روايات شيقة

رواية روح وريحان الفصل الثاني 2 بقلم ايناس عادل

رواية روح وريحان الفصل الثاني 2 بقلم ايناس عادل

الفصل الثاني

خرجت “ريحانة” فزعة لجدها الذي تلقاها بين ذراعيه مهدئا .. وربت “يوسف” على كتفيها .. ثم جلس بين “ريم” ووالدته يمسك بيد كلا منهما مهدئا .. وأنصت الجميع لتفاصيل الخبر المعلن عاجلا في التلفاز …

تفاصيل وأحداث مصابين ووفيات .. تتابع “ريم” و”ريحانة” الخبر تكاد عيناهما الخروج من مقلتيهما .. فلم تشهدا طيلة حياتهما حدث كهذا .. حتى يوسف وإن كان متماسكا ..

مسئولون ومدانون .. تصريحات وتبريرات .. تنديد بم حدث .. لوم على الحكومة وانتفاضة للشعب .. يرى الجد تلك الأحداث حوله ويبتسم ساخرا في نفسه .. لم يمر يومان إلا وقد توقف العمل في الخط الحديدي المنسوب له الحادث لحين تصليح العطل الموجود .. ولم يمر يومان آخران إلا وقد أقيل المسئول عن الحادث وتحول آخرون للتحقيق … وبعد أسبوع عاد العمل واستخدم الخط الحديدي مجددا .. وهدأت ثورة النفوس .. فثقتهم في حكومتهم لم تخيب …

ووسط فرحتهم اختفى حزنهم على أمواتهم .. فلطالما عاد حقهم لن يضيرهم شئ .. وإيمانهم يتزايد بأن قدرهم الموت في هذا الوقت ..
وأما عن المهمل المتسبب في الحادث فقد تلقى وعيده .. ولن تقف بلدهم عند هذا الموقف .. ينتظرهم ثورة صناعية كبرى …

———————

رنيم … تأثرها بالحادث كان أشد وطأة .. فبحكم عملها كطبيبة شرعية .. ممكن أن يعرضها لمشاهدة الجثث وتشريحها لتعرف ذويها عليها .. وقد كان ..رغم قلة عدد الجثث الذي لم يصل لعشرة أشخاص .. ولكن تمسكها بالحق دائما كالسيف فيه لا تحيد عنه جعلها حانقة على كل مسئول في النقل والمواصلات ولم تسترح إلا وقد عوقب المذنب وأقيل المسئول من عمله …

حديثي عن “رنيم” لا يجب أن يمر دون أن أتوقف عندها وعند جمالها خاصة .. وكما قيل أن الصمت في حرم الجمال جمال .. فستعجز كلماتي عن وصف جمالها … ولا أعرف سره أهو في شخصيتها الآسرة المسيطرة على كل من حولها سيطرة المحبين .. أم قدرتها على كسب القلوب .. أو جذب مستمعيها إليها بلسانها اللبق .. وقد يكمن جمالها في رزانة عقلها وحكمته ..

أما عن شكلها وددت ألا أحدثكم عنه لشدة ضيقها من ذلك .. فكل أنثى تسعد بامتلاك ولو واحدة من علامات الجمال لتصبح من الجميلات … فكيف بمن امتلكتهم أجمع .. عينين نجلاوين كحلاوين تزينهما رموش كثيفة .. ويتعاكس بياض بشرتها مع سواد شعرها المرسل لآخر ظهرها كما لو كان التقى الليل مع النهار … رؤيتها تجعل ناظريك لا يحيد عنها .. وكأن بوجهها مغناطيس يجذبك لها وبها …

كل ذلك سبب في ضيقها .. بل وحنقها من أي متهور يحاول الاقتراب من باب بيتهم .. وليس منها .. فمن يتهور ليتقدم لها تعلم جيدا أن نهايته قد اقتربت إما على يدها أو بسبب ما ستفعله فيه …

ولما كانت ترى ذلك نقصا فيها .. حاولت أن تعوضه في شئ آخر .. فكانت مستميتة في دراستها لأبعد حد .. وأنهت دراستها في الجامعة قبل قريناتها بسبب تفوقها .. فكانت تدرس السنتين في سنة واحدة .. ولم تنتظر كثيرا بل أنهت تحضير الماجستير ومن بعده الدكتوراه في وقت قياسي وفي أهم جامعة في مصر إن لم تكن في العالم .. وتستعد الآن لعمل دكتوراه ثانية …

