روايات شيقة
رواية شظايا قسوته الفصل الثاني 2 بقلم رحمة سيد
رواية شظايا قسوته الفصل الثاني 2 بقلم رحمة سيد
شظايـا قسوتـه
الفصل الثانـي :
ظـلت ” خالتـه ” محدقـة في سيلا بصدمـة بدت لهم واضحـة كعين الشمس !!
تدقق في تلك الملامـح التي كانت تعرفها عن ظهر قلـب لعل عيناها تخطئ !!!
ولكن نسبة الحقيقة وكأنها تزداد مع مرور اللحظـات …
قطـع ذلك الصمت صوت سليم الأجش وهو يتساءل ببلاهـة :
_ في أية يا خالة ؟
واخيرًا إستطاعت السيطـرة على الصدمة التي أفترشـت على ملامحهـا المسنـة لتسرع مبررة بتوتر :
_ آآ مفيش يا سليم
رفـع حاجبه الأيسـر وهو يسألها مرة اخرى بريبـة :
_ أمال اية ده اللي مش معقول ؟
أبتسمـت ابتسامة صفراء وهي تحاول معالجـة الأمر :
_ يا حبيبي يعني أقصـد جمالها مش معقول، بشرتها وملامحها وعينيها البني دي تجذبك كدة ليهم
لم ينكـر .. بالفعـل لعينيها بريق وسحر خاص، سحر لن يتركك إن رأيته مرة إلا بعد أن تصبح أسيـر رحمته !!!
ولكن قال لها باستنكـار :
_ متأكدة جمالها يا خالة ؟
اومـأت مؤكدة وهي تحاول قد الإمكان عدم التحديـق بــ ” سيلا ” وردت :
_ ايوة يا سليم امال هيكون في أية يعني !!؟
مـط سليم شفتيه بملل وهي يتابع :
_ بس على فكرة هي مش رائعة الجمال للدرجـة دي، جمالها عادي خالص زي أي واحدة بعيون بني وبشرة بيضة ؟!!!
ابتسمـت الاخـرى بشرود مرددة :
_ واكيد شعر بني كمان
ضيـق سليم عينـاه السوداء، ليتغلب طبع الصقر على طبعه المسالم بسؤاله الخبيث :
_ وأنتِ عرفتي منين ان شعرها بني إذا كان هي محجبة ؟!!!
خطـأ !!!
خطأ اخـر أمام ” الصقـر ” ..
وفي قانونـه من يخطأ اكثر من مرتان فهـو ” كاذب ” …
وبالطبـع هي لا ترغب في فتح تلك الأسئلة التي لا تنتهـي ..
لا ترغـب في فتح أبواب وسلاسل الأنتقام دون أن تدري !!!
لتقول بتلعثم :
_ أنـا آآ أنا خمنت يعني يا سليم هو تحقيق ولا أية ؟!
هـز رأسه نافيًا ليرد بهدوء :
_ ما عاش ولا كان اللي يحقق معاكِ يا خالة
نظـر لسيلا ثم قـال بصوت جـاد :
_ أعمليلنا أتنين قهوة لو سمحتـي
اومـأت دون أن تنظر لهم ثم غادرت بهدوء، كان عقلهـا منشغل بكلام تلك السيـدة .. معرفتها بها جعلتهـا تشك بها ولو قليلاً .. وسؤال واحد يرتكـز بجدارة وسط سمـاء تفكيرها الغارق
” هل تعـرف والدتهـا ؟! ” …
بينمـا في نفس اللحظـات كان سليم يقول لها بهدوء :
_ اسمعيني يا خالة جميلة، دي البنت اللي قولتلك عليها اللي جابوهالي وقالولي انها فاقدة الذاكرة وعايزة تشتغل وانا شغلتها مع الحاجة فاطيما فــي المطبخ
نظـرت له الاخرى باهتمام ليتابع فتابع بقوله المتوجس :
_ بس أنتِ عرفاني مابشغلش أي حد عندي وخلاص، بعت رجالتي يدوروا ويسألوا في كل حته عن سيلا إبراهيم عسى يلاقوا لها اهل، لكن في حاجة غريبة
إبتلعت ريقها بإزدراء ثم سألته :
_ اية اللي حصل ؟
هـز رأسه ومن ثم أجابها بحيرة :
_ البلد كلها محدش يعرف مين سيلا إبراهيم خالص، والناس هنا كلها عارفة بعضهـا
وقلـق عارم بدء في السيطـرة على مقاليـد كيانها كلـه ..
يشـك !!!
الصقـر يشـك، وإن اجتاحه الشك سينقلب كل شيئ رأسًا على عقب ..
والمعنى الوحيد لذلك … أنه سيعرف كل شيئ، وستشتغل شعلة مدمـرة و..
وعند هذه النقطـة ومن دون تردد وجدت نفسها تبرر :
_ لا لا يا سليم، أكيـد يعني محدش يعرفها أو اهلها مش ف البلد حاليًا
هـز رأسه وهو يحاول إقناع نفسه :
_ امممم ممكن
اومـأت هي الأخـرى، لتتابع :
_ اكيد يعني امال هيكون اية غير كدة
اومأ ثم قال بإيجاز :
_ ماشي اتمنى كدة، بس أنا بقى فكرت ف حاجة عشان أعرف هي كذابة ولا صادقة وفاقدة الذاكرة
طـرق القلـق بابها مرة اخـرى بلا منازع، ونظـراته تطـوفها كليًا …
فسألتـه بجديـة حاولت التمسـك بها :
_ ازاي يعني يا سليم ؟
أراح رأسه للخـلف وهو يقول بنبـرة أعلمتها أن كل شيئ قد ينتهي بلحظات :
_ انا اتصلت بالدكتـور، وخدت ميعاد، هنروح نعمل أشعـة ونشوف هي فعليًا فاقدة الذاكرة ولا لا
ظلـت ناظـرة امامهـا … رغبتهـا في عدم كشف أي شيئ توازي رغبته المتينـة في الوصول للحقيقة الكاملة ..
