقهم أحياء
اولئك الأوغاد! ..
شهدت البلدة حركة كبيرة سيارات وأحصنة وجنود بكل مكان ..بكل شارع ..بكل بيت ! راحوا يفتشون عن أي شيء يدين أي أحد ، امتد سطوهم ليصلوا إلى مخيم الغجر فدخلوه
أشتاتا يفزعون الأطفال ، ويطلقون طلقات عشوائية بالسماء …
تجمع رجال القبيلة جميعا بقلب صلب لرجل واحد ، وكذلك النسوة لا تظهر على ملامحهن سوى القوة والبرود مما أخبت لذة الترهيب في قلوب الجنود الإسبانيين ، فتشوا جميع الخيم والاسطبلات أيضا ، فلم يجد شيء وانصرفوا خالييّ الوفاض ..
ابتسم الروم بانتصار يلعنون أولئك الجنود الذين
انتهكوا حرمة مخيمهم في وضح النهار ، لو كان الوضع مختلفا لأردوهم في أرضهم ..
***
سبع شداد تمرٌ على البلدة ، لسبعة أيام كاملة تعيش بحصار تام ليلا نهارا ، يفتشون كل شخص يمشي في الشارع أو يحاول كسب رزقه
سبع شداد ، تضاعف فيها الحقد ، واشتعلت نيران الكراهية بين سكان البلدة وهذا المحتل ،
لطالما كانت( ييفيا) بعيدة عن أية أطماع ، وقعت الآن بين ثوران هائجان أعمتهما حمرة الدماء ..
*****
بدأ الجنرال (داميان) في التحسن ، أصبح يستفيق من حين لآخر ، أصبح يشعر بما حوله ،
يسمع الأصوات ويجيب أحيانا على إبنه أو (تونيا) إذا ما سألاه عن حاله ..
كان جنرالاته على دراية بما يحدث في (ييفيا) لكنهم لا يستطيعون المخاطرة بدون أوامر قائدهم ، وصل بطش الإسبان إلى منع السكان من دخول الكنيسة ، والتحرش بالنساء ، وتجنيد الشباب رغما عنهم أو قتلهم إذا إعترضوا ..
إهتاج سكان( ييفيا) وخرجوا في مظاهرات بقيادة الأب( فابيان) ، حركة كبيرة طغت على الشوارع ، سئم الشعب من العيش في الخوف والظلم ومنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم ، كانوا مسالمين لأطول فترة ممكنة ..
لم يتدخل (الروم ) في هذه الإحتجاجات واكتفوا بلإهتمام بشؤونهم فحسب ،
استمرت الإحتجاجات يومان كاملان ، رفع فيها السكان شعاراتهم برفض بقاء الجنود على أرضهم ، ارتفعت أصوات الانقلاب يطالبون بخروج الدخلاء من بلدتهم ، استمر الوضع في سلمية لمدة يومان لينقلب عليهم الجنود ، فهاجموهم ، قتلوا ماقتلوا ، وأسروا ما آسروا ، وانفض التظاهر بصعوبة كبيرة ، كان الأهالي مستعدين للتصدي بكل طاقتهم يحاربون الشدة في كل شيء ومن كل شيء …
هدأت المدينة بعد ثلاثة أيام وارتدت أسود الحداد ..
انشغلت( لويندا وإيستاف) في معالجة المصابين في مستوصف الكنيسة بطلب من الأب (فابيان) مع مجموعة من الراهبات وطالبات الطب والممرضات ، كانت الأوضاع كارثية ، عجز كبير في الأدوية والمصابين كثر ، أعشاب( لويندا) وعقاقيرها التي تستخدمها لا تكفي هؤلاء …
******
وصلت اخبار الإحتجاجات والأزمة الواقعة (بييفيا) إلى ( جيوم ) فامتطى حصانه كالمجنون يتوجه إلى هناك ،ضاربا عرض الحائط كل الإحتمالات التي يمكن أن تجعل منه يقتل أو يقع أسيرا في يد الأعداء ، لحق به (بيير) بالسيارة يحاول ردعه لكنه لم يبالي بشيء ،واصل طريقه إلى أن دخل حدود( ييفيا)
استرجل من فوق حصانه وربطه إلى جذع الشجرة كما توقف صديقه أيضا ..
