روايات رومانسية
رواية حين تخذلني عيناك الفصل الخامس 5 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية حين تخذلني عيناك الفصل الخامس 5 بقلم هاجر عبدالحليم
….
كان الليل قد بسط عباءته السوداء فوق السماء، والهواء العليل يداعب أطراف الأشجار، حاملا معه وعدًا بمطر
قريب.
وقفت ليان عند باب منزلها، تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحتضن رعشة قلب تائه، وعيناها لا تزالان
تبحثان في عتمة الطريق عن نور تعرفه.
وما إن لمحت أضواء السيارة، حتى تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها بين الخوف والرجاء.
توقفت السيارة، وخرج منها قصي كأن الزمن استعجل خُطاه، ركض نحوها، وما إن وقف أمامها حتى بدت كأن
المسافة بينهما اختُصرت لعناق لا يُقال.
تأمل ملامحها التي طغى عليها الحزن، وخرج صوته حاملا كل قلقه
“كنت هموت من القلق عليكي يا ليان.”
ليان )بصوت مهزوز وعيون دامعة(:
“قلبي مربوط في الأرض يا قصي… روحي بتتسحب مني ومش قادرة أتحرك، رجلي بترتعش من كتر
الخوف.”
قصي:
“أنا شايلك جوا قلبي… واللي بيوجعك بيوجعني. ومش هسمح لحد يقربلك ولا حتى يلمس شعرة منك.
أنا بحبك… بحبك أوي يا ليان.”
ليان )بهمس ودموع تغلب صوتها(:
“أنا كل يوم بصحى على خوف… بخاف أنام وأصحى مش لاقية نفسي… بخاف أعيش اللي عاشته نيارا من
تاني.”
قصي:
“بس إنتي مش هي… وأنا مش فارس.
أنا هنا، ومش هخلي كابوس من الماضي ياخدك مني، ولا حتى يلمس نورك.”
ليان:
“هتفضل تحبني حتى لو موت؟”
قصي
“لو مشيتي… قلبي هيمشي معاكي.
بس بالله عليكي، متسيبنيش.
ووعد من قلبي لقلبك… هنفضل نحمي بعض لحد ما نفهم هما عايزين مننا إيه.”
سكنت الكلمات، وسكنت هي خطوة أقرب إليه، نظرت في عينيه وهمست:
ليان:
“أنا تعبت… بس وجودك بيهون كل حاجة.
خليك جنبي… متسبنيش.”
قصي: )بصوت ثابت ودافي(
“أنا مش ناوي أبعد.
إنتي أماني يا ليان… وإنتي الحياة اللي بستناها كل يوم.”
….
كانت ليان جالسة في الغرفة، تغرق في صمت الليل، حتى قررت أن تمسك بكتاب قديم كان موجودًا على
الطاولة أمامها. فتحته، ولكن بمجرد أن قلبت الصفحة الأولى، وقع نظرها على رسالة مكتوبة بخط غير مألوف:
“انقذي نفسك. أنا مقدرش. قصي هيروح في سكة فارس. احميه يا ليان، احميه.”
ليان صرخت فجأة، ويدها اهتزت بينما رمت الكتاب بعيدًا
ليان: “مش فاهمة… أنا مش فاااااهمة!”
كانت تصرخ، وترتعش بشدة، كما لو أن شيء ما كان يضغط على صدرها، يقيد حركتها.
…
تاني يوم
كان الليل يلف المكان بصمت ثقيل، وفي ركن من غرفة المعيشة جلس قصي أمام لوحته، يحاول أن يُفرغ ما
بداخله من شتات. أنامله أمسكت بالريشة، لكنها لم تعد طوع أمره.
فجأة، تحركت يده من تلقاء نفسها، كأن قوة خفية تقودها. الخطوط تشكلت سريعًا على الورق: رجل منهك،
رأسه منكس، يجلس في بار موحل، بينما في الخلفية تظهر امرأة تُحاصر من ثلاثة رجال. ملامحها تصرخ،
عيناها تطلب النجدة… والدماء على الأرض تشهد على جريمة لا تُغتفر.
شهق قصي بصوت مرتجف حين اكتملت اللوحة، ثم سمع الصوت خلفه، دافئًا وموجوعًا:
نيارا:
تفتكر اللوحة دي بتصرخ بوجع مين المرة دي يا قصي؟
استدار بسرعة، وعيناه تتسعان بالدهشة. وجدها تقف خلفه، متجسدة كطيف مألوف، تحمل الوجع في قسماتها.
قصي )بصوت مبحوح(:
مش أنا اللي رسمت دا! إيدي كانت بتتحرك لوحدها… نيارا! فهميني، دا معناه إيه؟!
نيارا )بهدوء وحزم(:
ليان في خطر دلوقتي… لازم تروحلها، حالًا .
إحساسك هيعرفك مكانها، بس ما تتأخرش… الوقت بيخلص، والقدر لازم يتحقق.
اقترب منها خطوة، لكن الهواء حوله تغير، وحين مد يده نحوها… اختفت كما ظهرت، بلا أثر.
تجمد في مكانه لحظة، ثم قفز واقفًا، يلهث، وقلبه يدق بعنف. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن شعورًا داخليًا
كان يجره بقوة… كما لو أن روحه تعرف الطريق
…..
كانت ليان تحت تأثير الرسالة الغامضة، وقلبها يدق بسرعة، وذهنها تائه.
لم تكن تدري لماذا، لكن شيئًا ما كان يُشعرها بضرورة الذهاب إلى قصي، كأن القدر يجرها إليه.
خرجت من بيتها، تمشي بسرعة، عيونها تبحث عن أي مارة في الشارع، لكن فجأة سمعت صوت بكاء طفلة
ضعيف ومؤلم، يتردد في الهواء.
اقتربت ليان بحذر، ثم رأتها، جالسة على الرصيف، عيناها مليئتان بالدموع، ويدها ترتجف بينما تشير إلى
مكان بعيد.
ليان: “إيه ياحبيتي، مالك؟”
الطفلة )بصوت خافت، ويدها تشير نحو البار(:
“الحقيني… ماما جوه… محبوسة… مش عارفة أخش.”
ليان )بتوتر(:
“طب استني، يمكن نلاقي شرطي يساعدنا؟”
الطفلة )باليأس(:
“لا… مفيش شرطة هنا… مفيش حد، بصي حواليكي! انتي الوحيدة اللي تقدري تساعديها… المكان هيتحرق !
هينفجر!”
نظرت ليان حولها، وكان الشارع خاليًا، كأنها كانت الوحيدة الحية في هذا العالم.
شعرت بشيء غريب يسحبها نحو البار، قدمها تتحرك رغم إرادتها، كان قلبها ينبض بشدة، كأن هناك خطر
يقترب.
ليان )بتنهيدة متوترة(:
“طيب، حاضر… استني هنا.”
لكن حين استدارت لتطمئن على الطفلة…
لم تجدها.
استبدلت الطفلة بهيئة نيارا، التي ظهرت أمامها، كأنها جزء من الظلام، عيونها تدمع، وأشعتها الخافتة تكاد
تلتهمها .
نيارا )بصوت متألم، وكأن الوجع يمزقها(:
“هنشوف… قصي هيقدر يوصلك ويحميكي منهم؟
ولا التاريخ هيفضل يعيد نفسه يا ليان؟
مش عايزة أصرخ… من جوه قلبي الميت، وأنا شايفة ليان بتمشي نفس الطريق اللي مشيته.
بس القدر عنيد… والروح لما تتكسر، لازم حد يصلحها
فارس… ماعرفش ينقذني. كان ضعيف، كان تايه…
لكن قصي… هو ممكن يقدر.
لو اختار الطريق الصح لو قدر يحميكي
يمكن أنا أرتاح، ويمكن هما يعيشوا.
أنا بدي لروحي فرصة جديدة…
مساعدتك يا ليان هو الطريق لنهاية صح… النهاية اللي أنا ماعرفتش أوصلها.
عشان كده… وديتك للمكان دا … نفس المكان اللي تأذيت فيه…
يلا يا قصي، روح… انقذها… ومتتأخرش زي ما هو اتأخر عني.”