ورغبة امام رغبة ولكـن .. رغبتهـا ستحاول – عنـوة – ان تجعلها تفوز بدافعها القوي .
فقالت بنبرة عادية بعض الشيئ :
_ اللي أنت شايفه صح أعمله يا سليم .. أنا واثقـة فـي كل قراراتك
اومـأ بابتسامة صافية إحتلت ثغـره ..
بينما كانت هي على الطرف الأخـر بالقـرب منهم، ترتجـف فعليًا ..
ماذا عساها أن تفعل وكل كلامه مغلـف بالإصرار والجديـة ؟!!
لن تستطيع ايقافه، ومن هي لتقف بوجه الصقر في شيئً يريد فعله !!
ماذا ستفعل ؟؟؟!
تهـرب …
وأي مهرب هذا، هي حتى لا تذكر انها رأت الشـارع الخارجي منذ قدومهـا !!!!
*********
وصفحـة وجهها سطَورهـا غير مفهومة بالمرة، يملؤوها ضبـاب التعجب !!؟
او الصدمة الحالية ! ..
نعم الحالية فأي صدمة هذه وهي تعي تمامًا أنه يومًا ما سيتزوج فعليًا !!!
سيتزوج وسينجب قريبًا، وهي .. هي زوجـة ليست كاملة !!!!
شعرت بغصة مريرة في حلقها عندما تيقنت تلك الكلمة ..
يجب أن تتهيئ لسماعها مرارًا وتكرارًا !!
وسألته باستنكـار حقيقي :
_ اتجوزت !!؟
اومـأ وهو يجـيب ببساطة لا تليق بموقف كهذا :
_ ايوة امال انتِ كنتِ مفكرة أية ؟
رفعـت كتفيهـا لتقول باستهانة :
_ لا مكنتش متوقعة، أنا عارفة إن مسيرك تتجـوز يا مجدي
اومـأ مجدي وهو ينظـر لها بأمعـان …
ألم تكن تلك من من تزوجهـا لأنه يحبهـا ؟!
يحبها !!!!!
وهل من يعـرف الحب يومًا يتخلى عنه بهذه السهولة ؟!
لا هو لم يتخلى، هو أراد صبي من صلبـه، جدار يستنـد عليه في الكبر !!
بينمـا نهضـت أمنيـة لتقـول بهدوء حذر :
_ طيب عن أذنكم أنا بقـى
سـارت متجهة للخـارج بخطـى مسرعـة، وكادت ” رقيـة ” تلحق بها إلا أنه أمسـك بيدهـا يجذبهـا نحـوه ليقول وحروفـه تقطـر لومًا لم يُخفى عليها :
_ لية بتعملي كدة، لية بتعذبينا أحنا الاتنيـن
نظـرت له بحـدة، حـدة تمعنت عيناهـا لتُخرج شرارات حارقة وردت :
_ مش أنا اللي بأعذبك يا مجدي، أنت اللي بتعذب نفسـك من يـوم ما فكـرت تشرب الزفـت المخدرات
والى متـى سيلـوم نفسـه على غفـوة شيطانية !!؟
نـال قدرًا كافيًا من البُعـد .. والحزن والعتـاب ..
أراد العـودة … ولكنها بدت بعيـدة جدًا عن نقطة إستطاعتـه ..
وللمرة التي لا يذكر عددها أردف :
_ لحد امتى هفضل أقولك إني بطلت الزفت
رفعـت كتفيها وهي تقول بجدية :
_ وأنا ايش ضمني إنك ماترجعلهاش في اي وقت ؟ لية أحط إيدي تحت سنان النمـر ؟؟
جذبهـا لأحضانـه، يتأوه بخفـوت من فرط شوقـه لها ..
شـوق امتدت جذوره لدرجة رجاءها، ولكنه قطعـه بسكيـن كرامتـه وشخصيته الشرقية ..
غمس رأسـه عند رقبتهـا، يملأ رئتيـه بعبيرهـا الذي وكأنه يعيد تنشيط خلايـاه كليًا ..
ليقـول بصوت اُرهـق حرفيًا :
_ أنا تعبت، وزهقـت، كفاية بُعد، كفايـة لوم كفاية بقـا
هـزت رأسهـا نافيـة لتهمس له :
_ أنا تعبت أكتر، انت هتروح تتجوز، لكن أنا، أنا هفضل طول عمري معنديش طفل يقولي يا ماما !!!
شيئ من الألم إرتسـم على ملامحـه الخشنـة، كيـف لا وكل وغـزة ألم تشعر بها وكأنه يقتسمهـا معها !!؟
ليبادلها الهمـس الهادئ :
_ صدقينـي أبني مش هيقولك غير يا ماما
نظـرت في عينـيه، وتعلقت بأخـر حبل للأمـل والحب بينهما لتقول بما أشبه للرجـاء :
_ ماتتجوزش يا مجدي، طلقهـا !!
هـز رأسـه نافيًا .. لينقطـع ذاك الحبل رويدًا رويدًا مع قوله :
_ مش هينفع، للأسف مش هينفـع، لو أنا سكت أهلي مش هيسكتوا، عايزين يشوفوا حفيد ليهم في أقرب وقت
حاولت الابتعـاد وهي تصرخ في وجهه مزمجـرة بغضب :
_ طول عمرك هتفضل كدة، تحت طوع أمك بس
وصفعـة كانت الـرد !!!
صفعـة لم تأخذها منه يومًا .. واليوم كـانت مع دعـوة صريحـة منه للأبتعاد إن كان هذا هو قربهـا !!