شيئان لم تفعلهما رنيم بسبب إحساسها بالنقص من جمالها أو ضيقها من نظرات من حولها .. بل فعلتهما برغبة قوية داخلها ولم يكن لجمالها أي سبب في ذلك .. اختيار مجال تخصصها وارتدائها للنقاب …

فبالنسبة لتخصصها رغم معارضة والدتها لها إشفاقا عليها … إلا أنها رغبته وبشدة وأيدها في ذلك دعم والدها لها … وأما ارتدائها للنقاب .. فقد ارتدته عندما أكملت العشرين من عمرها برغبة قوية بداخلها حيث كانت تشعر أنه ينقصها شئ بدونه .. ولم تجد معارضة أحد في ذلك .. فكان والدها دائما وأبدا يدعمها في ذلك … بينما والدتها كانت تتنازع رغبتها بين التأييد لخوفها على ابنتها من أي عين وبين الاعتراض لأنها كأي أم تريد لابنتها التي أصبحت -عروسة- أن تراها كل عين وخاصة عين -ابن الحلال- …

وعلى أعتاب السابعة والعشرين من عمرها .. تشعر أمها بخوفها يتزايد من رفض ابنتها المستمر لكل متقدم لها دون رؤيته أو حتى معرفة من هو … ويبقى ذلك أمرا شائكا بينهما .. كل منهما تتجنب الحديث فيه خوفا من غضب الأخرى …

فـ “رنيم” لا ترى في ذلك الأمر ما تراه أمها .. بل تعده انتصارا هائلا .. كلما رفضت أحد المتقدمين كلما تشعر أن كرامتها مصانة …

ولكن إلى متى ستبقى كرامتها مصانة من وجهة نظرها لا أدري …

——————-

يوسف .. في طريقه لعمله لا يشغل تفكيره مؤخرا سوى موضوع واحد .. يرهقه ويؤرقه ..وهو المعروف بحلال العقد .. ولكن عادة ما تنتهي حلوله عند مشكلاته هو ..

شخص في قلبه ويشغل عقله .. بعيد لا يراه .. تكسره نظرة أمه وشوقها لرؤية ذلك الشخص .. لا يعرف أيلومها ويؤنبها أم يشفق لحالها ..
حتى أخته تنظر له نفس النظرة .. أملهم فيه .. وهو ليس له أمل سوى ربه .. شوقه لهذا الشخص أضعاف شوقهم .. ولكن ليس بيده حيلة …

وصل لعمله حيث خمد تفكيره قليلا … وفي مركز لإعادة تأهيل خريجي السجون .. وتنشئتهم تنشئة اجتماعية تقوم على أسس نفسية .. قد لاقى “يوسف” صنوفا من الناس فيه بحكم عمله كطبيب واستشاري للصحة النفسية .. أضافوا كثيرا له وتراكمت خبراته معهم وبهم .. بل وأصبح حكمه صائبا لا يراجعه فيه أحد .. حتى و إن قل عدد المجرمين فهذا شئ يفرحه .. وفي أغلب الأيام ينحصر عمله بين جلسات جماعية أو فردية -إن لزم الأمر- وعادة ما تكون حول تكييفهم للخروج للمجتمع كأفراد منتجين ومطورين ولكن اليوم يبدو أن هناك اختلاف … فزائر اليوم ليس كسابقيه أبدا .. يزعجه قبل أن يراه … وبالتالي راوده شعور بالضيق أن يتعامل مع شخص كهذا … ولكن يبدو أن شعوره هذا نعمة كبيرة …

طرقات قليلة قبل أن يدخل ويسود الهدوء فور رؤيته … احتراما له من ناحية وخوفا منه من ناحية أخرى .. حاول التبسم وهو يتوجه بحديثه لزائر اليوم قائلا :
-أستاذ مجدي مش كدة ..

حاول “مجدي” السيطرة على خوفه قائلا :
-ايوة

أكمل “يوسف” محتفظا بابتسامته :
-حضرتك مضايق من وجودك عندنا ولا ايه ..