ثم اختفت، تاركة خلفها فراغًا غامضًا، وصوت قلب ليان الذي كان ينبض بإيقاع مختلف تمامًا .
…
في داخل السيارة، كانت الأنوار لخافتة تومض وسط الظلام، والهواء داخل السيارة يبدو ثقيلا . كان قصي يقود
سيارته بسرعة، قلبيًا لا يعرف إلى أين يقوده، لكن إحساسًا غريبًا كان يضغط على صدره، وكأن شيء ما يتدفق
داخل روحه. وفجأة، شعر بشيء غريب يغزوه، وكأن شخصًا ما يجلس بجانبه، غير مرئي ولكن قوته واضحة.
ثم، في لحظة مفاجئة، روح فارس السكران تجسدت داخل قصي. كان فارس أمامه، لكنه لم يكن هو نفسه، بل
كان نسخة مشوهة من فارس الذي فقد السيطرة على نفسه بسبب السكر والإدمان. عينيه كانت غائبتين، وجهه
مشوه من الذنب والحزن، وأصابعه ترتجف كما لو أنه ما زال غارقًا في الماضي.
روح فارس )بصوت مشوش، يتخلله الإحساس بالإدمان(: “أنت مش هتقدر… مش هتقدر تنقذها… زي م
اقدرتش انا كمان. ليان مش هتكون ف امان مهما عملت…أنا ضيعت كل حاجة… مش هتقدر انت فاكر نفسك
مين انت انسان وسخ زيي بالظبط.”
قصي )بصوت متوتر، يحاول أن يتمالك نفسه(: “انا خلاص هبطل شرب مخدرات مش هحط سجاير ولا
حشيش ف بقي تاني اكيد لو فضلت كدا هتحول وابقي زيك انسان ضعيف بيجري ورا شهواته بيأذي اقرب الناس ليه”
روح فارس )يضحك ضحكة مجروحة، متسائلة(: ” انت هتشيل نفس الحمل ونفس الوجع ياقصي لأنك انت
نسخة مكررة مني انا جواك وهفضل طول عمري جواك!”
قصي )غاضبًا، يصر على المضي قدمًا(: “لا، مش هعيش زيك. مش هكرر نفس الغلط. أنا مش ههرب زيك
ورا الشرب والقرف اللي بسببه ضيعت حب عمرك منك.
فجأة، تحول الجو داخل السيارة، وبدأ جسد قصي يشعر بثقل، كأن روحه مغلولة بيد فارس السكران . لكنه قاوم،
محاولًا أن يتحرر من قبضته.
روح فارس )بصوت هادر، يتردد في أذنه(: “هتقف عاجز قصاد القدر انا لو كنت فايق كنت انقذتها لازم تعرف
شعوري عشان متغلطنيش”
ثم شعر قصي بشيء غير مرئي يعصف بجسده. شعر أن قدميه تتحرك بشكل غير إرادي، وهو لا يستطيع
إيقاف نفسه. كانت روح فارس تحاول السيطرة عليه، وكأنها تجره إلى الماضي المظلم، حيث لا أحد يستطيع
الخروج.
لكن، في لحظة ما، شعر قصي بشيء داخلي أكبر من كل هذه الظلال. كما لو أن روحه تفجرت بمقاومة جديدة،
تحررت من سيطرة فارس .
قصي )بصوت قوي، وهو يحاول التخلص من تأثير فارس(: ” لا، مش هخليك تمنعني. أنا مش فارس! أنا قصي
قصيييييي.”
اختفت روح فارس فجأة، وكأنها تبخرت في الهواء، تاركة قصي وحيدًا في السيارة، لكن إحساسه كان أقوى.
شعر بالحرارة تتدفق في جسده، كأن روحه تجد طريقها للحرية.
رغم ما حدث، كانت السيارة تندفع بسرعة نحو البار، وقلب قصي كان يتسارع مع كل ثانية. وهو يعلم أن
الوقت قد ضاع، ولكن قد تكون من لديه فرصة واحدة فقط.
….
دخلت ليان إلى البار، محاطة بالضباب الخفيف، وكأن الأجواء نفسها تراقب ما سيحدث . فور دخولها، وقعت
عيناها على ثلاثة رجال يتبادلوا الحديث بصوت منخفض، لكن سرعان ما توقفوا حين لمحوا وجودها.
الرجل الأول )مبتسمًا(: “إوعى، شايف البت الموزة دي؟”
الرجل الثاني )ممازحًا(: “صاروخ أرض جو، يا باشا .”
الرجل الثالث )بتعليق ساخر(: “لا، دا جسم مقسم، ومصروف عليه.”
ثم اقترب الرجل الأول منها، وهو يبتسم ابتسامة مشبوهة، قائلا : “إيه يا موزة، رايحة على فين؟”
ليان )بتوتر، وهي تحاول الحفاظ على هدوئها(: “أنا آسفة، جيت غلط .”
لكن بينما كانت تحاول الخروج، أمسك أحدهم بذراعها بقوة، مما جعلها ترتبك للحظة. بسرعة، قامت برفع يدها
وضربته بالقلم على وجهه، ثم ابتعدت عنه.
الرجل الثاني )يضحك، بينما عينه تلمع بسخرية(: “قطة شرسة! إحنا بنحب النوع ده أوي.”
…
كانت ليان تصرخ بأعلى صوتها، بينما الرجال الثلاثة بدأوا في محاولاتهم الشريرة. شعر جسدها بالضعف، لكن
روحها لم تستسلم.
ليان )بصوت متقطع، وهي ترفسهم(: “خرجوني!
الرجل الأول )بابتسامة خبيثة، وهو يحاول الإمساك بها(: “بس لما ناخد كيفنا منك، يا حلوة.”
أمسكوا بها أكثر، ورموها على الأرض بعنف، وأخذوا يقتربون منها، لكن ليان لم تستسلم . كانت تصرخ، وتدافع
عن نفسها بكل قوتها، لكن في لحظة من اللحظات، شعرت بشيء غريب، إحساس كما لو كان قد مر عليها من
قبل. كان كأنها تعيش هذا المشهد مرة أخرى، وأن هناك شيئًا في ذاكرتها يربطها بما يحدث الآن.
……
في تلك اللحظة، كان قصي قد وصل إلى البار، فتح الباب بعنف، وعينيه تبحث عن ليان، وعقله مشوش بما
حدث. وما أن دخل، حتى صدم بالمشهد الذي أمامه. ثلاثة رجال يحاولون اغتصاب ليان، وهي على الأرض،
تصرخ وتقاوم.
وهنا ييدا الصراع الحقيقي بين الماضي والحاضر
…..
ما إن لمحها قصي، حتى اندفع نحوها بكل جوارحه، وكأن شيئًا داخله كان يصرخ لينقذها، لكن قوى خفية،
قدرية، منعته من التقدم. ظهر فارس أمامه فجأة، وقف في وجهه، وابتسم ابتسامة مشوبة بالألم، ثم… توقف
الزمن. توقفت الأحداث من حولهما، وكأن المشهد بأكمله تجمد في لحظة غامضة.
قصي )بحدة(: اوعى من سكتي!
فارس )بهدوء مشوب بالغموض(: انت ليه بتتعامل معايا كإننا مش واحد؟
قصي )بعينين مشتعلتين(: عشان فعلا احنا مختلفين! أنا عمري ما اسمح لنفسي أكون زيك. زمان، نيارا
اتغتصبت، وانت ولا كان على بالك! سمعت صريخها، كانت بتنادي عليك، بتتوسل تنقذها… بس انت، كانت
شهواتك أهم.
فارس )نبرة صوته مزيج بين الحزن والتحدي(: احنا واحد يا قصي… بس خد بالك، أنا مش ضدك. بس لو
حابب تغير الواقع، مفيش حل غير إن العدالة تحصل. ولازم أشوف اللي فيا… فيك. اتهامك ليا باطل، مكنتش
في وعيي، وهي اللي جت برجليها للبار… للمكان ده.
)ينظر حوله ويشير بيده(
بص حواليك يا قصي… المكان ده مؤذي من زمان. بس ليان جت هنا عشان الذنب والظلم اللي نيارا شافته.