ليصيح فيها حادًا :
_ اولاً صوتك مايعلاش عليا، ثانيًا لازم تعرفي ازاي تتكلمي مع جوزك يا هانم
اومـأت والغضب يتطاير من مقلتاها، لتكمل بعدها بنفس الغضب :
_ ماشي يا مجدي ماشي، بس تأكد إنك مش هتلمس مني شعـرة
وطـوال قاعدة حياتـه كان رده جملة قصيرة مع – ضرورة التنفيذ – ليجذبها في لحظات يطبق على شفتاها الصغيرة بغضب وقسـوة، وقوة من المفترض ألا تواجهها هي .. ليبتعد بعد دقيقة تقريبًا وهو يتابـع بخشونة :
_ وقت ما أحب أقرب منك هقـرب، بس أنا قرفان منك دلوقتِ
وأنطلق مغادرًا تلك الغرفة التي شهـدت حديثهم – المهـين – لتهوى هي على الفـراش بغلب، واخيرًا اعطت الأذن لدموعها لتنفجـر شلالات على وجنتاها البيضاء، لتهمس لنفسها بأسف حقيقي :
_ دي كانت أخر فرصة عشان تثبتلي فيها إنك باقي عليا، لكن للأسف ضيعتها !!
ومالت على – الكمديـن – المجاور للفراش لتفتح الدرج وتأخذ قرص – لمنع الأنجـاب – وهي تغمض عينيها بألم !!!!!
*********
كـانت ” سيلا ” تعمـل بالمطبـخ شاردة، هائمـة وحزينـة ..
تلك العينـان البنية التي كانت تمـوج فرحًا وشقاوة طفوليـة، الان اصبحت تموج حزنًا وخوفـــًا !!
خوفًا من ذاك الصقـر الذي وكأنه قاصـد تمثيل حروف أسمه على شخصيته حرفيًا !!!
أقتـربت منهـا تلك السيـدة الكبيرة – عمرًا – التي تحمل ملامـح تنم عن طيبتهـا الفطريـة ..
أقتـربت من سيلا لتعـدل من وضع الحجاب الكبير الأسـود الذي يغطي خصلات شعرها التي بدءت تصبح بيضاء والذي يرتدونـه – عادةً – في مدن الصعيـد
لتربت على كتفها بهدوء مرددة :
_ مالك يابنيتـي ؟
رفعـت عينـاه لتقابل نظراتها المشفقـة !!
تلك النظرات التي كانت دومًا تكرههـا .. ولكن الأن وبكل صراحة هي تحتاجهـا، تجتاح لتراهـا تنغمس بين حروف وكلمات ذاك الصقـر ولو لمرة !!!
فهمست لها مجيبة :
_ تعبت أوي يا خالة فاطيمـا
سألتهـا بأشفاق حنون :
_ مالك يا عيون الخالة فاطيما، اية اللي مخليكِ على طول مهومة إكدِه يا بتي ؟
البـوح بالسـر !!!
وهل لها فرصة كهذه من الأسـاس ؟
هل تبـوح وتخرج ما في صدرها من همـوم لم تعد لديها القدرة على أحتمالها
وتخاطـر – فعليًا – بأحتمالية معرفة الصقر بذاك الكلام !!!
دقاتها اختنقت من كثرة الاحتباس، وعقلها تشتت من فرط التفكير وحرفيًا
” أعان الله قلبًا نقيًا صافيًا رغم شدة الكـرب لا يبـوح “
نظـرت لها لتتابع – بتمويـه – :
_ كل حاجة تعبتني، حاسة إني مخنوقة أوي أوي
سألتها مرة اخرى بحزن :
_ لسة مافكراش حاچة يابتي ؟
إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تومئ مرتبكة :
_ اه للأسف، وحاسه أني مش هفتكر ابدًا
هـزت الأخـرى رأسها نافيًا، لتقول بإيمان صادق خرج في صورة امل لــ سيلا :
_ ماتجوليش إكدة يابتي، ربنا بيجول ” أنا عند ظن عبدي بي ” ، اوثجي في ربنا إنه مش هيحطك في حاچة إلا لو فيها خير او امتحان ليكِ
ابتسمت سيلا بامتنان لم يتخط حروفها :
_ ربنا يخفف عنك يا حاجة فاطيما زي ما بتحاولي تخففي عن غيرك
مسدت ” فاطيما ” على حجاب سيلا لتكمل متساءلة بفضول :
_ لكن أنتِ لجـوكِ فين يا بتي يمكن أهلك في نفس البلد ؟
عضـت سيلا على شفتيها بحيرة شديـدة، لتجيب بعدها مصطنعة التفكير :
_ حقيقي مش فاكرة، أنا كنت اللي كنت بحاول اعمله إني أستنجـد بأي شخص اشتغل وخلاص
اومـأت برأسها لتبتسم مرددة بهدوء :
_ ربنا معاكِ يا حبيبتي
وخاطـرت بالفعل وهي تسألهـا بما يشبه الرجاء الحار :
_ هو انا ينفع أطلب منك حاجة يا خالة فاطيمـا
اومأت بتأكيد وهي تهتف بلا تردد :
_ أكيد لو في استطاعتي ماهتأخرشي عنك أبدًا يا بنيتي
استطردت – مغمضة العينين – بتردد :
_ ينفع تخليني أخرج من هنـا
عقـدت الاخرى حاجبيها متساءلة بشك :
_ لية يا سيلا، أنتِ مش جولتي إنك عايزة تشتغلي على الأقل لحد ما تفتكري كل حاچة يا بتي ؟
اومـأت سيلا مؤكدة وسارعت تبرر :
_ عايزة أشوف أهلي وحضرتك عارفة إن سليم بيه مش سامح لي إني اخرج خالص طالما جيت بيتـه
هـزت رأسها نافية لتدافع عنه بصوت جاد وهادئ معًا :
_ يا حبيبتي سليم بيه هو طبيعته كدة ما بيثجش في اي حد بسهولة، وهو مايعرفكيش وبما إنك دخلتي بيته مش مسموح إنك تمشي لحد ما يتأكد إنك مثلاً مش جاسوسة او واحدة مزجوجة عليه، دِه راجل اعمال كَبير جوي وليه أعداء كتيـر
اومـأت بيأس، وفجأة لمعت عيناهـا وهي تردف :
_ طب حتى أعمل تليفون صغير ؟
هـزت رأسها نافية بأسف :
_ اعذريني يابتي انا اكل عيشي هينجطع لو سليم بيه عرف بحاچة ، انا اسفة
هزت رأسها بابتسامة صفراء مرددة :
_ ولا يهمك يا حاجة، حقك طبعًا
وإنقـطع أخر امل لها … وانتهى الأمر !!