-لا ابدا بس انا مش شايف ان وجودي هنا ليه لازمة ..

جلس”يوسف” قائلا :
-طيب اتفضل اقعد واقف ليه … حضرتك عارف ان وجودك هنا ليه فايدة كبيرة ليك ..
اولا كنت في السجن تقريبا لمدة شهر فبالتالي وجودك وسط المجرمين غير وجودك في الشارع مع كل انواع البشر

ثانيا حضرتك دخلت السجن ظلم فحاجة زي دي تاثيرها هيكون اكبر عليك ..

سكت “يوسف” قليلا ثم أكمل :
-مش ظلم برده يا استاذ مجدي

صاح “مجدي” قائلا :
-اه طبعا مظوم انا معملتش حاجة … اللي عمل كدة في السجن دلوقتي ..

ابتسم “يوسف” وقد حقق مراده قائلا :
-قلتلك صوتك ميعلاش هنا .. ثانيا انا مش بتهمك بحاجة .. ووجودك هنا مش هيطول ..

——————

ريم … الفاكهة اللذيذة .. أو السحر الخفي .. بابتسامة ساحرة تنهي أحزانها .. وبوجه مشرق تدخل السرورر لكل قلب حولها … بالنسبة لأخويها “يوسف” و”باسل” فهي روضة حياتهما .. الأم الصغيرة .. والصديقة الوفية .. والناصحة الأمينة ..

وبالنسبة لصديقتيها .. فهي المرح الدائم .. والنعمة المشكورة .. قلب نقي .. سماحة دائمة .. موضوع الزواج لا تتخذ منه سوى حديث مرح فقط ولا يشغل بالها جديا .. ولكن إن باءت محاولاتها بالفشل في رسم بسمة على وجه حزين فلا تجد مخرج سوى ذلك الأمر .. فهي تحسن استخدامه جيدا لرسم بسمة نقية …

شخصية مناسبة جدا لعملها كمعلمة للأطفال .. فهناك تجدها طفلة بريئة .. وتجدها أم حكيمة .. وتجدها معلمة حازمة .. تتفانى في عملها بكل كيانها .. وازداد تفانيها مؤخرا لتلهي تفكيرها عن أخيها الحاضر الغائب ..

تقدمت خطواتها في إحدى طرقات المدرسة حتى وصلت فصلها .. طرقت بظهر يدها على الباب ثلاثا ثم دخلت .. وقف تلامذتها احتراما .. فأشارت لهم بالجلوس وهي تقول مبتسمة :
-السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. حبايبي الحلوين عاملين ايه النهاردة ..

استمعت ردودهم فرادى وهي تتحاور معهم .. ثم بدأت عملها بإتقان .. تشرح وتساعد على الفهم والتطبيق .. يمرحون حينا ويجدون حينا آخر … ثم رن جرس الحصص لينبئهم بوقت النظافة .. وبحركة آلية قام كل طفل لينقل مقعده جانبا ويبدءون في تنظيف فصلهم ومعهم معلمتهم “ريم” … وفي خمسة عشر دقيقة كانوا قد انتهوا من عملهم بين المرح والتنظيف ..

فتنشئتهم على التواضع والنظافة وقيم أخرى هدف لدولة تبني نفسها ويعمرها أبناؤها .. فجيل كهذا تربى على تطبيق أن (إماطة الأذى عن الطريق صدقة) -ليس فقط بحفظ الحديث- .. بل واقتدوا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- فعليا في تواضعه وقضاء حوائجه بنفسه .. جيل تعلم أن النظافة من الإيمان فعمل بم تعلم ..

عادوا لدراستهم مجددا حتى حان وقت الغداء .. وبحركة آلية أخرى اتجه كل منهم يحضر وجبته ليتناولوها ومعهم معلمتهم .. ثم ينتهوا لينظفوا آنيتهم ويعودون لدراستهم .. بعد وقت ليس بالقليل للعب والمرح ..

في وقت الراحة بين الحصص .. قامت “ريم” بمهاتفة “رنيم” .. وما إن ردت الثانية قائلة :
-السلام عليكم .. خير ..

