روايات رومانسية

رواية اشلاء القلوب الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم ندي محمود

رواية اشلاء القلوب الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم ندي محمود 

 (( أشلاء القلوب ))


_ الفصل الثامن والعشرون _

بدأ من بداية الموضوع بدون مقدمات حيث قال بثبات مبتسمًا بعذوبة :
_ بخصوص أسمى ، أنا كنت جاي اطلب إيد أسمى منك

استغرق أُسيد لحظات في صمت يطالعه بدهشة ممتزجة بابتسامة حتى قال بنبرة رجولية خشنة :
_ ويا ترى ست الحسن أسمى تعرف ولا لا ، وأنا آخر من يعلم !

قال بشيء من الضحك :
_ لا متقلقش متعرفش أنا بس لمحتلها مش أكتر

بادله المداعبة قائلًا :
_ طاب ما كنت لمحتلَّي أنا كمان بدل ما أنت داخل عليا كدا فجأة وبتقولي إنا عايز أطلب إيد أسمى !!

_ ما تنجز بقى ياعم وقول موافق ولا لا ؟

رجع بظهره للخلف علة المقعد في غرور شديد وهتف :
_ سيبني أفكر شوية

قطب حاجبيه بتعجب ثم أجابه باستنكار في جدية :
_ سيبني أفكر !! ، إيه يا أُسيد لتكون إنت العروسة لا مؤاخذة !

حجب ابتسامته بصعوبة ثم انتصب في جلسته وقال بحزم مزيف :
_ اطلع برا يا مروان

قهقه بشدة ثم قال باعتذار مرح :
_ معلش حقك عليا امسحها فيا !

بادله الضحك ثم وضع المزاح على جانب وبدأ يتحدث بجدية قائلة :
_ موافق يا مروان ؛ لإني مش هلاقي أفضل منك راجل استأمنه على أسمى ، استنى بس أعرض عليها الموضوع وأشوف رأيها وهقولك

***
خرجت من الغرفة بعد أن انتهت من تجهيز نفسها ، وكان هو يجلس على الأريكة بالخارج صامتًا ويحملق في السقف وكأنه يفكر في أمر شديد الأهمية ، فهتفت بخفوت :
_ مراد أنا لبست !

نظر لها فورًا وهب واقفًا متحمسًا ثم قال :
_ جبتي كل اللي قولتلك عليه ؟

_ ايوة ، بس احنا هنروح فين !!؟

اقترب منها وامسك بيدها يقبلها قائلًا بحنو :
_ أصل أنا عاملك مفاجأة النهردا ولازم تروحي الكوافير وتتظبطي بقى

قطبت حاجبيها باستغراب وهي تهتف بفضول :
_ مفاجأة إيه دي اللي لازم أروحلها الكوافير !؟

_ زمردة هتقولك علة كل حاجة هناك

ازدادت دهشتها أكثر لتجيب بشك :
_ زمردة !! ، ولما إنت عاملي مفاجأة مالها زمردة بالموضوع !؟

وكأنه كان يجهز الأجوبة لكل سؤال ستطرحه حيث قال بجدية :
_ أنا قولتلها تروح تقعد معاكي في الكوافير عشان متقعديش وحدك

زمت شفتيها بعدم حيلة وأماءت بإيجاب ثم تبعته للخارج وصعدت معه بالسيارة وانطلقوا .
دقائق معدودة وكانت السيارة ترتص أمام ذلك ” الكوافير ” فترجل هو أولًا ثم هي وبمجرد ما رأتهم زمردة وهرولت مسرعة للخارج لكي تستقبلهم ، وطالعتهم بابتسامة عذبة ولكن سرعان ما سحبت مراد من ذراعه ووقفوا في مكان يصعب عليها فيه سماعهم واقتربت من أذنه وبدأو بتغامزون في همس حول أشياء عديدة ، أما سارة فكانت على وشك الانفجار من الغيظ ، يخبئون عنها شيء ولا يريدونها أن تعرفها والآن تسحبه لجانب بعيد عنه ويتكلمون وهي تقف لا تفقه أي شيء .
أخيرًا انتهوا وعادوا لها من جديد فقابلوا نظراته المغتاظة وهي تهتف مستنكرة :
_ ليه جيتوا ما لسا بدري ! ، ممكن تفهموني كنتوا بتقولوا إيه ؟!