ليان بتشيله عشان تريحها، عشان هما مرتبطين ببعض.
وطالما شايف نفسك شجاع، وبتقول إنك تقدر تحميها… يبقى لازم تواجه القدر اللي أنا واجهته.
قصي )بصوت مخنوق(: جيتوا لحياتنا ليه؟ عايزين تبوظوها ليه ؟
فارس )بابتسامة هادئة تتلاشى ببطء(: انتو… أمنية نيارا.
انتو… أمنية نيارا.
انتو… أمنية نيارا.
ترددت الجملة في الأجواء، بصدى كأنه ارتطم بجدران القدر نفسه، وكأن لغزًا قديمًا قد تم حله. وفي أقل من
ثانية… اختفى قصي، ووجد نفسه واقفًا في نفس المكان، لكن كل شيء تغير، كأن الزمن عاد، لكن على هيئة
أخرى.
…
الماضي
وجد قصي نفسه واقفًا أمام البار، لا يدري كيف وصل إلى هناك، المكان غارق في ظلال الليل، والهواء يعبق
برائحة الخطيئة.
وفجأة… لمح نيارا .
كانت تجري، ملامحها مذعورة، ودخلت البار بخطوات مضطربة.
قصي )بصوت مختنق(:
“لااا نيارا! امشي ! متروحيش هناك، أرجوكي… ابعدي!”
انطلق يجري خلفها، دخل المكان، مد يده إليها… لكنها مرت من بين أنامله كأنها بخار، كأنها ظل، كأنها ليست
من هذا العالم. لم تشعر بوجوده، ولم تلتفت.
نظر حوله مذهولًا… ورآه.
فارس، جالس على الطاولة، رأسه منكس، غارق في سُكر قاتل، كأنه جثة تتنفس.
قصي )بيهزه بعنف( :
“فارس! قوم ! فوق يافارس ! نيارا هنا! فوق بقى!”
لم يتحرك فارس، كأن روحه تاهت في العدم .
اقتربت نيارا منه… عيناها تلمعان بالدموع، ويدها تمتد ترتجف فوق وجهه.
نيارا )بصرخة محروقة(:
“قوم بقى! فوق! حرام عليك اللي بتعمله في نفسك دا! قوم!”
لحظة واحدة… لحظة فقط كانت كافية لانهيار العالم .
ثلاثة رجال ظهروا فجأة من الظلام، شدو نيارا بعنف، وبدأوا يجذبونها بعيدًا وهي تقاوم وتصرخ بجنون.
نيارا )بتصرخ بصوت يمزق الصمت(:
“فاااااارس!! فاااااارس!! الحقني! لاااااااااا! أبعدوا عني! حرااااام عليكم!!”
كان صراخها يضرب جدران المكان، لكن فارس ظل صامتًا، رأسه ما زال منكسًا… ويداه مثقلتان بالذنب.
وقصي… واقف في المنتصف، بين الماضي والحقيقة، بين الذنب والخلاص.
..
وقف قصي، مشوشًا، عاجزًا عن فهم ما يحدث. عينيه لم تفارق المشهد المروع أمامه: نيارا تُغتصب، وهو
عاجز عن فعل أي شيء.
في لحظة مفاجئة، شعر بشيء غريب يطرأ عليه. جسده ارتعش، وصدره امتلأ بشعور بالذعر، كأن هناك قوة
خارقة تجذب روحه إلى فارس . في لحظة لم يكن يتوقعها، لمس جسد فارس، وكأن الروح التي كانت تسكنه
أصبحت متشابكة مع روحه. شعر فجأة أنه يمكنه أن يدخل في جسد فارس، وبالفعل تلبسه
فجأة، وبدون أي تحذير، انتقل إلي
الحاضر
، حيث وجد نفسه جالسًا في نفس المكان، ولكن بعينين مختلفتين،
وعيون ملبدة بالكحول والضياع. لم يعد هو، بل أصبح فارس، وعقله مملوء بالضباب .
ثم، جاء الصوت الذي أفزعه، كان صوت ليان، لكنه لم يكن الصوت الذي اعتاده.
ليان )بصوت مفعم بالألم(:
“قصيييي! الحقني يا قصي! خليهم يبعدوا عني!”
قصي نهض بعنف، محاولًا مقاومة الواقع الذي أدخله فيه فارس. همس لنفسه، وهو في حالة من التوهان:
قصي )بصوت مرتجف(:
“أنا قصي، مش فارس… أنا قصي، مش فارس…”
لكن جسمه تحرك تلقائيًا، وكأن الخوف والرحمة اجتمعوا فيه، فركض نحو الرجال الذين كانوا يحيطون بها.
بيدين ملتاعة، بدأ يضربهم، وكأنها الضربات الأولى التي أخذت من جسده ما أخذته، ولكن هذه المرة كانت
معركة على الحياة والموت.
الرجال الثلاثة لم يستطيعوا الصمود أمامه، سقطوا أرضًا واحدًا تلو الآخر، وكأنهم انتهوا فجأة.
حين نظر إلى ليان، وجدها تغطي نفسها، تحاول الحماية من العالم الذي كان قد حولها إلى فريسة . جرى إليها
بأقصى سرعته، وقف أمامها، وهو يحاول أن يثبت نفسه في هذا الوضع الغريب.
قصي:
“ليان…”
ليان )بصوت مرتجف(:
“قصي…”
وارتميا في أحضان بعضهما البعض، كأن الزمن توقف للحظة، كأن الكون كله اختصر في هذا الحضن.
ضمها إليه بقوة، وكأنه يعانق روحه التي كادت تُسحق أمام عينيه. كانت دموعه تنهار بحرقة، يتنفس من خلالها
وجعه، تاريخه، ندمه، وكل ما لم يستطع إنقاذه في السابق.
شعرت ليان بدفء غريب يسري في عروقها، كأنها اختبأت أخيرًا في حضن حبيبها، كأ ن هذا هو ملاذها الذي
خُلقت له.
قصي )يبكي وهو يهمس(:
“خلاص يا ليان… خلاص، اهدي… الموضوع انتهى… أنا هنا معاكي.”
ليان )تشهق باكية(:
“قصي… نيا…”
قصي )يمسح على شعرها برفق(:
“ششش … اهدي بقولك… كل حاجة هتبقى تمام.”
ليان )بهمس موجوع(:
“خرجني من هنا… بالله عليك يا قصي، خرجني …”
نظر إليها، واحتوى نظرتها المنكسرة بعينيه، ثم انحنى قليلًا، رفعها من الأرض بين ذراعيه، كأنها أثمن ما
يملكه في الدنيا.
أسندت رأسها على صدره، وأغمضت عينيها بارتياح، كأنها قررت أن تثق به، أن تترك ألمها بين يديه.
في الخلف، كانت نيارا وفارس يشاهدان المشهد بدهشة وذهول، ممزوجين بالأمل.
مد فارس يده ولمس وجهه، فوجد أن السواد الذي كان يغمر عينيه قد اختفى.
نظرت نيارا إلى جسدها، ففوجئت أن كل آثار الألم … كل الكدمات، كل العلامات، اختفت، وكأنها لم تكن يومًا
هناك.
نيارا )بصوت مرتعش(:
“في أمل… صح؟”
اقترب فارس منها واحتضنها بشوق عاشق خائف من الفقد، وهمس في أذنها:
فارس:
“أيوه… أيوه يا حبيبتي، في أمل…
….
في منزل ليان…
كان يحملها بين ذراعيه، وجسدها يرتجف من هول ما مرت به، فيما رأسها يستند إلى صدره كأنها تبحث عن أمان فُقد وانكسر.
أما هو… فكان يمشي بخطى مثقلة، لا يشعر بثقلها، بل بثقل الذنب الذي تراكم داخله، حتى وإن لم يكن ذنبه.
“الصورة دلوقت بدأت توضح… إن ليان تعيش اللي عاشته نيارا،
وفارس يخليني أعيش اللي شافه،
عشان أحس بيه كأنهم بيستنجدوا…
كأنهم عايزين مساعدة مننا..
ليهم… هما نفسهم…
إحنا… أنا وانتي، ياليان…
نسخة مكررة منهم،
بس الفرق…”
كان كل شيء داخله يصرخ:
” أنا مش فارس، وانتي مش نيارا!”