ضحكت “ريم” قائلة :
-خير دي يعني اقفل ولا ايه ..

ردت “رنيم” مبتسمة :
-لا واضح انك بتفهميها وهي طايرة .. ايوة اقفلي .. عندي شغل ..

قالت “ريم” ببرود :
-بس انا معنديش شغل دلوقتي .. وبعدين شغل ايه يا حبيبتي اللي في وقت الراحة ..

ضحكت “رنيم” قائلة :
-يا بت انتي عاوزة مني ايه .. واحدة ومش عاوزة تكلمك رامية نفسك عليا ليه ..

ابتسمت “ريم” وهي تقول :
-وانا اللي قلت نيمو حبيبتي استلمت قضية جديدة امبارح ودلوقتي اعصابها مشدودة كالعادة .. دة غير قلقها على ريحانة بسبب ان دة اول يوم ليها في الشغل .. صعبتي عليا قلت اخفف عنك شوية ..

ردت “رنيم” قائلة :
-انا فعلا قلقانة على ريحانة .. بس اعصابي مش مشدود ولا حاجة .. واحنا شاكرين مجهوداتك العظيمة لتخفيف اعباء المجتمع ..

استمعت “ريم” لها وهي تعلم أنها متوترة بالفعل ولكن “رنيم” كعادتها تحب أن تخفي انفعالاتها عن كل من حولها .. لم ترد “ريم” من مكالمتها سوى التخفيف من توترها وقلقها .. حتى وإن لم تعترف “رنيم” بذلك .. ولكنها متأكدة من جدوى مكالمتها .. بالإضافة الى أن “ريم ” نفسها قلقة على “ريحانة” بشدة فهذا أول يوم لها في العمل .. ويعرفون جيدا خوف “ريحانة” من أي غريب .. فأحبت أن تشاركها مشاعرها فقط ..

أفاقت “ريم” على نداء “رنيم” لها فردت قائلة :
-معاكي اهو يا ستي .. وبعدين ريحانة دلوقتي في البريك هي كمان .. هكلمها خليكي معانا ع الخط بقى ..

ردت “رنيم” قائلة :
-حاضر .. اما اشوف اخرتها معاكي انتي وبنت خالتك ..

ضحكت “ريم” قائلة :
-اخرتها فل ان شاء الله ..

قاطعهما صوت “ريحانة” الهادئ وهي تقول :
-السلام عليكم

ردت “رنيم” وريم” في وقت واحد :
-وعليكم السلام .. عملتي ايه يا ريحانتي ..

ثم ضحكت كلتاهما تشاركهما “ريحانة” التي قالت :
-الحمد لله كان يوم كويس .. متقلقوش عليا ..

ردت “رنيم” :
-طيب .. وبعدين .. انا عاوزة تفاصيل ..

فهمت “ريحانة” ما تريد فردت :
-انا ليا مكتب لوحدي .. كل اللي هتعامل معاهم في الشغل بنات او بواسطة بنات .. حتى المدير تعاملي معاه بيكون بوجود سكرتيرته ..
ثم أكملت بحزن:
– كلهم فاكرين ان الحدود اللي انا عاملاها بيني وبين اي راجل بس .. مش فاهمين اني حتى خايفة من تعاملي مع البنات …

ساد صمت حزين بين ثلاثتهن .. قطعته “رنيم” بحزم قائلة :
-ريحانة يا حبيبتي احنا اتفقنا انك هتتعاملي مع كل الناس عادي .. اولا خوفك دة ملوش اي سبب غير خيالات في دماغك .. ومش عايزاه يأثر عليكي .. لازم تفهمي انهم هما اللي محتاجينك في الشركة دي .. ولازم تثبتي انك اد ثقتهم فيكي اتفقنا ..

ثم أكملت “ريم” قائلة :
-بت يا عبقرينو انتي شوية الزعل دول علشان تهربي مني ومتعرفنيش قبضتي كام تمن البرنامج دة ..

ضحكت “ريحانة” قائلة :
-لو سؤالك علشان عزومة الغدا انا مش ناسية ..