هتفت زمردة مبتسمة :
_ أنا هقولك يا سارة ، امشي إنت خلاص يامراد وأطمن ولما نخلص هنرن عليك

أماء لها بموافقة ثم استقا بسيارته ورحل فهتفت سارة بانفعال :
_ لا أنا عايزاه هو يقولي ، اللي شغال يتهامس معاكي ويضحك ومعرفش إيه وانا زي الحمارة واقفة هنا !

قهقهت بقوة وتجيبها بمكر :
_ إيه إنتي غيرانة ولا إيه يا سارة ؟!

قالت بخنق وغضب :
_ ابعدي يابت عني ، امشي من هنا إنتي إيه اللي مقعدك معايا !

قالت بافتخار وغرور :
_ لا مش بمزاجك أنا ماخدة أوامره من مراد وريان

_ كمان ريان ! ، لا ده كدا وسعت أوي .. لو مقولتيش إيه اللي بيحصل يا زمردة والله همشي وابقي وريني إنت وريان ومراد بتوعك دول هتعرفوا تجبوني هنا تاني إزاي

قبضت على ذراعها وسحبتها للداخل وهي تقول ضاحكة :
_ حاضر والله هقولك ادخلي بس الأول

***
مرت ساعات عديدة ، حتى اقترب موعد حفل الزفاف .. وكان أسمى وملاك يجلسون في الغرفة وملاك تجلس على الفراش ، أما أسمى فتبدأ بتحضير نفسها وتارة تنظر إلى ملاك الجالسة على الفراش بصمت ومازالت لم ترتدي ملابسها ، وتارة أخرى تحاول إخراجها من تلك الحالة عن طريق أخذ رأيها فيما تفعله وترتديه وتحاول رسم الابتسامة على محياها ولكن دون فائدة .
قد كانت تفكر في حالها هي وزوجها ، قلبها لا يكُف عن لومها ويقول لها مرارًا وتكرارًا إنها ناكرة للجميل ولكل شيء فعله معها .. ناكرة لكل لحظة أخطأتي فيها وسامحك عليها ، وهذه هي المرة الأولى له الذي يخطأ معها وتعانلت مع قسوة وترفض مسامحته . أما عقلها فيخبرها بأن ما تفعله صائب وأنها ستجعله يدرك قيمتها في حياته وستكون عِبرة له بأن لا يكررها مرة أخرى ، وأنها من حقها الحزن على ما قاله فهي زوجته ومن حقها أن تحظى ببعض الثقة منه ، أن تشعر بحبه الحقيقي لها وليس فقط مجرد كلمات لا فائدة منهت وحتما سيموحها الزمان بمجرد قدوم أي عاصفة .
ظلت على تلك الحرب لدقائق طويلة لا تعرف ماذا تفعل ، هل تقبل أعذاره أم تستمر في إحزانه وإحزان قلبها على بعده ، ولكن إلى متى ستظل مصرة على معاقبته ومقاطعته هكذا ، حتمًا ستنهار أمامه وتذوب .
قالت أسمى بقلق :
_ ملاك قاعدة كدا ليه قومي البسي !

