روايات شيقة

رواية سارية في البلاط الملكي الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم هدير مجدي

رواية سارية في البلاط الملكي الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم هدير مجدي 

الفصل الرابع والعشرون

هل تعلم أن العقرب يقتل نفسه عندما يجد نفسه محاطًا بالنيران!

حسنًا.. هل تعرف أن النسر عندما يشعر بالضعف يكسر منقاره وينتف ريشه كي لا يستطيع الطيران!

وعندما ننظر إلى السبب، البعض يراه كبرياء

وآخرون يجدونه غرور!

وبين هذا وذاك كان الدافع هو الخوف من الذل والمهانة!

فالذل كالصاعقة تسقط على الرأس فيكون المصير القبر!

بزغ الصباح وانتشرت الشمس بأشعتها تنير المملكة بأكملها، فتحت رقية عينيها لتجد نفسها في الفراش وألم طفيف في ظهرها، مر بذهنها كل ما حدث بالأمس بدايةً من ارتدائها ملابس الخدم منتهزة فرصة وجود سارية في الحديقة لتقتلها وليحدث ما يحدث بعد ذلك حتى لو كان موتها، لتشعر بألم رهيب يسري في جسدها بأكمله جراء السهم الذي أُطلق بظهرها.

لن يأتي في مخيلتها أن يقتلها أحد!

حاولت التحرك لكنها لم تشعر بأطرافها فخمنت أنه تأثير ما حدث، حاولت أن تتحدث تنادي على أحد لكن صوتها كان ثقيلًا جدًا فأصابتها الدهشة لحالتها.

كان نيار برفقة زوجته في جناحها، انطلقا إلى فراشها عندما انتبها إلى استيقاظها يقف بجانبها وليان بجواره تطالعها بأسف، وضع يده على رأسها هاتفًا بلهفة :

-“أمي.. أمي أنتِ بخير صحيح؟!”

حالت بنظرها بينهما عاقدة حاجبيها بدهشة، حاولت التحدث أكثر من مرة ففشلت لينظر إلى ليان بتساؤل ثم التفت إلى والدته التي خرج صوتها ثقيلًا متقطعًا :

-“ما الـذي حدث؟!

أنا لا أشعر بأطـرافي”

أغمض عينيه بقوة وشدد على قبضته بعنف، فمسحت ليان على ظهره وربتت بالأخرى على يد رقية من أعلى الغطاء قائلة :

-“الحمد لله على سلامتك.. الأهم الآن أنكِ بخير”

طالعتها بتعجب وعدم فهم تعيد نظرها إلى نيار متحدثة بنفس طريقتها :

-“أخبرني ماذا يحدث لي؟!

لمـاذا أتحـدث بتلك الطريقة ولمـاذا لا أستطيع التحـرك!”

وضع وسادة أسفل ظهرها وأمسكها لتعتدل مستندة بكتفيها إلى وسادة أخرى وضعها خلفها، ثم اعتدل في وقفته وطالعها بشفقة وحزن لم يستطع أن يخفيه، في ظل قسوتها وجشعها ألا إنه لا يستطيع إنكار حبه لها.

شعر بكف ليان تمسك يده فضغط عليها كمن يستمد القوة منها كي يخبر والدته :

-“لقد أصاب السهم منطقة شديدة الحساسية في ظهرك، كنتِ على وشك الموت لكن مازال في عمرك بقية”

ابتلع بصعوبة وتنفس بعمق ثم قال بصوت خافت :

-“لكن في المقابل لن تستطيعي الحركة مرة أخرى”

جحظت عيناها بقوة غير مصدقة لما تسمعه، من المستحيل أن تقضي حياتها بهذه الحالة!

ليست من تُكسر بهذه الطريقة، لكن للأسف إن الغرور ما يمكنه أن يحول الملائكة إلى شياطين !

حاولت التمرد عما سمعته وحاولت التحرك فلم يتحرك شيء في جسدها إلا رأسها الذي اهتز يمينًا ويسارًا صارخة بصوت متقطع حاقد :

-“لا ليـست أنا من يحـدث لها هذا ، لن تنـتصر ابنة بـدر الدين عليّ”

نظر لها بذهول مما تقوله !

لم يعنيها أنها ستقضي بقية حياتها في الفراش لا تستطيع الحركة مرة أخرى على قدر اهتمامها بحربها مع سارية!

لم يستطع التحمل أكثر من هذا، فضرب بقبضته على طرف الفراش أعلى رأسها يهبط برأسه إليها، يحدق بها بأعين شديدة الاحمرار ووجه متعب هاتفًا من بين أسنانه :

-“كفى أمي كفى!

ألم تتعظي بما حدث لكِ؟!

أخبركِ أنكِ نجوت من الموت بأعجوبة لكنكِ لن تستطيعي الحركة مرة أخرى..

شُلت أطرافك الأربعة وكل ما تفكرين به سارية وكيف تتخلصين منها؟!

ألم تكتفي من الظلم والحقد الذي بداخلك؟!

انظري إلى أين قادكِ حقدك؟

ماذا فعل بكِ السواد الذي يملأ قلبك، والجشع الذي يشغل عقلك؟”

تطلعت له بصدمة فهذه المرة الأولى يرتفع فيها صوته بوجهها، فمهما وصل به غضبه كان يتحدث أمامها بنبرة خافتة!

لو كان إلياس من يتحدث لم تكن لتنصدم.. لكنها تعلم حبها في قلب نيار فلم تتخيل للحظة أن يتحدث بتلك الطريقة!

كان ينظر لها بدوره وأنفاسه اللاهثة تصفع وجهها بحرارة وعنف يهبط أكثر إلى وجهها هامسًا بشراسة :

-“من تكبر على الناس ذَل أيتها الملكة.. تذكريها جيدًا”

استقام مندفعًا إلى الخارج فتابعته ليان بنظراتها بأسى وحزن على حاله، لتتنهد بقوة تعيد نظرها إلى رقية تراها جاحظة الأعين بعدم تصديق وملامح جامدة فهزت رأسها بأسف وركضت إلى الخارج تبحث عن زوجها.