حينها ضحكت “رنيم” وريم” قائلة :
-حبيبتي يا ريحانتي .. ايوة كدة .. دة انا حتى عرفت يوسف اننا هنكون مع رنيم النهاردة .. ولو انه فضل يقولي ماهي بنت بردو .. بس انا قلت له متخفش دة انا ورنيم بميت راجل ..

ردت “رنيم” قائلة :
-على فاكرة اخوكي دة يحكم عليكي او على ريحانة .. لكن ملوش حكم عليا .. وبعدين هتحسدي البت على تمن البرنامج .. على أساس ان حسابك في البنك صفر ..

شهقت “ريم” باصطناع قائلة :
-اه ايه دة بتحسديني يا ام عيون واسعة وكحيلة ..

ساد صمت مجددا .. قطعته “ريم” هذه المرة وهي تقول :
-لو زعلتي يا رنيم هقفل ..

ردت “رنيم” بصوت محايد :
-مزعلتش ..

فقالت “ريم” :
-طيب سلام عليكم ..

أوقفتها “رنيم” بحزم :
-قلت مزعلتش .. بطلي حركات العيال دي …

صمت للمرة الثالثة .. وكل منهن تعلم أن “ريم” أصابت وترا حساسا لدى “رنيم” .. فالحديث عن شكلها أو وصف جمالها يزعجها لدرجة مؤلمة .. ولم تعلم “رنيم” أن ما تفعله “ريم” لم يكن أبدا خطأ غير مقصود .. بل دائما تتعمد ذكر ذلك على سبيل المرح .. تريد أن ترى “رنيم” فرِحة بجمالها أو حتى مغرورة به .. لن تلومها .. ولكن أن يصبح جمالها عقدة تعرقل مسير حياتها … شئ تلوم “رنيم” عليه ولكن بلا جدوى …

وبذهن “ريحانة” تدور نفس خواطر “ريم” .. فلـ “رنيم” بقلبيهما مكانة خاصة .. تأبى كلتاهما رؤيتها كذلك .. ويكأنها دميمة تخشى رؤية الناس لوجهها ..

قطع الصمت “ريحانة” وهي تقول :
-هتعدي عليا امتى يا نيمو ..

ردت “رنيم” بصوت مخنوق :
-هعدي على ريم اول في طريقي وبعدين نعدي عليكي ان شاء الله يا حبيبتي .. مش هنتأخر عن 3.30معلش تحاولي تستنينا الفترة دي في مكان تحسي انك مطمنة فيه اتفقنا ..

لم تفت نبرة “رنيم” أذنيهما .. ولكن “ريم” ردت قائلة :
-معلش يا نيمو .. انا هروح لريحانة وانتي تعدي علينا هناك علشان متكونش لوحدها …

ابتسمت “ريحانة” باطمئنان وكذلك “رنيم” ردت :
-خلاص اتفقنا ..

عادت كل منهن لعملها وفي عقلها تدور أشياء اخرى غير التي كانت قبل المكالمة .. ولكن كانت “ريم” أشدهن حزنا .. فلا هي ساعدت “رنيم” على تجاوز مشكلتها .. ولا هي رسمت بسمة على وجهيهما كعادتها .. بل كانت سببا في ما حدث .. ولكنها لن تيأس .. تعلم جيدا كيف تسعد كلتيهما ثانية ..

——————–

أنهين عملهن .. والتقين كما اتفقن .. صمت سائد بينهن على غير العادة .. وفي مطعم جلسن في قاعة مخصصة للنساء ..
وعلى غير العادة أيضا لم تكشف “رنيم” عن وجهها بمجرد جلوسها .. علمت “ريم” حينها أن الخطب جلل .. وغضب “رنيم” لم يكن منها ولكن لتراكم ما كتمت في نفسها من كلمات مشابهة .. وكما أغضبتها بذلك الموضوع ستسري عنها بالموضوع ذاته .. حيث نظرت لـ”رنيم” قائلة :
-رنيم بليز خليكي مغطية وشك …

اندهشت “رنيم” منها فردت :
-ليه ..

أشارت “ريم” بعينها لإحدى السيدات العجائز قائلة :
-شايفة طنط اللي هناك دي شكلها بتدور على عروسة .. وبصراحة انتي لو رفعتي النقاب هتغطي ع البنات كلهم .. واكيد ميرضكيش صاحبتك حبيبتك تعنس بسببك ..