هزت رأسها بالموافقة ثم نهضت وأخدت ملابسها واتجهت بها للمرحاض لكي ترتديها ثم خرجت وبدأت بارتداء حجابها ووضعت لمسات خفيفة جدًا من مساحيق الجمال ثم غادرت الغرفة لتتجه إلى تلك الغرفة التي يكمن بها منذ الأمس فوجدته انتهى من ارتداء ملابسه ويعقد ربطة عنقه ، تنفست الصعداء ثم دلفت واغلقت الباب لتقول بضيق بسيط :
_ إيه هو حتى إنت النهردا مش هتكلم مراد !؟

نظر لها باستغراب وهتف بصرامة :
_ ومين قالك إني مبكلمهوش ؟

_ أنا عارفة يا أُسيد كل حاجة سمعتكم بالصدفة بتتكلموا ، بس أعتقد كفاية كدا ده النهردا فرحه حتى ، وأنا شايفة إنه عرف غلطه خلاص واتغير ، روح أوقف معاه بدل ما إنت هتروح الفرح زي الغريب !

قال بجفاء بسيط لا يختلف عنها :
_ دي حاجة متخصكيش يا ملاك ، ده موضوع بيني وبين أخويا واحنا نحله مع بعض بمعرفتنا !

استشاطت غيظًا من ذلك الكلام وسرعان ما اندفعت نحوه وهي تهتف بغصب عارم :
_ لا يخصني يا أُسيد لما تبقى مقاطع أخوك طول الفترة دي عشان حاجة هو غلط فيها وخلاص عرف غلطه وتاب وندم

انفعل بها صارخًا ليخرج كل ما بداخله من سخط وألم :
_ إنتي بذات متتكلميش عن المسامحة ، لإنك متعرفهاش أصلًا .. فاهمة ولا لا ، واتفضلي اطلعي برا يلا مش عايز اشوفك !

هيمن عليها حالة من الصدمة وهي تطالعه بذهول مما تفوه بها ، يطلب منها الخروج ويخبرها بأنه يبغض رؤيتها أمامه ، هل كل ما فعلته بغباءها جعله يكرهها ! ، صاحت منفعلة :
_ مش هطلع يا أُسيد !

جذبها من ذراعها وهو يهتف بنظرة نارية أرعبتها :
_ هتطلعي ؛ لإني مش طايق أشوفك خلاص ! ، قوليلي كام مرة أعتذرلك وأقولك إني ندمان ومش قادر استحمل بعدك عني وإنتي ولا هنا ، إنتي اللي أثبتيلي يا ملاك إنك مبتحبنيش مش أنا ، وأقولك على حاجة كمان لو عايزة تتطلقي أنا معنديش مشكلة ومستعد دلوقتي أروح وأخدك عند المأذون وننهي جوازنا اللي كان غلطة زي ما بتقولي

غامت عيناها بالعبرات وهي لا تصدق أن تلك الكلمات تخرج من فمه هو ، ” لا لا هذا ليس أُسيد الذي أعرفه بالتأكيد أنه ليس بوعيه وغير منتبه لما يتفوه به ” كانت تقول لنفسها هكذا في صدمة ، فقد وضعت كلامه كله في جهة ورغبته في إنهاء زواجهم واستعداده التام لذلك كانت الصدمة الكبرى لها ، فهتفت بصوت يغالبه البكاء :
_ إيه اللي بتقوله ده !!!

بعدم مبالة وبرود تام أكمل بقسوة أكثر :
_ زي ما سمعتي بالظبط أنا مبقيش عندي مشكلة في موضوع الطلاق خلاص !

استغرق الوقت للحظات وهي تحدقه بدهشة حتى قررت التحدث بنفس طريقته القاسية وعدم تحقير كرامتها أمامه لتقول بثبات :
_ تمام أوي ولا أنا كمان عندي مشكلة ، وعايزة أطلق

_ تمام النهردا بليل هاخدك ونروح !

امسكت دموعها قبل أن تسيل كالشلالات وأسرعت إلى الخارج تاركة العنان إلى دموعها بحرقة وتدخل الغرفة تزيل كل ما وضعته من مساحيق الجمال بدموعها ، اشفقت أسمى عليها كثيرًا ثم توجهت إلى أخيها في غرفته فوجدته جالس على الفراش بخنق بسيط وحين رأها قال بشيء من الندم :
_ زودتها مش كدا !