ظلت على حالها لبعض الوقت تتأمل الغطاء فوق جسدها، لا تريد أن تصدق ما قاله نيار ، كل ما في الأمر أن جسدها متيبس بسبب الإصابة وستعود إلى طبيعتها مرة أخرى ما أن تُشفى.

نعم هذا كل ما الأمر، همست لنفسها بسخرية أن طبيب القصر لا يعي شيئًا في مجاله ولا يحق أن يكون طبيبًا، ستخبر إلياس أن يقيله من منصبه ما أن تراه.

لم تشعر بالباب الذي فُتح ولا الشخص الذي دلف إلى الجناح يقف أمامها مباشرةً، ظلت على حالها بعض الوقت حتى شعرت بأنفاس أحد معها في الغرفة فرفعت رأسها إليه تتفاجأ بآخر شخص تريدها أن تراها في تلك الحال.

ساد الغضب على وجهها وهتفت بنبرتها المتقطعة :

ما الذي تفعلينه هنا؟

من سمح لكِ بالمجيء إلى جناحي؟”

مازالت على حالها تقف أمامها، كفيها يسكنان أمامها فوق ردائها، متجردة من تاجها وأي نوع من زينة ، فازدادت رقية شراسة وضيقت حدقتيها بكره لتقول :

-“قدرك أنقذك من يدي هذه المرة أيـضًا ساريـة، لكـن أعدك أنها ستـكون المرة الأخيرة، سأتـخلص منكِ حتـمًا”

سارت بهدوء نحوها تقترب من الفراش وعيناها مازالت بأعين رقية، وقفت في نهايته تتمسك بأحد أعمدته النحاسية وهزت رأسها بيأس تنظر لأسفل مبتسمة ابتسامة سخرية ثم رفعت نظرها لها مرة أخرى قائلة بنبرة مدعية التفكير :

-“أخبريني ما الذي يمنعني من الانتقام منكِ؟!

ما الذي يمنعني من قتلك على كل ما تسببتِ به من محاولاتك لقتلي، إهاناتك، تجبرك، وإثارة المتاعب؟!

إن قتلتك لن يلومني أحد، فلقد شاهدك الجميع ملقاة أمامي عندما كدتِ أن تطعنيني”

صمتت وكتفت ذراعيها أمام صدرها واقتربت منها تجلس على حافة الفراش توليها جانب جسدها، ثم نظرت لها بعد مدة من التفكير كمن تأخذ رأيها :

-“أخبريني ما الذي يمنعني أن أنتقم منكِ على ما تسببتِ به لأبي من تركه لمنزله، موطنه، أرضه والتشرد وأسرته ليتقي بطشك؟!

لماذا لا أستل خنجري وأخرج به قلبك لأرى إلى أي مدى وصل الحقد والجشع والضغينة به ؟”

ضغطت رقية على أسنانها حتى كادت أن تنكسر في فمها من شدة غيظها وضعفها من مجرد الرد عليها كالسابق، لاحظت تحولت عينيها إلى كتلة من الدماء من شدة غضبها لتقترب منها أكثر هامسة بغموض ونظراتها تنتشر على كامل وجهها وجسدها المغطى:

-“لماذا لا أشعر بالانتصار والسعادة لرؤيتك هكذا أيتها الملكة؟

يجب ألا يكون هناك شخص سعيدًا مثلي لرؤيتك هكذا عاجزة حتى عن النطق بشكل سويّ، لكن كل ما أشعره نحوك الشفقة.. الشفقة فقط”

حاولت التحرك بجسدها لكنها لم تستطع ليسقط جسدها على الفراش فتصرخ بقوة من الألم الذي عصف بها في كامل ظهرها نتيجة تحركها الزائد ، لم تتحرك سارية من مكانها وهي تراها بهذا الشكل.. تصرخ بوجع.. ضعيفة منكسرة الجبروت.

تشعر أنها أمام طاووس نُتف ريشه بالكامل لكنه ما زال يسير بغروره وتكبره يقنع نفسه أنه لن يسقطه شيئًا ولو كان بعض الريش يكمن جماله كله فيه!

طاووس تلقى طعنة لكن كبريائه يرفض السقوط حتى يلفظ آخر نفس في جسده!

جلست القرفصاء واستندت بذراعيها على الفراش واضعة ذقنها عليهما أمام وجه رقية ومازالت ملامحها تكسوها الهدوء لكن خلف الأعين الساكنة نيران تشتعل من الغضب والثورة للانتقام منها على كل ما فعلته معها، لكن كلمات والدها ترن في أذنها :

“إن ضاقت بكِ نفسك عما بداخلك، ومزق الانتقام والغضب قلبك واستبد بكِ..

فكوني موقنةً بأن هنالك باب يفيض رحمة ونورًا..

باب إليه قلوب الخلق تنطلق

فعند ربك باب ليس ينغلق..

فلا تأخذي حقك من شخص أهلكه الضعف وعقاب ربكِ فما هو عقابكِ بجانب عقاب الخالق!!”

ذمت شفتيها بأسف مزيف وسألتها بدهشة وجبين متغضن

-“أتتألمين؟

أتشعرين بالوجع؟

أنهضي وتغلبي عليه هيا.. ألم تصرخي لي أنه لا يوجد شيء يستطيع كسرك وإضعافك؟

هيا أنهضي وأثبتي لي صحة حديثك..