نظر إلى ليان بين ذراعيه، وعينيها المغلقتين، فشعر بقلبه يختنق، كأن الألم بداخلها يُسكنه هو.
“الزمن رجعني…
مش عشان أتفرج، ولا ألوم،
رجعني عشان أكون اللي ماقدرتش أكونه زمان، ياليان…
رجعني عشان أنقذها،
وأريحها من العذاب اللي هي فيه،
وفي المقابل…
تسيبك ليا،
عشان أعيش بيكي.”
كان، مع كل خطوة، يرى وجه نيارا في ذاك الليل الملعون،
ووجه ليان الآن…
كأن القدر منحه فرصة جديدة ليُعيد كتابة النهاية، ولكن هذه المرة، بقلب مفتوح، ويدين لا ترتجفان.
“أنا عديت من النار…
عشان أطلعك منها، ياروحي.”
ومع كل شهقة من ليان، كان قلبه يهمس:
“دلوقت لازم نعرف احنا فين من الماضي…
ياليان، لازم نتجوز بأسرع وقت.”
..
في غرفة ليان …
كانت ليان مستلقية على السرير، عيناها مغلقتان بإحكام، وكأنها تحاول الهروب من ماضيها الذي لا يمكن لها
نسيانه. لم تعد تستطيع التفرقة بين الواقع والكوابيس التي تقفز بين شرايينها. جسدها كان يرتجف وكأنها تخشى
حتى الهواء الذي يحيط بها، ولم تستطع أن ترفع رأسها، فكلما حاولت فعل ذلك، كانت ذكريات تلك اللحظات
القاسية تتسلل إليها، تلاحقها، تكاد تقطع أنفاسها.
كانت أنفاسها تتقطع مع كل همسة، وكأن كل نفس تأخذه هو عذاب جديد. والدموع كانت لا تتوقف عن السيلان،
ليست دموعًا عادية، بل دموع صنعتها آلام لا يمكن لأحد أن يدرك عمقها. كانت صرخات قلبها تنادي، لكنها لا
تستطيع إخراجها من حنجرتها. كل شيء فيها كان صامتًا إلا من صرخاتها الداخلية التي تكاد تملأ المكان.
وفي تلك اللحظة، قصي، الذي كان جالسًا على حافة السرير، شعر بشيء غريب يتفجر داخله. مشاعر اختلطت
في قلبه بين الغضب، والحزن، والعجز، والخوف. كان يقف عاجزًا أمام معاناتها، لا يعرف كيف يهدئها، كيف
يُجبرها على فتح عينيها كي يرى تلك النظرة التي طالما رآها فيهما قبل أن يُغرقها الظلام.
لكن فجأة، وفي لحظة ضعف تام، شعرت ليان بيده تبتعد عنها، فشدت يده بكل قوتها، وصرخت صرخة مريرة
كأنها تطلب الخلاص. كانت صرخة سلبت منه القدرة على التنفس، وكانت تشق قلبه إلى نصفين. كان الألم
يعتصره، وكان وجعه أعمق من أن يتحمله أي شخص.
ليان، بصو ت مخنوق، كانت الكلمات تكاد تنسل من بين شفتيها بالكاد:
“أنا مش قادرة.. تعبت ياااارب انا حاسة اني خلاص مش قادرة ياقصي ساعدني ونبي الرجالة دول مجرمين
انتهكوني ياقصي انا خلاص روحي راحت مني..”
كانت تلك الكلمات كالسكاكين التي تغرز في قلب قصي. كان يتمنى لو يستطيع أخذ كل آلامها، لو كان بإمكانه
أن يمحو تلك اللحظات المظلمة من حياتها. لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن ما مرت به ليان لا يمكن أن يُنسى
هكذا، ولا أن يُمحى من الذاكرة، مهما حاول أن يخفف عنها فجاه شعر بملمس يد اصبح يعرفها جيدأ وهي لمسة
يد نيارا
نيارا بضحكة: “عايزني أساعدها؟”
قصي بأندفاع: “ياريت، يانيارا.”
لم يكن قصي يعرف كيف يعبر عن شعوره، كيف يعبر عن الحاجة التي تمزقه بين كونه شاهدًا على معاناة ليان
وبين رغبته الشديدة في إنقاذها. لكنه شعر أنه في هذه اللحظة، نيارا هي الوحيدة التي تستطيع أن تفعل شيئًا.
نيارا، بنبرة مفعمة بالاطمئنان: “عشان انت ريحتني، أنا هعمل دا عشانك، ياقصي، بس متاخدش ع كدا.”
قصي: “شكراً،”
نيارا: “أنا هنا مش بفهمك، ياقصي. أنا هنا عشان أديك لمحات، مش أكتر، وصدقني هتفهم لوحدك.
. وكلما نظرت نيارا إلى ليان، كانت يديها تتحركان بحذر حول قلب ليان، كأنها
تمسح آلامها وتعيد لها الحياة.
وبينما كانت نيارا تركز على قلب ليان، كانت تسحب منها كل الألم والخوف، كأنها تدخل إلى أعماقها لتحررها
من أغلال الماضي، لمساتها كانت كعلاج يشق الطريق إلى الفرج.
في لحظة واحدة، فجأة، وعندما تركزت يد نيارا على قلب ليان، حدث ما لم يتوقعه قصي: فتحت ليان عينيها
بشدة، شهقة خرجت من قلبها كما لو أنها خرجت من البحر بعد أن كادت تغرق، وكأن الحياة عادت إليها بشكل
مفاجئ.
وقصي، الذي كان يراقبها بصمت، شعر بارتياح عميق. كانت تلك اللحظة لحظة عودة الروح، وعندما أشرق
الأمل، أضاءت عيون ليان التي أصبحت الآن مستعدة أخيرًا للقتال من أجل نفسها.
ليان: “قصي…
ارتمت بين ذراعيه كأنها تبحث عن دفء يعيد لها الحياه
قصي بابتسامة خفيفة عاملة اي ياحبيبي؟”
لكن ليان لم ترد عليه بكلمات عادية، بل قالت بصوت غير مستقر:
ليان: “حلمت حلم جميل أوي يا قصي.”
كان واضحًا من صوتها أنه كان شيء يُريحها قليلا وسط كل هذه المعاناة.
قصي بدهشة: “حلم جميل؟”
ليان: “أيوة والله، حذر فذر.”
كانت كلماتها غير مفهومة بالكامل، لكنها أشارت إلى شيء يُشعرها بالراحة،
قصي بابتسامة خفيفة: “هي فذورة ولا إيه؟”
ليان: “مش هتتصور.. حلمت بنيارا وفارس.”
كان حديثها مزيجًا من الحلم والواقع. كانت كلماتها متسارعة، ثم توقفت لتكمل:
“وفارس عرف ينقذها من الخطر اللي كانت فيه. تصور كان في تلاتة بيغتصبوها، بس رغم إنه كان تعبان،
قدر يضربهم، وايداهم حتة دين علقة كانت دما ر… ياريتك تشوف.”
قصي بتساؤل: “آخر حاجة فاكرة كانت إيه يا ليان؟”
ليان: “الحلم بتاع الغابة صحيت كلت وقعدت اقرا شوية انت جيت هنا ازاي؟
قصي بابتسامة شبه حائرة: “المفتاح كان تحت السجادة.”
ليان بدهشة: “بس أنا مش بحط مفاتيح تحت السجادة!”
هنا شعر قصي بحيرة شديدة، ولم يكن يعرف كيف يرد على ما قالته ليان
لكن في اللحظة التي كان قصي يهم بالحديث، شعرت نيارا بحاجة للقيام بشيء ما. اقتربت من ليان ووضعَت
يدها برفق على وجهها، وكأنها تُحاول تهدئتها. بالفعل ليان غطت ف سبات عميق
نيارا بصوت هادئ: “دلوقت لازم تمشي. هي هتصحي، ومش هتفتكر أي حاجة.”
كانت كلماتها مريحة، وكأنها تحاول إرشاد قصي لما يجب فعله في تلك اللحظة.