ولكن هل هو بدء بالفعل لينتهي ؟ ..
ام تلك مجرد – بداية حتمية – ؟!!!
*********
كـان سليم يهبـط من غرفتـه العلويـة، ليقابـل سيلا التي كانت تسير مسرعـة وهي تطالع الأرضية الرخاميـة، كادت تصطدم به وتقـع، لولا إعتقاله لخصريهـا النحيفيـن، إعتقال صادم أربكهـا بشدة وجعل الحمرة تزحف لوجنتاها الناعمتيـن، لتحاول النهوض وهي تقول متلعثمة :
_ أسفة مـا آآ ماخدتش بالي
كـز سليم على أسنانه بغيظ ومن ثم قال بحدة :
_ مخدتيش بالك بردو !!؟ ومين كان واخده بالك ده !؟
للحظـة أعتقدتـه يتحدث بجدية، ملامحـه الجادة والحادة هي ما زودتهـا بأعتقاد ابله كهذا ففغرت فاهها :
_ نعم !!!
انتصـب في وقفته وهو يبعدها عنه ليأمرها بجدية :
_ ابقي خدي بالك بعد كدة، أنا مش عايش مع بنت اختي بتلعب في البيت
يمـزح !!!
أهو يمـزح بالفعل ؟!
لا لا هي تحـلُم !!!! الصقر لا يمزح ابدًا ..
ام استجاب الله لدعاؤوها بهذه السرعة !؟
وسقطت من سماء الهدوء النفسي لأرض الحقيقة الحادة بقوله :
_ روحي شوفي شغلك بلاش دلع ماسخ امال
نظـرت له بحرقة ثم صاحت فيه :
_ انا معملتش حاجة لده كله !!
نظـر لها نظـرة داعبت خوفها المكبـوت، لتصمت فورًا ولكنها حاولت أن تبقى نظراتها حادة ليقول بخشونة معهودة منه :
_ لما تتكلمي تتكلمي بأحترامك يا أنسة هه
عضـت على شفتاهـا لتتابع حانقة :
_ إنسان دبـش
جحظت عيناه وهو يسألها بصدمة من جرأة تلك الفتاة التي مؤكدًا تريد في تفتتيت حياتهـا البائسة لمجرد شظايا !!!! :
_ أنتِ قولتي أية ؟
ابتلعت ريقها وهي تلعن لسانهـا الأحمق الذي يتفوه – دفاعًا – دومًا دون الرجوع لعقلها لتسارع بالقول :
_ معلش معلش
ثم ركضـت مسرعة من امام ذاك الاعصار الذي كاد يهب بوجهها لتظهر شبح ابتسامة على ثغره وهو يهمس :
_ طفلة والله
وسرعان ما اختفت وهو يعود لطبيعته الحـادة متعجبًا من تلك الابتسامة التي ظهرت على وجهه خلسة !!!
وكاد يخرج إلا أن قاطعه مناداة خالته الهادئة :
_ سليم
إلتفت لها يجيبها بتهذيب :
_ خير يا خالة ؟
اجابته بهدوء متساءلة :
_ رايح لــ ” ناديـن ” مش كدة ؟
اومـأ سليم مؤكدًا :
_ أيوة يا خالة، إنتِ عارفة إن ده ميعاد زيارتهـا
اومـأت وهي تبتسم له متمتمة :
_ ربنا يديك على اد نيتك يابني، بس قولي
سألها مضيقًا عينـاه :
_ اية ؟
سألته بتردد بعض الشيئ :
_ انت هتاخد سيلا امتى للدكتور اللي قولت عليه هيكشف عشان تتأكد
سـار وهو يجيبهـا بجدية هادئة :
_ اول ما اجي إن شاء الله
اومـأت بهدوء موافقة وردت :
_ ربنا يوفقك يا حبيبي
_ أميـن .. تسلميلي
قالها وهو يخرج بشموخه المعتـاد، تاركًا اياها تفكـر لتنفيذ ما ألقت خيوطها عليه حرفيًا !
**********
عـاد عـزت بعـد طول بحـث دام لساعات تقريبًا، بحـث لم يفعله ابدًا بأتقـان بل يصطنعه !!!
دلف الي غرفة والده، ليجد حاله كما هو منذ رحـيل سيلا ليطـرق رأسه آسفًا :
_ اعذرني يا بابا ملقتهـاش
حدق به الجد بقوة … لا يكاد يصدق أن فقـد صغيرته المدللة
فقد أخـر شيئ كان يعيش من أجله في هذه الحياة ..
وإن فُقــد الدافـع فمؤكد .. تزول الرغبة !
سأله وكأنه لم يستوعب بعد :
_ يعني أية ؟
رفـع كتفيه ليجيبه بشيئً من البرود :
_ يعني مش لاقيها انا يأست خلاص إني ألاقيهـا
صرخ فيه أبيه منفعلاً :
_ لا، مستحيل هتكون راحت فين، مش ف الاقسام او المستشفيات او اي دار او اي مكان هتكون راحت فين، بس انا متأكد أنها عايشة
لوى عزت شفتـاه ليقول هذه المرة بحزن لم يصطنعه :
_ انا مش عارف اقولهالك ازاي يا حج والله
سأله متوجسًا وهو يضع يداه بجوار قلبه :
_ في اية يا عزت انطق على طول
اشار له مهدئًا :
_ طب اهدى يا حج كدة عشان صحتك
صرخ فيه بنفاذ صبر ؛
_ انطق ماتشلنييييش يابني
_ سيلا ماتت يا بابا
نطق بها وهو يغمـض عينـاه بحزن حقيقي لم يستطع منعه من السيطرة على ساحة عيناه !!!!