أثبتي لي أن هذا الالم الذي يعصف بكِ يذكرك بالألم الذي عاشه إلياس بسببكِ”

صرخت سارية بقهر تضرب بقبضتيها على الفراش لكنها ضغطت على شفتيها حتى تكبح غضبها فلا يؤثر عليها بالسلب، سمعت زمجرة شرسة تخرج من رقية وعيناها تقدح شراً وهمست بفحيح بسبب ألم ظهرها الممزوج بغضبها

-“نعم أنـا سأنـهض وحينها لن ينقـذك أحد مني، سأقتـلكِ أيتها الحقيرة سأقتـلكِ، أنا لن يحـدث لي شيء”

صمتت ضاغطة على شفتيها تتنفس بصعوبة وتكتم ألمها حتى لا تثير شماتة تلك التي تستمع إليها بصمت وتنظر لها من أسفل أهدابها، فمدت رأسها تريد الاقتراب منها هامسة بنبرة تعكس كم الغل التي تحمله :

-“سأتخلص من بدر الدين إلى الأبد، سأجعـله يندم على ما اقترفه في حقي عندما يراكِ غارقة في دمائك”

قبضت على الفراش بقوة، شاهقة بعمق تضغط على عينيها وأسنانها قبل أن تفتحها فانتشر اللون الأحمر حول حدقتيها، لتنهض فجأة تنظر لها من علو وقالت بجمود :

-” لا تقطعي الوعود هباءً أيتها الملكة ، أنتِ لم تستطيعي تحقيقها وأنتِ بكامل قوتك وطغيانك فما الذي تستطيعين فعله الآن؟”

انحنت لتصل إلى وجهها فلم يفصلهما إلى بضعة إنشات فقط فأحالت نظراتها بين حدقتيها وهزت رأسها بلا هامسة

-“أنظري إلى أين أوصلك حقدك وشرك؟

في هذا الفراش لن تستطيعي الحركة مرة أخرى ، وكل شيء اكتسبتيه وخسرتِ أمامه شيء آخر أغلى وأثمن وأولهم أبنائك، لن تستمتعي به..

داين تدان أيتها الملكة العظيمة ، فالديّان لا يموت “

استقامت من أمامها واندفعت خارجة من الجناح دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة، خرجت ولم تشعر بذرة من الندم على تركها لها بهذه الحالة ولا على الكلمات التي تحدثت بها ، لم تشعر بالشماتة لما حدث لها على قدر شعورها بالقهر لما تلقته منها.

الحقد موجود داخل الإنسان كوحش نائم

إذا أطعمه مرة طالب بالمزيد

ليشتد ويشتد حتى يلتهم صاحبه

جاثية على وجهها.. محدقة في الفراغ.. تلهث بقوة من فرط ما يحوم بداخلها، شعرت بكفين يمسكان كتفيها فظنت أنها شعرت بالشفقة فعادت لتجعلها تتمدد بشكل صحيح، زمجرت بفحيح تهز رأسها برفض وتلتفت للخلف تشعر بجسدها يرتفع، فاتسعت عيناها من المفاجأة عندما وجدتها خادمتها التي كانت معها في اليوم التي قررت فيه قتلها.

عدلت من وضع الوسادة أسفل ظهرها والأخرى خلفها وأعادتها لوضعيتها السابقة، ثم أمسكت كوب من الشراب يحتوي على أعشاب طبية وصفها الطبيب لها وقربته من فمها كي تشربه، أشاحت برأسها رافضة أن تشعر بهذا الضعف.. عاجزة عن الحركة، لكن خادمتها قالت بصوت مرتجف :

-“مولاتي أشربي دواءك أرجوكِ، هذا لشفاء جرحك”

كان إلياس يتابع هذا كله من باب الجناح بدايةً من دلوف سارية عندما كان في طريقه إلى هنا ليراها، لكن وجود زوجته استوقفه ليستمع إلى حوارهما واختفى متواريًا حتى لا تراه.

حرقة قلبها وحقد والدته جعله يسيطر على نفسه رغمًا عنه فهما في حاجة لهذه المواجهة دون تدخل من أحد.

كاد أن يدلف إلى الجناح لكن ذلك الصوت الأنثوي من خلفه استوقفه ليجدها أروى، نظر لها بدهشة فهو لا علاقة له بها، تقدم أمامها يضع ذراعيه خلف ظهره وأومأ لها أن تتحدث فانحنت باحترام وقالت برأس منخفض وصوت خافت :

-“أريد أن أتحدث معك بأمر هام ياجلالة الملك”

عقد حاجبيه بدهشة عن ماهية الشيء التي تريد التحدث عنه، فلو أرادت شيئًا الأولى أن تتحدث مع أخيه بصفتها وصيفة ليان، لكنه تنهد وأومأ مشيرًا لها أن تتبعه.

وصلا إلى قاعة اجتماعاته وجلس على كرسيه ينظر إليها قائلًا :

-“أنا أسمعك تفضلي”

ابتلعت ببطء تتنفس بعمق قبل أن تقول :

-“أنا أعلم من أطلق السهم على جلالتك في ذلك اليوم”

اتسعت عيناه بدهشة وتساؤل، فاستند بظهره على كرسيه يستند بمرفقه على حافته يدلك فكيه بسبابته:

-“أعلم أروى أن المسئول عن هذا هو كهرمان و..”

– “لا”

نطقتها بسرعة تقطع حديثه، فنظر لها بدهشة رافعًا حاجبه، لتبتلع بصعوبة تضم كفيها أمامها وتنحني برأسها لينهض من مكانه ويهبط من أعلاه مقتربًا منها قائلًا :

-“لا أفهم معنى كلمة لا.. ماذا تقصدين؟!”

أخذت عدة أنفاس كي تتحلى بالشجاعة ورفعت أنظارها إليه قائلة :

-“نعم الملك كهرمان أطلق هذا السهم، لكن كل هذا تحت أمر من الملكة.. الملكة رقية “

اشتعلت عيناه مما سمعه وازداد سواد حدقتيه وهتف مستنكرًا أن تصل والدته إلى هذه الدرجة :

-“ما الذي تهزين به يا فتاة؟

كيف لكِ أن تنسبي شيء كهذا للملكة؟!”

زفرت ببطء تهز رأسها بيأس قائلة بهدوء :

-“أعلم أنه من الصعب تصديق هذا، لكن كل شيء حدث معي أنا جلالة الملك، ولولا هذا ما تجرأت على التفوه بمثل هذا الحديث”

ضيق عينيه وقبض على يده بشدة مقتربًا منها ، فارتجفت مكانها من هالته التي تحيطه وهمس بصوت جامد :

-“أخبريني كل ما حدث، وأقسم بالله إن كذبتِ سأجعلكِ تندمين على هذا أروى”

أومأت برأسها عدة مرات وبثت الثقة في نفسها :

-“أرسلت في مجيئي لأجدها تهددني إما أن أذهب برسالة إلى الملك كهرمان أو تقتلني”

عقد حاجبيه بغير اقتناع وسألها :

-“لم أفهم لماذا ستقوم بتهديدك؟!”