_ سأتسلل إلى الداخل مشيا ! إنتظرني هنا (بيير) ! لا أريدك أن تتعرض للخطر بسببي ، إن لم أعد قبل حلول الظلام عد إلى( إستفار ) !
قال(بيير):
_ (جيوووم ) !! انتظر…
ركض جيوم ولم يترك له فرصة لمنعه ، سار في الطرقات بتحفظ يتخفى بين الأشجار أو الصخور كلما شعر بحركة تقترب من بعيد ، كان الحصار على البلدة مشددا والجنود يمرون باستمرار بشكل دوريات ، كان من الصعب جدا عليه التوغل أكثر في عمق البلدة ومخيم الغجر في آخرها ،فلا بدّ له أن يقوم بالمخاطرة …
الأمر أشبه بأن تدخل إلى عرين الأسود الجائعة وأنت بكامل عقلك ! راودته فكرة، لكنها كانت جديرة بالمجازفة ، البيوت كانت متلاصقة جنبا إلى جنب إلى غاية نهاية الشارع ، ومايميزها أنها كلها بذات الإرتفاع ،أي يمكنه تسلق هذا البيت الذي أمامه الآن والقفز من سطح إلى آخر إلى نهايتها ، الجنود يتجولون في الشوارع لا يظنهم سيهتمون بالنظر إلى الأعلى ، مايهمهم هو إلقاء القبض على المتمردين أي يركزون على الشوارع والزقاق غير مبالين بالأسطح ..
باشر في أداء مهمته الشاقة وبخفة راحة يقفز من سطح إلى سطح إلى آخر بيت ، ثم تسلل إلى الجانب الخلفي وراح يتسلل في الطرقات كاللص إلى أن وصل إلى مخيم الغجر ، فلف نصف قطر خلفه إلى أن وصل إلى خيمة (لويندا) فك دعائمها ودخل للغرفة السرية ، فوجد كل من ( لولان و لاتويا) تقومان بصنع الأدوية ، بدق وغليّ كم هائل من الأعشاب والزيوت ، انتفضت الفتاتين إثر رؤيته وأصيبتا
بصدمة من أثر دخوله فجأة، لم يترك لهما الوقت للأسئلة ..
_( إيستاف )! هل ..هل هي بخير ؟ أين هي ..؟
ارتدت ( لاتويا ) قناع البرود وقالت وهي تواصل عملها قائلة:
_ بما يهمك أمرها أيها الغريب ؟ ارحل من هنا !
كنت مصاب وتمّ معالجتك ، قمنا بعملنا ، وقمت بعملك ، لا شيء يربطك بنا ! لا شيء يربطك بإيستاف ! لقد تسببت لنا بالعقاب ورحلت حتى من دون شكرنا !
شعر ( جيوم ) بخجل شديد من كلام (لاتويا)..فقال:
_ أعتذر لكما ! أعلم أنني أخطأت في حقكن جميعا ، حتى إعتذاري هذا لن يكون كاف ، لكن كانت لي أسباب قاهرة جعلتني أرحل دون أن ألتفت لشيء ، أرجوكما ! أريد التحدث مع (إيستاف ) لدقيقة حتى !
شعرت( لولان ) أنه صادق ..فقالت:
_ (إيستاف) بمستوصف الكنيسة ! لكنك …! لن يسمح لك بدخول المستوصف ، يمكنك الدخول إلى الكنيسة وهناك أطلب من أحدهم أن يستدعيها من أجلك ، مَثِل أنك مصاب وهي من كانت تعالجك وتريد إستشارتها !
أمسك بيد (لولان )وقبلها ..قائلا:
_ أنا ممتن حقا لكما !
حاول الاقتراب من( لاتويا) لكنها أشارت له أن يبتعد ، فأرسل لها قبلة في الهواء وهو يبتسم ، ثم خرج من حيث دخل …
كان التسلق والقفز على البيوت للوصول إلى الكنيسة أمر شاق بالفعل ، لكن دافعه كان يمده بالقوة لفعل ذلك ..