الفصل الثانـي :
ظـلت ” خالتـه ” محدقـة في سيلا بصدمـة بدت لهم واضحـة كعين الشمس !!
تدقق في تلك الملامـح التي كانت تعرفها عن ظهر قلـب لعل عيناها تخطئ !!!
ولكن نسبة الحقيقة وكأنها تزداد مع مرور اللحظـات …
قطـع ذلك الصمت صوت سليم الأجش وهو يتساءل ببلاهـة :
_ في أية يا خالة ؟
واخيرًا إستطاعت السيطـرة على الصدمة التي أفترشـت على ملامحهـا المسنـة لتسرع مبررة بتوتر :
_ آآ مفيش يا سليم
رفـع حاجبه الأيسـر وهو يسألها مرة اخرى بريبـة :
_ أمال اية ده اللي مش معقول ؟
أبتسمـت ابتسامة صفراء وهي تحاول معالجـة الأمر :
_ يا حبيبي يعني أقصـد جمالها مش معقول، بشرتها وملامحها وعينيها البني دي تجذبك كدة ليهم
لم ينكـر .. بالفعـل لعينيها بريق وسحر خاص، سحر لن يتركك إن رأيته مرة إلا بعد أن تصبح أسيـر رحمته !!!
ولكن قال لها باستنكـار :
_ متأكدة جمالها يا خالة ؟
اومـأت مؤكدة وهي تحاول قد الإمكان عدم التحديـق بــ ” سيلا ” وردت :
_ ايوة يا سليم امال هيكون في أية يعني !!؟
مـط سليم شفتيه بملل وهي يتابع :
_ بس على فكرة هي مش رائعة الجمال للدرجـة دي، جمالها عادي خالص زي أي واحدة بعيون بني وبشرة بيضة ؟!!!
ابتسمـت الاخـرى بشرود مرددة :
_ واكيد شعر بني كمان
ضيـق سليم عينـاه السوداء، ليتغلب طبع الصقر على طبعه المسالم بسؤاله الخبيث :
_ وأنتِ عرفتي منين ان شعرها بني إذا كان هي محجبة ؟!!!
خطـأ !!!
خطأ اخـر أمام ” الصقـر ” ..
وفي قانونـه من يخطأ اكثر من مرتان فهـو ” كاذب ” …
وبالطبـع هي لا ترغب في فتح تلك الأسئلة التي لا تنتهـي ..
لا ترغـب في فتح أبواب وسلاسل الأنتقام دون أن تدري !!!
لتقول بتلعثم :
_ أنـا آآ أنا خمنت يعني يا سليم هو تحقيق ولا أية ؟!
هـز رأسه نافيًا ليرد بهدوء :
_ ما عاش ولا كان اللي يحقق معاكِ يا خالة
نظـر لسيلا ثم قـال بصوت جـاد :
_ أعمليلنا أتنين قهوة لو سمحتـي
اومـأت دون أن تنظر لهم ثم غادرت بهدوء، كان عقلهـا منشغل بكلام تلك السيـدة .. معرفتها بها جعلتهـا تشك بها ولو قليلاً .. وسؤال واحد يرتكـز بجدارة وسط سمـاء تفكيرها الغارق
” هل تعـرف والدتهـا ؟! ” …
بينمـا في نفس اللحظـات كان سليم يقول لها بهدوء :
_ اسمعيني يا خالة جميلة، دي البنت اللي قولتلك عليها اللي جابوهالي وقالولي انها فاقدة الذاكرة وعايزة تشتغل وانا شغلتها مع الحاجة فاطيما فــي المطبخ
نظـرت له الاخرى باهتمام ليتابع فتابع بقوله المتوجس :
_ بس أنتِ عرفاني مابشغلش أي حد عندي وخلاص، بعت رجالتي يدوروا ويسألوا في كل حته عن سيلا إبراهيم عسى يلاقوا لها اهل، لكن في حاجة غريبة
إبتلعت ريقها بإزدراء ثم سألته :
_ اية اللي حصل ؟
هـز رأسه ومن ثم أجابها بحيرة :
_ البلد كلها محدش يعرف مين سيلا إبراهيم خالص، والناس هنا كلها عارفة بعضهـا
وقلـق عارم بدء في السيطـرة على مقاليـد كيانها كلـه ..
يشـك !!!
الصقـر يشـك، وإن اجتاحه الشك سينقلب كل شيئ رأسًا على عقب ..
والمعنى الوحيد لذلك … أنه سيعرف كل شيئ، وستشتغل شعلة مدمـرة و..
وعند هذه النقطـة ومن دون تردد وجدت نفسها تبرر :
_ لا لا يا سليم، أكيـد يعني محدش يعرفها أو اهلها مش ف البلد حاليًا
هـز رأسه وهو يحاول إقناع نفسه :
_ امممم ممكن
اومـأت هي الأخـرى، لتتابع :
_ اكيد يعني امال هيكون اية غير كدة
اومأ ثم قال بإيجاز :
_ ماشي اتمنى كدة، بس أنا بقى فكرت ف حاجة عشان أعرف هي كذابة ولا صادقة وفاقدة الذاكرة
طـرق القلـق بابها مرة اخـرى بلا منازع، ونظـراته تطـوفها كليًا …
فسألتـه بجديـة حاولت التمسـك بها :
_ ازاي يعني يا سليم ؟
أراح رأسه للخـلف وهو يقول بنبـرة أعلمتها أن كل شيئ قد ينتهي بلحظات :
_ انا اتصلت بالدكتـور، وخدت ميعاد، هنروح نعمل أشعـة ونشوف هي فعليًا فاقدة الذاكرة ولا لا
ظلـت ناظـرة امامهـا … رغبتهـا في عدم كشف أي شيئ توازي رغبته المتينـة في الوصول للحقيقة الكاملة ..