رمشت ببراءة مزيفة لكن خلفها تخفي مكر ودهاء الذئاب وأجابته بثبات :

-“لأنها حاولت من قبل أن تجعلني أساعدها في إيذاء سارية فرفضت بقوة.. لكنها علمت شيئاً يخصني وقررت استخدامه ضدي”

ازدادت عقدة جبينه من شدة دهشته وهز رأسه بعدم فهم قائلًا بتيه :

-“ما هذا الشيء؟!

ولماذا لم تخبري أحدًا بما طلبته منكِ؟!”

ضمت قبضتيها إلى صدرها تفركهما بتوتر زائف وسعلت قليلًا قبل أن تقول :

-“علمت بإعجابي بجاد، كنت أتحدث مع الملكة ليان لكن أقسم أن مشاعري كانت لنفسي فقط ولم تخرج إلى النور، وعندما علمت بهذا هددتني واستغلتها ضدي.. ولم أستطع أن أخبر أحد بسبب خوفي”

ضغط على أسنانه بقوة وأمرها أن تتابع حديثها فرفعت نظرها إليها مكملة :

-“كتبت رسالة إلى الملك كهرمان تطلب منه هذا السم، وأعطتني الرسالة لأذهب بها بنفسي وآتي به، لكنني أخبرتها أن الرسالة سقطت في الماء رغمًا عني وتحججت بأن الملكة ليان ستكتشف عدم وجودي وستكون مشكلة فأرسلت أحد الجنود برسالة أخرى”

والدته السبب فيما حدث!

استعانت بألد أعدائه لتتخلص من زوجته!!

عقله لا يستطيع أن يصدق ما يُقال، فدلك جبهته و وجهه بيديه وهز رأسه برفض لكل هذا هاتفًا :

-“نعم الجميع يعلم كرهها لسارية، لكن هذا لن يجعلها تستعين بأكبر أعدائي بسبب حقدها هذا”

رفع وجهه فتفاجأ بها تشهر يدها أمامه ممسكة بلفافة من الورق، نظراتها كانت ثابتة وواثقة فأحال بنظراته بينها وبين الرسالة التي تمسكها ولاحت نظرات التساؤل في عينيه لتجيبه عنها :

-“هذه الرسالة التي كتبتها للملك كهرمان، أنا لم أفقدها كما قلت لكنني احتفظت بها تحسبًا لأي غدر يصدر منها تجاهي”

تناول الرسالة منها يفضها وبدأ يقرأ الرسالة بعناية:

-“من الملكة رقية إلى الملك كهرمان ملك مملكة القمر ..

كل منا على علم بمدى كرهك لابني إلياس ومدى المنافسة والتحدي بينكما، لكن أريد أن تترك هذا الأمر الأن وتساعدني بما أريد فعله، بالطبع تعرف بأمر بتلك الفتاة المسماة سارية.. أنا أكرهها لمدى لا يتخيله أحد وأريد التخلص منها اليوم قبل الغد .

أعلم أن مملكتك الوحيدة التي تنتج أخطر أنواع السم، وكذلك الدواء لا يوجد إلا عندك.. أنا أريد هذا السم لكن لا أريده سائلًا، أريد سهمًا مغموسًا في هذا السم، أريد القضاء على تلك الفتاة في أقرب فرصة..

أرجو منك التعاون فهذا أول طلب لي منك “

يعلم خط والدته، ولكن ما أكد له أنها من أرسلتها ختمها المميز الذي يحمل اسمها في نهاية الرسالة، عض على شفتيه بقوة وأغمض عينيه وتهدلت أكتافه بتعب يتجه إلى كرسيه مرة أخرى يرفع الرسالة أمامه يقرأها ثانيةً، انحنت أروى وانسحبت بهدوء من القاعة تخفي ابتسامة شامتة لرقية فهي تستحق كل هذا، أولته ظهرها وظهرت تلك الابتسامة على محياها فهي ستفعل أي شيء حتى تضمن سلامتها وحياتها!

خرجت من القاعة تقف أمام الباب تستنشق الهواء براحة وعلى وجهها علامات الدهاء، التفتت لتذهب في طريقها فوجدت سارية تتقدم منها فانحت لها باحترام وقالت بابتسامة :

-“صباح الخير مولاتي”

بادلتها الابتسامة والتحية :

-“صباح الخير أروى، ماذا تفعلين هنا؟!”

-“لقد كنت أتحدث مع الملك في أمر شديد الأهمية يخص تلك الحادثة التي لحقت به، أحرى لكِ أن تدخلي إليه مولاتي فهو بحاجة إليكِ “

عقدت حاجبيها بدهشة، فكيف لأروى علاقة بحادثة إلياس؟

لم تفكر مرتين وأشارت للحارس بفتح الباب فأطاعها مباشرة لتدخل وأمرته بعدم إدخال أحد إلى القاعة.

وقعت عيناها عليه فوقفت لحظة تتأمل حالته .. جالسًا مضجعًا إلى كرسيه يفرق بين ساقيه ورأسه تميل إلى الجانب وقد تخلى عن عمامته، يرفع أمام عينيه رسالة يقرأها بتمعن لدرجة أنها ظنت أنه لم يشعر بدخولها.

رفعت ذيل فستانها وتقدمت منه بخطوات سريعة شبه راكضة ليأتيها صوته البعيد وكأنه يخرج من أعماق بئر دون النظر إليها :

-“لا تركضي حتى لا تتأذي”

لم تستمع له حتى وصلت أمام كرسيه، رفعت نظرها له وعيناها عاث فيهما القلق :

-“ما الأمر إلياس؟!

ماذا أخبرتك أروى لتكون بتلك الحالة؟!”