قصي بقلق: “مش هتظهري تاني ؟”
نيارا: “استعد للخطوة الجاية يا قصي.”
كان الليل قد بسط عباءته السوداء فوق السماء، والهواء العليل يداعب أطراف الأشجار، حاملا معه وعدًا بمطر
قريب.
وقفت ليان عند باب منزلها، تضم ذراعيها إلى صدرها، كأنها تحتضن رعشة قلب تائه، وعيناها لا تزالان
تبحثان في عتمة الطريق عن نور تعرفه.
وما إن لمحت أضواء السيارة، حتى تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها بين الخوف والرجاء.
توقفت السيارة، وخرج منها قصي كأن الزمن استعجل خُطاه، ركض نحوها، وما إن وقف أمامها حتى بدت كأن
المسافة بينهما اختُصرت لعناق لا يُقال.
تأمل ملامحها التي طغى عليها الحزن، وخرج صوته حاملا كل قلقه
“كنت هموت من القلق عليكي يا ليان.”
ليان )بصوت مهزوز وعيون دامعة(:
“قلبي مربوط في الأرض يا قصي… روحي بتتسحب مني ومش قادرة أتحرك، رجلي بترتعش من كتر
الخوف.”
قصي:
“أنا شايلك جوا قلبي… واللي بيوجعك بيوجعني. ومش هسمح لحد يقربلك ولا حتى يلمس شعرة منك.
أنا بحبك… بحبك أوي يا ليان.”
ليان )بهمس ودموع تغلب صوتها(:
“أنا كل يوم بصحى على خوف… بخاف أنام وأصحى مش لاقية نفسي… بخاف أعيش اللي عاشته نيارا من
تاني.”
قصي:
“بس إنتي مش هي… وأنا مش فارس.
أنا هنا، ومش هخلي كابوس من الماضي ياخدك مني، ولا حتى يلمس نورك.”
ليان:
“هتفضل تحبني حتى لو موت؟”
قصي
“لو مشيتي… قلبي هيمشي معاكي.
بس بالله عليكي، متسيبنيش.
ووعد من قلبي لقلبك… هنفضل نحمي بعض لحد ما نفهم هما عايزين مننا إيه.”
سكنت الكلمات، وسكنت هي خطوة أقرب إليه، نظرت في عينيه وهمست:
ليان:
“أنا تعبت… بس وجودك بيهون كل حاجة.
خليك جنبي… متسبنيش.”
قصي: )بصوت ثابت ودافي(
“أنا مش ناوي أبعد.
إنتي أماني يا ليان… وإنتي الحياة اللي بستناها كل يوم.”
….
كانت ليان جالسة في الغرفة، تغرق في صمت الليل، حتى قررت أن تمسك بكتاب قديم كان موجودًا على
الطاولة أمامها. فتحته، ولكن بمجرد أن قلبت الصفحة الأولى، وقع نظرها على رسالة مكتوبة بخط غير مألوف:
“انقذي نفسك. أنا مقدرش. قصي هيروح في سكة فارس. احميه يا ليان، احميه.”
ليان صرخت فجأة، ويدها اهتزت بينما رمت الكتاب بعيدًا
ليان: “مش فاهمة… أنا مش فاااااهمة!”
كانت تصرخ، وترتعش بشدة، كما لو أن شيء ما كان يضغط على صدرها، يقيد حركتها.
…
تاني يوم
كان الليل يلف المكان بصمت ثقيل، وفي ركن من غرفة المعيشة جلس قصي أمام لوحته، يحاول أن يُفرغ ما
بداخله من شتات. أنامله أمسكت بالريشة، لكنها لم تعد طوع أمره.
فجأة، تحركت يده من تلقاء نفسها، كأن قوة خفية تقودها. الخطوط تشكلت سريعًا على الورق: رجل منهك،
رأسه منكس، يجلس في بار موحل، بينما في الخلفية تظهر امرأة تُحاصر من ثلاثة رجال. ملامحها تصرخ،
عيناها تطلب النجدة… والدماء على الأرض تشهد على جريمة لا تُغتفر.
شهق قصي بصوت مرتجف حين اكتملت اللوحة، ثم سمع الصوت خلفه، دافئًا وموجوعًا:
نيارا:
تفتكر اللوحة دي بتصرخ بوجع مين المرة دي يا قصي؟
استدار بسرعة، وعيناه تتسعان بالدهشة. وجدها تقف خلفه، متجسدة كطيف مألوف، تحمل الوجع في قسماتها.
قصي )بصوت مبحوح(:
مش أنا اللي رسمت دا! إيدي كانت بتتحرك لوحدها… نيارا! فهميني، دا معناه إيه؟!
نيارا )بهدوء وحزم(:
ليان في خطر دلوقتي… لازم تروحلها، حالًا .
إحساسك هيعرفك مكانها، بس ما تتأخرش… الوقت بيخلص، والقدر لازم يتحقق.
اقترب منها خطوة، لكن الهواء حوله تغير، وحين مد يده نحوها… اختفت كما ظهرت، بلا أثر.
تجمد في مكانه لحظة، ثم قفز واقفًا، يلهث، وقلبه يدق بعنف. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن شعورًا داخليًا
كان يجره بقوة… كما لو أن روحه تعرف الطريق
…..
كانت ليان تحت تأثير الرسالة الغامضة، وقلبها يدق بسرعة، وذهنها تائه.
لم تكن تدري لماذا، لكن شيئًا ما كان يُشعرها بضرورة الذهاب إلى قصي، كأن القدر يجرها إليه.
خرجت من بيتها، تمشي بسرعة، عيونها تبحث عن أي مارة في الشارع، لكن فجأة سمعت صوت بكاء طفلة
ضعيف ومؤلم، يتردد في الهواء.
اقتربت ليان بحذر، ثم رأتها، جالسة على الرصيف، عيناها مليئتان بالدموع، ويدها ترتجف بينما تشير إلى
مكان بعيد.
ليان: “إيه ياحبيتي، مالك؟”
الطفلة )بصوت خافت، ويدها تشير نحو البار(:
“الحقيني… ماما جوه… محبوسة… مش عارفة أخش.”
ليان )بتوتر(:
“طب استني، يمكن نلاقي شرطي يساعدنا؟”
الطفلة )باليأس(:
“لا… مفيش شرطة هنا… مفيش حد، بصي حواليكي! انتي الوحيدة اللي تقدري تساعديها… المكان هيتحرق !
هينفجر!”
نظرت ليان حولها، وكان الشارع خاليًا، كأنها كانت الوحيدة الحية في هذا العالم.
شعرت بشيء غريب يسحبها نحو البار، قدمها تتحرك رغم إرادتها، كان قلبها ينبض بشدة، كأن هناك خطر
يقترب.
ليان )بتنهيدة متوترة(:
“طيب، حاضر… استني هنا.”
لكن حين استدارت لتطمئن على الطفلة…
لم تجدها.
استبدلت الطفلة بهيئة نيارا، التي ظهرت أمامها، كأنها جزء من الظلام، عيونها تدمع، وأشعتها الخافتة تكاد
تلتهمها .
نيارا )بصوت متألم، وكأن الوجع يمزقها(:
“هنشوف… قصي هيقدر يوصلك ويحميكي منهم؟
ولا التاريخ هيفضل يعيد نفسه يا ليان؟
مش عايزة أصرخ… من جوه قلبي الميت، وأنا شايفة ليان بتمشي نفس الطريق اللي مشيته.
بس القدر عنيد… والروح لما تتكسر، لازم حد يصلحها
فارس… ماعرفش ينقذني. كان ضعيف، كان تايه…
لكن قصي… هو ممكن يقدر.
لو اختار الطريق الصح لو قدر يحميكي
يمكن أنا أرتاح، ويمكن هما يعيشوا.
أنا بدي لروحي فرصة جديدة…
مساعدتك يا ليان هو الطريق لنهاية صح… النهاية اللي أنا ماعرفتش أوصلها.
عشان كده… وديتك للمكان دا … نفس المكان اللي تأذيت فيه…
يلا يا قصي، روح… انقذها… ومتتأخرش زي ما هو اتأخر عني.”
ثم اختفت، تاركة خلفها فراغًا غامضًا، وصوت قلب ليان الذي كان ينبض بإيقاع مختلف تمامًا .