_ أمممممم جدًا ، ده صوتك أنا كنت خايفة منه !

_ لازم كنت أعمل كدا عشان أخليها تصدق ، روحيلها وحاولي تهديها ، وأنا هروح لمراد وهبقى ابعتلكم السواق ياخدكم

أماءت له بالموافقة ثم نهض هو ورحل .

***
وصل إلى شقة أخيه وطرق الباب ففتح له ريان الذي طالعه مبتسمًا وقال مازحًا :
_ إنت إيه اللي جايبك !؟

أزاحه عن طريقه وهو يهتف ضاحكًا :
_ وإنت مالك يانطع

ثم دلف إلى الداخل قاصدًا تلك الغرفة التي يتجهز بها مراد وحين رآه ابتسم بتلقائية في سعادة فهو لم يكن يتوقع مجيئه مطلقًا ، كان يظن أنه مازال غاضبًا منه ، ولكن اقترب منه وقال بحنانه الأخوي والأبوي الذي اعتاد عليه :
_ مبروووك ، الصراحة مقدرتش مجيش !

عانقه مراد بحرارة مبتسمًا بصفاء ليقول :
_ الله يبارك فيك ، فرحتني جدًا والله يا أُسيد بجيّتك دي

رتب على ظهره بحنان ثم ابتعد عنه وهتف :
_ لازم أجي طبعًا أمال أسيبك وحدك في يوم زي ده

خرج ريان ليجيب على الهاتف قائلًا :
_ أيوة يازمردة

صاحت به مغتاظة :
_ إيه يا ريان هنقعد كتير كدا يعني ما تخلصوا

_ بتزعقي ليه يابت ، لمي لسانك ده بدل ما أجي اقصهولك

قالت ساخرة باستنكار :
_ آه صح ، بس عشان إنت بتطلع تطلع وتنزل على مفيش ومباخدش منك غير كلام ! ، واخلص قول لمراد يلا ، دي العروسة خلصت وهو لسا !

هتف متوعدًا باغتياظ :
_ ماشي يازمردة وحياة أمي لما أجي هربيكي وأوريكي اللي مبتاخديش منه غير كلام ده

أغلقت الاتصال فورًا وهي تضحك فرأت نظرة سارة لها المستفهمة فقالت ضاحكة :
_ لا مفيش حاجة أخوكي مستحلفلي بس لما ياجي

_ أحسن تستاهلي !

توجهت وجلست بجوارها لتقول بمغازلة :
_ إيه الحلاوة دي بس ، تصدقي كنت عايزة أبخرك يابت

ضحكت بخفة ثم قال بهمس جميل في سعادة تتدلى من عيناها :
_ إنتي مش متخيلة أنا فرحانة إزاي دلوقتي والله

_ عشان تعرفي بس مراد بيحبك إزاي ، هو اللي ظبط تقريبًا تلات أربع الفرح وأهتم بكل حاجة وريان عمل الباقي وأنا بقى جبت الفستان الحلو دي ، يالهوي على زوقي وجماله !!

_ قومي من جمبي يازمردة !

مر ما يقارب الساعة حتى وجودوا الباب يفتح ويدخل ريان من خلاله ، فوقفت لتكون بمقابلة أخيها وتستبقل قدومه عليها ومعانقته لها بسعادة وفرح ، ثم ابتعد عنها وهتف بنبرة أخوية محبة :
_ إيه الحلاوة دي بس ، مبرووك ياحبيبتي

أخيرًا وجدته يدخل إليهم ويقترب منها بنظرة عاشقة تحمل الكثير من المعاني بداخلها ، فلم تهمله هي الوقت حيث عانقته بسعادة في عناق دام لدقيقتين حتى سمعها تهمس برقة بجانب أذنه حيث أنه هو الوحيد الذي سمعها :
_ ربنا يخليك ليا يا حبيبي

أبعدها عنه بذهول بسيط مما سمعه واقترب ليهمس أيضًا بحانب أذنها في غيظ :
_ يعني يوم لما تقوليها ، تقوليها هنا ، ماشي يا سارة حسابي معاكي في البيت !