رفع عينيه عن الرسالة ليميل برأسه للناحية الأخرى ناظرًا إليها فاضطرب قلبها من نظراته الفارغة، تابعها تتقدم ببطء تصعد الدرجات القليلة حتى وقفت على بعد درجة واحدة منه وعلامات القلق بادية في نظراتها، تهز رأسها بتساؤل عما حدث، فاستند بمرفقيه على فخذيه مقتربًا برأسه منها وقال :

-“أخبريني سارية عندما نندم على أحد هل نندم على ماضينا معهم، أم على ما قدمناه لهم؟”

لم تفهم ما يحاول قوله لتجده يحدق في نقطة في الفراغ وضيق بين عيناه مكملًا :

-“أحاول أن أضع يدي على العلل لأرى هل السبب مني؟

لا أحب الخيانة والجميع يعلم هذا، فلماذا ينزووا وراء الخيانة؟

عشرات ومئات “لماذا” تدور في فلك أفكاري .. فهل تكفي كلمة الأسف عليهم، أم نأسف على أنفسنا؟”

تسارعت أنفاسها لتلك الألغاز في حديثه، تحول نظراتها بين وجهه وتلك الرسالة التي تضغط قبضته عليها بين الحين والآخر فهمست بلوعة :

-“إلياااس!”

كأنه لم يسمعها لتزداد نظراته حدة وتابع بهمس كأنه يحدث نفسه :

-“نعم نأسف على أنفسنا لأننا جعلنا حبنا ومشاعرنا تذهب لأشخاص لابد من تركهم منذ زمنٍ ، ليمر عليهم غبار الزمن دون الرجوع إلى كلمة آسف بحقهم”

وقف فجأة يمد يده إلى مرفقها يجذبها برفق إليه لتقف أمامه مباشرة فتأمل عينيها للحظات وعقدة جبينه تزداد بتساؤل أكبر ونظراته ترجو إجابة تشفي جرح قلبه :

-“ما الذنب الذي أذنبته؟

ما الجريمة التي اقترفتها لأتلقى الخيانة من أقرب الأقربين؟”

التصقت به ورفعت كفها إلى جبينه تمسح عليه وتعيد خصلاته التي تساقطت عليه لتهبط برفق على وجنته تمسده بإبهامها، وتحولت نظرة القلق في عينيها إلى حب وفخر وقررت مسايرته في حديثه لتجيبه على ما سأله بهدوء :

-” الندم هو الإبصار الذي يأتي متأخرًا، لكن شيء واحد لا تندم عليه أبدًا وهو حسن خلقك للناس حتى وإن قابلوك بالإساءة”

رفعت كفها الآخر تحيط وجنته الأخرى واستندت بجبينها إلى جبينه مغمضة العين، مبتسمة الثغر وهمست له بقلبها قبل لسانها :

-” لا يوجد شخص كامل إلياس، إن وجد شخص يحبه مائة سيكون منهم عشرة يكرهونهُ ويتظاهرون بالحب لأي سبب كان”

تنهدت وفتحت عينيها ليرى تقلبات الموج فيهما واشتداد خضار الأخرى، شعر بكفها يتحرك ليتغلل في خصلاته خلف عنقه والأخرى مازالت على وجنته لتقول هامسة :

-“يكفي أن يحبك قلب واحد لكي تعيش وسأكون أنا هذا القلب حتى ينتهي عمري”

ألصق شفتيه على خاصتها بقبلة عميقة محتاجة، قبلة صغيرة لكنه كان بحاجة لها، ليشعر بأن نيرانه تبرد قبل أن يفصلها بنظرة تحذير في عينيه، فهمتها على الفور ألا تنطق بلفظ الموت أمامه لتبتسم بسعادة.

وقع نظرها على الرسالة مرة أخرى فأرادت أخذها منه برفق لكنه ضغط عليها رافضًا، رفعت نظرها إليه بعتاب خفي قبل أن تحول نظرها إليه فتركها لها محيطًا خصرها باليد الأخرى .

قرأتها بأكملها، لا تعلم لمَ لم تتفاجأ بما عرفته، فلقد أشار كهرمان في هذا اليوم أن هناك شخص آخر متورط في هذا الحادث، ولم تنصدم عندما علمت أنها رقية.

ألقتها على الكرسي خلفه بعدم اهتمام ليناظرها بدهشة فرفعت كتفيها بلامبالاة وقالت بعقل :

-“هذا ليس وقت الندم ولا الغضب إلياس.. بماذا سيفيد إذا واجهت والدتك بهذه الرسالة؟

هل هناك أكثر مما حدث لها، فليس هناك عقاب يفوق عقاب الله!

هناك عدو أكبر يستحق أن تفكر جيدًا حتى تأخذ ثأرك منه”

بالفعل كان ينوي الذهاب إلى والدته يواجهها بكل هذا، لكنها معها كل الحق بماذا سيفيد هذا؟

يكفي ما حدث لها وليفكر في كهرمان وكيف سينتقم منه؟!

تنهد بقوة مستغفرًا ربه حتى يطرد هذا الشيطان قبل أن يتمكن منه، فأحاطت عنقه قائلة بمشاكسة :

-“أتعلم؟!”

نظر لها بتساؤل فتلمست وجنته بظاهر أناملها هامسة بنبرة مليئة بالحب والشغف :

” أجمل دولة أعيش فيها حدودها ذراعيك وقانونها حبك

شمسها عينيك وشعبها أنا فقط

وملكها أنتَ وَحدك”

ازداد سواد حدقتيه من مشاعره التي عصفت به، ليجذبها إلى أحضانه تلتصق به أكثر وكفه حال بين جسده وجسدها ليضعها على بطنها، ورفع حاجبه بمكر يميل على أذنها بهمس خافت :

-“أعشق فترة حملك بسبب تقلباتك .. تغريني لأكررها أكثر من مرة وأزرع في أحشائك عوضًا عن الطفل ثلاثة أو أكثر “

ضحكت بقوة واهتز جسدها بين ذراعيه ليعود رأسها للخلف من شدة ضحكاتها حتى دمعت عيناها، ثم ضمته إليه دافنة أنفها في عنقه قائلة بهمس :

-“أعشق رائحتك”

ضحك بقوة هذه المرة يضمها إليه أكثر ولسانه يدعو أن يلهمه الله الصبر فهي لا تساعده على الإطلاق حتى تمر تلك الفترة على خير ولا يأخذها هنا في التو واللحظة.