ورغبة امام رغبة ولكـن .. رغبتهـا ستحاول – عنـوة – ان تجعلها تفوز بدافعها القوي .
فقالت بنبرة عادية بعض الشيئ :
_ اللي أنت شايفه صح أعمله يا سليم .. أنا واثقـة فـي كل قراراتك
اومـأ بابتسامة صافية إحتلت ثغـره ..
بينما كانت هي على الطرف الأخـر بالقـرب منهم، ترتجـف فعليًا ..
ماذا عساها أن تفعل وكل كلامه مغلـف بالإصرار والجديـة ؟!!
لن تستطيع ايقافه، ومن هي لتقف بوجه الصقر في شيئً يريد فعله !!
ماذا ستفعل ؟؟؟!
تهـرب …
وأي مهرب هذا، هي حتى لا تذكر انها رأت الشـارع الخارجي منذ قدومهـا !!!!
*********
وصفحـة وجهها سطَورهـا غير مفهومة بالمرة، يملؤوها ضبـاب التعجب !!؟
او الصدمة الحالية ! ..
نعم الحالية فأي صدمة هذه وهي تعي تمامًا أنه يومًا ما سيتزوج فعليًا !!!
سيتزوج وسينجب قريبًا، وهي .. هي زوجـة ليست كاملة !!!!
شعرت بغصة مريرة في حلقها عندما تيقنت تلك الكلمة ..
يجب أن تتهيئ لسماعها مرارًا وتكرارًا !!
وسألته باستنكـار حقيقي :
_ اتجوزت !!؟
اومـأ وهو يجـيب ببساطة لا تليق بموقف كهذا :
_ ايوة امال انتِ كنتِ مفكرة أية ؟
رفعـت كتفيهـا لتقول باستهانة :
_ لا مكنتش متوقعة، أنا عارفة إن مسيرك تتجـوز يا مجدي
اومـأ مجدي وهو ينظـر لها بأمعـان …
ألم تكن تلك من من تزوجهـا لأنه يحبهـا ؟!
يحبها !!!!!
وهل من يعـرف الحب يومًا يتخلى عنه بهذه السهولة ؟!
لا هو لم يتخلى، هو أراد صبي من صلبـه، جدار يستنـد عليه في الكبر !!
بينمـا نهضـت أمنيـة لتقـول بهدوء حذر :
_ طيب عن أذنكم أنا بقـى
سـارت متجهة للخـارج بخطـى مسرعـة، وكادت ” رقيـة ” تلحق بها إلا أنه أمسـك بيدهـا يجذبهـا نحـوه ليقول وحروفـه تقطـر لومًا لم يُخفى عليها :
_ لية بتعملي كدة، لية بتعذبينا أحنا الاتنيـن
نظـرت له بحـدة، حـدة تمعنت عيناهـا لتُخرج شرارات حارقة وردت :
_ مش أنا اللي بأعذبك يا مجدي، أنت اللي بتعذب نفسـك من يـوم ما فكـرت تشرب الزفـت المخدرات
والى متـى سيلـوم نفسـه على غفـوة شيطانية !!؟
نـال قدرًا كافيًا من البُعـد .. والحزن والعتـاب ..
أراد العـودة … ولكنها بدت بعيـدة جدًا عن نقطة إستطاعتـه ..
وللمرة التي لا يذكر عددها أردف :
_ لحد امتى هفضل أقولك إني بطلت الزفت
رفعـت كتفيها وهي تقول بجدية :
_ وأنا ايش ضمني إنك ماترجعلهاش في اي وقت ؟ لية أحط إيدي تحت سنان النمـر ؟؟
جذبهـا لأحضانـه، يتأوه بخفـوت من فرط شوقـه لها ..
شـوق امتدت جذوره لدرجة رجاءها، ولكنه قطعـه بسكيـن كرامتـه وشخصيته الشرقية ..
غمس رأسـه عند رقبتهـا، يملأ رئتيـه بعبيرهـا الذي وكأنه يعيد تنشيط خلايـاه كليًا ..
ليقـول بصوت اُرهـق حرفيًا :
_ أنا تعبت، وزهقـت، كفاية بُعد، كفايـة لوم كفاية بقـا
هـزت رأسهـا نافيـة لتهمس له :
_ أنا تعبت أكتر، انت هتروح تتجوز، لكن أنا، أنا هفضل طول عمري معنديش طفل يقولي يا ماما !!!
شيئ من الألم إرتسـم على ملامحـه الخشنـة، كيـف لا وكل وغـزة ألم تشعر بها وكأنه يقتسمهـا معها !!؟
ليبادلها الهمـس الهادئ :
_ صدقينـي أبني مش هيقولك غير يا ماما
نظـرت في عينـيه، وتعلقت بأخـر حبل للأمـل والحب بينهما لتقول بما أشبه للرجـاء :
_ ماتتجوزش يا مجدي، طلقهـا !!
هـز رأسـه نافيًا .. لينقطـع ذاك الحبل رويدًا رويدًا مع قوله :
_ مش هينفع، للأسف مش هينفـع، لو أنا سكت أهلي مش هيسكتوا، عايزين يشوفوا حفيد ليهم في أقرب وقت
حاولت الابتعـاد وهي تصرخ في وجهه مزمجـرة بغضب :
_ طول عمرك هتفضل كدة، تحت طوع أمك بس
وصفعـة كانت الـرد !!!
صفعـة لم تأخذها منه يومًا .. واليوم كـانت مع دعـوة صريحـة منه للأبتعاد إن كان هذا هو قربهـا !!