…
في داخل السيارة، كانت الأنوار لخافتة تومض وسط الظلام، والهواء داخل السيارة يبدو ثقيلا . كان قصي يقود
سيارته بسرعة، قلبيًا لا يعرف إلى أين يقوده، لكن إحساسًا غريبًا كان يضغط على صدره، وكأن شيء ما يتدفق
داخل روحه. وفجأة، شعر بشيء غريب يغزوه، وكأن شخصًا ما يجلس بجانبه، غير مرئي ولكن قوته واضحة.
ثم، في لحظة مفاجئة، روح فارس السكران تجسدت داخل قصي. كان فارس أمامه، لكنه لم يكن هو نفسه، بل
كان نسخة مشوهة من فارس الذي فقد السيطرة على نفسه بسبب السكر والإدمان. عينيه كانت غائبتين، وجهه
مشوه من الذنب والحزن، وأصابعه ترتجف كما لو أنه ما زال غارقًا في الماضي.
روح فارس )بصوت مشوش، يتخلله الإحساس بالإدمان(: “أنت مش هتقدر… مش هتقدر تنقذها… زي م
اقدرتش انا كمان. ليان مش هتكون ف امان مهما عملت…أنا ضيعت كل حاجة… مش هتقدر انت فاكر نفسك
مين انت انسان وسخ زيي بالظبط.”
قصي )بصوت متوتر، يحاول أن يتمالك نفسه(: “انا خلاص هبطل شرب مخدرات مش هحط سجاير ولا
حشيش ف بقي تاني اكيد لو فضلت كدا هتحول وابقي زيك انسان ضعيف بيجري ورا شهواته بيأذي اقرب الناس ليه”
روح فارس )يضحك ضحكة مجروحة، متسائلة(: ” انت هتشيل نفس الحمل ونفس الوجع ياقصي لأنك انت
نسخة مكررة مني انا جواك وهفضل طول عمري جواك!”
قصي )غاضبًا، يصر على المضي قدمًا(: “لا، مش هعيش زيك. مش هكرر نفس الغلط. أنا مش ههرب زيك
ورا الشرب والقرف اللي بسببه ضيعت حب عمرك منك.
فجأة، تحول الجو داخل السيارة، وبدأ جسد قصي يشعر بثقل، كأن روحه مغلولة بيد فارس السكران . لكنه قاوم،
محاولًا أن يتحرر من قبضته.
روح فارس )بصوت هادر، يتردد في أذنه(: “هتقف عاجز قصاد القدر انا لو كنت فايق كنت انقذتها لازم تعرف
شعوري عشان متغلطنيش”
ثم شعر قصي بشيء غير مرئي يعصف بجسده. شعر أن قدميه تتحرك بشكل غير إرادي، وهو لا يستطيع
إيقاف نفسه. كانت روح فارس تحاول السيطرة عليه، وكأنها تجره إلى الماضي المظلم، حيث لا أحد يستطيع
الخروج.
لكن، في لحظة ما، شعر قصي بشيء داخلي أكبر من كل هذه الظلال. كما لو أن روحه تفجرت بمقاومة جديدة،
تحررت من سيطرة فارس .
قصي )بصوت قوي، وهو يحاول التخلص من تأثير فارس(: ” لا، مش هخليك تمنعني. أنا مش فارس! أنا قصي
قصيييييي.”
اختفت روح فارس فجأة، وكأنها تبخرت في الهواء، تاركة قصي وحيدًا في السيارة، لكن إحساسه كان أقوى.
شعر بالحرارة تتدفق في جسده، كأن روحه تجد طريقها للحرية.
رغم ما حدث، كانت السيارة تندفع بسرعة نحو البار، وقلب قصي كان يتسارع مع كل ثانية. وهو يعلم أن
الوقت قد ضاع، ولكن قد تكون من لديه فرصة واحدة فقط.
….
دخلت ليان إلى البار، محاطة بالضباب الخفيف، وكأن الأجواء نفسها تراقب ما سيحدث . فور دخولها، وقعت
عيناها على ثلاثة رجال يتبادلوا الحديث بصوت منخفض، لكن سرعان ما توقفوا حين لمحوا وجودها.
الرجل الأول )مبتسمًا(: “إوعى، شايف البت الموزة دي؟”
الرجل الثاني )ممازحًا(: “صاروخ أرض جو، يا باشا .”
الرجل الثالث )بتعليق ساخر(: “لا، دا جسم مقسم، ومصروف عليه.”
ثم اقترب الرجل الأول منها، وهو يبتسم ابتسامة مشبوهة، قائلا : “إيه يا موزة، رايحة على فين؟”
ليان )بتوتر، وهي تحاول الحفاظ على هدوئها(: “أنا آسفة، جيت غلط .”
لكن بينما كانت تحاول الخروج، أمسك أحدهم بذراعها بقوة، مما جعلها ترتبك للحظة. بسرعة، قامت برفع يدها
وضربته بالقلم على وجهه، ثم ابتعدت عنه.
الرجل الثاني )يضحك، بينما عينه تلمع بسخرية(: “قطة شرسة! إحنا بنحب النوع ده أوي.”
…
كانت ليان تصرخ بأعلى صوتها، بينما الرجال الثلاثة بدأوا في محاولاتهم الشريرة. شعر جسدها بالضعف، لكن
روحها لم تستسلم.
ليان )بصوت متقطع، وهي ترفسهم(: “خرجوني!
الرجل الأول )بابتسامة خبيثة، وهو يحاول الإمساك بها(: “بس لما ناخد كيفنا منك، يا حلوة.”
أمسكوا بها أكثر، ورموها على الأرض بعنف، وأخذوا يقتربون منها، لكن ليان لم تستسلم . كانت تصرخ، وتدافع
عن نفسها بكل قوتها، لكن في لحظة من اللحظات، شعرت بشيء غريب، إحساس كما لو كان قد مر عليها من
قبل. كان كأنها تعيش هذا المشهد مرة أخرى، وأن هناك شيئًا في ذاكرتها يربطها بما يحدث الآن.
……
في تلك اللحظة، كان قصي قد وصل إلى البار، فتح الباب بعنف، وعينيه تبحث عن ليان، وعقله مشوش بما
حدث. وما أن دخل، حتى صدم بالمشهد الذي أمامه. ثلاثة رجال يحاولون اغتصاب ليان، وهي على الأرض،
تصرخ وتقاوم.
وهنا ييدا الصراع الحقيقي بين الماضي والحاضر
…..
ما إن لمحها قصي، حتى اندفع نحوها بكل جوارحه، وكأن شيئًا داخله كان يصرخ لينقذها، لكن قوى خفية،
قدرية، منعته من التقدم. ظهر فارس أمامه فجأة، وقف في وجهه، وابتسم ابتسامة مشوبة بالألم، ثم… توقف
الزمن. توقفت الأحداث من حولهما، وكأن المشهد بأكمله تجمد في لحظة غامضة.
قصي )بحدة(: اوعى من سكتي!
فارس )بهدوء مشوب بالغموض(: انت ليه بتتعامل معايا كإننا مش واحد؟
قصي )بعينين مشتعلتين(: عشان فعلا احنا مختلفين! أنا عمري ما اسمح لنفسي أكون زيك. زمان، نيارا
اتغتصبت، وانت ولا كان على بالك! سمعت صريخها، كانت بتنادي عليك، بتتوسل تنقذها… بس انت، كانت
شهواتك أهم.
فارس )نبرة صوته مزيج بين الحزن والتحدي(: احنا واحد يا قصي… بس خد بالك، أنا مش ضدك. بس لو
حابب تغير الواقع، مفيش حل غير إن العدالة تحصل. ولازم أشوف اللي فيا… فيك. اتهامك ليا باطل، مكنتش
في وعيي، وهي اللي جت برجليها للبار… للمكان ده.
)ينظر حوله ويشير بيده(
بص حواليك يا قصي… المكان ده مؤذي من زمان. بس ليان جت هنا عشان الذنب والظلم اللي نيارا شافته.
ليان بتشيله عشان تريحها، عشان هما مرتبطين ببعض.