على رقعة الشطرنج

يتحرك الحصان الأسود مربع للأمام يليه الآخر ثم مربع للجانب

أصبح الملك محاصرًا مخنوقًا على الحافة

والآن كش ملك.. انتهت اللعبة!

دلفت كي تراها، وجدتها ترتدي ثوب أحمر قاني مرصع بالماس وتاجها الذهبي الكبير المليء بأحجار الياقوت الحمراء، بجانبها خادمتها تعطيها دوائها حتى سألتها بدهشة بصوت ثقيل :

-” لقد مر وقت طويل منذ ما حـدث، ولم أرَ إليـاس.. أين هو؟!”

كادت أن تجيبها لكن أتت الإجابة منها وهي تتقدم لتقف بجانب الفراش تستند بكتفها على العمود النحاسي وتكتف ذراعيها أمام صدرها مبتسمة بتشفي :

-“لا تنتظري زيارته أيتها الملكة فهو لن يأتي”

طالعتها رقية بدهشة وحاجبين معقودين، فهذه المرة الأولى التي تتحدث معها منذ أن بعثتها برسالتها لكهرمان، نظرت للخادمة وأمرتها بالخروج ثم تطلعت بها مرة أخرى :

-“ماذا تفعليـن هنا يا فتاة؟

وماذا تقصديـن بأن إليـاس لن يأتي؟!”

ذمت شفتيها بتفكير مصطنع ووضعت أناملها أسفل ذقنها :

-“من الممكن لأنه علم أنكِ كنتِ تنوين قتل زوجته”

صمتت قليلًا ثم التفتت لتجلس بجانبها تثني إحدى قدميها أسفلها تعطيها وجهها، وأكملت بهمس ماكر تنظر لها من أسفل أهدابها :

-“أو علم بخطتك مع كهرمان وأمر السهم المسموم”

توسعت عيناها بذهول وصدمة، وهزت رأسها برفض لهذا الحديث لكن نظرات أروى الماكرة جعلتها تفطن أنها من فعلت ذلك.. احتقن وجهها بالدماء من فرط غيظها وثورتها لتهتف :

-“أيتها الحقيرة، سأقتـلك هذا خطأي أنني لم أتخلص منك حينها”

ضحكت أروى بقوة جعلتها تناظرها بدهشة ، واستندت بمرفقها على قدمها واقتربت برأسها قليلًا منها بدهشة مصطنعة :

-“وكيف ستفعلينها؟!

أنتِ لا تستطيعين إخراج يدكِ من أسفل الغطاء حتى تحملين خنجرًا وتطعنيني به”

ازداد احتقان وجهها وبياض عينيها استحال للون الأحمر ، لتقترب منها أكثر وقالت بفحيح مشابه لها :

-“هل أخبركِ أحد من الذي قام بإلقاء السهم عليكِ؟”

نظرت رقية لأسفل تفكر.. لم يأتِ أحد إلى هنا حتى يخبرها بهوية الفاعل، تفكر طوال تلك الأيام عمن تجرأ على فعل ذلك فلم تتوصل إلى شيء.

تطلعت مرة أخرى إلى أروى التي أكملت :

-“لا داعٍ للتفكير أيتها الملكة، فأنا من فعلتها”

شهقت بقوة وشعرت بانتفاضة في جسدها لتضحك الأخرى بقوة ونهضت من مكانها مكملة بسخرية :

-“عذرًا كان يجب أن أمهد لكِ الأمر مراعاة لحالتك”

وقفت خلف الفراش تنظر إليها وكتفت ذراعيها تهز رأسها بإماءة مؤكدة بتشفي :

-“لقد استمعت إلى خطتك لقتل سارية، وأنا من ألقيت السهم كي تتوقفي عما خططتِ له”

عبست قليلًا وهزت كتفيها بقلة حيلة مكملة بأسف مزيف :

-“حقيقةً كنت أصوب تجاه قلبك لكن التفاتك فجأة جعلت السهم يصيب ظهرك”

صمتت فجأة ترى العنفوان يظهر مليًا في وجهها وهتافها الغاضب المصدوم :

-“أيتـها الحقيـرة، لن تسلمي بفعلتـك، سأجعل عقابـك فصل عنقك..

يـا ملعونـة، سأذيقك الأمرين..

لا تظني أن إلـياس سيتركك بعد أن يعلم”

ارتدت أروى للخلف ولاح الذعر على ملامحها تهز رأسها برفض ثم ركضت تجلس أرضًا بجانب رقية تضع يدها على قدمها تقول بلهفة :

-“لا أنتِ لن تخبريه مولاتي، أنا أعتذر منكِ لم أكن في وعيي وأنا أفعل هذا، لكنني شعرت بالخوف”

صمتت وتحولت ملامحها إلى الجمود قبل أن ترتسم ابتسامة جانبية ونهضت ببرود واضعة كفيها فوق بعضهما أمامها، تطالع نظرات رقية المذهولة وشفتيها التي ترتعش وكأنها لم تجد ما تقوله، فقالت بنبرة ماكرة :

-” أنتِ تريدين رد فعلي هذا صحيح؟!

حسنًا أريدك أن تخبريه أنني من أطلقت السهم عليكِ، إن تبدل رأيه وقرر زيارتك أريدك أن تخبريه بحديثي هذا”

انحنت لها حتى وصلت لأذنها وهمست بفحيح :

-“لن يصدقك أحد، فلقد أخبرته إنكِ قمتِ بتهديدي حتى تبعثي برسالة إلى كهرمان.. لكنني أخبرته أنني رفضت لتقومي بإرسال أحد الجنود بدلًا مني”

نظرت لها وأنفاسها تلهث بفرط انفعالها مذهولة من نبرتها وكيف تتحدث معها هكذا؟!

لتقترب من وجهها تكمل :

-“أعطيته الرسالة بخط يدك وختمك أسفلها..

لكن ليس حديثي من جعله يصدقني بل أفعالك ، أنتِ لم تفعلي شيئًا يشفع لكِ عنده”

التفتت لتذهب لكنها نظرت إليها مرة أخرى ليقع نظرها على تاجها الشامخ فوق رأسها فمدت يدها لتنزعه عنها ووضعته على الطاولة بجانبها وقالت بسخرية :

-“لم يعد له قيمة فوق رأسك أيتها الملكة!!”