ضحكت بخفة ، أما زمردة فسرحت في ذكرياتها للحظة ، متذكرة زوجها التي كانت داخل أحضانه وقتل بين يديها .. تتذكر كيف كان وضعها في ذلك الوقت حين وجدته سقط قتيلًا أمامها . ولكت انتشلها من شرودها ريان الذي هتف متعجبًا :
_ مالك يازمردة !

نظرت له بصمت ودققت النظر به بتحسر ثم خرج صوتها ضعيف وهي تقول :
_ مفيش حاجة أنا هروح الحمام !

نظر مراد لها وسرعان ما فهم سبب بكائها فتنهد الصعداء بضيق عليها ورأى قسمات وجه ريان وسارة المتعجبة فتظاهر هو الآخر بالجهل ، ودقائق وخرجت ثم استقل كل من مراد وسارة بالسيارة المجهزة لهم ويوجد بها السائق كالعادات التقليدية في الأفراح ، أما زمردة فصعدت بالسيارة مع ريان الذي كان ينظر لها من آن إلى آن بحيرة من أمرها فلم يتمكن من حجب نفسه عنها حتى قال متسغربًا :
_ إيه يازمردة ماتقولي مالك ؟!

_ صدقني مفيش حاجة ياريان أنا تعبت بس شوية

قال مستنكرًا :
_ وهو التعب يخليكي تبكي ؟!

اخترعت كذبة مقنعة لتقول مبتسمة :
_ لا أصل أنا فرحت جدًا لسارة يعني بعد كل اللي حصلها ربنا عوضها وفرحها ، فمقدرتش أمسك نفسي وعيني دمعت الصراحة

اقتنع قليلًا ولكن مازال قلبه يتخلل به الشك إلى كل جزء ، فقرر إزالة هذه الكآبة وتمتم بودٍ في نظرة دافئة وشبه عاشقة ! :
_ عقبالك كدا إن شاء الله !

لاحت على ثغرها ابتسامة متحسرة وحزينة على حالها ، وتمنت أن تخبره بكل شيء ولكن لن تستطيع و خالفة أوامر مراد الذي حذرها مرارًا وتكرارًا أن تبقى ذلك السر مخفيًا حتى ينتهي من الأمر وتكون هي في أمان .

***
بدأ حفل الزفاف والجميع كان سعيد باستثناء زمردة التي تحزن على زوجها وفراقه ، وملاك التي تفكر في كلام أُسيد وقلبها يبكي الدماء .. هل سيطلقها بتلك السهولة ويتخلى عنها ! ، إذًا إين كلامه الذي قاله ليلة أمس عن حبه لها وعشقه الذي لا يمكنه حتى من الافتراق عنها ليوم ! ، إين ذهب كل هذا في يومٍ وليلة !!؟ .
صك سمعها همسه بجانب أذنها وهو يقول بخشونة :
_ قومي يلا المأذون مستنينا !

رمقته بدهشة ، وتأكدت الآن أنه لم يكن حلم أو خيال ، و لم يكن هو يتحدث في لحظة غضب أو بدون وعي ، فدهست على قلبها ونهضت معه وهي تسير معه وفي إعتقادها أنه تخلى عنها وسينتهى زواجهم الآن بهدوء كما بدأ !! .
استقلت بالسيارة وانطلق وظلوا طوال الطريق لا يتحدث أحدهم مع الآخر ، هو ينظر أمامه في الطريق وهي تتابعه من النافذة بجانبها . ولكن انتابتها الحيرة عندما وجدت السيارة تقف أمام شقتهم _ هي وأمها _ فنظرت له وقالت بصوت مبحوح :
_ إنت جايبني هنا ليه !