وطالما شايف نفسك شجاع، وبتقول إنك تقدر تحميها… يبقى لازم تواجه القدر اللي أنا واجهته.
قصي )بصوت مخنوق(: جيتوا لحياتنا ليه؟ عايزين تبوظوها ليه ؟
فارس )بابتسامة هادئة تتلاشى ببطء(: انتو… أمنية نيارا.
انتو… أمنية نيارا.
انتو… أمنية نيارا.
ترددت الجملة في الأجواء، بصدى كأنه ارتطم بجدران القدر نفسه، وكأن لغزًا قديمًا قد تم حله. وفي أقل من
ثانية… اختفى قصي، ووجد نفسه واقفًا في نفس المكان، لكن كل شيء تغير، كأن الزمن عاد، لكن على هيئة
أخرى.
…
الماضي
وجد قصي نفسه واقفًا أمام البار، لا يدري كيف وصل إلى هناك، المكان غارق في ظلال الليل، والهواء يعبق
برائحة الخطيئة.
وفجأة… لمح نيارا .
كانت تجري، ملامحها مذعورة، ودخلت البار بخطوات مضطربة.
قصي )بصوت مختنق(:
“لااا نيارا! امشي ! متروحيش هناك، أرجوكي… ابعدي!”
انطلق يجري خلفها، دخل المكان، مد يده إليها… لكنها مرت من بين أنامله كأنها بخار، كأنها ظل، كأنها ليست
من هذا العالم. لم تشعر بوجوده، ولم تلتفت.
نظر حوله مذهولًا… ورآه.
فارس، جالس على الطاولة، رأسه منكس، غارق في سُكر قاتل، كأنه جثة تتنفس.
قصي )بيهزه بعنف( :
“فارس! قوم ! فوق يافارس ! نيارا هنا! فوق بقى!”
لم يتحرك فارس، كأن روحه تاهت في العدم .
اقتربت نيارا منه… عيناها تلمعان بالدموع، ويدها تمتد ترتجف فوق وجهه.
نيارا )بصرخة محروقة(:
“قوم بقى! فوق! حرام عليك اللي بتعمله في نفسك دا! قوم!”
لحظة واحدة… لحظة فقط كانت كافية لانهيار العالم .
ثلاثة رجال ظهروا فجأة من الظلام، شدو نيارا بعنف، وبدأوا يجذبونها بعيدًا وهي تقاوم وتصرخ بجنون.
نيارا )بتصرخ بصوت يمزق الصمت(:
“فاااااارس!! فاااااارس!! الحقني! لاااااااااا! أبعدوا عني! حرااااام عليكم!!”
كان صراخها يضرب جدران المكان، لكن فارس ظل صامتًا، رأسه ما زال منكسًا… ويداه مثقلتان بالذنب.
وقصي… واقف في المنتصف، بين الماضي والحقيقة، بين الذنب والخلاص.
..
وقف قصي، مشوشًا، عاجزًا عن فهم ما يحدث. عينيه لم تفارق المشهد المروع أمامه: نيارا تُغتصب، وهو
عاجز عن فعل أي شيء.
في لحظة مفاجئة، شعر بشيء غريب يطرأ عليه. جسده ارتعش، وصدره امتلأ بشعور بالذعر، كأن هناك قوة
خارقة تجذب روحه إلى فارس . في لحظة لم يكن يتوقعها، لمس جسد فارس، وكأن الروح التي كانت تسكنه
أصبحت متشابكة مع روحه. شعر فجأة أنه يمكنه أن يدخل في جسد فارس، وبالفعل تلبسه
فجأة، وبدون أي تحذير، انتقل إلي
الحاضر
، حيث وجد نفسه جالسًا في نفس المكان، ولكن بعينين مختلفتين،
وعيون ملبدة بالكحول والضياع. لم يعد هو، بل أصبح فارس، وعقله مملوء بالضباب .
ثم، جاء الصوت الذي أفزعه، كان صوت ليان، لكنه لم يكن الصوت الذي اعتاده.
ليان )بصوت مفعم بالألم(:
“قصيييي! الحقني يا قصي! خليهم يبعدوا عني!”
قصي نهض بعنف، محاولًا مقاومة الواقع الذي أدخله فيه فارس. همس لنفسه، وهو في حالة من التوهان:
قصي )بصوت مرتجف(:
“أنا قصي، مش فارس… أنا قصي، مش فارس…”
لكن جسمه تحرك تلقائيًا، وكأن الخوف والرحمة اجتمعوا فيه، فركض نحو الرجال الذين كانوا يحيطون بها.
بيدين ملتاعة، بدأ يضربهم، وكأنها الضربات الأولى التي أخذت من جسده ما أخذته، ولكن هذه المرة كانت
معركة على الحياة والموت.
الرجال الثلاثة لم يستطيعوا الصمود أمامه، سقطوا أرضًا واحدًا تلو الآخر، وكأنهم انتهوا فجأة.
حين نظر إلى ليان، وجدها تغطي نفسها، تحاول الحماية من العالم الذي كان قد حولها إلى فريسة . جرى إليها
بأقصى سرعته، وقف أمامها، وهو يحاول أن يثبت نفسه في هذا الوضع الغريب.
قصي:
“ليان…”
ليان )بصوت مرتجف(:
“قصي…”
وارتميا في أحضان بعضهما البعض، كأن الزمن توقف للحظة، كأن الكون كله اختصر في هذا الحضن.
ضمها إليه بقوة، وكأنه يعانق روحه التي كادت تُسحق أمام عينيه. كانت دموعه تنهار بحرقة، يتنفس من خلالها
وجعه، تاريخه، ندمه، وكل ما لم يستطع إنقاذه في السابق.
شعرت ليان بدفء غريب يسري في عروقها، كأنها اختبأت أخيرًا في حضن حبيبها، كأ ن هذا هو ملاذها الذي
خُلقت له.
قصي )يبكي وهو يهمس(:
“خلاص يا ليان… خلاص، اهدي… الموضوع انتهى… أنا هنا معاكي.”
ليان )تشهق باكية(:
“قصي… نيا…”
قصي )يمسح على شعرها برفق(:
“ششش … اهدي بقولك… كل حاجة هتبقى تمام.”
ليان )بهمس موجوع(:
“خرجني من هنا… بالله عليك يا قصي، خرجني …”
نظر إليها، واحتوى نظرتها المنكسرة بعينيه، ثم انحنى قليلًا، رفعها من الأرض بين ذراعيه، كأنها أثمن ما
يملكه في الدنيا.
أسندت رأسها على صدره، وأغمضت عينيها بارتياح، كأنها قررت أن تثق به، أن تترك ألمها بين يديه.
في الخلف، كانت نيارا وفارس يشاهدان المشهد بدهشة وذهول، ممزوجين بالأمل.
مد فارس يده ولمس وجهه، فوجد أن السواد الذي كان يغمر عينيه قد اختفى.
نظرت نيارا إلى جسدها، ففوجئت أن كل آثار الألم … كل الكدمات، كل العلامات، اختفت، وكأنها لم تكن يومًا
هناك.
نيارا )بصوت مرتعش(:
“في أمل… صح؟”
اقترب فارس منها واحتضنها بشوق عاشق خائف من الفقد، وهمس في أذنها:
فارس:
“أيوه… أيوه يا حبيبتي، في أمل…
….
في منزل ليان…
كان يحملها بين ذراعيه، وجسدها يرتجف من هول ما مرت به، فيما رأسها يستند إلى صدره كأنها تبحث عن أمان فُقد وانكسر.
أما هو… فكان يمشي بخطى مثقلة، لا يشعر بثقلها، بل بثقل الذنب الذي تراكم داخله، حتى وإن لم يكن ذنبه.
“الصورة دلوقت بدأت توضح… إن ليان تعيش اللي عاشته نيارا،
وفارس يخليني أعيش اللي شافه،
عشان أحس بيه كأنهم بيستنجدوا…
كأنهم عايزين مساعدة مننا..
ليهم… هما نفسهم…
إحنا… أنا وانتي، ياليان…
نسخة مكررة منهم،
بس الفرق…”
كان كل شيء داخله يصرخ:
” أنا مش فارس، وانتي مش نيارا!”