ليصيح فيها حادًا :
_ اولاً صوتك مايعلاش عليا، ثانيًا لازم تعرفي ازاي تتكلمي مع جوزك يا هانم
اومـأت والغضب يتطاير من مقلتاها، لتكمل بعدها بنفس الغضب :
_ ماشي يا مجدي ماشي، بس تأكد إنك مش هتلمس مني شعـرة
وطـوال قاعدة حياتـه كان رده جملة قصيرة مع – ضرورة التنفيذ – ليجذبها في لحظات يطبق على شفتاها الصغيرة بغضب وقسـوة، وقوة من المفترض ألا تواجهها هي .. ليبتعد بعد دقيقة تقريبًا وهو يتابـع بخشونة :
_ وقت ما أحب أقرب منك هقـرب، بس أنا قرفان منك دلوقتِ
وأنطلق مغادرًا تلك الغرفة التي شهـدت حديثهم – المهـين – لتهوى هي على الفـراش بغلب، واخيرًا اعطت الأذن لدموعها لتنفجـر شلالات على وجنتاها البيضاء، لتهمس لنفسها بأسف حقيقي :
_ دي كانت أخر فرصة عشان تثبتلي فيها إنك باقي عليا، لكن للأسف ضيعتها !!
ومالت على – الكمديـن – المجاور للفراش لتفتح الدرج وتأخذ قرص – لمنع الأنجـاب – وهي تغمض عينيها بألم !!!!!
*********
كـانت ” سيلا ” تعمـل بالمطبـخ شاردة، هائمـة وحزينـة ..
تلك العينـان البنية التي كانت تمـوج فرحًا وشقاوة طفوليـة، الان اصبحت تموج حزنًا وخوفـــًا !!
خوفًا من ذاك الصقـر الذي وكأنه قاصـد تمثيل حروف أسمه على شخصيته حرفيًا !!!
أقتـربت منهـا تلك السيـدة الكبيرة – عمرًا – التي تحمل ملامـح تنم عن طيبتهـا الفطريـة ..
أقتـربت من سيلا لتعـدل من وضع الحجاب الكبير الأسـود الذي يغطي خصلات شعرها التي بدءت تصبح بيضاء والذي يرتدونـه – عادةً – في مدن الصعيـد
لتربت على كتفها بهدوء مرددة :
_ مالك يابنيتـي ؟
رفعـت عينـاه لتقابل نظراتها المشفقـة !!
تلك النظرات التي كانت دومًا تكرههـا .. ولكن الأن وبكل صراحة هي تحتاجهـا، تجتاح لتراهـا تنغمس بين حروف وكلمات ذاك الصقـر ولو لمرة !!!
فهمست لها مجيبة :
_ تعبت أوي يا خالة فاطيمـا
سألتهـا بأشفاق حنون :
_ مالك يا عيون الخالة فاطيما، اية اللي مخليكِ على طول مهومة إكدِه يا بتي ؟
البـوح بالسـر !!!
وهل لها فرصة كهذه من الأسـاس ؟
هل تبـوح وتخرج ما في صدرها من همـوم لم تعد لديها القدرة على أحتمالها
وتخاطـر – فعليًا – بأحتمالية معرفة الصقر بذاك الكلام !!!
دقاتها اختنقت من كثرة الاحتباس، وعقلها تشتت من فرط التفكير وحرفيًا
” أعان الله قلبًا نقيًا صافيًا رغم شدة الكـرب لا يبـوح “
نظـرت لها لتتابع – بتمويـه – :
_ كل حاجة تعبتني، حاسة إني مخنوقة أوي أوي
سألتها مرة اخرى بحزن :
_ لسة مافكراش حاچة يابتي ؟
إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تومئ مرتبكة :
_ اه للأسف، وحاسه أني مش هفتكر ابدًا
هـزت الأخـرى رأسها نافيًا، لتقول بإيمان صادق خرج في صورة امل لــ سيلا :
_ ماتجوليش إكدة يابتي، ربنا بيجول ” أنا عند ظن عبدي بي ” ، اوثجي في ربنا إنه مش هيحطك في حاچة إلا لو فيها خير او امتحان ليكِ
ابتسمت سيلا بامتنان لم يتخط حروفها :
_ ربنا يخفف عنك يا حاجة فاطيما زي ما بتحاولي تخففي عن غيرك
مسدت ” فاطيما ” على حجاب سيلا لتكمل متساءلة بفضول :
_ لكن أنتِ لجـوكِ فين يا بتي يمكن أهلك في نفس البلد ؟
عضـت سيلا على شفتيها بحيرة شديـدة، لتجيب بعدها مصطنعة التفكير :
_ حقيقي مش فاكرة، أنا كنت اللي كنت بحاول اعمله إني أستنجـد بأي شخص اشتغل وخلاص
اومـأت برأسها لتبتسم مرددة بهدوء :
_ ربنا معاكِ يا حبيبتي
وخاطـرت بالفعل وهي تسألهـا بما يشبه الرجاء الحار :
_ هو انا ينفع أطلب منك حاجة يا خالة فاطيمـا
اومأت بتأكيد وهي تهتف بلا تردد :
_ أكيد لو في استطاعتي ماهتأخرشي عنك أبدًا يا بنيتي
استطردت – مغمضة العينين – بتردد :
_ ينفع تخليني أخرج من هنـا
عقـدت الاخرى حاجبيها متساءلة بشك :
_ لية يا سيلا، أنتِ مش جولتي إنك عايزة تشتغلي على الأقل لحد ما تفتكري كل حاچة يا بتي ؟
اومـأت سيلا مؤكدة وسارعت تبرر :
_ عايزة أشوف أهلي وحضرتك عارفة إن سليم بيه مش سامح لي إني اخرج خالص طالما جيت بيتـه
هـزت رأسها نافية لتدافع عنه بصوت جاد وهادئ معًا :
_ يا حبيبتي سليم بيه هو طبيعته كدة ما بيثجش في اي حد بسهولة، وهو مايعرفكيش وبما إنك دخلتي بيته مش مسموح إنك تمشي لحد ما يتأكد إنك مثلاً مش جاسوسة او واحدة مزجوجة عليه، دِه راجل اعمال كَبير جوي وليه أعداء كتيـر
اومـأت بيأس، وفجأة لمعت عيناهـا وهي تردف :
_ طب حتى أعمل تليفون صغير ؟
هـزت رأسها نافية بأسف :
_ اعذريني يابتي انا اكل عيشي هينجطع لو سليم بيه عرف بحاچة ، انا اسفة
هزت رأسها بابتسامة صفراء مرددة :
_ ولا يهمك يا حاجة، حقك طبعًا
وإنقـطع أخر امل لها … وانتهى الأمر !!