كانت “ريم” بارعة في دور المسكينة الذي أدته … ولم تستطع “ريحانة” كتمان ضحكاتها وهي ترى “ريم” تكاد تبكي من فرط توسلها .. لم تستطع “رنيم” حينها إلا التبسم وهي تقول :
-انتي فعلا صعبتي عليا يا ريمو .. بس شايفة البنت اللي قاعدة جنب طنط دي ..

نظرت “ريم” للفتاة المقصودة .. ثم امتقع وجهها وهي تقول :
-عادية على فكرة .. انتم عارفين ان مبحبش العيون اللي مش مستوية دي ..

لم تستطع “رنيم” مجاراتها في مزاحها ولكن وجدت ما ترد به عليها :
-انتي شفتي لون عنيها .. لا ماشاء الله دة انتي هتصطادي العريس من على بعد كم كيلو ولا يهمك …

اختارت “ريم” كلماتها جيدا وهي تقول :
-لا بقى .. دة انتي ناوية تحسديني ومش هتتنازلي عن كدة .. انام في السرير شهر عشان ترتاحي ..

ابتسمت “رنيم” قائلة :
-بعد الشر عنك يا حبيبتي ان شاء الله اللي يحسدك ..

ضحكت “ريم” قائلة :
-لا بلاش .. اصل اللي بيحسدني قريب مني .. وكدة هتدبس في زيارة مريض وكيس ملح …

أوقفتهم “ريحانة” قائلة :
-احنا لو كملنا كدة مش هنتغدى وهنتاخر ويوسف يعلقنا …

أشارت “ريم” للنادلة وهي تقول :
-لا دة فيها يوسف .. نتلم شوية بقى ..

ثم أشارت لكل منهما قائلة :
-طبعا فراخ ..

نظرت لها “رنيم” بنصف عين قائلة :
-سمك ..

ضحكت “ريم” قائلة :
-مفيش حد يعرف يضحك عليكي ابدا .. خلاص يا ستي احنا فراخ وانتي سمك .. كدة كويس ..

——————-

انتهى غداؤهن .. وفي سيارة “رنيم” كان الحوار شائك جدا .. فـ “يوسف” سمح لهما بالذهاب فقط مع “رنيم” والعودة ستكون معه .. رغم أن “ريم” أخبرته قبل عودتهما أن سيارة “رنيم” ستقيلهما .. ولكنه وافق على مضض بضغط من جده فهو يعرف “رنيم” جيدا .. غير أنه مختلف مع “يوسف” في مسألة تقييد حرية “ريم” حيث يختلف الأمر بالنسبة لـ”ريحانة” التي لا تطمئن بمفردها .. بينما “ريم” جديرة بذلك .. وجدّها أهداها سيارة .. وتعلمت القيادة لأنها كفؤ لذلك .. وتستطيع تحمل مسئوليتها كاملة بعكس “ريحانة” تماما ..

ولتنهي “رنيم” ذلك الحوار الشائك عمدت إلى تغيير الموضوع قائلة :
-انا بقالي اسبوع مقرأتش كتب .. القضية اللي فاتت كانت شغلاني جدا ..

استجابت “ريم” لم تقول وردت :
-انا كمان آخر حاجة قرأتها من يومين ..

بينما قالت “ريحانة” حيث تجلس في الخلف :
-ايه رأيكم نحدد كتاب نقرؤه ونناقشه مع بعض بعد فترة محددة ..

رفعت “ريم” يدها قائلة :
-بس بشرط .. ليكون في مجالك ولا مجالها … انا كدة مش هفهم حاجة .. والحكاية مش ناقصة جثث وتكنولوجيا ..

ضحكت “رنيم” قائلة :
-ماشي يا ستي .. بس معنى كدة اننا نقرأ في مجالك بقى ..

ردت “ريم” قائلة :
-مقصدش كدة .. بس عاوزة حاجة مختلفة خالص .. يعني مثلا ايه رايكم نختار رواية حلوة ومفيدة كدة نقراها ..

قالت “ريحانة ” بسعادة :
-حافظ ..

هزت “رنيم” كتفها قائلة :
-طيب ما نقرا كتاب في التاريخ او الجغرافيا .. انتو عارفين مبحبش الروايات ..

ردت “ريحانة” :
-حتى روايات حافظ ..

ابتسمت “رنيم” قائلة :
-بصراحة مقرأتلوش حاجة قبل كدة .. انا عارفة انك مدمناه .. بس عشان خاطركم اجرب الروايات مفيش مشكلة ..

ردت “ريم” :
-خلاص يبقى ريحانة تقولنا ايه اخر حاجة كتبها ..

وقفت “رنيم بجانب الطريق فتساءلت “ريم” :
-وقفتي له ..

نظرت لـ “ريحانة” قائلة :
-ايه اخر حاجة كتبها ؟؟ ..

ردت “ريم” :
-طيب ما تقريها على التابلت

نظرت لها “رنيم” مبتسمة :
-انتي عارفة اني مش برتاح غير وانا ماسكة الكتاب في ايدي وبشم ريحة الورق المطبوع وانا بقرأ ..

نظرت “ريم” لـ “ريحانة” نظرة ذات معنى فهمتها الثانية وهي تخبر “رنيم” باسم الرواية … لم تتأخر “رنيم” عليهما .. ابتاعت الرواية ثم عادت سريعا .. لتجلس خلف المقود ثم تنطلق إلى حيث منزلهما ..

———————

وصلت “ريم” و”ريحانة” مبتسمتين .. ولكن اختفت تلك البسمة عند رؤيتهما “يوسف” ينتظرهما في مدخل المنزل .. فسرت كل منهما سبب غضبه .. ولكن خابت ظنونهما حين فاجأهم بقوله :
-انا مسافر حالا .. ريحانة حبيبتي خلي بالك من نفسك مش هتأخر ان شاء الله ..

قالها وهو يقبل رأسها ثم سحب يد ريم قائلا :
-تعالي عشان تحضري شنطتي ..

صعدت “ريم” خلفه لا تكاد تفهم شيئا .. حتى دخلا غرفته .. ووجدت حقيبته معدة .. ثم فوجئت به يغلق الباب ويلتفت لها قائلا :
-الكلام اللي هقولهولك دة انتي بس اللي تعرفيه … كل اللي في البيت بما فيهم جدي يعرفوا اني مسافر اسبوع لشغلي …

قالت بجزع :
-امال انت رايح فين ..

صمت قليلا ثم أمسك يدها كأنه يدعمها ويهيؤها لم سيقوله ثم قال :
-انا مش عارف انا هقعد اد ايه .. بس كل اللي بطلبه منك انك تخلي بالك من ماما وريحانة وجدك ..

لمعت عيناها بالدموع قائلة :
-رايح فين يا يوسف وسايبني مش كفاية باسل ..

ضم رأسها لصدره قائلا :
-رايح له ..

شعر بانتفاضتها بين يديه .. فربت على ظهرها قائلا :
-انا عارف انك هتحافظي على السر .. مش عاوز حد يعرف يا ريم ..

انتزعت نفسها من بين يديه ليرى دموعها وهي تقول :
-حصله حاجة .. صح .. انت ليه زعلان كدة قولي يا يوسف ..

مسح دموعها بيديه وهو يقول :
-يا حبيبتي صدقيني هو اكيد كويس .. ووعد مني مش هرجع غير بيه ..

تعلقت به قائلة :
-بجد يا يوسف ..

ضمها إليه وهو لا يعرف مصير وعده قائلا :
-بجد يا حبيبتي ..

ثم أبعدها عنه محاولا أن يكسب صوته المرح قائلا :
-ولو ان انا عارف ان وجود باسل هيلغيني خالص .. ويبقى هو الحبيب الاولي ..

ابتسمت قائلة :
-لا متقلقش .. هاته انت بس .. وانا هعدل بينكم .. انتو مهما كان توأم ..

ثم عانقته قائلة :
-خلي بالك من نفسك .. وطمني عليك اول ما توصل .. وانا مكانك هنا متخفش وراك رجالة ..

قبل رأسها قائلا :
-ربنا ميحرمناش منك .. لا إله إلا الله ..

ابتسمت مودعة وهي تقول :
-سيدنا محمد رسول الله 


زر الذهاب إلى الأعلى