نظر إلى ليان بين ذراعيه، وعينيها المغلقتين، فشعر بقلبه يختنق، كأن الألم بداخلها يُسكنه هو.
“الزمن رجعني…
مش عشان أتفرج، ولا ألوم،
رجعني عشان أكون اللي ماقدرتش أكونه زمان، ياليان…
رجعني عشان أنقذها،
وأريحها من العذاب اللي هي فيه،
وفي المقابل…
تسيبك ليا،
عشان أعيش بيكي.”
كان، مع كل خطوة، يرى وجه نيارا في ذاك الليل الملعون،
ووجه ليان الآن…
كأن القدر منحه فرصة جديدة ليُعيد كتابة النهاية، ولكن هذه المرة، بقلب مفتوح، ويدين لا ترتجفان.
“أنا عديت من النار…
عشان أطلعك منها، ياروحي.”
ومع كل شهقة من ليان، كان قلبه يهمس:
“دلوقت لازم نعرف احنا فين من الماضي…
ياليان، لازم نتجوز بأسرع وقت.”
..
في غرفة ليان …
كانت ليان مستلقية على السرير، عيناها مغلقتان بإحكام، وكأنها تحاول الهروب من ماضيها الذي لا يمكن لها
نسيانه. لم تعد تستطيع التفرقة بين الواقع والكوابيس التي تقفز بين شرايينها. جسدها كان يرتجف وكأنها تخشى
حتى الهواء الذي يحيط بها، ولم تستطع أن ترفع رأسها، فكلما حاولت فعل ذلك، كانت ذكريات تلك اللحظات
القاسية تتسلل إليها، تلاحقها، تكاد تقطع أنفاسها.
كانت أنفاسها تتقطع مع كل همسة، وكأن كل نفس تأخذه هو عذاب جديد. والدموع كانت لا تتوقف عن السيلان،
ليست دموعًا عادية، بل دموع صنعتها آلام لا يمكن لأحد أن يدرك عمقها. كانت صرخات قلبها تنادي، لكنها لا
تستطيع إخراجها من حنجرتها. كل شيء فيها كان صامتًا إلا من صرخاتها الداخلية التي تكاد تملأ المكان.
وفي تلك اللحظة، قصي، الذي كان جالسًا على حافة السرير، شعر بشيء غريب يتفجر داخله. مشاعر اختلطت
في قلبه بين الغضب، والحزن، والعجز، والخوف. كان يقف عاجزًا أمام معاناتها، لا يعرف كيف يهدئها، كيف
يُجبرها على فتح عينيها كي يرى تلك النظرة التي طالما رآها فيهما قبل أن يُغرقها الظلام.
لكن فجأة، وفي لحظة ضعف تام، شعرت ليان بيده تبتعد عنها، فشدت يده بكل قوتها، وصرخت صرخة مريرة
كأنها تطلب الخلاص. كانت صرخة سلبت منه القدرة على التنفس، وكانت تشق قلبه إلى نصفين. كان الألم
يعتصره، وكان وجعه أعمق من أن يتحمله أي شخص.
ليان، بصو ت مخنوق، كانت الكلمات تكاد تنسل من بين شفتيها بالكاد:
“أنا مش قادرة.. تعبت ياااارب انا حاسة اني خلاص مش قادرة ياقصي ساعدني ونبي الرجالة دول مجرمين
انتهكوني ياقصي انا خلاص روحي راحت مني..”
كانت تلك الكلمات كالسكاكين التي تغرز في قلب قصي. كان يتمنى لو يستطيع أخذ كل آلامها، لو كان بإمكانه
أن يمحو تلك اللحظات المظلمة من حياتها. لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن ما مرت به ليان لا يمكن أن يُنسى
هكذا، ولا أن يُمحى من الذاكرة، مهما حاول أن يخفف عنها فجاه شعر بملمس يد اصبح يعرفها جيدأ وهي لمسة
يد نيارا
نيارا بضحكة: “عايزني أساعدها؟”
قصي بأندفاع: “ياريت، يانيارا.”
لم يكن قصي يعرف كيف يعبر عن شعوره، كيف يعبر عن الحاجة التي تمزقه بين كونه شاهدًا على معاناة ليان
وبين رغبته الشديدة في إنقاذها. لكنه شعر أنه في هذه اللحظة، نيارا هي الوحيدة التي تستطيع أن تفعل شيئًا.
نيارا، بنبرة مفعمة بالاطمئنان: “عشان انت ريحتني، أنا هعمل دا عشانك، ياقصي، بس متاخدش ع كدا.”
قصي: “شكراً،”
نيارا: “أنا هنا مش بفهمك، ياقصي. أنا هنا عشان أديك لمحات، مش أكتر، وصدقني هتفهم لوحدك.
. وكلما نظرت نيارا إلى ليان، كانت يديها تتحركان بحذر حول قلب ليان، كأنها
تمسح آلامها وتعيد لها الحياة.
وبينما كانت نيارا تركز على قلب ليان، كانت تسحب منها كل الألم والخوف، كأنها تدخل إلى أعماقها لتحررها
من أغلال الماضي، لمساتها كانت كعلاج يشق الطريق إلى الفرج.
في لحظة واحدة، فجأة، وعندما تركزت يد نيارا على قلب ليان، حدث ما لم يتوقعه قصي: فتحت ليان عينيها
بشدة، شهقة خرجت من قلبها كما لو أنها خرجت من البحر بعد أن كادت تغرق، وكأن الحياة عادت إليها بشكل
مفاجئ.
وقصي، الذي كان يراقبها بصمت، شعر بارتياح عميق. كانت تلك اللحظة لحظة عودة الروح، وعندما أشرق
الأمل، أضاءت عيون ليان التي أصبحت الآن مستعدة أخيرًا للقتال من أجل نفسها.
ليان: “قصي…
ارتمت بين ذراعيه كأنها تبحث عن دفء يعيد لها الحياه
قصي بابتسامة خفيفة عاملة اي ياحبيبي؟”
لكن ليان لم ترد عليه بكلمات عادية، بل قالت بصوت غير مستقر:
ليان: “حلمت حلم جميل أوي يا قصي.”
كان واضحًا من صوتها أنه كان شيء يُريحها قليلا وسط كل هذه المعاناة.
قصي بدهشة: “حلم جميل؟”
ليان: “أيوة والله، حذر فذر.”
كانت كلماتها غير مفهومة بالكامل، لكنها أشارت إلى شيء يُشعرها بالراحة،
قصي بابتسامة خفيفة: “هي فذورة ولا إيه؟”
ليان: “مش هتتصور.. حلمت بنيارا وفارس.”
كان حديثها مزيجًا من الحلم والواقع. كانت كلماتها متسارعة، ثم توقفت لتكمل:
“وفارس عرف ينقذها من الخطر اللي كانت فيه. تصور كان في تلاتة بيغتصبوها، بس رغم إنه كان تعبان،
قدر يضربهم، وايداهم حتة دين علقة كانت دما ر… ياريتك تشوف.”
قصي بتساؤل: “آخر حاجة فاكرة كانت إيه يا ليان؟”
ليان: “الحلم بتاع الغابة صحيت كلت وقعدت اقرا شوية انت جيت هنا ازاي؟
قصي بابتسامة شبه حائرة: “المفتاح كان تحت السجادة.”
ليان بدهشة: “بس أنا مش بحط مفاتيح تحت السجادة!”
هنا شعر قصي بحيرة شديدة، ولم يكن يعرف كيف يرد على ما قالته ليان
لكن في اللحظة التي كان قصي يهم بالحديث، شعرت نيارا بحاجة للقيام بشيء ما. اقتربت من ليان ووضعَت
يدها برفق على وجهها، وكأنها تُحاول تهدئتها. بالفعل ليان غطت ف سبات عميق
نيارا بصوت هادئ: “دلوقت لازم تمشي. هي هتصحي، ومش هتفتكر أي حاجة.”
كانت كلماتها مريحة، وكأنها تحاول إرشاد قصي لما يجب فعله في تلك اللحظة.
قصي بقلق: “مش هتظهري تاني ؟”
نيارا: “استعد للخطوة الجاية يا قصي.”