ولكن هل هو بدء بالفعل لينتهي ؟ ..
ام تلك مجرد – بداية حتمية – ؟!!!
*********
كـان سليم يهبـط من غرفتـه العلويـة، ليقابـل سيلا التي كانت تسير مسرعـة وهي تطالع الأرضية الرخاميـة، كادت تصطدم به وتقـع، لولا إعتقاله لخصريهـا النحيفيـن، إعتقال صادم أربكهـا بشدة وجعل الحمرة تزحف لوجنتاها الناعمتيـن، لتحاول النهوض وهي تقول متلعثمة :
_ أسفة مـا آآ ماخدتش بالي
كـز سليم على أسنانه بغيظ ومن ثم قال بحدة :
_ مخدتيش بالك بردو !!؟ ومين كان واخده بالك ده !؟
للحظـة أعتقدتـه يتحدث بجدية، ملامحـه الجادة والحادة هي ما زودتهـا بأعتقاد ابله كهذا ففغرت فاهها :
_ نعم !!!
انتصـب في وقفته وهو يبعدها عنه ليأمرها بجدية :
_ ابقي خدي بالك بعد كدة، أنا مش عايش مع بنت اختي بتلعب في البيت
يمـزح !!!
أهو يمـزح بالفعل ؟!
لا لا هي تحـلُم !!!! الصقر لا يمزح ابدًا ..
ام استجاب الله لدعاؤوها بهذه السرعة !؟
وسقطت من سماء الهدوء النفسي لأرض الحقيقة الحادة بقوله :
_ روحي شوفي شغلك بلاش دلع ماسخ امال
نظـرت له بحرقة ثم صاحت فيه :
_ انا معملتش حاجة لده كله !!
نظـر لها نظـرة داعبت خوفها المكبـوت، لتصمت فورًا ولكنها حاولت أن تبقى نظراتها حادة ليقول بخشونة معهودة منه :
_ لما تتكلمي تتكلمي بأحترامك يا أنسة هه
عضـت على شفتاهـا لتتابع حانقة :
_ إنسان دبـش
جحظت عيناه وهو يسألها بصدمة من جرأة تلك الفتاة التي مؤكدًا تريد في تفتتيت حياتهـا البائسة لمجرد شظايا !!!! :
_ أنتِ قولتي أية ؟
ابتلعت ريقها وهي تلعن لسانهـا الأحمق الذي يتفوه – دفاعًا – دومًا دون الرجوع لعقلها لتسارع بالقول :
_ معلش معلش
ثم ركضـت مسرعة من امام ذاك الاعصار الذي كاد يهب بوجهها لتظهر شبح ابتسامة على ثغره وهو يهمس :
_ طفلة والله
وسرعان ما اختفت وهو يعود لطبيعته الحـادة متعجبًا من تلك الابتسامة التي ظهرت على وجهه خلسة !!!
وكاد يخرج إلا أن قاطعه مناداة خالته الهادئة :
_ سليم
إلتفت لها يجيبها بتهذيب :
_ خير يا خالة ؟
اجابته بهدوء متساءلة :
_ رايح لــ ” ناديـن ” مش كدة ؟
اومـأ سليم مؤكدًا :
_ أيوة يا خالة، إنتِ عارفة إن ده ميعاد زيارتهـا
اومـأت وهي تبتسم له متمتمة :
_ ربنا يديك على اد نيتك يابني، بس قولي
سألها مضيقًا عينـاه :
_ اية ؟
سألته بتردد بعض الشيئ :
_ انت هتاخد سيلا امتى للدكتور اللي قولت عليه هيكشف عشان تتأكد
سـار وهو يجيبهـا بجدية هادئة :
_ اول ما اجي إن شاء الله
اومـأت بهدوء موافقة وردت :
_ ربنا يوفقك يا حبيبي
_ أميـن .. تسلميلي
قالها وهو يخرج بشموخه المعتـاد، تاركًا اياها تفكـر لتنفيذ ما ألقت خيوطها عليه حرفيًا !
**********
عـاد عـزت بعـد طول بحـث دام لساعات تقريبًا، بحـث لم يفعله ابدًا بأتقـان بل يصطنعه !!!
دلف الي غرفة والده، ليجد حاله كما هو منذ رحـيل سيلا ليطـرق رأسه آسفًا :
_ اعذرني يا بابا ملقتهـاش
حدق به الجد بقوة … لا يكاد يصدق أن فقـد صغيرته المدللة
فقد أخـر شيئ كان يعيش من أجله في هذه الحياة ..
وإن فُقــد الدافـع فمؤكد .. تزول الرغبة !
سأله وكأنه لم يستوعب بعد :
_ يعني أية ؟
رفـع كتفيه ليجيبه بشيئً من البرود :
_ يعني مش لاقيها انا يأست خلاص إني ألاقيهـا
صرخ فيه أبيه منفعلاً :
_ لا، مستحيل هتكون راحت فين، مش ف الاقسام او المستشفيات او اي دار او اي مكان هتكون راحت فين، بس انا متأكد أنها عايشة
لوى عزت شفتـاه ليقول هذه المرة بحزن لم يصطنعه :
_ انا مش عارف اقولهالك ازاي يا حج والله
سأله متوجسًا وهو يضع يداه بجوار قلبه :
_ في اية يا عزت انطق على طول
اشار له مهدئًا :
_ طب اهدى يا حج كدة عشان صحتك
صرخ فيه بنفاذ صبر ؛
_ انطق ماتشلنييييش يابني
_ سيلا ماتت يا بابا
نطق بها وهو يغمـض عينـاه بحزن حقيقي لم يستطع منعه من السيطرة على ساحة عيناه !!!!