ترجل من السيارة وفتح لها الباب للنزول وهو يقول بصلابة :
_ انزلي وهتعرفي فوق

ترجلت كالمغلوب على أمره وسارت خلفه حتى وجدته يخرج المفتاح من جيبه ويفتح الباب ثم يشير لها بيده الدخول فتهتف هي باستياء :
_ إنت جبت المفتاح منين !؟

رأت نظرة مرعبة استقرت في عيناه يأمرها بالدخول ، فدخلت بازدراء وبمجرد ما وجدته يدخل خلفها ويغلق الباب فصاحت به مزمجرة :
_ فهمني جبت المفتاح من فين ، وفينه المأذون اللي مستنينا ده !

تجاهل أسئلتها وتوجه إلى غرفة النوم وهي تصيح عليه منفعلة واندفعت خلفه صائحة :
_ ماترد عليا هو أنا بكلم نفسي

وجدته يخرج إمامها عقد ويضعه في يدها فحملقت به بدهشة ثم نظرت له وقالت بريبة :
_ ده عقد تمليك !!

أظهر عن صف أسنانه البيضاء وفي عينه وهج جميل تطل منه إسراقة ساحرة ثم قال :
_ إنتي مش كان نفسك تشتري البيت ده ويبقى ملكك وأهو بقى ملكك والعقد في إيدك

أطالت النظر إليه بذهول ودقات قلبها تسارعت عندما قال هكذا ، فطالما تمنت أن تحتفظ بذلك المنزل الذي قضت به طفولتها مع أمها ويكون ملكًا لها ولن يستطيع أحد أخذه منها ، غامت عيناها بالعبرات وهي تهمس بصوت باكي :
_ الكلام ده بجد يا أُسيد !؟

_ إمال هزار يعني ! ، طبعًا بجد يا حبيبتي

انهمرت دموعها على وجنتيها سريعة ولم تتمكن من حجب نفسها عنه ، حيث ارتمت داخل أحضانه وهي تجهش باكية وتقول :
_ أنا مش مصدقة والله

ملس على ظهرهها وهو يحني رأسه ليطبع قبلات متتالية على شعرها من فوق الحجاب ويهمس بنبرة عاشقة :
_ لا صدقي ، أنا من بدري كنت ناوي أعمل كدا بس أنشغلت وهو جه وقتها ، أهم حاجة تكوني مبسوطة

_ أكيد طبعًا مبسوطة ربنا يخليك ليا يارب !

أبعدها عنه و أردف بابتسامة مشرقة :
_ يعني نقول صافية لبن خلاص

جففت دموعها ثم قالت بغضب مزيف :
_ لا لسا عشان الطريقة اللي جبتني بيها وخلتني أصدق إنك فعلًا مش عايزاني واتخليت عني وهنطلق !

قرب وجهه من وجهها واستند بجبينه على جبينها هامسًا بصوت يفيض رقة وحنانًا :
_ أنا مستحيل أتخلى عنك ياملاكي ، هتفضلي مراتي لغاية آخر نفس فيا ، إنتي يمكن مش مدركة لسا إنتي بتعملي فيا إيه لما تكوني قدامي ومعايا ، وكنت في كل مرة بحاول أصالحك فيها وإنتي بتصديني كنت ببقى على احظة وهتجن ، بس إنتي ما شاء الله تخطيتي الأرقام القياسية في القسوة

قال بأغين دامعة :
_ اللي إنت متعرفهوش عني ، إني مبقساش على حد إلا لما أكون بعشقه بجد ، وأنا قسيت عليك عشان بحبك وكنت مدايقة من اللي عملته وكنت عايزة أقرص وجدنك عشان متكررهوش تاني

قال مبتسمًا بحب :
_ لا إنتي قرمطيها ودني مش قرصتيها !!

انطلقت منها ضحكة أنثوية مرتفعة فجذبها من خصرها إليه وقال بلؤم في غضب مزيف :
_ الضحكة دي في بيتنا مش هنا عشان أعرف أرد عليكي كويس يامدام يا محترمة !

