روايات شيقة

رواية حين استيقظت متأخرة كامله وحصريه بقلم اسراء الشافعي

رواية حين استيقظت متأخرة كامله وحصريه بقلم اسراء الشافعي 

استغفر الله الحي القيوم وأتوب إليه
” اللهم يا عالم السر منا لا تهتك الستر عنا وعافنا واعفو عنا وكن لنا حيث كنا “
بسم الله نبدأ وعلية نتوكل وهو رب العرش العظيم ………..
كانت ليلة طويلة… ثقيلة على القلب، تختنق فيها الأنفاس دون سبب واضح.
جلست في غرفتي وسط صمت لا يرحم أحدق في شاشة الهاتف التي تضيء كل بضع دقائق بإشعارات لم اكلف نفسي عناء قراءتها لم أمد يدي إليها لم أرغب في أن أقرأ شيئا
الجميع ينتظر الجميع يترقب وكأن هذه الليلة وحدها هي من ستقرر من أكون… ومن لا يجب أن أكون.
شعرت أنني معلقة في منتصف شيء لا أستطيع تسميته…
شيء بين خوف لا أملك الجرأة للاعتراف به ورجاء خافت لا أملك الشجاعة لتصديقه.
نظرت حولي…
مكتبي مكدس بالأوراق فوضى من كتب أرهقتني لعام كامل لكنها الآن تبدو بلا معنى… بلا قيمة
أوراق المذاكرة الملاحظات الجداول… كل شيء بدا كأنه ينتمي لحياة أخرى
الساعة تشير إلى الثالثة فجرا
المدينة نائمة والنوافذ مظلمة والعالم من حولي يغط في سكون خانق
لكنه لم يكن سكونا مطمئنا… بل ذلك النوع من السكون الذي يسبق العاصفة
السكون الذي يجلس معك في الغرفة ولا يرحل
الذي يربك نبضك ويثقل صدرك
الذي يقول لك بصمت: ” استعد فكل شيء على وشك أن يتغير “
في الخارج كان الصمت لا يقل اضطرابا عن الداخل
سمعت صوت أبي يتحرك في الممر… خطواته متوترة غير منتظمة كأن الأرض لم تعد مألوفة تحت قدميه
كان مستيقظا مثلي تماما… لكنه لم ينطق
مرت خطواته بجوار باب غرفتي ثم ابتعدت قليلا ثم عادت ثم سكنت
أما أمي فلم تطرق الباب ولم تسألني كعادتها: ” لسه صاحية ؟ “
كأنها تعرف… تعرف أنني لم أنم ولم أرتح ولم أهدأ
كأن الجميع يعرف لكن لا أحد يملك الشجاعة ليتحدث عن القادم
مع أول خيوط الفجر تسرب ضوء باهت إلى الغرفة، لكنه لم يحمل دفئا… فقط زاد من وضوح الأشياء التي كنت أهرب من رؤيتها
مددت يدي نحو الهاتف كأنني أحمل وزنا لا يحتمل
فتحت الموقع الرسمي للوزارة أدخلت بياناتي بيد مرتجفة كل رقم كأنه اعتراف… كل خانة كأنها سؤال
وفي لحظة دون تفكير ضغطت زر ” إظهار النتيجة “
توقف كل شيء
لا صوت .. لا نفس .. لا حركة
وساد الصمت…
ذلك الصمت الذي لا يشبه أي هدوء، بل يُشبه سقوطًا داخليًا بلا صوت.
وعمت الصدمة… قبل أن أرى الرقم حتى كنت أعرف…
كنت أشعر أن شيئا ما سينكسر في ولن يصلح بسهولة
تراقصت الأرقام أمام عيني…
غامضة.. متشابكة.. وكأنها ترفض أن تعلن الحقيقة دفعة واحدة
ثم استقر كل شيء…
80%.
للحظة تخيلت أن الشاشة تهتز أو ربما أنا من كنت أرتجف
الهواء صار ثقيلا .. والوقت أصبح أبطأ مما يحتمل
ابتلعت ريقي بصعوبة وكأنني أُجبر نفسي على بلع الخيبة
رفعت بصري ببطء…
إلى هناك حيث يقف والداي يترقبان يتشبثان بأي بادرة أمل
لم أتمكن من النطق…
لكنهم رأوا النتيجة في عيني
قبل أن تنطق بها شفتاي
كان الألم صادقا بما يكفي ليفضحني دون كلمات
أبي أغمض عينيه للحظة بدت أطول من الزمن
كأنه يحاول استيعاب خيبته… أو ترويضها
تنفس ببطء بصوت بالكاد يسمع لكنه كان كافيًا لأشعر أن شيئًا ما انكسر فيه
لم ينظر إلي … فقط نظر بعيدا وكأنه لا يريد أن يرى الحقيقة على وجهي
أما أمي…
فعيناها كانتا ممتلئتين بكل شيء إلا الفخر
خيبة أمل ساكنة أسف لا يقال وغضب خافت يختبئ خلف صمتها المعتاد
لم تصرخ لم تبك لم تسأل
لكنها لم تحتج لفعل أي شيء…
كانت نظرتها وحدها كافية لتهز شيئا بداخلي لم أكن أعرف أنه موجود
ثم جاء صوته منخفضا… مشوبا بالذهول
– ” 80% ؟ “
نطقها أخيرا وكأن الرقم نفسه لا يصدق…
كأن عقله لا يريد أن يصدق أن كل ما بني في مخيلته قد سقط بهذه السهولة
لم أعرف كيف أجيب
هل أقول لهم إنني سهرت ؟ إنني تعبت ؟ إنني كنت أحاول أن أرضيهم أكثر مما كنت أحاول أن أرضي نفسي ؟
الكلمات علقت في حلقي كأن شيئًا ثقيلا يسكن داخلي ويمنعها من الخروج
لكن حتى لو خرجت… هل كانت ستحدث فرقا ؟
لا أظن
طأطأت رأسي…
شعرت أن الجدران تقترب مني أن الغرفة تضيق أن الهواء لا يكفي
كأنني أصبحت غريبة وسط بيت كنت أظنه ملاذ
كل ما أردته في تلك اللحظة…
كلمة واحدة فقط
لمسة خفيفة على كتفي
أي إشارة صغيرة تقول: ” لا بأس… نحن هنا “
لكن لا شيء حدث
فقط…
ذلك الصمت الثقيل
وتلك النظرات التي لا تنسى…
ولا تغفر
عدت إلى سريري بصمت
استلقيت دون أن أبدل ملابسي دون أن أمسح وجهي دون أن أفكر في أي شيء
الضوء ما زال يتسلل من خلف الستائر لكني أغمضت عيني
لا بحثا عن النوم…
بل هروبا من نظراتهم
لم أشعر بنفسي
لكنني شعرت بكل شيء
تلك الليلة لم تكن عابرة…
كانت جرحاً صغيراً فتح أبواباً كثيرة داخلي
وتركها كلها…
مفتوحة على اتساعها.
هل كانت مجرد نتيجة… أم بداية لانهيار أعمق مما تخيلت ؟
هل سأمضي كما أنا… أم أن شيئاً بداخلي سينهض رغم كل شيء ؟
هل كانت خيبة الأمل من الآخرين… أم من نفسي أولا ؟
وماذا لو لم تكن هذه النهاية… بل يقظة متأخرة لحياة أخرى ؟
الثاني من هنا
زر الذهاب إلى الأعلى