______
بيت الرب ! حيث يلتقي الآثمون والتائبون ، بيت الرب يفتح ذراعيه ليستقبل الجميع ..
كانت (إيستاف وامادا) تشعلان الشموع ،ثم جلستا أمام المذبح تتلوان صلواتهما بتضرع ..
ما إن دخل جيوم الكنيسة حتى شعر بسكون غامض يلفه ، كأنه يتواجد بأأمن مكان على الأرض ، حيث السلام والنور ..
وقع بصره على( إيستاف) فعرفها ، جلس على أحد المقاعد متخفيا حين رآى إحداهن ترافقها..
استقامة (إيستاف) وسارت نحو الجانب الآخر من الكنيسة حيث غرف الإعتراف ..
دخلت الغرفة وجلست صامتة لبعض الوقت، ليصلها صوته، فعرفته …
قال:
_ كنت قد تذكرت ! لذا رحلت …
قالت:
_من أنت ؟
قال:
_ العدو !
قالت:
_ ولما عدت ؟
قال:
_لأنني هزمت وخسرت هنا !
قالت:
_هكذا هي الحرب أيها الغريب ! لن يكون النصر حليفك دائما ..
قال:
_ لكنني لم أخضها بعد ..
قالت:
_ وخسرتها قبل أن تفعل ! يالك من عدو ضعيف !
قال:
_ آسف !
قالت:
_ علامَ ؟
قال:
_ على رحيلي بهذا الشكل ..
قالت:
_ لا تعتذر ! الأعداء لا يفعلون ، يدمرون كل شيء، يخلفون ورائهم خرابا وألما وشدائد لا تنفرج ..
قال:
_ ( داميان جلير ) ! أنا إبنه !
قالت:
_ هل تشعر بالخزي من كونك سليله ؟
قال :
_ الخزي ؟! إنه والدي ! الخزي الذي أشعر به هو أنني لا أستطيع جعله يعدل عما يفعله !
أنا ضد أفعاله وليس شخصه ..
قالت:
_ نحن لا نختار أهلنا ، ولا نستطيع تغيير أفكارهم ومشيئاتهم ، نحن لا نختار أن نكون أخيارا أو أشرار ، إنها مشيئة الرب !
كونك إبن العدو لا يجعلك عدوا إلا إذا شاركته مجازره ، وإن رفضت ذلك فإنك ترفض إنتمائك إليه …
قال:
_ أشعر بالحيرة ! كنت أظن أن حقيقتي ستغضبك !
قالت:
_ لا لم أغضب ، لكنني شعرت بالخذلان ، كان بإمكانك القول بأنك سترحل ، لقد كنت غريبا بأي حال ..
قال:
_ ظننتك ستكرهينني لمجرد أنني إبن والدي !
قالت:
_ لا أكرهك !
قال:
_ إذن تحبينني !
عاد الصمت من جديد يلف المكان ، حتى قطعه جيوم بقوله :
_ لم أشعر بهذه الألفة مع أحدهم منذ وفاة والدتي ! أشعر أنك عالمي الخاص البعيد عن صخب الكراهية ، عن مخالب الأحقاد ، وعن رائحة دم الضعفاء ، أنت سلامي ..لم أشعر بهذا السكون الذي أشعر به الآن منذ الكثير ..
أنا أحبك ( إيستاف) ! وسأحارب من أجلك ..
قالت:
_إذن ستكون أشد وحشية من القائد الأعلى !
قال:
_ وإن يكن مادمت سأحظى بك !
ابتسمت (إيستاف) حتى سمعها بوضوح ..وهي تقول:
_ ستخسر إذا ! الحب ليس حربا للإمتلاك ، إن أردت أن أكون لك كن مسالما ، حافظ على مبادئك التي أعرفها ، أنا على يقين من روحك الطاهرة ، لا تلوثها بالأطماع ..حتى وإن كنت أنا
أكبر أطماعك !
اعتني بنفسك أيها الغريب ! غادر الآن ستتكاثف الدوريات بعد وقت قليل من الآن ..
قال:
_ إذن سيكون عشقا بين الأرواح لا ملكية فيه ولا حرب ، سيكون مسالما لكنه سيفتك بنا !
قالت:
_ لتكن مشيئة الرب إذن !