أنهت حديثها بابتسامة جانبية ساخرة وخرجت بشموخ تاركة خلفها من تنظر لذلك التاج بجمود وصمت وكأنه يحاكيها عما فعلته طوال السنوات الماضية بدايةً من محاولاتها للوصول إليه إلى ما وصلت إليه الآن.

العقائد التي يبنيها الحقد يهدمها الانتقام

والعقائد التي يبنيها الحب يحميها الإحسان “مصطفى السباعي”

مرت عدة أسابيع منذ حادثة رقية وقد حل السلام النسبي على القصر..

جالسان في الحديقة أمامهما عدة أوراق يباشران أمور الجيش وما ينقصه من أسلحة وأدوات، يتطلع إلى جاد بين الحين والآخر ليجد الجمود وانشغال تفكيره حتى وهو يعمل.. وضع القلم بداخل المحبرة وأخذ الورق من يده وضعه أمامه ناظرًا له بتعجب :

-“أخبرني ما بك؟

ما الذي يشغل تفكيرك بهذا الشكل؟!”

هز رأسه بنفي وأجابه :

-“لا شيء مولاي أنا بخير”

عاد إلياس بظهره إلى الخلف يستند بمرفقه على حافته ناظرًا له بهدوء وقال بنبرة جادة :

-“أنا أسأل صديقي ما به”

لتتحول نبرته إلى المكر :

-“أنني أظن أن سبب انشغالك يقبع هناك في الجانب الشرقي”

ما كاد أن ينهي حديثه حتى رفع رأسه باندفاع ونبرة مُفاجِأة :

-“أريد الزواج…”

توسعت عيناه بعدم استيعاب قبل أن يضحك مليء شدقيه ورأسه يعود للخلف حتى هبطت دموعه لينظر له الآخر بغيظ ، فهدأت ضحكاته رويدًا يستمع إلى بقية حديثه :

-“لم أعد أستطيع التحمل أكثر، أمامي وليست بين يدي.. لا تحمل أي ذرة من الشعور حتى ترى مدى اشتعالي وحبي لها!

تارة تصيح بحبها لي وغيرتها، وتارة تخبرني أنه لا يصح فهي فتاة عادية وأنا وزير المملكة”

يستمع له وبداخله حالة من السعادة لدخول الحب إلى حياته الجامدة، الحياة المليئة بالجيش والسيوف والحرب ليست حياة، يجب أن يجد من يستقبل همومه، يشاركه متاعبه، ويبادله الحب حتى تسمى حياة.

استند إلى ظهر كرسيه وقال بسخرية :

-“الغبية ظنت أنني جمعتها بوالدها من أجلها ولسعادتها”

تظاهر إلياس بالدهشة رافعًا حاجبيه لأعلى واقترب منه يستند بمرفقيه على فخذيه وسأله :

-“إذن لمَ فعلت ذلك إن لم يكن لها؟!”

اقترب جاد منه بنفس جلسته ورفع أحد حاجبيه ملتقطًا زيف دهشته من ملامحه :

-“وهل تظن رق قلبي لهذه الدرجة؟!

نعم من أجلها لكن السبب الأول هو إنجاز الوقت لأتزوجها، فهي كانت سترفض الزواج دون الاجتماع به خاصةً بعد وعدي لها.. فالسبب الأول كان من أجلي”

لم يسيطر على ضحكاته لتصدع بصوت أعلى جعل الحراس من حوله يلتفتون إليهما في تعجب من سبب ضحكه بهذا الشكل، نعم هو مبتسم دائمًا لكن من النادر أن يروه هكذا .. نظر للسماء وهز رأسه بيأس هامسًا :

-“حقًا ماذا كنت أظن؟

الرجل الذي قضى حياته بين السيف والدماء كيف سيتحول إلى شخص عاطفي بهذا الشكل ويقلب المملكة رأسًا على عقب حتى يجد والد حبيبته؟

فلابد أن هناك سبب خفي يكنه في نفسه.. يا لغبائي!!”

ناظره بغيظ وسخرية لينهض فجأة ، فطالعه بحاجب مرتفع بمكر ينتظر قراراه الذي شعر به من إصرار نظراته وبالفعل قال نبرة لا تحمل جدال :

-“أجعل سارية تخبرها أنني قررت الزواج منها في غضون أسبوع واحد فقط، شاءت أم أبت سأتزوجها بعد أسبوع”

أنهى حديثه ورحل من أمامه ليضحك الآخر بخفوت يطالع رحيله ليهمس لنفسه :

-“إن لم تفعل هذا فلن تكون جاد الذي أعرفه”

★★★★★

عزيزتي حواء

إن استبد الحب بأدم

فاعلمي أنه اتفق عقله وقلبه معًا

فما عليكِ سوى مسايرته خاصةً وإن كان قلبك معلقًا به.

فالحب بالنسبة له معركة لابد من فوزها!

-“مــاذا؟!”

صرخت بصدمة وذعر عندما أخبرتها سارية بقرار الزواج، وجدت الخادمات يدلفن الواحدة تلو الأخرى يحملن لوازم الزفاف من ملابس وزينة وأحذية.. فغرت فاها وتوسعت عيناها تحيل بنظرها بينهم وبين سارية التي تطالعها بلا مبالاة تشير بيديها إلى ما يحدث غير قادرة على التحدث بشيء من المفاجأة، لتزداد صدمتها أكثر وهي ترى والدها يدلف لها ممسكًا بثوب من لون السكر مكونًا من عدة طبقات، مطرز بطريقة بسيطة لكن أعطته جمالًا مبهرًا ليضعه بين يدها.