حجبت نفسها من أن تنطلق منها ضحكة آخرى مشابهة لسابقها ثم وجدته يقترب منها ويهم على تقبليها ولكن هاتفه أصدر رنينه فانتفضت هي واقفة وأبعدته عنها بعنف فصاح بها مغتاظًا :
_ إيه ياملاك خلتيني أحس إن احنا زي الاتنين اللي هاربين في شقة وخايفين لحد يكشفهم .. براحة ياحبيبتي إيه الخوف والتوتر ده كله !

وضعت يدها على وجهها وتنفجر ضاحكة على غيظه الشديد منها ومن المتصل اللعين ، الذي أجاب عليها بخنق :
_ إيه يا ريان في إيه ؟!

_ إنت فين ؟ ، حتى ملاك مش موجودة

_ ملاك معايا كنا في مشوار وراجعين دلوقتي

_ أمممم طيب ، سلام

انهى الاتصال ونظر لها بغيظ قائلًا :
_ اطلعي ياختي قدامي يلا

وقفت أمامه مباشرة وقالت بشجن :
_ متزعلش مني يا أُسيد على معاملتي ليك ! ، أنا كنت ناوية والله في البيت أقولك إني مسمحاك وخلص الموضوع بس لما لقيتك بتقول الكلام ده تراجعت

أمسك بكفها وقبله وتشدق بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا وأعين تشع حب وعشق :
_ مش زعلان ياحبيبتي ، إنتي آه زودتيها شوية ! بس أنا كمان غلطت في حقك ، وانا اللي غلطان لأني مخلتكيش تحسي بحبي ليكي فعلًا ومخلتش عندك ثقة فيا وفي حبي ليكي اللي هو أكتر من حبي لمريم بكتير ، بس إن شاء الله ربنا يقدرني وأثبتلك ده ، ومخليش اللي حصل ده يتكرر تاني

***
استيقظ في صباح اليوم التالي ونظر بجوارها فلم يجدها ، فتعجب بشدة ونهض من الفراش ثم توجه نحو المرحاض وغسل وجهه وأخذ حمامه الصباحي وعندما خرج صاح مناديًا عليها فأتاه صوتها من المطبخ فذهب لها ووقف خلفها بعانقها من الخلف هاتفًا :
_ في عروسة تقوم الصبح تحضر الأكل !

قالت بدلال وهي تمنع نفسها من الضحك :
_ والله أنا جعانة لو إنت مش جعان حاجة ترجعلك

قال بقرف وهو يسخر من طريقتها :
_ جعانة !! ، وبعدين مواعين إيه اللي بتغسلي فيها على الصبح ده !!

_ مواعين العشا بتاع إمبارح ولا إنت بتاكل وتنسى !

تهجم وجهه وقال بخنق وغضب :
_ لا تعالي خُديني قلمين أحسن !

أنفجرت ضاحكة بقوة ولفت ذراعها حول عنقه قائلة برقة :
_ لا طبعًا مقدرش ، أنا ممكن أعملها في حالة وحدة لو أنا مستغنية عن روحي !

ابتسم بفخر وقال :
_ كويس إنك عارفة

أكملت بدلال أكثر :
_ هاا أحضر الأكل ولا لا

سحبها من يدها قائلًا في خبث :
_ لا لا مش وقته تعالي بس عشان عايز أقولك حاجة مهمة حصلت إمبارح في الفرح احنا وفي القاعة

***
كانت زمردة تستقل بالسيارة مع ريان بعد أن أصر أن يوصلها لمقر عمله حين قابلها في الطريق ، وفي وسط الطريف طلبت منه أن يتوقف ؛ لكي تنزل وتشتري شيئًا من أحد المحلات ، فأوقف السيارة ونزلت ولسوء الحظ أنه نسيت حافظتها الشخصية مفتوحة على المقعد مكانها ، فنظر هو إليها وأصابته الصدمة عندما رأى صورة ذلك الرجل .

_ يتبع ……



زر الذهاب إلى الأعلى