روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الثالث 3 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الثالث 3 بقلم رانيا عمارة 

كأن ليلتهم تلك مقتبسة من ليالي الجحيم؛ أيام بائسة لا مهرب منها، والجميع في حالة ذهول من صرخاتٍ متزايدة في الحي. خرج الرجال والنساء، حتى الأطفال، من ديارهم. بعضهم يحدّق من النوافذ، وآخرون يهرولون باتجاه موقع الحادث، ومن بينهم عائلة الدريني.
في عزّ النهار، بجناحيه الناصعين، وقبل أن ينسدل الليل بستائره على العالم وتتوارى الأشعة الذهبية التي تشبه حبّات اللؤلؤ النفيس، كانت هناك جثة وديعة ملقاة على الأرض، يلفّها كفن أبيض علقت به ذرات الغبار وخيوط القش.
الغريب أن الدماء كانت متناثرة حول الجثة، ما دلّ على أنها جريمة قتلٍ متعمدة، هزّت هذا الحيّ الهادئ.
ترددت الأسئلة في أذهان الجميع: لماذا لم يُخفِ الجاني الجثة؟ لمَ لم يسترها بثوب أو يدسّها في مكانٍ ناءٍ؟ ما الذي دفعه إلى ارتكاب هذه الكارثة، وبأي حق منح نفسه قرار إنهاء حياة إنسان؟
وقبل أن تمتد الأيادي بدافع الفضول نحو الجثة، ظهر شاب في الحي. شابٌ بنيّ البشرة، طويل القامة، متوسط البنية، بلحية سوداء خفيفة أعطته مظهرًا اعتياديًا كغالبية الشباب في هذا العصر، وجهه عابس تتوسّطه الجدية.
شقّ طريقه وسط الحشد ومنعهم من الاقتراب، وكأنه يسبق الجميع بخطوة في الفهم. كانت حكمته واضحة في تصرّفه، وحنكته لافتة، حين باعد بين يد رجل مسنّ كادت تخطئ، محذرًا إيّاه من أن أي لمسة، حتى وإن بدت عابرة، قد تجعله جزءًا من دائرة التحقيق، فالبصمات لا ترحم، والشرطة لن تتهاون في تتبع أي خيط يقود إلى الحقيقة.
فقال بتنبيه صارم، لا يقبل الجدال:
_محدش يلمس الجثة! اللي هيلمسها هيطبع بصماته عليها وده هيخلي الشرطة تمتنع عن معرفة الجاني الحقيقي، اللهم بلغت اللهم فاشهد!
تقابل شوقي معه، ناظرًا إليه بدهشة توحي بتعجّبه من هذا الشاب الذي ظهر فجأة بينهم، كأنه شبح يتسلّل وسط الظلال. راح يبحث في ذهنه عن حقيقته، مستغربًا من تدخلاته الغريبة.
إلى جانبه وقف أخيه عصام، وفي الخلف تجمّعت السيدات وبعض من أهل الحي، جميعهم في صمتٍ مطبق، لا يجرؤون على الكلام وسط هذه الأجواء المثقلة بالتوتر.
اعتدل “شوقي” واقفًا في مواجهة الشاب، وسأله بحدّة ظهرت واضحة في نبرة صوته:
_إنت مين يا أستاذ وبتعمل إيه هنا؟!
أجابه “عمرو” برصانة في نبرته:
_أنا اسمي عمرو فاروق النحاس وساكن قريب من هنا، دي مش مشكلتنا يا أستاذ، أنا اللي يهمني إن محدش فيكم يطبع بصماته على الجثة لحد ما الشرطة تيجي…
ثم رفع وجهه نحو بقيّة أهل الحي، يأمرهم بالتحرّك سريعًا، فالتأخير في مثل هذه الحالات لن يجلب سوى مزيدٍ من التعقيد. قال بنبرةٍ حازمة وتوجيهٍ صارم:
_حد فيكم يتصل بالشرطة بسرعة، التأخير مش في صالحنا!
خرجت أسماء من باب المنزل بخطى متثاقلة، تنصت لما يدور من حديث بين أهل الحي، لكن تفكيرها العالق بابنتها چيهان حجب عنها الأصوات فجأة، كأن العالم انكمش حولها. كانت تسير ببطء، تنظر في الوجوه برهبة، حتى قابلتها ريم بأيدٍ مرتجفة، مانعة إياها من التقدّم خطوة أخرى. غير أن قلب الأم، المثقل بالوجل، زرع في روحها خوفًا غامضًا، إحساسًا داخليًا بأن من يرقد داخل الكفن ليس بغريب.
وكلما حاولت ريم إبعادها، وهي تبكي بحرقة، ازداد فضول أسماء الحزين، كأنما تنبش في قلبها عن الحقيقة، رغم يقينها أن تلك الحقيقة ستدمر ما تبقى من تماسكها. كانت تظن أنها ستدخل دون حائل، لكن “عمرو” وقف حائلًا أمامها، ومنعها من التوغّل، ثم قال لها بتردد:
_يا ست الكل الله يكرمك أنا لسه قايل محدش يدخل ولا يقرب منها لحد ما نشوف هنعمل إيه.
وقتما كان الجيران يجرون اتصالًا عاجلًا بالشرطة، يشرحون ما جرى على نحوٍ مفاجئ، خطت أسماء نحو الجثة، تنظر إليها بارتجاف، وثمّة شيء خفيّ يهمس لها بهواجس شرسة، تكاد تفتك بعقلها.
كانت تتأمل جسد الفتاة، تقارنه بجسد ابنتها، تحاول أن تقنع نفسها أن هذه الفاجعة لا تخصهم، وأن ما تراه ليس إلا صدفة مؤلمة. في تلك اللحظة، تشبّث “شوقي” بعنق عمرو، غاضبًا من اعتراضه على اقترابهم من الجثة، وكأن النيران تسري في عروقه التي برزت من شدة السخط.
دفع الشاب بعيدًا، وهو يصرخ فيه قائلًا:
_أوعى يا عم إنت ووسع من قدامي! بقولك وسع!
تدخّل “عصام” في الشجار الدائر، متقمّصًا دور المُصلح الاجتماعي، ومتّزنًا في كلماته. كانت يداه تقاومان أخاه بقوة، تجذبانه إليه في محاولة لتهدئة ثورته، ثم قال بنُصح:
_اهدى يا شوقي أبوس إيدك! احنا كده كده هنطمن بس لما الشرطة تيجي، يلا أبوس إيديك!
صفعت “أسماء” وجهها بكفيها، فقالت بصراخ:
_أنا عايزة أطمن إذا كانت بنتي ولا لا، ريحوني أنا مش قادرة، يا بختك الأسود يا أسماء، مش كفاية عليكي ابنك اللي فقدتيه في عز شبابه، كمان البنت هتروح منك؟!
قفزت أسماء قفزات متتالية، وكل حركة منها توحي بالقهر، فلا قلبها ارتاح، ولا توقفت عن نواحها. رَجَجَت الحي بصوتها الهادر وهي تصرخ، كأنها تستغيث بمن وقع في بئر عميق لا ينجده أحد، مهما علا صراخه. أما يداها، فقد قسُتْ عليهما حرارة الألم، حتى وصلت الشرطة بعد ثلث ساعة من صرخات النساء وجدالات الرجال.
تقدّموا نحو موقع الجريمة مع صَدى إنذار سيارة الشرطة، كل ضابط يؤدي دوره على أكمل وجه: واحد يزيل الكفن ليكشف عن معالم الضحية، وآخر يستجوب أهل الحي، متسائلًا عمّا حدث في الدقائق الأخيرة، وآخرون يحيطون بالمنازل بأسلحتهم، مستعدين لتنفيذ أوامر الضباط بإخلاء المكان في أي لحظة.
تتوسط الشارع سيارة الإسعاف التي خرج منها طاقم الإسعاف، يقفون تحت إشراف وكيل النيابة، حيث كان الشارع يعج بالحركة والحياة.
في تلك اللحظة، كان “وكيل النيابة”، الرجل البالغ من العمر خمسين عامًا، مرتديًا بنطاله النحاسي وقميصه الأبيض، وقد تزين وجهه بنظارته الشمسية السوداء، وكان لحيتُه الثقيلة الموشّحة بالشعرات البيضاء تعكس الكهولة الرزينة. خطا بخطوات ثابتة، تعكس ثقته بنفسه وكأنه قد أنهى قراءة مائة كتاب عن الثقة العالية بالنفس. كان يسير كأنّه الأسد المِقدام، حتى توقف فجأة وقال، وحاجباه مرفوعان:
_المجني عليها طلعت مين؟!
قبل أن يُجيبه الطبيب الشرعي المختص، اقتحمت أسماء المكان، ومعها باقي أفراد العائلة. لم تكن تستشعر وجودهم؛ كان كل ما يهمها في تلك اللحظة هو النظر إلى وجه الضحية. نعم، لم يكن القرار سهلًا عليها، لكن كان عليها أن تتغلب على خوفها، وتكسر حاجز الرهبة. وبالفعل، حركت عينيها ببطء، ورمقت الضحية حتى صرخت بأعلى صوتها، وكانت النتيجة سقوطها مغشيًا عليها.
في محجر الرخام الواسع، حيث يعمل هشام زوج هناء، ويكسب الأموال في رحلة دأبه، كان الشاب مطيعًا ومخلصًا لأصحاب العمل، لا يكل ولا يمل. دائمًا ما يضع أساسيات الوظيفة في اعتباره، ويصب تركيزه على كل تفاصيل المهنة.
تسللت أشعة الشمس الأخيرة بين الجبال، ترسم خطوطًا ذهبية على الصخور البيضاء. الهواء مشبع برائحة الغبار، وأصوات المعاول والمناشير تضعف مع اقتراب الغروب. العمال، وجوههم مرهقة وملابسهم مغلفة بمسحوق الرخام، ينهون آخر ضرباتهم على الصخور.
أحدهم يمسح جبينه بكمّه، وآخر يركن معدته الثقيلة جانبًا، ينفض الغبار عن يديه. يتحركون ببطء، كأنهم يحملون ثقل النهار على أكتافهم. في الخلف، جلس رجل على صخرة ملساء، يشعل سيجارة، يراقبهم بصمت، بينما تغلف السماء بطبقة من الشفق الأحمر، إيذانًا بانتهاء يوم آخر بين الصخور.
نظر هشام نظرة سريعة على كل من في المحجر، وبمجرد أن حرك عينيه، تلقى مكالمة من زوجته “هناء”، فرفع هاتفه مستجيبًا لها ليصغي إلى صوتها وهي تقول بقسوة:
_هي أمك دي عايزة مننا إيه يا هشام؟ هي لا عايزة ترحمنا ولا تسيب رحمة ربنا تنزل علينا؟
ولأنه كان يخشى تفشي موجات صراخها العالية، ضغط بإصبعه ضغطة قوية على زر الصوت، ليُنهِي بذلك انتشار الفضائح التي لاحقته في المنزل والعمل. ثم رفع هاتفه ليتأكد إن كان إصبعه قد خانَه أم ساعده على التستُّر، وقال بهدوء:
_اهدي بس يا هناء، هتفضلي لحد إمتى دمك حامي كده؟ هو إيه اللي حصل لكل ده؟
وقفت “هناء” في شرفتها، تاركة التلاميذ يحلون واجباتهم بعيدًا عن انفعالاتها. كانت تتحدث بسرعة كأنما شيء يلاحقها، كلماتها تخرج كالنار، فتقول الحديث دون أن تدرك معناه. الأهم أن تطرد سلبياتها، حتى وإن كان ذلك على حساب الآخرين، فقالت:
_باعتالي من شوية مع بنت ابن عمك حتة العيلة الصغيرة دي اللي لسه مقلعتش الحفاظة بت اليومين….
باعد هشام الهاتف عن أذنيه متفاديًا صراخها الذي كان على وشك أن يخرم طبلة أذنه ويصيبه بالصمم، لكنها ما زالت تواصل صياحها، وتردف بفظاظة:
_قال إيه تقولي الراجل بتاع الكهربا تحت عايز الفلوس، قولتله خليه يعدي علينا كمان يومين يكون ربنا سهل الحال، تقوم تقولي إن أمك محرجة عليه إن مدفعناش الفلوس الشركة هتفصلها علينا، وهو أنا هستحمل الحر ده؟ مش كفاية إنك بسبب أمك مش هاين عليك تشتريلنا تكييف يهون علينا الجو المنيل ده، طب وهنشغل الماية ازاي؟ مانت عارف الماية مبتطلعش من غير ماتور وأنا…..
بما أنه لا يستطيع رفض مطلبها أو حتى فكرة الاستماع لها بشكل صريح، قرر الهروب بتكتيك حصيف لعله يمنع عنه طاقاتها السلبية التي تبثها في كل لحظة، حتى عكرت صفو حياته. فقال بهدوء:
_ماشي حاضر من عينيا، اللي تشوفيه كله هعملهولك، وفلوس الكهربا دي أنا هتصرف فيها المهم متضايقيش نفسك.
ردت هناء بصياح، كأن لا شيء يهدأ نيرانها المتأججة:
_أنا عايزاك تجيبلي حقي من حباب عينيها يا هشام، الست دي جات عليا كتير وأعذرني لو بقولك كده ما هي برضه في الأول والآخر الست الوالدة اللي مهما تعمل عمرك ما هتغلطها ده بالعكس هتنصفها عليا.
عبس وجه “هشام” وهو يستمع للأحاديث المتكررة آلاف المرات يوميًا. لقد حفظها أكثر من حروف اسمه، لكنه مضطر للمهادنة. فنطق بسكينة تسرق العقول:
_وأنا من إمتى وأنا باجي على حد فيكم عشان التاني؟ وبعدين مين اللي جابلك حقك المرة اللي فاتت لما قالت كلام مش على مزاجك، مش أنا؟
تلفظت “هناء” بغيظ:
_مليش فيه يا هشام، وخد بالك أنا مش هرتاح غير لما أعزل خالص، جو أروحلهم ويجولي ده تاعب أعصابي، دول بيدخلوا البيت يعدولي العيال اللي في الدرس ويحسبولي بيطلعلي كام آخر الشهر من الموضوع ده كله.
قال هشام بانشغال، ناظرًا إلى العمال من حوله بتضايق:
_طيب نتكلم لما أرجع، هكلمك بعدين وياريت أرجع ملاقكيش ضاربة بوز ومش عاملة أكل زي المرة اللي فاتت، معنديش استعداد أبات أربع أيام صايم!
لم يرتح هشام من ثرثرتها، وحينما صمتت، زفرت بحدة، متأففة من حياة لا تناسبها. فعاود الحديث قائلًا:
_الحوارات دي بعدين بقى، يلا سلام.
توجه هشام إلى كرسيه، فجلس مستشعرًا الهموم التي تضغط على رأسه، لا ترحمه كثرة المسؤوليات. بدلًا من أن يعود إلى داره ليجد ملاذًا يحميه من مشاق العمل، لم يحصل سوى على الشجارات. وفي الليلة التي يعود فيها بلا مال، يكون مصيره النوم على فراشه دون زوجته، التي تهجره بكل قسوة. فكيف له أن يتقهقر عن تحقيق الثراء بلا تأنيب؟ وكيف تتعامل معه كأنما شيئًا لم يحدث من الأساس؟
أما هي، فقد جلست بين طلابها تطرح عليهم الأسئلة، لكنها خرجت عن المألوف فجأة، حين قالت لذاتها بغضب ملموس في صوتها:
_وحياة أمك ما هتطولي مننا مليم ساغ وهتشوفي.
بينما في دار عائلة الدريني حيث صدى صرخات الناس يرتد في كل زاوية، كان بمنزلة زلزال يحرك القلوب الصَلدة من مكانها، لا أحد يفهم سبب ما حدث، كأن عقولهم توقفت عن إدراك الواقعة، أرجلهم متسمرة، وأبدانهم ترتجف لوهل الصدمة.
فيما كانت الشرطة تحقق في الجريمة، وتبحث عن أسبابها، وتنبش عن المتهم الحقيقي بين ثنايا الجُرم. بالتحديد في مبنى الطب الشرعي داخل المشرحة حيث هناك يجتمع الغموض مع التوجُّس، والطبيب في رداءه الرسمي، يفحص جسد الضحية فيتبين له مسببات الوفاة بشكل واضح.
التقط عينه بالملقط التشريحي، ووضعها تحت المجهر بابتذال، ولصق عينيه في العدسات ليراها بشكل مفصل، كان مندمجًا في المهمة، وفي باقي المبنى ينتشر الهدوء حتى الأضواء كانت خافتة ومريحة للعين.
قبالة المبنى وقف شوقي إلى جانب أخيه عصام، كلاهما لا تستطيع سيقانهما تحملهما، ورجال الشرطة منهم مَن استقر بجوارهم، والآخر وَلَجَ في طرقات المستشفى.
كانا يعتقدان أن الأمر سينقضي سريعًا وينجلي مصير المجني عليه لكن يبدو أن كل هذا سيحتاج المزيد من الوقت للوصول إلى الجنحة من كل زواياها.
نظر لهما “الضابط” بشفقة مخفية، وقال بثبات:
_ياريت ترجعوا البيت، ولو في أي جديد هنبلغكم.
تلفظ “عصام” بانكسار، فقال باستياء يكسر حروفه ويجعلها متفرقة:
_طب يا باشا احنا كنا عاوزين نطلع شهادة وفاة، احنا مصيرنا إيه دلوقتي ولا إيه اللي المفروض نعمله؟
أجابه “الضابط” بهدوء:
_مش دلوقتي، كل حاجة هتتأجل لحد ما يجيلنا ملف من الطب الشرعي، ساعتها هقولكم تعملوا إيه….
وواصل ناظرًا في عيني شوقي المنكسرتين بدموعهما:
_ارجعوا دلوقتي وخلال ٤٨ ساعة هنتصل بيكم.
ارتجفت نبرة “شوقي” حينما رفع عينيه في وجه الضابط، وحدثه بقهر يكاد يقتله:
_أنا عايز أدفن بنتي، عايز أطمن عليها بس.
رد “الضابط” بشفقة محسوسة:
_هتطمن يا حاج، بس ارجعوا لأن وقفتكم دي ملهاش أي لازمة.
ربت عصام بخفة على ظهر شوقي، كأنه يخشى عليه ذرة ألم تزيد من أوجاعه النفسية، ونظرات عينيه الصامتة تحدثه دون تلفظ بضرورة العودة إلى المنزل. حدّق شوقي فيه بعينين لامعتين بالدموع، ثم غادرا سويًا نحو المنزل.
طوال الطريق، شعر شوقي كأنه في كابوس مرعب، يتمنى لو يُصفع على يد أحدهم ليوقظه من هذا الواقع المؤلم، ليتيقن أن التبرُّم ليس من نصيبه كما اعتقد. جانبه أخوه يقود السيارة، ينظر إليه بحسرة في كل لحظة. لا يدري هل يركز على الطريق لسلامتهما أم يصب اهتمامه على أخيه المستاء.
سارت منى وخطيبها بين شوارع المدينة، يدخلان معارض السيراميك كخطوة أولى في بناء عش الزوجية، يجولان بأعينهما على كل الخامات والأشكال المتباينة. الاختيارات كثيرة والأذواق رفيعة، ما جعل العروسين في حيرة كبيرة.
بعد دقائق من التجول، ظهر اسم علياء على شاشة هاتف منى، متلقية مكالمة هامة من والدتها. لم يكن ذلك الوقت المناسب للاستجابة؛ فاختيار كل بقعة في منزل الأحلام كان أهم بكثير.
رفعت هاتفها وألقت نظرة كأنها تعلم ما ستقوله لها والدتها، ثم ضغطت الزر فاختفت النغمة، وارتاحت الأذان من صخبها. لكن “محمد” نظر إليها في دهشة، مبديًا تعجبه من رفضها المكالمة، وقال:
_ ما تردي يا منى على أمك يمكن عايزة تقولك حاجة مهمة.
ضحكت “منى” وقالت بلا اكتراث:
_أنا عارفة هي هتقولي إيه، مش محتاجة أرد عشان أعرف.
تساءل “محمد” باستغراب، فقال متعجبًا:
_ليه بتشمي على ضهر إيدك؟ ولا تكونيش مخاوية؟
أجابت “منى” بسخرية:
_يا سلام؟ ده على أساس إني مش بنتها ومش عارفة الإسطوانة بتاعة كل مرة اللي هتقولهالي؟
تضاحك “محمد”، فقال بتخمين كمن اكتشف سر جسيم:
_آه فهمت، هتقولك إيه اللي أخرك لحد دلوقتي، مش كده؟
صمتت “منى” لثوانٍ، محوّلة نظرها في كل اتجاه، لا تجد ما ستقوله. لكنها ابتسمت فجأة وقالت بتأكيد مازح:
_أه هتقولي كده….
ثم خطت للأمام تلقي نظرها على الخيارات المميزة أمامها، تجوب بعينيها بحثًا عن اختيارها المناسب. يتتبعها محمد وهو يختار ما تأمله ذاته. حيث تابعت:
_شايف ده؟ أهو ده السيراميك اللي أنا عايزاه، ياريت تصوره وتبلغ حمايا بيه.
لكنه تردد بعدما شعر أن سعره باهظ، انتابه قلق على مستقبله المادي، يداهمه شعور بأن جيوبه ستنفض وتعانق الهواء بلا مليم يأنس وحدتها. تخيل نفسه مُملقًا، واقفًا على مطبات الطرق يشحذ الجنيهات، لكنه كان غير قادر على الرفض حتى لا ينتهي كل شيء. فهو لم يتخيل أبدًا أن امرأة وافقت عليه، وقبلت أن تكون زوجة المستقبل. كان يعاني من عقد نفسية بسبب طوله ولون جسده الشاحب، الذي كان سببًا في معاناة طفولته، عندما تنمر عليه زملاؤه في المدرسة، وسخروا منه أشد السخرية.
وافق، وإن كان داخله يحدثه بالاعتراض، لكن في ذلك الوقت، حينما ذهب للتفاوض مع البائع في المعرض، واجهت منى مكالمة هاتفية من أختها الكبرى “هناء”، وعلى الفور استجابت بابتسامة، فنطقت مرحبة بها:
_ألو، ازيك يا هناء؟
ردت “هناء” بتضايُّق:
_مش ولا بد يا منى، بس مش ده اللي مكلماكي عشانه، أنا مكلماكي أقولك الكارثة اللي حصلت عندكم.
تلفظت “منى” بصدمة، فقالت برهبة:
_كارثة إيه؟ اتكلمي بسرعة!
سردت لها ما سمعته من الوالدة، لكن بقلب جامد، ليس متأثر كما ينبغي. ربما استمدت هناء قسوتها من والدها الذي لا يشفق على ضعيف، ولا يرحم خاذلًا. قلبه محاط بالأشواك المؤلمة التي إن لامستها يدًا بترتها.
لكن العجيب، بعد أن وصفت لها مأزق العائلة، حكت لها مشكلاتها مع حماتها المتجبرة، كانت تتحدث وكأنها أكبر كوارثها في الحياة، حتى أنها غطت مصيبة وفاة چيهان ابنة عمهما في ظروف لبِكة، وكأن لا شيء حدث من الأساس.
عادت منى برفقة خطيبها إلى دار عائلتها، وهناك كان تكدس من الأقارب، جميعهم حاملون الحزن على أكتافهم. النساء مطوقة في عباءاتهن، وأحجبتهن السوداء كرمز للتعازي والحدب، مجتمعين في شقة أسماء، منهن من جلست في الصالة، والأخريات في غرف النوم. الرجال تكاثروا متوسطين الشارع قبالة المنزل في حالة من الرأفة.
التفتت يدي علياء حول أسماء بكل تحنان، فإن لم تقف إلى جوارها في محنتها، فمن سيقف؟ كانت لها اليد المعينة، والسند الذي لا يميل. حتى وصلت ابنتا علياء، ودخلتا لتواسي أسماء.
عانقت “منى” زوجة عمها بتأثر وهي تنتحب، فقالت باستياء شديد:
_أنا متوقعتش إني أرجع على خبر وفاتها، أنا مش مصدقة نفسي يا مرات عمي، دي كانت أقرب حد ليا… أنا هموت مش قادرة أستحمل.
احتضنت ريم بذراعيها والاثنتان تنتحبان قهرًا على وفاة أقرب أخت وصديقة لهما. استلمت “هناء” دورها، فأعربت عن حزنها لسماع هذا الخبر المؤلم، نزلت دمعتان لا أكثر، وهي تظهر شفقتها المتنحية على ابنة عمها.
فقالت بثبات، على الرغم من ابتئاسها المزيف:
_شدي حيلك يا مرات عمي، ربنا يرحمها ويغفرلها.
انزلقت الدموع من عيني أسماء، حزينة على ما آلت إليه الأمور من أوجاع مميتة تجتز من أرواحهم، غير قادرة على النطق فالبكاء بقهر استحوذ عليها. جلست الأختان في تلك اللحظة إلى جانب ريم، تواسياها على فقدانها لأختها، والجميع مترقبون وصول الأخبار من مهجة الطب الشرعي. وقتها ستصقل الصورة برمتها.
كانتا تنظران لهذه وذاك بنظرات فضولية تارة، ثم تعاودان التحدث إلى بعضهما، وعلى الرغم من الأحاديث الدائرة، إلا أن الاستياء غلب لسان منى، وهي حزينة على وفاة ابنة عمها الغالية.
ظل المنزل يحتشد بالأقارب والمعارف حتى رست سيارة ملاكي حمراء حيال المنزل. نزل منها رجلان، وامرأتان برفقة أطفالهما. النساء بسيطات ملتفات في عباءاتهما، ملامحهما شبابية، إحداهما تتميز ببشرة أكثر بياضًا من الأخرى. أما الرجلان، فكانا في نفس الطول المتوسط، معالمهما تنضوي في سن الثلاثين. أحدهما شاب قاسي الطباع بطريقة لا تحتمل، يدعى “عبد الحليم”، والآخر يدعى “أسعد”.
وقف “عبد الحليم” مشدود الظهر، لائِجًا بعينيه نحو محفل الرجال، ثم حول نظره نحو النساء بحدة، وقال بتوجيه جلف:
_اطلعوا إنتوا يلا!
صعدت السيدتان بأطفالهما، كل واحدة تحمل صغيرها على كتفها، بالإضافة إلى باقي الأطفال الأكبر سنًا الذين يتبعونهما في صمت. كأن صدى تلاوة القرآن يلتل الأجساد، وهناك إحساس بالخشوع يملأ أنفس الجميع، وشعور بالحزن والحيرة، خاصة أن لا أحد يعلم مصير چيهان بعد الآن سوى أنها راقدة في معية الرحمن.
بعد خطوتهما الأولى، عانقت السيدتان أسماء بجوى شديد، والدموع تنهمر بلا توقف. فبادرت الأولى، المدعوة “سهر”، بالتعازي، قائلة باستياء:
_شدي حيلك كده، أمال… شدي حيلك يا طنط.
قبلت الثانية، المدعوة “إبتهال”، رأس أسماء، معانقة إياها بكل تحنان، متأثرة من أحزانها الفاضحة، وقالت:
_البقاء لله يا طنط أسماء، ربنا يصبرك يارب، كلنا لها.
لكن قبل أن تجلسا على الأريكة وسط النساء، والأجواء الساهمة، خرج صوت “أسماء” بحدة، وهي تقول بصراخ:
_أنا بنتي عايشة مماتتش، ومحدش يقولي إنها ماتت تاني! بنتي اتقتلت غدر، بنتي مماتتش، بنتي عايشة….
ظلت تكرر بلا وعي في تناقض غريب، مردفة بنواح:
_بنتي مماتتش… مفيش حد مات، مش عايزة حد يتكلم الكلام ده تاني! چيهان عايشة مماتتش….
حينما قررت “ريم” أن تؤدي دورها وتواسي والدتها في ظروفها القهرية، نهضت متشبثة بأيد وأكتاف النساء من حولها، تتحرك ببطء كمن خرج للتو بعد عملية جراحية أراقته. جميع الأعين متمعنة تجاهها، تنظر باهتمام بالغ، أما هي فتمشي، ممدّة يد العون للوالدة، فحدّقتها بألم مشترك بينهما، وقالت برجفة في صوتها:
_مصدقاكي يا ماما، كلنا مصدقينك مش أنا بس… أكيد في حاجة غلط….
وتابعت نظراتها للنساء، وواصلت بحرقة:
_اللي حصل ده مش طبيعي، حصل فجأة ومحدش فينا عارف ليه ممكن يحصل كل ده، احنا في حالنا وملناش علاقة بحد نهائي، ولو حصل فليه يحصل؟
بعد أول عناق بين ريم ووالدتها، فقدت وعيها وسقطت مغشيًا عليها، فازدادت النساء صراخًا وخوفًا إلى أن تعاونت الأيدي ونقلوها على سريرها بغرفتها.
استفاقت ريم لتجد نفسها محاطة بزوايا غرفتها المظلمة، شعورها كمن هبَّ فوجد نفسه في أعلى قمة جبلية بآخر حيز في عالم دامس. على الرغم من تواجد البشر حولها، إلا أنها شعرت وكأنها مُكبلة الأطراف، لا تتحرك ولا تنطق حتى غفوت في كابوس مفزع.
بهو رحيب لا نهاية له، ممتد بطريقة تخبّل العقول، لا يحتوي على نوافذ تجدد الهواء الذي انكتم بفعل الاقتفال. الأضواء خافتة جدًا، والمصابيح تنبعث منها ألوان حمراء تشير إلى الألغاز. في المنتصف بقعة غائرة مغمورة بالدماء، أما الجدران منقوشة برسومات مريعة ذات الطابع الأحمر السحري. على الحواف حجارات دامسة بلا شكل يغري الأعين. ظهر من بعيد ساحر لعين نزل إلى البقعة الغائرة، فلم يتضح من جسده سوى عينيه، كان في هيئة جسد شيطان برأس إنسان، ما أثار الرعب أكثر.
بدأ يكتب كلماته الخناسة في ورقته البنية، يدون فيها ما يرغبه من قوارع تقضي على عالمها المتدنس تحت أفعاله الحقيرة. ثم ألصق الورقة على وجه الضحية، فألمّت وجهها كأنما ألقاها بحجارة قاسية، وليس مجرد ورقة خفيفة. حينما نظرت فيها ودققت بتمعن، لاحظت المدون فيها، حيث يوجد اسمها واسم والدتها “ريم بنت أسماء”، وطلاسم، وكلمات تفسر ما فعله بها. إذ وجدت: “وقف حال”، “حزن”، “كره”، “مرض”، “انتحار”، “نفور”، وغيره من أشد الأنواع.
حينما رفعت وجهها، تفاجأت بصفعة قوية كانت بمثابة صخرة تكاد تشق رأسها. استيقظت من ذاك الكابوس المفزع بوجه شاحب، وأنفاس لا تستطع التلاحق، ومياه تنزلق كأنها انصبت من نهر متدفق.
قرأت آية الكرسي بينما هي تبكي، وجسدها يرتجف خوفًا حتى تمالكت أعصابها ونهضت أخيرًا فوجدت صديقتيها الاثنتين قبالتها، جاءتا في اللحظة المناسبة لدعمها وإنقاذها قبل سقوطها في حفرة الأمراض النفسية. فعانقتها صديقتها “ديانا” ولفت ذراعيها حول ظهرها بحب، والأخرى تدعى “شمس” تربت برأفة على كتفيها. حيث حدثتها شمس بإعزاز:
_متعلميش كده في نفسك يا ريم، صدقيني كل ده غلط عليكي!
ردت “ريم” ببكاء، وهي تنظر لها بحسرة:
_مش قادرة يا شمس، بجد مرهقة أوي من كل اللي بيحصلنا ده، ليه أختي تموت؟ ليه؟
أجابتها “شمس” بهدوء، منمقة عبارتها التي وضعتها في خانة سيئة تجعلها تبدو حانقة من أمر الله، فلا جدال فيه، والأفضل أن يُبدي المسلم كل ما يملك من رضا وإيمان، فقالت بتهذيب:
_متقوليش كده تاني يا ريم، ده أمر ربنا يا حبيبتي، محدش فينا يعرف إيه اللي في الغيب! چيهان كل اللي محتاجاه منك في الوقت ده الدعا وبس!
انفجرت ريم في العويل، ظل صوتها يمتد حتى وصل إلى الرجال في الشارع، كلٌ منهم ينظر للآخر بدهشة لهذا الصراخ المفاجئ. فاقتحمت بعض النساء الغرفة، يتعاونّ على إجلاسها فوق سريرها. منهم من تقبّل رأسها، والأخرى تربت على كتفها، أما زميلاتها فكان دورهن تهدئتها قبل أن تغزو الهواجس رأسها فتلقي بنفسها من النافذة بعد حالة جنونية.
بعد أن كان الجميع في انتظار وصول خبر استلام شهادة الوفاة بتصريح الدفن بقلوب تنبض حزنًا، والعالم يخيم عليه مآسي الشاجنين الذين ضاقت بهم الحياة لدرجة كبيرة، بالأخص الوالدين الذين فقدا فلذة أكبادهم: يوسف في الماضي، وجيهان في الحاضر، كانت المفاجأة ساحقة. حيث ننتقل لحياة مغايرة، حياة قد دمرت بالظُلم.
تبقت ليلة ونصف على عودة مصعب، العودة التي سيتغير كل شيء من بعدها. بات “رمزي” في حيرة بين عقله الذي يشتهي الثراء، وضميره الذي يؤلمه. عجبًا له، بعد كل ما فعله اعتقد أن ضميره قد ردم بين التراب، لكنه تفاجأ بصحوته. ظن أن الشر يتحكم به، لكن الواقع أنه هو من يهيمن عليه بل ويوجهه حسب رغبته.
لا يخفى شيء على مصعب، الرجل الذي حطم حياة البشر من حوله شر تحطيم. يعلم الصغيرة قبل الكبيرة، وتعدى الشطط بمراحل ساحقة. ولكي يتمكن رمزي من المناورة في المهمة المكلفة، بات ليلته يصنع حصنًا منيعًا يمنع وصول مصعب له كجني خفي لا تشَره الأعين مهما حدث. ومن ثم، وقف قبالة جيهان وهو متردد في أن يظهر لها كم هو متعاطف معها، فقال بحدة تكمن وراءها رحمة:
_بُصي يا بت الناس، أنا لا هأذيكي ولا هعملك أي حاجة، مش عايز منك غير إنك تقومي معايا من سكات، وتيجي ورايا زي ما هقولك، إنما لو صرختي ولا عملتي أي حاجة من دي، هسيبك لأبويا يضحي بيكي يا بت أسماء!
تلعثمت “جيهان”، وساوت أطراف حجابها خشية أن ينظر لها بعين الذئب المفترس، غير قادرة على تصديقه. شعرت كأنما تتعامل مع شخص تحجرت مشاعره، أعدلت ثيابها وهي ترمقه بقلق، ثم قالت بحروف تخرج ببطء:
_يعني إيه يضحي بيا؟ إنتوا عايزين تعملوا فيا إيه؟
تلفظ “رمزي” بثبات، ناظرًا حوله بتردد:
_أنا بعمل كده عشان إنتي بت ناس ومتستاهليش كل اللي بيحصل ده، أنا بحميكي مش بأذيكي!
نهضت جيهان من مكانها، وقلبها لا يزال يرتجف خوفًا منه، ربما في نظراته قسوة مخفية ستظهر في الوقت المناسب، وقالت برهبة:
_وأنا إيه يضمنلي إنك مش بتضحك عليا عشان تقتلني إنت وأبوك الساحر؟ إيه يثبتلي إني هخرج من هنا سليمة ومفيش أي حاجة هتحصلي؟
رد “رمزي” بإجابة مبسطة، توضح الحقيقة بلا تزييف:
_أنا لو عايز أضحي بيكي زي ما أبويا عايز كنت نفذت من غير ولا كلمة، أنا مش مستني آخد رأيك، أنا بعمل اللي على كيفي وبس، ولو كنت حسيت بأي حاجة تانية كنت عملتها من غير ولا حرف، لكن أنا عايز أنقذك، ولعلمك مش هينفع ترجعي لأهلك الكام يوم الجايين دول، ده هيبقى فيه خطر أكبر على حياتك.
تفوهت “چيهان” ببكاء، جسدها غير قادر على التماسك:
_ولو قولتلك إني عايزة أرجع لحضن أهلي وأكون وسطهم؟ هتعمل إيه؟
أجاب “رمزي” باِستبانة:
_لو رجعتي لأهلك هيجي غيري اللي يسحبك من وسطهم للمرة التانية ووقتها مش هيحميكي زي مانا بحميكي، لو عندك أمل في الحياة امشي ورايا من سكات، وإلا متلوميش نفسك على اللي هيحصلك منه!
ما أصعب المجازفة في أمر تجهل عواقبه فيما بعد! تقف في منتصف طريق نهايته أسوأ من بدايته، لا تدري هل تتراجع للخلف أم تواصل طريقًا تكتنفه الضباب؟ منحت جيهان نفسها فرصة لثوانٍ للتفكير في القرار النهائي، مستخدمة عقلها وبصيرتها، لكن انقطع تفكيرها و”رمزي” يجذبها للخارج، قائلًا بعجلة:
_مفيش وقت للتفكير، عقبال ما تفكري يكون أبويا رجع وقدمنا وجبة عشاء مفتخرة لشيخ القبيلة.
جذبها برفق من يديها، لكنها أفلتتها مسرعة، خوفًا من أن تندس في أفعال محرمة سعت دومًا للهروب منها. كان الله في اعتبارها الذي لم ولن تغفل عنه. وبعدما خرجا من الدار بأكمله، كانا يجريان بأقصى سرعة، لكن لوهلة شعرت بأنها تذهب معه في طريق غامض بلا ملامح، إلى مكان قد يقضي عليها بتصرفاتها الطيبة. فحملت قالبًا من الطوب الأحمر الذي كان ملقىً بين الأتربة، رغبة منها في تهديده إن جذبها نحوه كما فعل من قبل. وقبل أن توطئه على رأسه، نشب “رمزي” يديها في قبضته الجامدة، ونظر إليها بحدة، وقال بتنبيه قاسٍ:
_ما بلاش شغل الجنان ده لا أتجن وياكي! خليكي ساكتة وإلا هتبكي بدل الدموع دم!
وجذبها بقوة مضاعفة، وغادرا إلى وجهتهما في صمت.
بينما كان الطبيب الشرعي يؤدي عمله بدقة، ونفحات الموت تفوح في المكان، غارقًا في الكشف عن جثة توفيت إثر مشاجرة حادة بين أهالي الحي، ترك ما في يديه وكأن الفكرة طرأت له فجأة بأن يلقي نظرة سريعة على جثة جيهان.
وضع المشرط جانبًا، ونهض يسير بين الجثث، أحدهم خرجت أنفاسه الأخيرة في أزقة مظلمة، والآخر تعثر في حفل فسقط من الطابق العاشر، فانتشرت أشلاءه في كل مكان، وغيرهم من الضحايا الذين استدعت حالتهم التفتيش بدقة.
فتح الطبيب باب الثلاجة ونظر إلى وجه المجني عليها، فإذا بها في مظهر شخصية مختلفة تمامًا عن جيهان. جروحها في أماكن متفرقة على عكس الجروح الغائرة في أعماق البطن والعنق. يبدو أن الخداع البصري قد حقق نجاحًا كبيرًا في الكذب والتمثيل على الجميع، فتغير الشخصيات قد يدل على لعبة سحرية من صُنع أحدهم.
زر الذهاب إلى الأعلى