نظرت له بنفس هيئتها لا تفهم كل هذا، أحاط وجهها بكفيه مبتسمًا بحنان :

-“هذا الثوب أخترته من أفضل الأقمشة وأنا من صنعته لكِ بنفسي، بالتأكيد ستكونين رائعة في هذا اللون”

اقترب منها طابعًا قبلة حنونة على جبينها هامسًا :

-“أطال الله سعادتك عزيزتي، فجاد شخص رائع ويحبك “

عند ذكر اسمه استعادت وعيها واستفاقت من صدمتها، وضعت الثوب على فراشها ووقفت مرة أخرى أمام والدها تهتف بغيظ :

-“أبي كيف هذا؟

كيف يحدد موعد الزواج ويبدأ في تجهيزاته دون الأخذ برأيي؟!”

نظر إلى سارية لتطالعه بابتسامة خفية والتفتت للخادمات تكمل انتقاء الملابس والانشغال معهم، فأحاط كتفيها يضمها إليه قائلًا :

-“جاد يحبك، الرجل الذي يفعل كل هذا لدرجة أنه يبدأ في تحضيرات الزفاف فقط كي يجتمع بكِ يستحق أن أعطيه إياكِ بقلب مطمئن”

زفرت بقوة ونظرت له باشتعال هاتفة :

-“وإن يكن لابد أن يسألني عن رأيي فأنا من سيتزوج أم أنه سيتزوج بمفرده؟!”

-“حسنًا وما هو رأيك سيدة وسام؟!”

نظرت إلى سارية التي قالتها بنبرة ساخرة ومازالت تتأمل الملابس التي في يدها، تشير للخادمة بالذي سترتبه وما تبعده، ثم رفعت نظرها إليها رافعة حاجبيها بتساؤل بريء تهز كتفيها بلامبالاة :

-“ها أنا أخته وأسألك ما هو رأيك التي ما تنفكين بالصراخ به حتى آلمتِ رأسي”

فغرت فاها أكثر واتسعت عيناها بغيظ من برودها تضرب الأرض بقدمها هاتفة :

-“ســاريــة”

أشاحت بكفها بلامبالاة تغمز للخادمة بمكر وأشارت لها تعطيها ثوب آخر فذمت شفتيها بتفكير وهي تتأمله :

-“وفري رأيك لنفسك أنا أعرفه جيدًا، فأنتِ موافقة..

حتى لو لم توافقي لن أهددك بتزويجه من أخرى بل سيتزوجك رغمًا عنكِ.. صحيح عماه!”

رفعت نظرها لوالدها الذي ابتسم لها وأومأ بموافقة، ففتحت وسام فمها تنوي الصراخ لكن هتاف سارية الحاد أوقفها وجعلها تنكمش في حضن أبيها :

-“كفى صراخًا، وخذي هذه الملابس ارتديها لتري إن كان مقاسها مناسبًا أم لا”

سارت بخطوات حانقة تحفر الأرض من قوتها وعيناها تقدح شرًا كمن تنوي الإنقضاض عليها ورفعت الملابس في يدها بعنف مندفعة إلى الداخل، فتعالت ضحكات والدها و سارية التي هزت رأسها بيأس :

-“حمقاء”

مرت الأيام الستة بسرعة البرق بدرجة لم تخطر على عقل وسام، لتجد نفسها واقفة أمام مرآتها بعد أن ارتدت الثوب الذي صنعه لها والدها فكانت غاية في الجمال به، مطرز بالفصوص الماسية من الصدر يهبط باتساع مكون من عدة طبقات الأولى منهم مطرزة بخطوط من تلك الفصوص الماسية، بأكمام ضيقة حتى المرفقين ومتسعة حتى الرسغين.

ظهرت ليان من خلفها مبتسمة تحمل في يدها تاج ماسي كبير تثبته في رأسها وربتت على كتفيها بمحبة قائلة :

-“مبارك لكِ عزيزتي، سيجن جاد من جمالك”

بادلتها الابتسام بامتنان، لتأتي سارية تحمل طرحتها بين يدها ووقفت بجانب ليان تثبتها في تاجها وقالت :

-“بل أعانه الله عليها، مسكين”

نظرت لها من المرآة باشتعال، فهي لم تنفك عن إثارة غيظها طوال هذا الأسبوع لتهتف بشراسة :

-“لماذا؟

هل سيتزوج قاطع طرق أم قاتلة؟!”

رفعت لها إحدى حاجبيها تبادلها النظرات، وانحنت برأسها حتى وضعتها على كتفها وقالت بمكر :

-“بل سيتزوجك أنتِ عزيزتي”

تنهدت بقوة تكبح غيظها فوجدت والدها يدخل ليأخذها.

ضمها إليه بحنان يقبلها من وجنتيها مبتسمًا بسعادة ثم وضع الوشاح يغطي وجهها ليخرجا سويًا تسبقهم سارية برفقة ليان إلى مكان الاحتفال.

كان القصر منقسم لقسمين، خيمة كبيرة للنساء يفصلها ستار شفاف تجلس خلفه وسام على يمينها سارية وليان على يسارها.. وخيمة أخرى للرجال مقابلة لها يفصلها أيضًا ستار شفاف يجلس جاد ومعه إلياس ونيار.

حضر الشيخ ليسأل كل منهما عن موافقته على هذا الزواج، فأعطاه كل منهما موافقته ليعلنهما زوجين.

تعالت الموسيقى والغناء طوال الليل حتى قرر جاد الإكتفاء بهذا القدر الليلة.

أدخلتها سارية إلى الجناح وأغلقته خلفها لتذهب إلى زوجها الذي استقبلها بابتسامة وإعجاب لجمالها هذه الليلة بفستانها الأزرق البراق الذي أظهر بروز بطنها الطفيف فهي في شهرها الرابع مما زادها فتنةً.

أمسكت بكفيه وأسندت ظهرها إلى صدره ليلتف خصرها بذراعيه وكفيه تتلمس بطنها صعودًا وهبوطًا يهمس لها بمشاكسة :

-“هل تأكدتِ من إدخالها إلى الجناح بنفسك لتضمني عدم هروبها؟!”

وضعت يدها فوق كفيه وقالت بتشفي ووقاحة :

-“هي أكثر من راغبة بهذا الزواج ومازال جاد سيريها معناه حقًا”

ضحك بقوة واضعًا جبينه على كتفيها يهز رأسه بيأس منها.

انتهى الفصل

الخامس والعشرين والاخير من هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى